رصيد يوشك على الانتهاء
لمثل هذه المفاجآت كانت تحب الراديو...
الراديو الذي يتداخل مع حياتها كموسيقى تصويرية لفيلم روائي طويل، هي بطلته الأولى والأخيرة... الذي يبكي نيابة عنها عندما تجمد عيونها... الذي يمد ألحانه حول خصرها ليراقصها في لحظات الصمت المدوي والحنين الجارف لأشياء لا أسماء لها...
كان نهاراً عادياً...
(أليس مضحكاً أن المفاجآت تطل برأسها المتوهج من بين صفحات الأيام الرمادية الكثيرة!!)... اشترت قهوتها العادية وجلست على كرسي الرصيف بانتظار أن يأتي مديرها العادي، ليفتح باب مكتبهم العادي لتزاول عملها العادي، حتى نهاية يومها العادي...
فتحت الراديو (لا لتسمع شيئاً، ولكن لتصبر نفسها على انسراب الزمن... الزمن البطيء الذي تعيش لتستهلكه، ثم لتنظر وراءها ويفاجئها إرث عظيم من الحسرة!!)... أغنيات عادية... وأخرى أكثر عادية...
ثم فجأة... كما يتنزّل الفجر: جاءت أغنيتها المفضلة...
كانت سنوات قد مرت عن آخر مرة سمعتها فيها... سنتان أو ثلاث (فقدت القدرة على التحديد... هنالك الكثير من الزمن في محفظة الدهر...عادي)...
عندما سمعتها أول مرة صمتت صمتاً طويلاً مبهماً... حفظتها دونما قصد (كقدر يلتصق بالجمجمة)، حفظتها مع تمتمات المذيعة "جديد... روتانا..."
وعندما أعيدت الأغنية مرات عديدة بعد ذلك كانت تتوارى لتبكي بكاءً عابقاً بالأحلام والعهود... عاهدت نفسها ذات ليلة ألا تتخلى عن "الأبدية" التي تملكها إلا لأجل حب كارثي كهذا الذي تسمعه...
شيء كرذاذ المطر الخفيف العالق في الجو، وكالضباب العاجي الذي يغلف الروح كلما حلقت مع الأغنية...
أحست في ذلك الحين أن العالم مفتوح على آلاف الاحتمالات، وأن أجنحة فضية بدأت تنبت فوق كتفيها...
أحست أن الكون هو لعبتها، وهو محطة انتظارها للحب الآتي من وراء الغيم...
كان يقينها يفوق كل شيء...
لم تسجل الأغنية، وكف الراديو عن بثها استجابة لضخ سيل الأغنيات الأجدد... تكدست جثث الأيام فوق أجنحة الحلم، وفوق الألحان والكلمات المجنحة...
ماتت الأغنية تحت ردم العادية...
وجدت نفسها "مدام" تقف على رصيف بارد، في صباح بارد، بانتظار مدير بارد يهبها سبباً وجيهاً ومنطقياً لإهراق ساعات النهار الذي يتمدد بجسده اللزج فوق عمرها... ليمنحها سبباً قوياً لتبقى بعيدة عن بيت، فيه كنبة يجلس عليها رجل فوجئت به ذات صباح يستيقظ إلى جوارها، قبل أن تتذكر أنها تزوجته قبل زمن (عجزت عن تحديده أيضاً)...
نخزها البرد في بطنها...
نظرت إلى بطنها المنفوخة وأحست بالخطيئة... لأجل أطفال يأتون إلى العالم دون سبب محدد إلا لتسلية أهلهم عن كرنفال الضجر الذي يعصف بكل شيء!!...
تأخر المدير... فعلاً تأخر (أو أن الزمن تعثر في مشيه و تدحرج نحو التلاشي!!)...
قالت لنفسها أنها تبحر في قارب مثقوب، وأن الأغنية أعادت إيقاظها لتنتبه إلى قربها من القاع...
أخذت تبكي... أحست أن قاربها لن يرسو على ساحل "قصر الشوق" يوماً ما...
نظرت إلى الأفق... كانت الشمس تتستر بشال من الغيوم ولكن الكوكب بدا مضيئاً أكثر مما ينبغي... داعبت شفاهها ابتسامة غامضة، ثم غشي الضباب كل شيء...
*****
كبر ابنها وهو يقول للناس أنه فخور بيتمه، لأن أمه زارته في المنام وقالت أن قلبها أخذ قراراً جريئاً وأدار ظهره للزمن وتوقف عن العمل.
محبتي إلى مروان خوري.
