[align=center]
قفزت فرحًا عندما وصلني خبر قبولي في جامعة دمشق في كلية الصيدلة وانقلبت حياتي إلى نمط آخر ، فما هي إلا لحظات حتى انتقلت من رفه العيش في مدينة العين إلى عالم آخر – وإن كان بعيداً – فإنه قريب في عاداته كل القرب من المكان الذي غادرته .
بقيت هناك دموع الوداع التي أضحت كشلالات تنسكب على قلب أمي التي غادرتها قاصداً طلب العلم ، دافعاً بكل سبل الحياة أمامي حتى أستطيع كسبها دون إنقاص ...
كان عمي عبد السلام قد قرر الإقامة في حلب طالباً للعلم تاركاً أهله في دبي، وقد كان يكبرني بعدة شهور فقط وكان قد عرف في عائلتنا باسم "عبدو" رغم وجود أربعة أبناء عم اسمهم يبدأ بـ ( عبد ) ، عبد الرحمن ، وعبد الله ، وعبد الكريم وهو ، لكن سبحان الله كان اسم عبدو يتكرر على لسان من يناديه .
كانت إقامته في حلب بغرض الالتحاق بجامعة حلب لدراسة الهندسة المعمارية فقد كان فنانًا له طابعه في رسم المباني ، كنت قد اعتدت زيارته في أيام الإجازات لنغتنم أكثر الوقت سويةً نتناول أطراف الحديث و نتضاحك و نروح عن أنفسنا بعد أن كنا مغلولين بأصفاد الدراسة التي كانت تكبل وقتنا وأذهاننا وخصوصًا في فترات الاختبارات .
كان يوم الخميس ، والحمد لله أن الجو يبدو ربيعيًا بعض الشيء ، كم هو مناسب السفر في هذا الوقت !! ، اتجهت إلى موقف سيارات الأجرة و استأجرت سيارة بسائقها و اتفقت معه على مبلغ معين شريطة أن يوصلني إلى بيت عمي لا إلى مواقف سيارات الأجرة ، ثم حملت حقيبتي الصغيرة التي فجعت بأحد أزرارها وركبت في السيارة وانطلقنا قاصدين حلب
وكما اعتدت – دائمًا ، كلما وقفنا على إحدى الإشارات الضوئية في إحدى المدن على طريقنا يهجم أطفال إلى صفوف السيارات ليقوموا بعملهم الذي احترفوه وهدموا به زهرة حياتهم ألا وهو التسول ، ذلك العمل القبيح الذي يحط من شأن الإنسان بعد أن رفعه الله تعالى و أكرمه ، كان هؤلاء الأطفال يختفون عن الأنظار كلما تحولت الإشارة الضوئية إلى اللون الأخضر خوفًا من مرور دورية لشرطة المدينة ، ولكنها ما إن تصبح حمراء حتى ترى أفواجًا من الأطفال من الجنسين يتجهون إلى المركبات الواقفة ليحصلوا من هذا على طعام ومن ذاك على دريهمات يعتقدون أنها قد تكفيهم لحياتهم ..! .
في الحقيقة ، كلما رأيت هؤلاء المساكين يخطر في بالي الكثير من الأفكار والأسئلة ، أين أهلهم ؟! ، ألا يوجد لجنة لحقوق الإنسان هنا ؟؟! ، أين أصحاب الأيادي البيضاء ؟! ، ولكن لا أرى إجابةً على كل هذه الأسئلة ، لربما فرض عليهم القدر هذه الحياة التعيسة ! ، أو أن أهلهم لا يعطونهم ما يكفيهم ، أو أن بعضهم لم يجد أهله مالاً لشراء الدواء أو الطعام فترك مدرسته فارًا إلى الشوارع عله يأتي منها بشيء يقتات منه أهله في أيامهم ، ونسي بذلك مستقبله واتخذ التسول مهنة له ، ولا ألومه ، فهو لا يستطيع أن يقوم بأي عمل ، فمن الذي سيتكفل بأهله إن هو لم يفعل ؟! .
كنت أرى السائق يزجر ويطرد كل من يأتي لسؤاله ، ربما كان يهدده بالسلاح الأبيض أو بذراعيه ، فقد كان ضخم الجثة عظيم المنكبين ، وقد كنت أخشى أن أمد يدي إلى جيبي فيتناولني بقبضة يده فيحطم لي واجهتي ..! .
