غُدد ونوافذ
(عبدالباقي) الذي أدمن البحلقة في وجه الأرض، لا يوقفه شئ عن التجوال، غير أن تلك الصفوف التي تقابله هنا، وهناك تستفزه، ولا يستسفر من أحد..
- لماذا يصطف هؤلاء القوم؟
ولم هذا الصف طويلاً، وذاك قصير؟
ولماذا لا توجد مثل هذه الصفوف في كل الشوارع ؟
حالما يعجز في ايجاد إجابات شافية لأسئلته الحائرة، لا يلتزم بمسار الصف الذي اعترض طريقه. يدخل بجسده النحيف كقلم رصاص متآكل في وسط الصف، الوسط تماماً، كأنه قام بحساب عدد المصطفين على رؤوس أصابعه القذرة حساباً دقيقاً. لا يتذمر، ولا يحتج حتى مع نفسه على هذا اللهيب الذي ترسله شمس الظهيرة، ولا يرى في الشمس سوى إنها مجرد مكواة كهربائية ذات ماركة أصلية مختومة بختم المصنع، مهمتها الوحيدة في هذه الدنيا تجفيف جلبابه الداكن الذي يحتفظ في نسيجه بكل مخلفات المدينة، وإسقاط أشعتها على رأسه العاري، بعدما فشل في أن يستأجره كمسكن دائم لقمل يتيم، مقابل أن يتوالد ويجبره على الاغتسال ولو مرة واحدة كل ربع قرن. لا شارب ولا لحية لديه أيضاً. كفَّ جسده منذ أن احتوته الشوارع عن افراز الانزيمات. بشرته جافة متجعدة، كأنها لشيخ لفظه قطار العمر في أرذل المحطات. حافي القدمين، حاد القسمات، نحيف بشكل مخيف للدرجة التي تظن فيها أن الجلباب وحده يقف في الصف، ولا شئ بداخله. جميع الألوان ماتت، عدا الأصفر الملتصق بعينيه..
الصف متسمراً في مكانه، وكأنه شيد بمواد بناء غير مغشوشة. لم يفكر (عبدالباقي) فيما سيقوله، ولا خطة جاهزة لديه عندما يحين دوره، ويقف أمام الموظف الجالس خلف طاولة كبيرة، وبجواره تجلس فتاة احتكرت بشرتها كل ألوان الأرض. يحني الموظف رأسه كثيراً، وكأنه يختبئ من العيون المصطفة أمامه، يشغل يديه بأوراق قريبة من صدر الفتاة، يلامس الصدر بكفه، ويتحسسه سريعاً، وكأن الأمر صدفة، أو جزءاً من وظيفته. ليس للفتاة يدان ظاهرتان على الطاولة. بعض المصطفين ثرثروا كثيراً حول هذه الملاحظة، منهم من يقول بأن لا أيادي لهذه المسكينة، ولأنها معاقة، انتزع لها أحدهم هذه الوظيفة. طلع أحد المصطفين فجأة في حجر كبير قابع بجوار الصف. شاب قوي البنية، ينتشر شعر كثيف أسود في كل أجزاء جسده، وأعلن عن رأيه المخالف، والمغاير، والمتميز، كما قال، وباعتباره إنسان مدرك لما يجري في المكاتب كموظف سابق، أن للفتاة وظيفة تحتية سرية تنجزها مرة باليسار، ومرات عديدة باليمين، وقبل أن ينزل من على الحجر، ويعود إلى مكانه في الصف، ختم رأيه فيما يجرى بين الموظف والفتاة بلغة هتافية محرضة..
- ألا تلاحظون أيها الفقراء إنها تلصق كتفها بكتفه..
وقف (عبدالباقي) برأيه في الوسط، تجاهل الأمر، وفكر في الموظف حالما يصله. هل سيعطيه قوت يومه، أم سينشغل عنه بتجفيف ملابسه الداخلية ويتجاهله، ويصرفه سريعاً عن نظره. لماذا لا تكون الفتاة بطيئة في عملها السفلي؟..
