رؤوس في المختبر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مالكة عسال
    أديبة وكاتبة
    • 21-11-2007
    • 175

    رؤوس في المختبر

    رؤوس في المختبر
    بعد أن أحكمتْ إغلاق الباب في وجه قافلة من الأتعاب ،تَدخل غرفتها الخاصة ،ترتب شعائر النوم ..السرير الآن مهيأ، وهي ترفل في منامة ...،ترمي جسدها المثقل على السرير، تتنفس لحظات الارتخاء ،تسند رأسها الملغوم بالتّعب على المتكأ ..تدحرج بليَتيْ عينيها في أركان الغرفة ،تتفحصها بقعة بقعة ،زاوية زاوية ..تأتي ريح من الغرب مفاجئة ،فتعصف برأسها تجرجره بين الصخور ،في الرمال ،تقذفه بين المجرات ،تغطسه في البحار ،...ماأصعب الرأس حين يتمفصل عن الجسد ،يتركك منفردا زاهدا في كل شيء ،ليجوب أطراف السموات والأرض ،حاملا رأسه في يده .......وأنا أعجب لمَ أعطي له هذا الاسم في أول الأمر ؟ومَن ذا الذي سماه الرأس ؟،ولمَ لمْ يُسمّه نخلة، أو صخرة، ولو أننا أحيانا نسميه صخرة حين يكون مجوفا، أوقنينة حين يكون أملس أو فارغا؟ ...إذن لمَ سمي الرأس ؟ هل لأنه مصدر حرارة ؟أم لأنه نواة تندلع منه الأشياء المتنورة ،أو الفاضحة، أو الظلامية، أو الزائفة ،أو المغالطات أو الأكاذيب ؟..لاأدري ...بات تَعدُّد الرؤوس يختلف في المقاصد ،حتى أصبحتَ تتيه عن نواياها .. :
    رأس الدرب ...حيث يتجمع من تاه عن السرب ،أو فقد مكانه المناسب في ضلع الحياة ،أو سقط سهوا من مشجب اللعنات ،ليقتلوا صراصير الخسارات ،أو يتبادلوا أساطير الشغل ،أو تُحَفَ الغلاء ،أو تداول أساليب موارد العيش ولو بالانتحار البطيء ...حين تنغلق الأبواب جميعها ،يعودون من رأس الدرب ،ليوجعوا رؤوس أوليائهم ،بتسربات الوقت المخيف ..."رأس الحانوت "كما تُسَمى باللغة المغربية هذه الخلطة متلونة الأعشاب،المتجانسة التي تداوي الأطعمة أحيانا، أو أوجاع المفاصل والظهر دون الرأس ..رأس الخيط الذي ينفلت من قبضتك في كبة من التصلف، والتزلف وطرق التضليل ،حتى يتوه رأسك عن رأسه ،فتتيه معه عن الحقيقة ،وإن كانت قدامك تلتمع بين كتبان الضباب .... فيصبح رأسك منعزلا عن قائمة الرؤوس ،لترمم نفسك ...وبما أن الرؤوس هي سبب البلوة ،تقام لها أحدث المشانق وأروع المقصلات ،لبتر مافي داخلها ،وإن هم حقيقة يبترونها عن أجسادها فقط ...ولايلامسون الداخل في شيء ...فكم من رؤوس تدحرجت تحت الأقدام بالباطل ،دون وضع حد لتفريخها باستمرار ...وماأستغرب له هو كيف لايتم تشريح الرؤوس كباقي أطراف الجسد، للوقوف عما هي عامرة به ..وإفراغها من شحنتها الخطيرة ...ربما يتحاشون ذلك ، لأنهم يدركون أن كل المغاور والشعاب والكهوف والدهاليز والسراديب ،تُكتَشف إلا ما في أعماق الرؤوس ...