استغربت تصرفه ذلك ، وقلت له بصوت خافت :
- إنني أشفق على أولئك المتسولين ، فلماذا أراك تـ ....
قاطعني وعيناه تلتهبان نارًا :
- إن لدى آبائهم جميعًا أموال ، ولكن القسوة غلبت على قلوبهم فما كان منهم إلا أن يرسلوا أبناءهم إلى الشوارع حتى يتخلصوا منهم ومن مصروفهم اليومي .
صمت برهة من أثر الصدمة وكأن مطرقة هوت بصميم قوتها على رأسي ، وأخذت أفكاري تتهاوى أرضًا ، ألهذه الدرجة اختفت الرحمة من القلوب ، وأي قلوب ! ، إنها قلوب الآباء ، إنها قلوب الآباء تختفي منها الرحمة حتى على فلذات الأكباد ! ، يا للعار .. يا للعار ! ، سنظل في هذه الدوامة من الجهل حتى يأذن الله أو تقوم الساعة .
بالفعل ، صدمت بهذا الزمن ، كم هو صعب أن يأتي والد أحدهم ليقول لابنه :
- اخرج أيها الفاشل إلى الشوارع لتحمل عني مشقة حياتك .
تألم قلبي لكلمات السائق ، وبدأت روحي تزيد من إشفاقها على هذه المضغ التي جاءت لهذه الحياة بريئة ولم ترى من الدنيا سوى البداية ، كم ستمر عليكم أوقات تندمون فيها على زهور طفولتكم !
على طول الطريق إلى حلب أخذت أخفي عن عيني مناظر الشقاء تلك ، ولكن .. وبينما أحاول أن لا أنظر إلى هؤلاء المساكين وقعت عيني على طفل منهم ، يبدو بالي الملابس ، وقد غلبت على وجهه عدة قروح ، و تظهر في سرواله رقع مختلفة الأحجام ، وكان يبدو صغير الجسم نحيل الأطراف ، كان يجلس على الرصيف دون أقرانه ، وأراه يداعب حبيبات الرمل اللاتي تجمعت على طرف الرصيف بواسطة عود غض صغير في يده اليمنى ، وفي يده اليسرى يمسك دمية تبدو كحاله بالية الملابس ومتسخة الوجه واليدين ، شقراء الشعر ، استغربت جلوسه وحده ، وأحزنني شكله البالي للغاية ، واعتصر قلبي حزنًا حينما افترضت أن هذا من أولئك الذين تحدث عنهم السائق ، وا أسفاه على هذا الزمان ، لكن السائق لم ينتظر نظراتي فقد كان لا يزال مسرعًا بغرض الوصول إلى حلب بسرعة قبل المغيب .
وبعد أن قطعنا ذلك المنظر بعدة كيلومترات ، أرى السائق يلف مقود السيارة ليعود إلى الخلف :
- إلى أين ؟ ما بالك .. أراك تعود من ذات الطريق ؟؟
- لعن الله الشيطان ، حديثك يا أخي جعلني أتوه في الطريق .
ثم عاد أدراجه ، ولا نسمع في طريق العودة سوى صوت تدحرج العجلات على الأرض وصوت المحرك الذي يبدو قد شاخ بعدما أرهق في الطرقات التي يسلكها ذلك السائق .
ثم وفجأة .. أراني نمر على ذات الإشارة الضوئية التي لم نلبث أن غادرناها منذ دقائق و التي رأيت فيها ذلك المظهر المثير للشفقة والذي هز كيان الإنسانية لدي ، ولكن هذه المرة أرى ما كان أفظع ، لقد تجمع الأطفال و السيارات مشكلين حلقة ، استغربت ، حدقت .. فإذا بي أرى ذلك الطفل المسكين البريء وقد تحول إلى أشلاء بعدما هجمت عليه إحدى سيارات " الشبح " التي أعتقد – من رقمها – أنها لأحد أبناء المسؤولين ذوي الرتب العالية أو أقربائهم ، لتدهسه وتحوله لمجرد ذكرى هو ودميته الصغيرة ، لقد تحول وإياها إلى أشلاء ، يا له من منظر رهيب ! ، طفل مثل وردة الريحان يبدو ببراءة الياسمين ، ينهي حياته تهور شخص خال من المسؤولية ، حمله والده أو أحد أقربائه على ارتكاب الأخطاء وتحميلها لأفراد الشعب ، ولكن هذه المرة حملها طفل أعتقد أنه لم يحسب من أفراد الشعب بعد .![/align]
قفزت فرحًا عندما وصلني خبر قبولي في جامعة دمشق في كلية الصيدلة وانقلبت حياتي إلى نمط آخر ، فما هي إلا لحظات حتى انتقلت من رفه العيش في مدينة العين إلى عالم آخر – وإن كان بعيداً – فإنه قريب في عاداته كل القرب من المكان الذي غادرته .