محبتي :
تقوى مساعدة
لمثل هذه المفاجآت كانت تحب الراديو...
الراديو الذي يتداخل مع حياتها كموسيقى تصويرية لفيلم روائي طويل، هي بطلته الأولى والأخيرة... الذي يبكي نيابة عنها عندما تجمد عيونها... الذي يمد ألحانه حول خصرها ليراقصها في لحظات الصمت المدوي والحنين الجارف لأشياء لا أسماء لها...
كان نهاراً عادياً...
(أليس مضحكاً أن المفاجآت تطل برأسها المتوهج من بين صفحات الأيام الرمادية الكثيرة!!)... اشترت قهوتها العادية وجلست على كرسي الرصيف بانتظار أن يأتي مديرها العادي، ليفتح باب مكتبهم العادي لتزاول عملها العادي، حتى نهاية يومها العادي...
فتحت الراديو (لا لتسمع شيئاً، ولكن لتصبر نفسها على انسراب الزمن... الزمن البطيء الذي تعيش لتستهلكه، ثم لتنظر وراءها ويفاجئها إرث عظيم من الحسرة!!)... أغنيات عادية... وأخرى أكثر عادية...
ثم فجأة... كما يتنزّل الفجر: جاءت أغنيتها المفضلة...
كانت سنوات قد مرت عن آخر مرة سمعتها فيها... سنتان أو ثلاث (فقدت القدرة على التحديد... هنالك الكثير من الزمن في محفظة الدهر...عادي)...
عندما سمعتها أول مرة صمتت صمتاً طويلاً مبهماً... حفظتها دونما قصد (كقدر يلتصق بالجمجمة)، حفظتها مع تمتمات المذيعة "جديد... روتانا..."
وعندما أعيدت الأغنية مرات عديدة بعد ذلك كانت تتوارى لتبكي بكاءً عابقاً بالأحلام والعهود... عاهدت نفسها ذات ليلة ألا تتخلى عن "الأبدية" التي تملكها إلا لأجل حب كارثي كهذا الذي تسمعه...
شيء كرذاذ المطر الخفيف العالق في الجو، وكالضباب العاجي الذي يغلف الروح كلما حلقت مع الأغنية...
أحست في ذلك الحين أن العالم مفتوح على آلاف الاحتمالات، وأن أجنحة فضية بدأت تنبت فوق كتفيها...
أحست أن الكون هو لعبتها، وهو محطة انتظارها للحب الآتي من وراء الغيم...
كان يقينها يفوق كل شيء...
لم تسجل الأغنية، وكف الراديو عن بثها استجابة لضخ سيل الأغنيات الأجدد... تكدست جثث الأيام فوق أجنحة الحلم، وفوق الألحان والكلمات المجنحة...
ماتت الأغنية تحت ردم العادية...
وجدت نفسها "مدام" تقف على رصيف بارد، في صباح بارد، بانتظار مدير بارد يهبها سبباً وجيهاً ومنطقياً لإهراق ساعات النهار الذي يتمدد بجسده اللزج فوق عمرها... ليمنحها سبباً قوياً لتبقى بعيدة عن بيت، فيه كنبة يجلس عليها رجل فوجئت به ذات صباح يستيقظ إلى جوارها، قبل أن تتذكر أنها تزوجته قبل زمن (عجزت عن تحديده أيضاً)...
نخزها البرد في بطنها...
نظرت إلى بطنها المنفوخة وأحست بالخطيئة... لأجل أطفال يأتون إلى العالم دون سبب محدد إلا لتسلية أهلهم عن كرنفال الضجر الذي يعصف بكل شيء!!...
تأخر المدير... فعلاً تأخر (أو أن الزمن تعثر في مشيه و تدحرج نحو التلاشي!!)...
قالت لنفسها أنها تبحر في قارب مثقوب، وأن الأغنية أعادت إيقاظها لتنتبه إلى قربها من القاع...
أخذت تبكي... أحست أن قاربها لن يرسو على ساحل "قصر الشوق" يوماً ما...
نظرت إلى الأفق... كانت الشمس تتستر بشال من الغيوم ولكن الكوكب بدا مضيئاً أكثر مما ينبغي... داعبت شفاهها ابتسامة غامضة، ثم غشي الضباب كل شيء...
*****
كبر ابنها وهو يقول للناس أنه فخور بيتمه، لأن أمه زارته في المنام وقالت أن قلبها أخذ قراراً جريئاً وأدار ظهره للزمن وتوقف عن العمل.
محبتي إلى مروان خوري.
محبتي :
تقوى مساعدة
تعليق