أحيانا تجد البعض يرتفع عن هذا العالم الملعون ..بغية التنصل من ويلاته ونكباته ،فينعطف نحو مايلعب بالرؤوس، ويجعلها تطير كالعصافير ...والويل إن كان ذلك ساخنا، فتنضاف سخونة على سخونة الرأس ماقد يُحْدِث انفجارا ..هذا إن لم تنزل حرارته بلكمة قاضية ..وحتى أضعك في الصورة أكثر ،فالمتلاكمان يتبادلان اللكمات على الرؤوس لأن السر في الرأس ،والكبشان يتناطحان بالرؤوس حتى تسيل الدماء من رؤوس الأقلام ،أو من الرؤوس النووية الذكية التي لاتخطئ ،ورأس قلم المداد نفسه، لايكون مطواعا أثناء الكتابة حتى نحكّ رأسه بمسن خشن........والثعبان نفسه إن أردت أن تقضي عليه ،لايمكن إلا بتهشيم رأسه ..لكن ثعابين اليوم مع الأسف لاتموت ..ولو ....بل تتناسل كالحشرات الضارة برؤوس ينعق فيها البوم ،تمتص غضاريفنا ،أو تبيعنا أطرافا .... وحين تتشابك رؤوس الأسلاك ،ترى نفسك تهذي ،أو العالم هو الذي أخطا وصفته الطبية فأصبح يهذي ...تشمئز من رأسك الباحث في مفازات الكون ،ولايأتي إلا بما يوجع الرأس ..فيحدث أن تستبدله برأس فيل أو بغل ،حتى لاتفهم أي شيء... لاأطيل ...وإذا حدث وانفلت الرأس من الريح :غربية كانت أم شرقية ،تجد ألف مطرقة تتربص بالمرصاد ،تعتمل فيه دون توقف ...وإن تجنبته المطارق ..يصبح شاشة، يعرض أشرطة تكتنز باليومي والمحلي والوطني والقومي والكوني.. مايضيف إليه انتفاخا على انتفاخ إن لم يخالفني التعبير ...
    تحسست المرأة المسند فلم تجد رأسها ..قصدتني تولول و تُكَبر.. تبسمل وتحوقل ...تؤكد لي أن رأسها اغتصب وسلب ظلما، فهي لم يسبق أن كتبت مقالا سياسيا عن الرؤوس الكبار ..ولاقامت بدس رأس الكاميرا في أحد الأركان، لتلتقط بعدستها ،عمليات التدليس في الكواليس ،ولاشجبت يوما على رأس جريدة شنائع أفعال بعض النوام ،عفوا النواب على أجساد الفقراء في ارتخاء ،ولاسبق أن شتمت شخصا رأسا لرأس .......تنط من السرير مذعورة ترتعش ،تشد رأسها بيديها ثم تهرول نحو الحمام ......
    مالكة عسال
    بتاريخ 17/08/2008
    كل المنابر الثقافية ملك لي
    ولاشأن لي باختلاف أعضائها
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    في هذه المصافحة الأولى أودّ أن أرحّب و أسلّم على الأديبة الكبيرة مالكة عسّال.
    سعيد جدّا بهذا الاتّصال المباشر ،و أتشرّف بهذا الّلقاء.
    في الحقيقة لم أكن أتصوّر أن سيجمعنا فضاء واحد ،مربّع واحد.
    سعيد بك أستاذتي القديرة.
    سأقرأ النصّ بعد السّلام.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • محمد فطومي
      رئيس ملتقى فرعي
      • 05-06-2010
      • 2433