بقيت هناك دموع الوداع التي أضحت كشلالات تنسكب على قلب أمي التي غادرتها قاصداً طلب العلم ، دافعاً بكل سبل الحياة أمامي حتى أستطيع كسبها دون إنقاص ...
كان عمي عبد السلام قد قرر الإقامة في حلب طالباً للعلم تاركاً أهله في دبي، وقد كان يكبرني بعدة شهور فقط وكان قد عرف في عائلتنا باسم "عبدو" رغم وجود أربعة أبناء عم اسمهم يبدأ بـ ( عبد ) ، عبد الرحمن ، وعبد الله ، وعبد الكريم وهو ، لكن سبحان الله كان اسم عبدو يتكرر على لسان من يناديه .
كانت إقامته في حلب بغرض الالتحاق بجامعة حلب لدراسة الهندسة المعمارية فقد كان فنانًا له طابعه في رسم المباني ، كنت قد اعتدت زيارته في أيام الإجازات لنغتنم أكثر الوقت سويةً نتناول أطراف الحديث و نتضاحك و نروح عن أنفسنا بعد أن كنا مغلولين بأصفاد الدراسة التي كانت تكبل وقتنا وأذهاننا وخصوصًا في فترات الاختبارات .
كان يوم الخميس ، والحمد لله أن الجو يبدو ربيعيًا بعض الشيء ، كم هو مناسب السفر في هذا الوقت !! ، اتجهت إلى موقف سيارات الأجرة و استأجرت سيارة بسائقها و اتفقت معه على مبلغ معين شريطة أن يوصلني إلى بيت عمي لا إلى مواقف سيارات الأجرة ، ثم حملت حقيبتي الصغيرة التي فجعت بأحد أزرارها وركبت في السيارة وانطلقنا قاصدين حلب
وكما اعتدت – دائمًا ، كلما وقفنا على إحدى الإشارات الضوئية في إحدى المدن على طريقنا يهجم أطفال إلى صفوف السيارات ليقوموا بعملهم الذي احترفوه وهدموا به زهرة حياتهم ألا وهو التسول ، ذلك العمل القبيح الذي يحط من شأن الإنسان بعد أن رفعه الله تعالى و أكرمه ، كان هؤلاء الأطفال يختفون عن الأنظار كلما تحولت الإشارة الضوئية إلى اللون الأخضر خوفًا من مرور دورية لشرطة المدينة ، ولكنها ما إن تصبح حمراء حتى ترى أفواجًا من الأطفال من الجنسين يتجهون إلى المركبات الواقفة ليحصلوا من هذا على طعام ومن ذاك على دريهمات يعتقدون أنها قد تكفيهم لحياتهم ..! .
في الحقيقة ، كلما رأيت هؤلاء المساكين يخطر في بالي الكثير من الأفكار والأسئلة ، أين أهلهم ؟! ، ألا يوجد لجنة لحقوق الإنسان هنا ؟؟! ، أين أصحاب الأيادي البيضاء ؟! ، ولكن لا أرى إجابةً على كل هذه الأسئلة ، لربما فرض عليهم القدر هذه الحياة التعيسة ! ، أو أن أهلهم لا يعطونهم ما يكفيهم ، أو أن بعضهم لم يجد أهله مالاً لشراء الدواء أو الطعام فترك مدرسته فارًا إلى الشوارع عله يأتي منها بشيء يقتات منه أهله في أيامهم ، ونسي بذلك مستقبله واتخذ التسول مهنة له ، ولا ألومه ، فهو لا يستطيع أن يقوم بأي عمل ، فمن الذي سيتكفل بأهله إن هو لم يفعل ؟! .
كنت أرى السائق يزجر ويطرد كل من يأتي لسؤاله ، ربما كان يهدده بالسلاح الأبيض أو بذراعيه ، فقد كان ضخم الجثة عظيم المنكبين ، وقد كنت أخشى أن أمد يدي إلى جيبي فيتناولني بقبضة يده فيحطم لي واجهتي ..! .
