فضيلة الشيخ قارون

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد بلكاسم
    • 16-10-2010
    • 6

    فضيلة الشيخ قارون

    فضيلة الشيخ قارون

    عملا بنصيحة صديقي، شمرت عن ساعد الجد، وألقيت جانبا غطاء التكاسل، وذهبت مبكرا إلى المسجد العتيق، لأحضر درس العالم العلامة الكبير الذائع الصيت. بيد أن الحظ لم يحالفني، لأحظى بالجلوس في الصفوف الأمامية، إذ ما كدت اقترب من المسجد، حتى لفت نظري ما يدل على أنني لست أول الحاجين لبيت الله في هذا اليوم المبارك القائظ. سيارات مركونة على طول الأزقة القريبة من المسجد، وجحافل من الدراجات النارية والهوائية مسندة على بعضها البعض، وقد استحوذت على الأرصفة، مقرنة بالأصفاد، كقطعان الماشية في رحبة السوق الأسبوعي. على بعد بضعة أمتار من عتبة الباب الكبير للمسجد، تراكمت الأحذية والنعال، المتعددة الأشكال والأحجام، الغالية والرخيصة. إذ ذاك، تأكدت من مكانة العالم الجليل، ومن أهمية دروسه، لا ريب أنها بليغة وعظيمة الفائدة. حضرني قول صديقي، الذي حثني على حضور مجلس العالم الجليل: إن المريدين كثر، يحجون إلى مجلس فضيلة الشيخ من كل حدب وصوب، يأتون من كل فج عميق، راجلين وركبان، زرافات ووحدان. بعدما أسندت دراجتي الهوائية إلى جحافل الدراجات المقرنة بالأصفاد، خلعت نعلي، وألقيت به فوق الركام.
    دخلت المسجد، فإذا بي، أمام رجل ذي لحية كثيفة، تكاد تغطي وجهه، بحيث تلتقي بالشاربين الكثين المشذبين بعناية، فلا يظهر سوى الأنف الأفطس، والعينان الضيقتان، بينما يختفي وراء هذا السواد الأزغب، الفم الذي منه تؤخذ الحكمة، والموعظة الحسنة. وأنا غارق في تأمل ملامح الوجه، تذكرت قول صديقي: إنه لنعم الرجل العصامي، كون نفسه بنفسه، لم يرث عن أبيه شيئا عدا – الزلط –والحصيرة، ودزينة من الأفواه الجائعة، والأجساد العليلة، ومن بين هذه الأنقاض، استطاع شيخنا الجليل أن ينهض بنفسه، فحباه الله بالخير الكثير، بالحكمة والعلم النافع الغزير، ومن عليه المنان، بأسلوب سلس عذب، يروق السامعين، ويسبي أرواح الحاضرين، ويأسر لب المريدين. دائما أتأمل وجه الرجل النحيل، وفي نفس الوقت أتذكر قول صديقي :" لقد زاده الله فضلا على العلم الغزير والحكمة البليغة الأسلوب الرزين، ورباطة جأش وعزيمة لا تلينان، ولا تداهنان، فهو لا يخاف لومة لائم، في الجهر بالحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، دون أن يطأطئ رأسا، أو يحني هامة". بعد ما بسمل، وحمدل، وصلى على خير الأنام، وعلى آله وصحبه وسلم، شرع في الخطبة:"معشر المؤمنين والمؤمنات، موضوع درسنا اليوم هو سيرة حياة نبينا الأكرم عليه أزكى السلام..." . فراح يعدد مناقبه عليه السلام، ويستوقفنا عند كل محطة من محطات حياته، مستشفا منها العبر، والأحداث الجسام التي اكتنفتها، وعصاه ما انفكت توقظ الغافين، وتنبه الساهين. كدت أهمس في أذن صديقي:" فعلا إن في كلامه لحلاوة، وإن في أسلوبه لطلاوة". لولا أن ذلك ممنوع في مثل هذه المجالس. تململت في جلستي واستأنفت أسمع، وأحدق في الرجل، وهو يتنطط تارة، ويضرب بعصاه على المنبر تارة أخرى، والناس صامتون لا يتحركون، إلى ما يندلق من فمه من عبر وحكم مشدوهون، كأن على رؤوسهم الطير. من جديد تذكرت نصيحة صديقي؛ "إذا لم تكن خاصرتك رخوة، فستتزحزح في جلستك ألف مرة ومرة، حتى تتنمل قدماك، ويتخثر الدم فيهما". بحلقت فيمن حولي، فإذا هم بأعناق زرافات وبعير، يتطاولون بها على بعضهم البعض، ليحظوا بنظرة من صاحب الحكمة البليغة، والموعظة الحسنة. أنا بدوري كنت أحسد الزرافات، لا على جيدها الممشوق، ولكن على قوائمها الطليقة، وهي تسرح وتمرح في سفانا إفريقيا. مللت الجلوس مقرفصا، ومقوسا ظهري. المريدون الكثر، لا يسمحون لي بتسريح ساقي، كلما هممت بذلك، كانت لي إحدى المؤخرات بالمرصاد، فأتكوم على ذاتي، استحياء من إزعاجهم أو إلغاء جمعتهم.