      #3
      مررت لأسلّم أستاذة مالكة القديرة،و هأنذا أعود قارئا أدهشه ما انتظر في الواقع،
      نصّ غنيّ و مكتنز بشتّى صنوف الاستعارة البديعة و و البلاغة الرّصينة النّاضجة و الغضب الشّعريّ الحادّ إن صحّ لي أن أسمّي.
      قرأت النصّ عديد المرّات و لم أقفز سطرا واحدا خلالها،كانت الّلغة شيّقة و جذّابة.
      بيد أنّي أودّ أن أستشيرك في مسألة ما:
      كان النصّ إن كان لابدّ من تصنيفه و هذا يحتّمه الانطباع أقرب للخاطرة من المقال،و لقد غلب سياق الخاطرة فكان أكثر العمل،لو لا مقدّمة و خاتمة وردتا كما لتُخرجه من قالب الخاطرة نحو جسد قصّة قصيرة.
      قدّمت الكاتبة،ثمّ استرسلت في ما يشبه التّأملاّت النثريّة الطّويلة،ثم ختمت لتغلق ما قدّمت به.فكانت الحركة و كان بالتّالي لزاما على النصّ أن يتحوّل إلى قصّة.
      فما رأي الأستاذة؟
      مدوّنة

      فلكُ القصّة القصيرة

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        #4
        جميلة الفكرة و ممتعة
        ومتعددة الرؤوس !!
        جمال الأسلوب و تشعب المادة
        و شحنها بالممتع و الخوض فى مسارب
        الرؤوس .. لأرى مشانق و وجوه شائهة
        رؤوس تطل من السقف و الأرض و الجدران
        بين سخرية و جدية مقيتة
        و رؤوس تقطر دما .. ودم بألوان أخرى لا تحمل أى أحمر !!