استغربت تصرفه ذلك ، وقلت له بصوت خافت :
- إنني أشفق على أولئك المتسولين ، فلماذا أراك تـ ....
قاطعني وعيناه تلتهبان نارًا :
- إن لدى آبائهم جميعًا أموال ، ولكن القسوة غلبت على قلوبهم فما كان منهم إلا أن يرسلوا أبناءهم إلى الشوارع حتى يتخلصوا منهم ومن مصروفهم اليومي .
صمت برهة من أثر الصدمة وكأن مطرقة هوت بصميم قوتها على رأسي ، وأخذت أفكاري تتهاوى أرضًا ، ألهذه الدرجة اختفت الرحمة من القلوب ، وأي قلوب ! ، إنها قلوب الآباء ، إنها قلوب الآباء تختفي منها الرحمة حتى على فلذات الأكباد ! ، يا للعار .. يا للعار ! ، سنظل في هذه الدوامة من الجهل حتى يأذن الله أو تقوم الساعة .
بالفعل ، صدمت بهذا الزمن ، كم هو صعب أن يأتي والد أحدهم ليقول لابنه :
- اخرج أيها الفاشل إلى الشوارع لتحمل عني مشقة حياتك .
تألم قلبي لكلمات السائق ، وبدأت روحي تزيد من إشفاقها على هذه المضغ التي جاءت لهذه الحياة بريئة ولم ترى من الدنيا سوى البداية ، كم ستمر عليكم أوقات تندمون فيها على زهور طفولتكم !
على طول الطريق إلى حلب أخذت أخفي عن عيني مناظر الشقاء تلك ، ولكن .. وبينما أحاول أن لا أنظر إلى هؤلاء المساكين وقعت عيني على طفل منهم ، يبدو بالي الملابس ، وقد غلبت على وجهه عدة قروح ، و تظهر في سرواله رقع مختلفة الأحجام ، وكان يبدو صغير الجسم نحيل الأطراف ، كان يجلس على الرصيف دون أقرانه ، وأراه يداعب حبيبات الرمل اللاتي تجمعت على طرف الرصيف بواسطة عود غض صغير في يده اليمنى ، وفي يده اليسرى يمسك دمية تبدو كحاله بالية الملابس ومتسخة الوجه واليدين ، شقراء الشعر ، استغربت جلوسه وحده ، وأحزنني شكله البالي للغاية ، واعتصر قلبي حزنًا حينما افترضت أن هذا من أولئك الذين تحدث عنهم السائق ، وا أسفاه على هذا الزمان ، لكن السائق لم ينتظر نظراتي فقد كان لا يزال مسرعًا بغرض الوصول إلى حلب بسرعة قبل المغيب .
وبعد أن قطعنا ذلك المنظر بعدة كيلومترات ، أرى السائق يلف مقود السيارة ليعود إلى الخلف :
- إلى أين ؟ ما بالك .. أراك تعود من ذات الطريق ؟؟
- لعن الله الشيطان ، حديثك يا أخي جعلني أتوه في الطريق .
ثم عاد أدراجه ، ولا نسمع في طريق العودة سوى صوت تدحرج العجلات على الأرض وصوت المحرك الذي يبدو قد شاخ بعدما أرهق في الطرقات التي يسلكها ذلك السائق .
ثم وفجأة .. أراني نمر على ذات الإشارة الضوئية التي لم نلبث أن غادرناها منذ دقائق و التي رأيت فيها ذلك المظهر المثير للشفقة والذي هز كيان الإنسانية لدي ، ولكن هذه المرة أرى ما كان أفظع ، لقد تجمع الأطفال و السيارات مشكلين حلقة ، استغربت ، حدقت .. فإذا بي أرى ذلك الطفل المسكين البريء وقد تحول إلى أشلاء بعدما هجمت عليه إحدى سيارات " الشبح " التي أعتقد – من رقمها – أنها لأحد أبناء المسؤولين ذوي الرتب العالية أو أقربائهم ، لتدهسه وتحوله لمجرد ذكرى هو ودميته الصغيرة ، لقد تحول وإياها إلى أشلاء ، يا له من منظر رهيب ! ، طفل مثل وردة الريحان يبدو ببراءة الياسمين ، ينهي حياته تهور شخص خال من المسؤولية ، حمله والده أو أحد أقربائه على ارتكاب الأخطاء وتحميلها لأفراد الشعب ، ولكن هذه المرة حملها طفل أعتقد أنه لم يحسب من أفراد الشعب بعد .![/align]
تعليق