    العيون الشاخصة، لشيخها ناظرة، لسعيها شاكرة، لا ترمش إلا نادرا، والحناجر تحولق. والإمام مسترسل في استنباط الدروس والعبر من سيرة الرسول الأكرم، عليه أزكى السلام." كم مرة بات عليه السلام طاويا..."."ما شبع آل محمد غذاء، وعشاء، من خبز الشعير، ثلاثة أيام متتابعة، حتى لحق بالله." "كانت قدماه وجنباه تتورمان من خشونة الحصيرة." يجهش سماحة الشيخ بالبكاء حتى تتخضب لحيته. أدركت آنئذ سر ضيق العينين. قبضت يدي اليمنى، وضربت بها كفي اليسرى، حسرة على الذي بات شبعان، والمصطفى جوعان، حسرة على الذي على مطرح ريشبوند الوثير يتقلب، وفي ريش النعام يتنعم، وحبيب الله على الحصيرة يتعذب ويتورم. "مات عليه السلام، ودرعه مرهونا عند يهودي لنفقة عياله" يشهق الخطيب اللبيب شهقة، حتى ظننت أنه قد أسلم الروح لبارئها، ولم تبق إلا الخشبة، خشبة جسده تدعمها منسأته، وأن دابة الأرض، لا محالة ستأكلها إيذانا بموته، غير أنها لم تفعل. فاستأنف خطبته مشيدا بزهد الحبيب (ص) في الدنيا الفانية. " ازهد في الدنيا يحبك الله..."
    لما قضيت الصلاة، انفض الجمع، وخرجت من المسجد، ولسان حالي يقول لطابور الشحاذين على الرصيف: طوبى لكم أيها المزاليط البؤساء، إن لكم في رسول الله (ص) لقدوة، وفي نفس الوقت، نظرت بعين الشفقة على الأصدقاء الذين "حركوا" للقارة العجوز، طمعا في الدنيا الفانية، وحبا في الشقراوات والفيلات، وأفخم السيارات. حمدت الله كثيرا، وأثنيت على والدي، ودعوت له بواسع الرحمة، وعظيم المغفرة، إذ لم يترك لي مقدار "ملغ" من وسخ الدنيا. لأهمية ما سمعت ورأيت، كدت أنسى دراجتي التي لا فرامل لها ولا ناقوس، مغلولة في العذاب. امتطيتها وصديقي، وصرنا نجتر الدرس البليغ، وكلنا يقين بأن الجوع، و"قلة الشيء" لم تعد مدعاة للشفقة على الجياع مادام خاتم المرسلين، قد جاع وبات مرارا طاويا. وحدثتني نفسي أن الحضور أيضا خرجوا من مجلس الشيخ الزاهد الوقور بنفس القناعة. كما أن عود الريح الذي يحملنا، يقاسمنا هو الآخر هذه القناعة. وربما كانت هذه الدراجة القرعاء، عند رسول الله(ص)أفضل من "الكاطكاط" و"الليموزين".
    السيارات الفخمة و المتهرئة، كانت تمرق متجاوزة إيانا، ونحن لا نبالي بها، ولا نحسد أصحابها على أدران الدنيا، وقول سماحة الشيخ يوخز ذاكرتنا "ما شبع آل محمد غذاء وعشاء من خبز الشعير ثلاثة أيام..." "ازهد في الدنيا يحبك الله..".
    تقاطعنا مع إحدى السيارات المارقة، فاضطررنا أن نكبح جماح -عود الريح- بأقدامنا حتى انبعثت من عجلاته، ومن نعالنا، رائحة الاحتراق، احتراق المطاط. فإذا نحن أمام إحدى الفيلات، وقد ظهرت عليها بوضوح وجلاء، نعمة الله، من زليج بلدي، ورخام وقرميد، حطت بقربها إحدى السيارات الفارهة، عجلاتها رباعية الدفع. نزل منها رجل يتميح في عباءته، محملا بأكياس ملأى بما لذ وطاب من فواكه، وعصائر، وأشياء أخرى ملفوفة بورق ناعم صقيل. الروائح المنبعثة منها تستفز الأمعاء نقيقا، وتحرك في المعدة الجوع الكامن منذ عام الجراد. تأملت وجه الرجل-متطفلا-وهو يفرغ صندوق "الكاطكاط"من محتوياته الشهية، كذلك فعل صديقي، بل زاد عني حركة برأسه، تحية للرجل ذي اللحية الكثيفة، التي تغطي وجهه، وتعانق الشاربين المشذبين بعناية فتخفي الفم، قلت لصديقي مستحثا دراجتي على السير.
    هل تعرف الرجل؟
    أجابني:
    -يجب أن تغير زجاج نظارتيك بآخر أكثر سمكا.
    - ولم يا صديقي العزيز؟
    - لأن الرجل هو سماحة الشيخ، العالم الجليل، صاحب الخطبة العصماء، الذي خرجنا من مجلسه توا.
    وتلك هي داره ، وهذه هي راحلته، وهو يشير إلى الفيلا الفخمة و الكاطكاط،آخر صيحة.
    - أتقصد صاحب الفم الأزغب، الذي تنثال منه الحكمة وتؤخذ؟
    غمغمت قائلا: كذب من قال "وافق شن طبقة"
    نظر إلي صديقي مستفسرا عما غمغمت به، ولما عدم مني الجواب، استحثني على شكر الله على جلائل أنعمه، وأردف قائلا:
    - "من أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا"صدق الله العظيم.
    قاطعته غير مستأذن.
    - علاوة على الحكمة البليغة، فإن الله تعالى قد زاد شيخنا المبجل بسطة في الرزق.
    -..............؟
    - ألا ترى معي أن لشيخنا مفاتيح خزائن قارون؟
    - .........؟
    - لا تخف يا صديقي لن يخسف الله الأرض بالعالم الجليل، ولن تتورم قدماه ولا جنباه، ولن يبيت على الطوى قط، وإن تورمت خاصرتي وقدماي ونهش الجوع معدتي، طيلة درسه الوجيه حول الجوع والتورم، وشظف العيش الذي وسم حياة المصطفى عليه أزكى السلام، ودعوته الحضور للاقتداء بسيرة خير الأنام"أوصيكم وإياي بتقوى الله، وبأن نتأسى بسيد البشر، حذار حذار من زخرف الدنيا الفانية، ومن ملذاتها الزائلة، أقول قولي هذا و أستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم."