        شكرا لك أستاذة على زخم طرحك

        تحيتي و تقديري
        sigpic

        تعليق

        • الفرحان بوعزة
          أديب وكاتب
          • 01-10-2010
          • 409

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة مالكة عسال مشاهدة المشاركة

          رؤوس في المختبر

          بعد أن أحكمتْ إغلاق الباب في وجه قافلة من الأتعاب ،تَدخل غرفتها الخاصة ،ترتب شعائر النوم ..السرير الآن مهيأ، وهي ترفل في منامة ...،ترمي جسدها المثقل على السرير، تتنفس لحظات الارتخاء ،تسند رأسها الملغوم بالتّعب على المتكأ ..تدحرج بليَتيْ عينيها في أركان الغرفة ،تتفحصها بقعة بقعة ،زاوية زاوية ..تأتي ريح من الغرب مفاجئة ،فتعصف برأسها تجرجره بين الصخور ،في الرمال ،تقذفه بين المجرات ،تغطسه في البحار ،...ماأصعب الرأس حين يتمفصل عن الجسد ،يتركك منفردا زاهدا في كل شيء ،ليجوب أطراف السموات والأرض ،حاملا رأسه في يده .......وأنا أعجب لمَ أعطي له هذا الاسم في أول الأمر ؟ومَن ذا الذي سماه الرأس ؟،ولمَ لمْ يُسمّه نخلة، أو صخرة، ولو أننا أحيانا نسميه صخرة حين يكون مجوفا، أوقنينة حين يكون أملس أو فارغا؟ ...إذن لمَ سمي الرأس ؟ هل لأنه مصدر حرارة ؟أم لأنه نواة تندلع منه الأشياء المتنورة ،أو الفاضحة، أو الظلامية، أو الزائفة ،أو المغالطات أو الأكاذيب ؟..لاأدري ...بات تَعدُّد الرؤوس يختلف في المقاصد ،حتى أصبحتَ تتيه عن نواياها .. :
          رأس الدرب ...حيث يتجمع من تاه عن السرب ،أو فقد مكانه المناسب في ضلع الحياة ،أو سقط سهوا من مشجب اللعنات ،ليقتلوا صراصير الخسارات ،أو يتبادلوا أساطير الشغل ،أو تُحَفَ الغلاء ،أو تداول أساليب موارد العيش ولو بالانتحار البطيء ...حين تنغلق الأبواب جميعها ،يعودون من رأس الدرب ،ليوجعوا رؤوس أوليائهم ،بتسربات الوقت المخيف ..."رأس الحانوت "كما تُسَمى باللغة المغربية هذه الخلطة متلونة الأعشاب،المتجانسة التي تداوي الأطعمة أحيانا، أو أوجاع المفاصل والظهر دون الرأس ..رأس الخيط الذي ينفلت من قبضتك في كبة من التصلف، والتزلف وطرق التضليل ،حتى يتوه رأسك عن رأسه ،فتتيه معه عن الحقيقة ،وإن كانت قدامك تلتمع بين كتبان الضباب .... فيصبح رأسك منعزلا عن قائمة الرؤوس ،لترمم نفسك ...وبما أن الرؤوس هي سبب البلوة ،تقام لها أحدث المشانق وأروع المقصلات ،لبتر مافي داخلها ،وإن هم حقيقة يبترونها عن أجسادها فقط ...ولايلامسون الداخل في شيء ...فكم من رؤوس تدحرجت تحت الأقدام بالباطل ،دون وضع حد لتفريخها باستمرار ...وماأستغرب له هو كيف لايتم تشريح الرؤوس كباقي أطراف الجسد، للوقوف عما هي عامرة به ..وإفراغها من شحنتها الخطيرة ...ربما يتحاشون ذلك ، لأنهم يدركون أن كل المغاور والشعاب والكهوف والدهاليز والسراديب ،تُكتَشف إلا ما في أعماق الرؤوس ...أحيانا تجد البعض يرتفع عن هذا العالم الملعون ..بغية التنصل من ويلاته ونكباته ،فينعطف نحو مايلعب بالرؤوس، ويجعلها تطير كالعصافير ...والويل إن كان ذلك ساخنا، فتنضاف سخونة على سخونة الرأس ماقد يُحْدِث انفجارا ..هذا إن لم تنزل حرارته بلكمة قاضية ..وحتى أضعك في الصورة أكثر ،فالمتلاكمان يتبادلان اللكمات على الرؤوس لأن السر في الرأس ،والكبشان يتناطحان بالرؤوس حتى تسيل الدماء من رؤوس الأقلام ،أو من الرؤوس النووية الذكية التي لاتخطئ ،ورأس قلم المداد نفسه، لايكون مطواعا أثناء الكتابة حتى نحكّ رأسه بمسن خشن........والثعبان نفسه إن أردت أن تقضي عليه ،لايمكن إلا بتهشيم رأسه ..لكن ثعابين اليوم مع الأسف لاتموت ..ولو ....بل تتناسل كالحشرات الضارة برؤوس ينعق فيها البوم ،تمتص غضاريفنا ،أو تبيعنا أطرافا .... وحين تتشابك رؤوس الأسلاك ،ترى نفسك تهذي ،أو العالم هو الذي أخطا وصفته الطبية فأصبح يهذي ...تشمئز من رأسك الباحث في مفازات الكون ،ولايأتي إلا بما يوجع الرأس ..فيحدث أن تستبدله برأس فيل أو بغل ،حتى لاتفهم أي شيء... لاأطيل ...وإذا حدث وانفلت الرأس من الريح :غربية كانت أم شرقية ،تجد ألف مطرقة تتربص بالمرصاد ،تعتمل فيه دون توقف ...وإن تجنبته المطارق ..يصبح شاشة، يعرض أشرطة تكتنز باليومي والمحلي والوطني والقومي والكوني.. مايضيف إليه انتفاخا على انتفاخ إن لم يخالفني التعبير ...
          تحسست المرأة المسند فلم تجد رأسها ..قصدتني تولول و تُكَبر.. تبسمل وتحوقل ...تؤكد لي أن رأسها اغتصب وسلب ظلما، فهي لم يسبق أن كتبت مقالا سياسيا عن الرؤوس الكبار ..ولاقامت بدس رأس الكاميرا في أحد الأركان، لتلتقط بعدستها ،عمليات التدليس في الكواليس ،ولاشجبت يوما على رأس جريدة شنائع أفعال بعض النوام ،عفوا النواب على أجساد الفقراء في ارتخاء ،ولاسبق أن شتمت شخصا رأسا لرأس .......تنط من السرير مذعورة ترتعش ،تشد رأسها بيديها ثم تهرول نحو الحمام ......
          مالكة عسال

