الظــــلام

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سمير طبيل
    عضو الملتقى
    • 04-12-2007
    • 120

    الظــــلام

    "الظلام الدامس يلف مدينة غزة بعد انقطاع التيار الكهربائي"
    شعرت بضيق شديد فأنا رجل متزوج وأعيل زوجتي و أولادي ولا املك أي مصدر للدخل بعد أن توقف المصنع الذي اعمل به عن العمل بعد نفاذ المواد الخام اللازمة للمصنع من السوق المحلية تماماً وعدم قدرتنا على استيرادها من الخارج لرفض الاحتلال الإسرائيلي السماح بدخول أو خروج أي شيء من والى القطاع المحاصر وألان يزداد اختناقي بسبب الظلام الشديد الذي بالكاد استطيع أن أرى فيه كف يدي لذا قررت أن اخرج قليلاً لأتنسم بعض الهواء في ذلك الليل المظلم لعلي استعيد قليلاً من هدوء النفس الذي افتقده منذ أمد بعيد .
    تجولت في شوارع غزة بغير هدى وأنا احمل مصباح يدوي صغير يعمل ببطارية جافة حتى استطيع أن أرى مداس قدمي على الأرض حتى تعبت فجلست قليلا على احد المقاعد المنتشرة بساحة الجندي المجهول أراقب المارة على الضوء الخافت المنبعث من مصباحي الصغير فلفت نظري رجل يعاتب زوجته بشدة بعد أن سقط من يدها قطعة معدنية فئة لخمس شواكل (دولار واحد) على الأرض واختفت وسط الظلام واخذ يذكرها ماذا كان يمكن أن يفعل بتلك الخمس شواكل وكيف انه في ظل تلك الأزمة الاقتصادية لن يكون بمقداره أن يحصل على غيرها والزوجة المسكينة تبكي وتقسم بأنها تدحرجت من يدها بغير قصد ، لكن أكثر ما أثار دهشتي ذلك الشيخ العجوز الذي يجلس بجوار موقع الزوجين المتعاتبين عندما أشار بعصاه الرفيعة المطلية بمادة فسفورية جعلتها تضيء في الظلام وكأنها شق رفيع بسكين وسط ستار اسود يتسرب منه الضوء إلى مكان القطعة على الأرض ويقول للزوج ها هي عملتك احملها ولا تحزن وبالفعل وجدها الرجل في ذات الموقع المشار ليه ، يا له من عجوز حاد النظر كيف ميزها في الظلام الدامس ؟!! ، قام العجوز من مجلسه وانصرف فقررت أن اتبعه خلسة لأرى كيف يتصرف ذلك العجوز حاد النظر في ذلك الظلام الحالك .
    كان العجوز يسير في الشارع و كأنه يرى كل ما حوله فهو يتجنب بركة من المياه الراكدة أو كومة من النفايات ملقاة على الأرض بعد أن رفض عمال البلدية رفعها احتجاجا على عدم تلقيهم راتبهم للشهر الثامن على التوالي أو يتجنب حفرة في الطريق غير واضحة المعالم كل ذلك بمهارة شديدة و أنا بالكاد بمساعدة المصباح الذي احمله استطيع أن أميز تلك الأشياء في الطريق.
    توقف العجوز فجأة واتجه إلى احد الأركان المظلمة و مد يده بقطعة من الخبز كان يتسلى بتناولها وتركها وانصرف فأدرت مصباحي إلى ذلك الركن فوجدت طفل صغير بالي الملابس يئن من الجوع والبرد يتناول قطعة الخبز ، يا له من عجوز خارق النظر استطاع أن يرى الطفل ويسمع أنينه الواهن الخافت .
    قررت أن أتقدم مباشرة إليه و أتحدث معه وما أن اقتربت منه حتى صرخ في محذرا و أمرني بالابتعاد مسرعا وبالفعل تحركت مبتعدا عن المكان لكن شعرت بضغط شديد يحملني ويلقي بي بعيدا وسط الطرق بعد أن انفجر صاروخ ليس ببعيد عني ،شعرت بألم شديد لكن خوفي على العجوز جعلني أسرع إليه و أنا أتحسس طريقي بعد سقط المصباح الذي احمله من يدي حتى تعثرت به وهو ملقي على قارعة الطرق فتحسسته بيدي وشعرت بسخونة دمائه فكبر سنه لم يمكنه من الابتعاد عن مكان الانفجار لكن كيف رآه و أنا لم افعل ، تجمع الناس حولنا وهم يحملون المصابيح اليدوية وعلى ضوئها الخافت نظرت إلى وجه العجوز لأول مرة وكم كانت دهشتي عندما وجدته ضرير النظر!! فسألته كيف تفعل كل ذلك رغم انك ضرير فأبتسم بوهن وقال "عندما يتساوى الظلام فبصيركم اعماكم " ثم صرخ من شدة الألم و أنا استحلفه بالله أن يصمد قليلاً لكن لسانه تحرك بالشهادة وسكن تماما بعد ذلك .
    في هذه اللحظة سمعت صوت الطائرة المروحية وهي تبتعد عن المكان بعد أن نفذت مهمتها
    .
  • تقوى مساعدة
    عضو الملتقى
    • 03-01-2008
    • 60

    #2
    "عندما يتساوى الظلام فبصيركم اعماكم"


    أفكر يا صديقي بميدان عام في كل الدول العربية تكتب عليه هذه الجملة .


    قصة رائعة و اعتقد أن الردود قليلة لأن الكتابة عن فلسطين استنفدت كل الكلمات و لم يبق شيء بعد هذا سوى الصمت .

    شكرا لمشاركتنا القصة.
    [align=center]لا أوقع .. لأنني حاليا لا أتوقع [/align]

    تعليق

    • سمير طبيل
      عضو الملتقى
      • 04-12-2007
      • 120

      #3
      الاستاذ تقوى مساعدة
      اشكرك على اهتمامك وردك
      سيدي فلسطين لا تبحث عن كلمات
      فلسطين تبحث عن افعال الرجال
      هذا لو كان هناك رجال
      تحياتي

      تعليق

      يعمل...
      X