الحسرة على آخر قطعة نقد رآها في حياته، واعترضت طريقه، وركلها بطريقة استفزت جمعيات عالمية تهتم بحقوق (العُملة) بكل أنواعها، مازالت تسيطر عليه. لوى فكيه نصف التواءة، سالت قطرات من لعاب قديم فوق شفتيه، احتار كثيراً في الكيفية التي جاءت بها تلك القطرات، بعدما استشهدت غدده في معركة الحياة. تذكر مع هذا اللعاب المفاجئ، ذلك اليوم الذي انكب فيه على مكب النفايات منقباً. صوت أظافره وهي تحتك بكيس من النايلون الأسود يعتبره (عبدالباقي) من أروع الأصوات التي سمعها في حياته. الكيس منتفخاً حد الامتلاء. سحبه برفق، أدرك من درجة حرارته بأنه لم يكن قابعاً في ثلاجةٍ ما. إنه طازج ودافئ، ولا شئ صلب في داخله. ضغط بلطف على محتوياته من الخارج، اهتزت، ثم تزحزحت المحتويات قليلاً عن مكانها، واستقرت كقطعة من الأسفنج قطعت بشكل عشوائي..
للحظة متعتها، ولإرجاء الفضول لوقت لاحق سحره. أحاط غنيمته جيداً بيديه، كمن يمني نفسه بوجبة دسمة في ليلة ماطرة، ولأول مرة يفكر جاداً، إلى أين يذهب؟، فلا مقر له، وكل المقرات ملكه. خلف مطعم بائس شيد بصفيح بالٍ، جلس فوق هضبة من التراب المبتل بمخلفات المطعم السائلة، ضغط الكيس من أسفل فأندفع الهواء وانتفخ العنق، غرز أظافره في العنق فأحدث الهواء صوتاً، وهو يخرج من بطن الكيس، أدخل يده كاملة، ملأ كفه باللحم الطازج، قربه من أنفه، الصقه به تماماً، ضحك بصوت عال، وتخيل أن قصاباً مخبولاً نصب على أحدهم، وبدلاً من أن يعطيه لحم الخراف الذي يريده بعد أن قبض الثمن، رمى له في هذا الكيس كيلو كامل من لحم البقر. لا فرق عند (عبدالباقي) إذا كان اللحم من جسد خروف (سواكني) أم (خرطومي)، بقر أم جمل، فاللحم لحم، والمتعة متعة، والشواء شواء، والرائحة هي الرائحة. تحرك بصورة آلية خطوتين إلى الأمام، عندما أنجز الموظف المتيم بفتاته معاملة أحد المصطفين. لم يرد أن تفسد الخطوات التي خطاها صفاؤه الذهني في هذه الوقت، وقت اللحم. أعاد اللحم إلى داخل الكيس، وسدَّ التجويف الذي صنعته أظافره، وضع الكيس داخل جيبه، ثم أمسك رأسه بيديه، ورهن نفسه لتفكير عميق في كيف ومتى وأين سيطبخه..؟. الصق وجهه في سطح الصفيح المحيط كسوار قديم بالمطعم، اقتلع قطعة متآكلة في سطح الصفيح، ووضع عينيه يستطلع ما يدور في الداخل..
يمسك (الطباخ) وهو خلف ناره بقطعة لحم كبيرة، يمزقها بساطور حاد إلى أشلاء صغيرة، يضع الساطور الأول، ويمسك بآخر أكبر حجماً، يهشم العظام قدر ما يستطيع، يضع في كفة الميزان التي على يساره كتلة أوزان، يختار بسرعة فائقة أسوأ أنواع قطع اللحم، ويخلطها بالعظام، والدهون المتصلبة، وببعض أغشية اللحوم، ويضعها في الكفة الأخرى، لا ينتظر حتى تتساوى الكفتان، يفرغ اللحم في إناء ربع دائري، يصبُّ قطرات من زيت الفول عبر ثقوب صغيرة صنعها في غطاء لقارورة مياه معدنية قديمة، بأطراف أصابعه يتناول حفنات قليلة من "الملح والشمار والشطة والكزبرة.."، وغيرها من البهارات، يمزجها جيداً بباطن يده مع اللحم، يضع الإناء على جمر فاتر نصف محمر، ويصيح بأعلى صوته مخاطباً رجلاً في منتصف العمر، أنيق المظهر يجلس خلف طاولة عليها جردل ممتلئ بالماء يسبح فوقه كوب من الألمونيوم..
- اللحمة جاهزة يا دكتور..