          بتاريخ 17/08/2008
          ***************************
          الأخت الفاضلة مالكة عسال .. تحية طيبة ..
          قافلة من الأتعاب / تعبير جميل ، أتخيل أن الأتعاب رتبت نفسها واتسقت في صف واحد ، تتبع البطلة وتتقصى حسها وشعورها ، تحصي أنفاسها وتقرأ خطواتها .. أتعاب حاولت التسلل إلى غرفتها ، ولكن البطلة فطنت لذلك، فأوصدت الباب في وجهها / أحكمت إغلاق الباب في وجه قافلة من الأتعاب /
          إنه مشهد حسي غير ملموس ، تولد في لحظة وزمن معين ، مشهد رسم لنا وضعية البطلة خارج غرفتها وهي في صراع مع أتعابها التي حاولت طردها قبل أن تسبقها إلى داخل غرفتها ..
          طرد هذه الأتعاب ساعد البطلة أن تمارس طقوساً غير معتادة لديها ، /شعائر النوم / ترفل في منامة / الارتخاء / كنوع من التغيير للمناخ الرتيب .. عسى أن تضعف من سلطة الأتعاب المنغصة لحياتها .. في الواقع إنه تمويه وتغطية على واقع قابل للانفجار في أية لحظة .. إنه تعويض وبديل محتمل قد يخفف من وضعية البطلة المتأزمة ..
          بطلة لا تدري أنها فسحت المجال للفكر أن يخرج من عقاله ، وللخيال أن يسافر بحرية عبر أمكنة مختلفة وأزمنة متباعدة .. وهذا ما جسدته الساردة في الجملة السردية عن طريق التعجب والاستغراب / ما أصعب الرأس حين ينفصل عن الجسد / انفصال أضاف هموماً جديدة ، بل عمل على شحذها أكثر فازدادت عدوانية .. فكأن تلك الأتعاب المطرودة سبقت البطلة وهي التي هيأت السرير في خفاء ..
          بطلة توهمت أنها تملصت من واقع لا يضمن لها العيش بسلام ، لكنها سقطت فيما هو أقبح .. / الخوف من المكان / أركان الغرفة / تفحصها / ريح مفاجئة / برأسها تجرجره / تقذفه بين المجرات / يغطسه في البحار / ...بطلة ضاقت كل أنواع العذاب ، فسقطت في التيه والدوران حول نفسها ، ضياع وغربة قاتلة ..
          بين الجملة السردية / حاملا رأسه بيده / وجملة / وأنا أعجب لم أعطي له هذا الاسم في أول الأمر / رسمت الساردة نقط الحذف ، أعتقد إنه صمت متعمد يعبر عن فراغ وغياب البطلة عن الحياة والوجود فلم تستطع أن تندمج في محيطها بشكل أفضل .. فعلى مستوى السرد ، فقد تحقق ما يسمى ببلاغة الصمت ،عن طريق اقتصاد في الكتابة ، وعدم الإفصاح عن أشياء قد تكون مساهمة في توالد هذه الأتعاب ..
          في البداية كانت الساردة تتحدث عن البطلة ، فاستعملت نقط الحذف كنوع من الاستراحة لتنقل عملية السرد إلى البطلة .. فاختلط صوت الساردة بصوت البطلة لنتساءل : من يحكي ..؟ أعتقد أن الساردة أخذت نقط الحذف مطية لتنفرد بالسرد عن طريق / أنا / وهو انتزاع فيه سلاسة .. فيه نوع من التطابق في الفكر والتوجه .. فجاء السرد ينبجس على شكل خواطر منتزعة غير مرتبة من النفس والفكر والتجربة والثقافة الشخصية .. متوسلة بالتأمل تارة ، والتحليل والتعقيب تارة أخرى .. فيه نفحة نقدية للواقع بطريقة ساخرة .. فقد تعددت الرؤوس بتعدد الخلائق البشرية ، فاختارت أن توظف كلمة رأس بدل عقل ، وقد تكررت كلمة رأس عدة مرات .. فلم نحس بملل أو رتابة ، فجعلت منها رؤوساً غير فاعلة ولا منتجة ، شريرة وفاسدة لمناحي الحياة كلها ..
          / وبما أن الرؤوس هي سبب البلوة /
          أعتقد أن البطلة الساردة أصابها نوع من الهذيان المطبوع بالجدية ، هذيان جاء على شكل اعتصار الواقع .. ومحاولة خلخلته من الداخل ، أملا أن تخترق عتمته، وتقارع المفاهيم والدلالات والمسميات .. مركزة على "رأس الإنسان " فكل الرؤوس تفرعت عنه ، وتشبهت به ، كأن اسم " رأس الإنسان " سرقه الناس واستعملوه في دلالات متنوعة ../ رأس الثعبان/ رأس الحانوت / رأس الدرب / الرأس النووي /..../ ..
          خلال إبحارنا في النص ، ينصت القارئ إلى دوي الكلمات الحارقة ، للفكر والعاطفة ، للنفس والذات ، للعقل والشعور ..لكن تلك الحرقة تذوب في جودتها وانتقائها بعناية .. فنحس بمتعة نادرة ، وسحر يتقاذفنا بين الفينة والأخرى .. / نفهم / نتضاعف / نسخر / نضحك / نتماشى مع أفكار الساردة / نعارضها في صمت / نتجاوز عن غضبها وانفعالها /....
          عندما أحست البطلة أنها أشفت غليلها من البوح والقول ، وأنها حققت مرادها ،وأن رسالتها وصلت إلى القارئ .. وأنها أفرغت بندقيتها التي كانت تصوبها في كل الاتجاهات : فكرية وثقافية ، اجتماعية وإنسانية ولم يبق لها خراطيش تعتز بها .. ، فطنت وتفقدت البطلة، وبشكل مفاجئ حولت دفة السرد / تحسست المرأة المسند فلم تجد رأسها / فكأن الساردة سكنت دماغ البطلة واطلعت على تجاويف ذاكرتها ، فنابت عنها في التخيل والقول ، ولما تعبت عادت لتتحدث عنها ، تعبت من تخيلاتها.. وسفرها بعقلها دون جسدها ، فغرقت في أحلام اليقظة .. / تنط من السرير / مذعورة ترتعش / تشد رأسها بيدها / تهرول نحو الحمام / ...نهاية محيرة ، مقلقة ،...
          بطلة أغلقت بابها في وجه أتعابها ، لكنها لم تفلح في طردها من غرفتها .. هروب من الواقع ،وعجز بين على مواجهة الأتعاب وحلها بالمنطق والعقل .. ،
          لغة جميلة وشيقة ، وأسلوب سلس يحقق لذة القراءة بامتياز ، ومتعة فنية ترتقي إلى مستوى الأدب الناضج .. رغم أن النص يميل إلى التعبير عن الخواطر التي جاءت مطبوعة بتلوينات نقدية ساخرة ولاذعة ..
          أتمنى أن يجانبني الصواب فيما ذهبت إليه ..
          مودتي أختي الفاضلة والشاعرة المتميزة ..
          الفرحان بوعزة ..

