مقهى الموت1
فوق التلّ النائي، يقبع مقهى " وداعا للأحزان" وكان "الأستاذ"- كما يلقبونه- الزبون الدائم فيه، يتردد عليه كل يوم بملامحه التي تظهر عليها السعادة، والثقة بالنفس، والتي كانت تستفز "معلم المقهى" كثيرا، فكان يقذفه طوال الوقت بدخان "نرجيلته" وبنظرات غضب واشمئزاز ..
لم يكن "الأستاذ" يعره أيّ اهتمام، بل كان يبادله نظرات باردة، تضرم الحرائق في كيان "المعلمّ" ونرجيلته الفاخرة، ثم يمضي سهرته وحيدا مع فنجان قهوة ...
فهذا المقهى يفرض على الزبون ألا يصطحب أحدا معه، وذلك لينفرد به، ويتلذذ بوحدته، وكم جعل من الكثيرين أطباقا له، وحوّل الكراسي من تحتهم إلى مقابر ..!
لكن يد النادل، التي كان يصنع بها أسلحته وابتسامته ويرتب بها كافة أجزاء وجهه تماما مثلما يرتب أجزاء المقهى من طاولات وكراسي وأرواح، كان "الأستاذ" أدهى من أن يدعها تغتاله ... فقد حفظ تكاوين المقهى جيدا، مدركا كل الخطط، بل وعرف أين توضع الكراسي الآمنة، وتلك المفخخة .. حتى ابتسامة النادل كان يلونها كيفما يشاء ...
كان يراقبهم كيف يستدرجون الزبون إلى موته، ليجلسوه إلى الطاولة الأنسب لنقطة ضعفه، ومن عينيه يكتشفون نوعية الذكريات التي لا تلائم جسده، فيسمموه بها ..
والأهمّ أنه اكتشف أن السمّ يوضع في الرشفة الأخيرة من الفنجان، فكان لا يكمل شرب قهوته حتى النهاية، ويترك إلى جانب الفنجان بعض قطع من نظراته الحادة، ثمّ يحمل معطفه، ويمضي مع اللحظات الأخيرة لليل ..
إنهم يخافون منه، لذلك يلجؤون إلى الحيلة لاصطياده، وهو أيضا كان يتلذذ بإشعال سيجارة لامبالية أمامهم، معلنا تحديه لهم في لعبة الموت تلك ...
.
.
يتبع
12/10/2010
تعليق