تمنى (عبدالباقي) وهو غارق في تداعيات هذا المشهد، أن يكون (الطباخ) والدكتور في نفس الوقت. شهق من خلف صفيحه إعجاباً بهذه المهارة، التي يتمتع بها (الطباخ)، حفظ عن ظهر قلب طريقة الإعداد السحرية، كأنه يشاهدها في برنامج "كلوا مما رزقناكم" في الفضائية الصومالية، وقرر علناً أن يطبقها كما رآها، ولكن سرعان ما رسمت ملامحه المنفرجة انفراجاً مؤقتاً علامة استفهام كبيرة، متى وكيف وأين يا (عبدالباقي)..؟
- أوراقك يا أستاذ..
بهذه الجملة أعادت الفتاة التي اتضح أن لها يدين (عبدالباقي) إلى أرض الواقع، وجد نفسه أمامها، ولا أحد في الصف غيره..
- أين ذهب المصطفون خلفه؟
ابتلع بصعوبة بالغة قطرات من لعابه حتى يحتفظ بها لمناسبة أخرى. أعلن بدهشة مصطنعة بأنه ليس بأستاذ !، وإذا كان أستاذاً ففي أيّ مجال؟، ودرجة الأستاذية التي بسببها كادت محاكم التفتيش أن تطلق إحداهنَّ من زوجها، لولا نعمة الهروب خارج البلاد. هاهي فتاة المكتب تمنحه إياها بلا جهد، وبلا معارك فكرية على السرير، أو على الأرض، أو على الأقل على الطاولة. اقترب من الفتاة ومرر رأس لسانه فوق مسار شفتيه. شرح لها بكلمات مقتضبة بأن لا أوراق لديه، وأية أوراق تعنيها بالضبط؟، وكل الذي يعرفه أن اسمه (عبدالباقي) فقط، وأن الباق في هذا الاسم هو الله، باق هنا، وباق هناك، وفي كل مكان، حتى لا تفهم صاحبة الوظيفة التحتية بأنه عبدٌ لبقية الناس، ولمخلفاتهم المتخلفة. لم تبتسم الفتاة، أشارت له بيدها على أن يقترب أكثر، حاولت أن تشرح له بأنه إنسان متضرر من واقع بلاده اليوم، وأن هيئته تدل على ما لا يدع مجالاً للشك بأنه معارض شرس لكل آليات صناعة وتسويق الجوع، وعليه بدلاً أن نعطيه حفنة طعام يمضغها الآن ويخرجها في العراء في وقت لاحق، ولا يعرف بعدها كيف يغتسل، فمن الأفضل له أن يستغل هذه الفرصة، ويكتب تقريراً مفصلاً عن حالته وحالة زملائه المزرية، وعلى ضوء هذا التقرير نخيره بأفضل دول العالم، وما عليه سوى أن يختار أين يود أن يقضي بقية حياته، فقط إشارة خفيفة ولماحة بحاجبه لواحدة من هذه الدول " كندا، امريكا، السويد "، ليجد نفسه قبل أن يرتد له طرف في أحضان واحدة منهنَّ، وفي غرفة كل جدرانها من الزجاج الذي يبث هواء بارداً لا يعرف مصدره، وإن عاش فيها مائة عام، ولتعلم اللغة هناك فتيات لا يعترفنَّ بحاجز اللغة..
استغنى (عبدالباقي) في واحدة من لحظات تقيُّؤه النادرة عن محتويات معدته، وتقيأ على الطاولة. لم يسلم وجه الفتاة من رذاذ ما أخرجه من معدته الخاوية. خرج يحمل فوق قامته التي تبدو كقلم رصاص متآكل، جبالاً من الاحتقار لكل المسميات الرنانة، التي تهين الإنسان في ترابه الذي ولد فيه، وسيموت فيه.