          تعليق

          • محمد يوب
            أديب وكاتب
            • 30-05-2010
            • 296

            #6
            قصة ماتعة تجمع بين شاعرية اللغة ومنطق الأفكار تعالج كثيرا من المواضيع الحية التي نعيشها ونعايشها يوميا
            تحيتي لك أختي الفاضلة كما أقدم شكري وتقديري للأخ الفرحان بوعزة على هذه الدراسة النافذة في أعماق القصة.
            مودتي لكما

            تعليق

            • مالكة عسال
              أديبة وكاتبة
              • 21-11-2007
              • 175

              #7
              رد

              المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
              مررت لأسلّم أستاذة مالكة القديرة،و هأنذا أعود قارئا أدهشه ما انتظر في الواقع،
              نصّ غنيّ و مكتنز بشتّى صنوف الاستعارة البديعة و و البلاغة الرّصينة النّاضجة و الغضب الشّعريّ الحادّ إن صحّ لي أن أسمّي.
              قرأت النصّ عديد المرّات و لم أقفز سطرا واحدا خلالها،كانت الّلغة شيّقة و جذّابة.
              بيد أنّي أودّ أن أستشيرك في مسألة ما:
              كان النصّ إن كان لابدّ من تصنيفه و هذا يحتّمه الانطباع أقرب للخاطرة من المقال،و لقد غلب سياق الخاطرة فكان أكثر العمل،لو لا مقدّمة و خاتمة وردتا كما لتُخرجه من قالب الخاطرة نحو جسد قصّة قصيرة.
              قدّمت الكاتبة،ثمّ استرسلت في ما يشبه التّأملاّت النثريّة الطّويلة،ثم ختمت لتغلق ما قدّمت به.فكانت الحركة و كان بالتّالي لزاما على النصّ أن يتحوّل إلى قصّة.
              فما رأي الأستاذة؟
              الغالي محمد أولا أحييك على إعطائك للقصة حقها من وقتك وجهدك ،كي تضخ في جسدها دما جديدا ،وتطرز جلبابها ببصمتك البهية ،ثانيا القصة ولدت ذات مخاض عسير ،وقطعت حبلها السري ،لتحتضنها أنت والقراء ، فتتفرس في ملامحها وأطرافها إن كانت تامة الخلقة ،أم بها عاهة ما ،ولكم أنتم الكلمة والرأي ،أولا وأخيرا ..
              مودة مالكة
              التعديل الأخير تم بواسطة مالكة عسال; الساعة 15-10-2010, 22:19.
              كل المنابر الثقافية ملك لي
              ولاشأن لي باختلاف أعضائها

              تعليق

              • مالكة عسال
                أديبة وكاتبة
                • 21-11-2007
                • 175

                #8
                رد

                المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                جميلة الفكرة و ممتعة
                ومتعددة الرؤوس !!
                جمال الأسلوب و تشعب المادة
                و شحنها بالممتع و الخوض فى مسارب
                الرؤوس .. لأرى مشانق و وجوه شائهة
                رؤوس تطل من السقف و الأرض و الجدران
                بين سخرية و جدية مقيتة
                و رؤوس تقطر دما .. ودم بألوان أخرى لا تحمل أى أحمر !!

                شكرا لك أستاذة على زخم طرحك

                تحيتي و تقديري
                الفاضل ربيع
                حين يحاصرك الواقع بكيده ،وتراه يأكل ذاته دون رحمة ،وأنت تهندس له ليكون في أبهى صورة ،فتنشطر ذاتك على حلبته ،يستفزك الحرف لترمم شعل التمزق ،فتعيد عبر جسره ترميم الذات ..
                مودة مالكة
                كل المنابر الثقافية ملك لي
                ولاشأن لي باختلاف أعضائها

                تعليق

                • مالكة عسال
                  أديبة وكاتبة
                  • 21-11-2007
                  • 175

                  #9
                  رد

                  المشاركة الأصلية بواسطة الفرحان بوعزة مشاهدة المشاركة
                  ***************************

                  الأخت الفاضلة مالكة عسال .. تحية طيبة ..


