عِشْ أنتَ ..
في غيابكِ , يا امرأةً نذرتُ لقلبها ما تبقَّى في قلبي من نبض , يصبح هذا الزمن جشعا مثل ثعبان خرافي , يبتلع أطراف العمر , بنهم , ودون رحمة .. مذ رحلتِ و القلب فراغٌ إلا من صدى نظراتك , لفتاتك , إلا من شذى عطرك المسكر / اكسير النشوة / و صوتك الشهي .
آهٍ ...يا امرأةً هي كل النساء , لا أزال ألمحُك هناك..بعيدا , على مدّ الألم , حلما مسربلا بالنور ..
في كل ليلة , أسرّج خيول الوهم و أركض نحوك كظامئ يطارد قطرةَ ماء . أسقط , و أنهض ,أركض من جديد.. أتصبّب عرقاً و شوقا , و كلما أقتربُ منك تتباعدين .. يقف بيننا جيشٌ من المَرَدة و الغيلان.. أرتعب , تتداعى قواي , و أعود من حيث أتيت , كسير الفؤاد مثل فارس مهزوم .
لا زلت بعدك وحيدا..مشرّدَ الروح..متخما بالضياع , أكابد الحزن , أضاجع الخيبة فيولد من صلبي ألفُ موت . أنقاضٌ هو العالم من حولي , و أنا لست سوى نبتة جافة يأكلها الحنين .
رأيتكِ اليومَ صدفة , في الشارع .أمام الكافتيريا حيث كنا نلتقي ...كنا ؟ .. مؤلم أن أتحدث عنك بصيغة الماضي و قد رسمتك بمداد الروح في لوح الآتي .
رأيتكِ تتأبطين ذراعه , ملتصقة به . وجهكِ صارم , و وجهه ينطق بالانتصار . توغّلتُ في الموت أكثر و أنا أتصوّره منتشٍ بجِنان جسدك , يقطف من شفتيك حبّات النّدى و السكّر ..
و أنتِ ..هل رأيتِني ؟ هل أبصرتِ ملامحي ؟ أرجوك . لا تنخدعي بمظهري , لا تصدّقي أني أتنفّس , لا يغرّنك أني أشارك في كل هذا الهراء ..و أني أمارس/ مثل الجميع / طقوس البقاء.. فأنا رجل آخر.. ظاهره حياة , و باطنه عاصمة للخراب .
إني اليوم أكثر شبها منّي بعمود المصباح , هناك في آخر الشارع . قلبي قطعة جليد و رئتي إسفنجه محنّطة .
ذلك المساء الوردي . هل تذكرين ؟
كنا في مقتبل الحبّ , و القلب مشتلة للفرح , و الدّرب مرصّعة بالأماني العِذاب .
في حجرتي المضاءة بسنا أنوثتك , أتوسّد صدرك الذي منه يغترف الجمال , و أنتِ تفترشين الروح , تعبثين في شَعري بأناملك الناعمة .
سألتِني :
- هل ستحبّني دائما ؟
يستعر دمي , تتوهّج عيناي , أحتضنك فتسكبين في شراييني شلاّلات السعادة , و أتلاشى في خلاياك :
- سأحبّك حتى بعدما ينتهي الحب .
لم ينته الحب و لكنّا انتهينا . اعترف أني ساهمت في جرّ هذا الموت إليّ / إلينا ؟ / حين تركتهم يسرقونك منّي.. ساوموا على كنوزك . قرّروا بيعك لمن يدفع أكثر , و كنت فقيرا , معدماً .. كلّ رصيدي , وقتها , بحرٌ من الحب , و غيمة حبلى بالحروف .
-غدا عُرسها . هل تعلم ؟
يخبرني صديقي .
تتهاوى صروح الحياة بداخلي , أحسّ باختلال الكون.. ما الذي يحدث للكرة الأرضية ؟ إذن خسرتك . أنا الذي راهنتُ عليك بعظَمة الحب .
أترك صديقي ..و أدخل حجرتي . أرفسُ الأرض بقدمي , أضربُ الحائط بقبضة يدي , أشعلُ سيجارة , أشربُ قهوة مرّة....و أبكي .
القهوة المرّة عادة أصبحت تلازمني مذ عرفتك .
في الطابق الأول من الكافتيريا..ملجأ عشاق المدينة , يملأني صوتك الدافق :
- قطعة سكر أم قطعتان ؟
-و لا واحدة . وجهك يقابلني..كيف أعتذر منه لو أضفتُ السكر ؟!
تسبلين رموشك و تبتسمين , فتمطرُ سماء قلبي بنفسجا و ريحانا , تزهرُ شجيرات الأمل في صحراء أيامي , و أرتفع عاليا لأعانقَ وجه السحاب . هكذا في كل مرّة , كان يكفي أن تبتسمي كي يورقَ المستحيل .
أتأمّل وجهكِ الناصع البهاء , أعتصرك بأجفاني , فتقطرين طهرا و نورا , تقطرين شعرا جميلا ..هل تعلمين يا حرقة العمر أن الشٍّعر بعدك انتحر , و أني ما عدت أجيدُ سوى قصائد في الرثاء ؟ كأنك قبل أن تغادري محوتِ من القواميس كل المفردات المشعّة , اليانعة .
قلمي أصيب بالتأتأة و نسيتُ أبجدية الشعر و الحب , يا امرأة رحلت لكي تبقى .
تافهة هذه المدينة , مملّة هي الشوارع . كل شيء يفيض بالوضاعة ! تقابلني نساءٌ كثيرات .تضوع منهن رائحة المساحيق و الزيف .. الأمر محيّرٌ فعلا ! كل هؤلاء نساء.. فأين القصيدة ؟
الليل ثقيلٌ ..ثقيلْ و في حجرتي صمتٌ كثيفٌ صارخ , و من الجدران , و الزوايا , و الأثاث تطل وحشةٌ قاتلة . الموت يسكنني من أخمص تكويني إلى آخر أمنية كان قلبي يدّخرها لك .
وحده صوت فريد يؤنسني حدّ البكاء .." عشْ أنت .. إني مِت بعدك " ..
تعليق