تجول كثيراً حتى تقيحت وتقرحت قدماه، وفي طرف ناءِ من أطراف المدينة، وجد نفسه تائهاً وسط محلات تجارية صغيرة، بنيت بشكل عشوائي. توقف أمام أول متجر قابله، نظر نظرة سريعة (للتمور، والنبق، والفول المصري، والعدس)، ومجموعة أشياء أخرى موضوعة في أوانِ كبيرة مفتوحة تقبع أمام المتجر، وقريبة جداً من المارة في الشارع العام. جلس متكئاً على لوح من الحديد مواجهاً للمتجر من الجهة الأخرى. لفت نظره متشرد آخر أكثر بؤساً منه، ولكنه أصغر عمراً، على سحنته آثار وسامة مدفونة تحت الأتربة. يقترب المتشرد ببطء من الحبوب المعروضة في واجهة المتجر، يتلفت ثم يندفع بقوة جهة التمور، يملأ يديه ويطلق ساقيه مع اتجاه الريح. تشتعل نيران الغضب في جسد صاحب المتجر، اختصر كل لغات الغبن، والاحتقار، والغضب، في كلمة واحدة وقذف بها المتشرد. تناول بسرعة حفنة تمر، ورمى بها ظهر المتشرد الراكض جهة المجهول. من شدة استمتاعه بالمشهد فتح (عبدالباقي) فمه على آخره. أخطأت حبة تمر من التمور التي قذف بها صاحب المتجر ظهر المتشرد طريقها، وانزلقت في بطنه عبر فمه المفتوح. شعر بها كحجر صغير يرتطم بقاع معدته. حمد الله كثيراً على هذا الرزق الذي عفاه من مغبة المضغ. استغل التفاف الناس حول صاحب المتجر، ليحللوا معه هذه الظاهرة، أمسك بإبريق منزو عن الأباريق الأخرى، وأفرغ ما في جعبته من ماء داخل جوفه. شعر بنعاس مفاجئ، غادر المكان. راقت له المقبرة، شده الهدوء، تلمس مصطبة صغيرة لا يتعدى ارتفاعها نصف المتر، بنيت حديثاً لرجل مات حديثاً. أسند عنقه عليها، مدّد رجليه. الألم يطرق أبواب معدته بشدة. تذكر أن للتمرة التي تنام في بطنه نواة. المعدة هشة، ولا تستطيع أن تهشم النواة، لا غدد، ولا انزيمات، لا سبيل سوى الإخراج، التغوط عنوة. استحى أن يفعلها فوق الموتى، اتجه قابضاً على بطنه صوب العراء، وطئ بقدميه الحافيتين فضلات الآخرين، تكوم في وسطها، رفع جلبابه لأعلى، تنحنح. الرائحة نفسها. كيف توحد البشر في رائحة فضلاتهم. زمان حينما ركل (عبدالباقي) قطعة النقد برجله، كانت للفضلات روائح مختلفة. الناس لا تأكل الأكل نفسه، فضلات الأثرياء لها رائحة نفاذة، وكريهة لدرجة التقيؤ، فالأكل الدسم يخلف مخلفات دسمة..
باءت محاولات (عبدالباقي) لإخراج النواة عن طريق مستقيمه الغليظ بالفشل. نهض وأرخى جلبابه، شعر بالوهن، والإرهاق، وبارتعاشات في أطرافه، كأنه يعيش في بيت للنمل. هرول بقدر ما تحتمل ساقيه جهة المقبرة، أسند عنقه على المصطبة المشيدة في حافة القبر الحديث. ردد وهو يلهث الشهادة ثلاث مرات وأغمض عينيه. لم ينقض وقت طويل، فتح عينيه، اكتشف بأنه لم يمت بعد. لم يبتهج لهذا الاكتشاف. تمنى صادقاً أن تنمو نواة التمر داخله، وتصبح نخلة مكتملة. سيطرت على حواسه فكرة النواة، والنمو، والنخلة سيطرة كاملة، فهو عاش كالنخلة، ويجب أن تنبثق نخلة أخرى من موته. الموت هو المعادل الموضوعي لفكرة الميلاد، ولكن النخل لا ينمو إلا في التراب، وهو الآن جالس في التراب، وكل ما حوله تراب في تراب. تحسس التراب الذي على يمينه، بدأ يحفر بأظافره، ملأ كفه، أفرغه في يده الأخرى تاركاً مسافة بين اليدين. الهواء يسرق جزء من ترابه. وضعه في طرف جلبابه، التقط الحصى الصغيرة المندسة بين ذراته، صار