                  قافلة من الأتعاب / تعبير جميل ، أتخيل أن الأتعاب رتبت نفسها واتسقت في صف واحد ، تتبع البطلة وتتقصى حسها وشعورها ، تحصي أنفاسها وتقرأ خطواتها .. أتعاب حاولت التسلل إلى غرفتها ، ولكن البطلة فطنت لذلك، فأوصدت الباب في وجهها / أحكمت إغلاق الباب في وجه قافلة من الأتعاب /


                  إنه مشهد حسي غير ملموس ، تولد في لحظة وزمن معين ، مشهد رسم لنا وضعية البطلة خارج غرفتها وهي في صراع مع أتعابها التي حاولت طردها قبل أن تسبقها إلى داخل غرفتها ..


                  طرد هذه الأتعاب ساعد البطلة أن تمارس طقوساً غير معتادة لديها ، /شعائر النوم / ترفل في منامة / الارتخاء / كنوع من التغيير للمناخ الرتيب .. عسى أن تضعف من سلطة الأتعاب المنغصة لحياتها .. في الواقع إنه تمويه وتغطية على واقع قابل للانفجار في أية لحظة .. إنه تعويض وبديل محتمل قد يخفف من وضعية البطلة المتأزمة ..


                  بطلة لا تدري أنها فسحت المجال للفكر أن يخرج من عقاله ، وللخيال أن يسافر بحرية عبر أمكنة مختلفة وأزمنة متباعدة .. وهذا ما جسدته الساردة في الجملة السردية عن طريق التعجب والاستغراب / ما أصعب الرأس حين ينفصل عن الجسد / انفصال أضاف هموماً جديدة ، بل عمل على شحذها أكثر فازدادت عدوانية .. فكأن تلك الأتعاب المطرودة سبقت البطلة وهي التي هيأت السرير في خفاء ..


                  بطلة توهمت أنها تملصت من واقع لا يضمن لها العيش بسلام ، لكنها سقطت فيما هو أقبح .. / الخوف من المكان / أركان الغرفة / تفحصها / ريح مفاجئة / برأسها تجرجره / تقذفه بين المجرات / يغطسه في البحار / ...بطلة ضاقت كل أنواع العذاب ، فسقطت في التيه والدوران حول نفسها ، ضياع وغربة قاتلة ..


                  بين الجملة السردية / حاملا رأسه بيده / وجملة / وأنا أعجب لم أعطي له هذا الاسم في أول الأمر / رسمت الساردة نقط الحذف ، أعتقد إنه صمت متعمد يعبر عن فراغ وغياب البطلة عن الحياة والوجود فلم تستطع أن تندمج في محيطها بشكل أفضل .. فعلى مستوى السرد ، فقد تحقق ما يسمى ببلاغة الصمت ،عن طريق اقتصاد في الكتابة ، وعدم الإفصاح عن أشياء قد تكون مساهمة في توالد هذه الأتعاب ..


                  في البداية كانت الساردة تتحدث عن البطلة ، فاستعملت نقط الحذف كنوع من الاستراحة لتنقل عملية السرد إلى البطلة .. فاختلط صوت الساردة بصوت البطلة لنتساءل : من يحكي ..؟ أعتقد أن الساردة أخذت نقط الحذف مطية لتنفرد بالسرد عن طريق / أنا / وهو انتزاع فيه سلاسة .. فيه نوع من التطابق في الفكر والتوجه .. فجاء السرد ينبجس على شكل خواطر منتزعة غير مرتبة من النفس والفكر والتجربة والثقافة الشخصية .. متوسلة بالتأمل تارة ، والتحليل والتعقيب تارة أخرى .. فيه نفحة نقدية للواقع بطريقة ساخرة .. فقد تعددت الرؤوس بتعدد الخلائق البشرية ، فاختارت أن توظف كلمة رأس بدل عقل ، وقد تكررت كلمة رأس عدة مرات .. فلم نحس بملل أو رتابة ، فجعلت منها رؤوساً غير فاعلة ولا منتجة ، شريرة وفاسدة لمناحي الحياة كلها ..


                  / وبما أن الرؤوس هي سبب البلوة /


                  أعتقد أن البطلة الساردة أصابها نوع من الهذيان المطبوع بالجدية ، هذيان جاء على شكل اعتصار الواقع .. ومحاولة خلخلته من الداخل ، أملا أن تخترق عتمته، وتقارع المفاهيم والدلالات والمسميات .. مركزة على "رأس الإنسان " فكل الرؤوس تفرعت عنه ، وتشبهت به ، كأن اسم " رأس الإنسان " سرقه الناس واستعملوه في دلالات متنوعة ../ رأس الثعبان/ رأس الحانوت / رأس الدرب / الرأس النووي /..../ ..