    الزلط كلمة عامية في المغرب تعني الفقر والعوز
    التعديل الأخير تم بواسطة أحمد بلكاسم; الساعة 17-10-2010, 11:41. سبب آخر: شرح وتصحيح
  • إيمان الدرع
    نائب ملتقى القصة
    • 09-02-2010
    • 3576

    #2
    الأستاذ العزيز أحمد بلكاسم :
    دائماً يوجد التناقض في حياتنا ..
    اللون الأبيض الناصع ...يقابله الأسود القاتم..
    وهذا النموذج من فئة: يقولون مالا يفعلون...
    منذ الأزل ابتُليت البشريّة بهذه الشّوائب الإنسانيّة...وفي مواقعَ مختلفة...
    وهي لا تؤثّر على نقاء الثّوب، وصحّة البدن القويّ..
    أهلاً بك بيننا ...أديباً مميّزاً لديه الكثير ...
    دُمتَ بسعادةٍ ...تحيّاتي...

    تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

    تعليق

    • أحمد بلكاسم
      • 16-10-2010
      • 6

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
      الأستاذ العزيز أحمد بلكاسم :
      دائماً يوجد التناقض في حياتنا ..
      اللون الأبيض الناصع ...يقابله الأسود القاتم..
      وهذا النموذج من فئة: يقولون مالا يفعلون...
      منذ الأزل ابتُليت البشريّة بهذه الشّوائب الإنسانيّة...وفي مواقعَ مختلفة...
      وهي لا تؤثّر على نقاء الثّوب، وصحّة البدن القويّ..
      أهلاً بك بيننا ...أديباً مميّزاً لديه الكثير ...
      دُمتَ بسعادةٍ ...تحيّاتي...
      تحية إبداعية وشكراعلى كلمة الترحيب الطيبة
      تقبلوا مودتي

      تعليق

      يعمل...
      X