التراب نقياً لا شوائب فيه، قبض حفنة كبيرة وأفرغها في فمه، لم يستطع أن يبتلعها، أخرجها كماهي ناشفة. حاول في المرة الثانية بحفنة قليلة للغاية، فتح فمه على آخره، رماها في جوفه، جحظت عيناه، تمدّد، ألحق الحفنة بأخرى، وأخرى، تأمل السماء، ابتسم نصف ابتسامة، وكأنه يرى نخلة طويلة تطمر جذورها في بطنه. غاب عن الوعي، عاد أكثر ضعفاً، وإعياء. فاجأه صوت من خلفه، استدار بعنقه من فوق المصطبة، رأى سارق التمور، المتشرد الأكثر بؤساً، والأصغر عمراً، متكوراً خلفه، يجلس كما تجلس دجاجة حامل في شهرها السابع. الدجاج لا يحمل يا (عبدالباقي) !. أشار لسارق التمور أن يقترب، رفض السارق فكرة الاقتراب، أشار بيده للشئ الذي يجلس عليه. خيوط الظلام أعاقت الرؤية، ظن (عبدالباقي) أن السارق يجلس فوق بيضة متوسطة الحجم، لا يعرف إلى أيّ من الحيوانات التي تبيض تنتمي. هل خرجت من صلبه، أم يريد أن يستنسخها؟، رجح الاحتمال الثالث، بأن زميله سارق التمور يريد أن يبث حرارته في البيضة حتى (تفقس) !. لماذا لا يأكلها إذن؟، حتماً أن لديه عقلية تجارية فذة جعلته يفكر في أن يصنع أجيالاً منها، وسيفتح محلاً تجارياً للدواجن قريباً في طرف السوق، هكذا بدأ كبار رجال الأعمال في العالم العربي تجارتهم. حاول أن يخبره بأنه أيضاً مفيد، وسينجب بعد قليل نخلة. شعر وكأنه يقهقه، نخلة وبيضة، بيضة ونخلة، ما أروع أن تكون منتجاً في عالم غير منتج..
يغيب (عبدالباقي) تدريجياً عن الوعي، تنخفض درجة حرارة جسمه، بذات القدر الذي ترتفع فيه درجة حرارة زميله سارق التمور. البيضة تهتز هناك قليلاً، وتبدأ في التشقق. تنتفخ البطن هنا وتمتلئ بالهواء حد الانفجار. سُرَّة (عبدالباقي) تطير كقطعة فلين تم نزعها من فوهة زجاجة تحوي مشروباً غازياً شديد التركيز، ويطل ساق نبات خارج من بطنه. الشقوق تتكاثر في قشرة البيضة التي يجلس فوقها سارق التمور، تنشطر البيضة إلى شطرين، رأس صغير لجنين دجاجة يستنشق الهواء. درجة الحرارة تصل لقمتها في جسد سارق التمور، يتبخر الجسد كهواء ساخن. الهواء الساخن يذيب جسد (عبدالباقي) المتجمد، ينصهر، تمتصه الأرض. النخلة تنمو بسرعة غير معتادة. (الديك) ينتفض خارجاً من شرنقته. النخلة تعانق السماء. يتسلق (الديك) ساقها، يصل إلى أعلى غصن فيها، يطلق صراح صوته ، ويصيح وكأن الصبح قد أصبح..
الشمس ترسل أشعتها بهدوء في هذا الجانب من الكرة الأرضية. الخبر ينساب كماء عذب بين الناس، وحالما أكملت الشمس استدارتها، أصبح خبر النخلة و(الديك) كالسيل الهادر. جمعت المدينة عمقها، وأطراف أطرافها، والتفت حول المقبرة. زحام وتدافع، بكاء، وصلوات تقام هنا، وهناك، ورسومات في جدران المنازل (لديك) جميل يمتطي رأس نخلة فارعة الطول. ترك الناس مكاتبهم، وأسواقهم، ومركباتهم، ومدارسهم، واتجهوا في مسيرات هادرة صوب المقبرة. توقف دولاب العمل متسمراً في مكانه. استعادت الحكومة عنقها، بعثرت الجهات الأربع، لم تر ما يستدعي كل هذا الزحف، أرسلت في مهمة عاجلة عيونها، وأنوفها، وأياديها، ليعرفوا تفاصيل ما حدث في الأفق. لم تجد الحكومة شيئا يذكر في التقارير التي رفعت لها. تجاهلت الأمر، وقهقهت بصوت عال، ثم أعلنت عبر ترسانتها الإعلامية، أن اليوم عطلة رسمية في كافة أرجاء البلاد.
تعليق