                  خلال إبحارنا في النص ، ينصت القارئ إلى دوي الكلمات الحارقة ، للفكر والعاطفة ، للنفس والذات ، للعقل والشعور ..لكن تلك الحرقة تذوب في جودتها وانتقائها بعناية .. فنحس بمتعة نادرة ، وسحر يتقاذفنا بين الفينة والأخرى .. / نفهم / نتضاعف / نسخر / نضحك / نتماشى مع أفكار الساردة / نعارضها في صمت / نتجاوز عن غضبها وانفعالها /....


                  عندما أحست البطلة أنها أشفت غليلها من البوح والقول ، وأنها حققت مرادها ،وأن رسالتها وصلت إلى القارئ .. وأنها أفرغت بندقيتها التي كانت تصوبها في كل الاتجاهات : فكرية وثقافية ، اجتماعية وإنسانية ولم يبق لها خراطيش تعتز بها .. ، فطنت وتفقدت البطلة، وبشكل مفاجئ حولت دفة السرد / تحسست المرأة المسند فلم تجد رأسها / فكأن الساردة سكنت دماغ البطلة واطلعت على تجاويف ذاكرتها ، فنابت عنها في التخيل والقول ، ولما تعبت عادت لتتحدث عنها ، تعبت من تخيلاتها.. وسفرها بعقلها دون جسدها ، فغرقت في أحلام اليقظة .. / تنط من السرير / مذعورة ترتعش / تشد رأسها بيدها / تهرول نحو الحمام / ...نهاية محيرة ، مقلقة ،...


                  بطلة أغلقت بابها في وجه أتعابها ، لكنها لم تفلح في طردها من غرفتها .. هروب من الواقع ،وعجز بين على مواجهة الأتعاب وحلها بالمنطق والعقل .. ،


                  لغة جميلة وشيقة ، وأسلوب سلس يحقق لذة القراءة بامتياز ، ومتعة فنية ترتقي إلى مستوى الأدب الناضج .. رغم أن النص يميل إلى التعبير عن الخواطر التي جاءت مطبوعة بتلوينات نقدية ساخرة ولاذعة ..


                  أتمنى أن يجانبني الصواب فيما ذهبت إليه ..


                  مودتي أختي الفاضلة والشاعرة المتميزة ..


                  الفرحان بوعزة ..
                  الكريم فرحان قراءة مدهشة حقا ،لقد هشمت النص بما يليق ،فشرحته بأدوات موضوعية قيمة ،ولممت شتاته لتُقوّله من منظورك الشخصي ،بما لم يقله ، غصت في مطاويه بجرأة ،وانحدرت مع سفوحه ،بمصباحك اليدوي ،فأضأت سراديبه المعتمة ،وكان لسيفك البتار حلة النصر بعد شر منازلة .لقد نقلت القراءة باسمك إلى موقعي ركن الدراسات كوشاح من ذهب أعتز بها كلما داهمتني قراءة "رؤوس في المختبر "
                  لك غرفة دافئة في القلب سيدي المحترم


                  كل المنابر الثقافية ملك لي
                  ولاشأن لي باختلاف أعضائها

                  تعليق

                  • مالكة عسال
                    أديبة وكاتبة
                    • 21-11-2007
                    • 175

                    #10
                    رد

                    المشاركة الأصلية بواسطة محمد يوب مشاهدة المشاركة
                    قصة ماتعة تجمع بين شاعرية اللغة ومنطق الأفكار تعالج كثيرا من المواضيع الحية التي نعيشها ونعايشها يوميا
                    تحيتي لك أختي الفاضلة كما أقدم شكري وتقديري للأخ الفرحان بوعزة على هذه الدراسة النافذة في أعماق القصة.
                    مودتي لكما
                    الغالي محمد يوب
                    الحقيقة دراسة أخي بوعزة فرحان مميزة وأعتز بها ..كما أعتز بردك الذي أسعدني
                    كل المنابر الثقافية ملك لي
                    ولاشأن لي باختلاف أعضائها

                    تعليق

                    • عائده محمد نادر
                      عضو الملتقى
                      • 18-10-2008
                      • 12843

                      #11
                      الزميلة القديرة
                      مالكة العسال
                      نص دسم فعلا
                      تشعبت فيه الرؤس وتمددت سحابات الرؤيا
                      أحببت أن يكون الرأس هو المحور لكل التداعيات التي نعيشها اليوم
                      تخيلت المشانق والمقاصل وهي تحصد الرؤوس
                      سردك جاء متناغما فكرة وإسلوبا ورؤية
                      ودي الأكيد لك سيدتي
                      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                      تعليق

                      يعمل...
                      X