الخطيئة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فيصل بامري
    عضو الملتقى
    • 24-07-2010
    • 11

    الخطيئة

    السواد جد حالك في هذه الساعة المتأخرة من الليل،بينما يجاهد أحد الفوانيس الناجية من عبث الصغار ليضيء ولو جزءا من الشارع المظلم،وقد أنهت القطط رحلة البحث في حاويات القمامة القليلة فسكنت حركتها و لم تعد يصدر عنها سوى بعض المواء الذي يقطع الهدوء المطبق على المكان.

    يفتح أحد الأبواب ويُطل منه رأس تشع منه عينان حذرتان تُطمئنان صاحبها فيتسلل الشبح مغادرا المنزل بحركات خفيفة لا يكاد يُسمع لها وقع.

    يُغلق الباب مجددا ويختفي الرجل سريعا وسط الظلام الدامس.

    تستند المرأة إلى الباب المغلق ولكنها تعجز عن الوقوف مدة طويلة فتجلس على الأرضية الباردة بلا مبالاة،هي التي لا تلبس غير ثوب شفاف.

    نظرت إلى الورقة النقدية التي تحملها بين يديها وسرعان ما رمتها بعنف،ولكنها وقعت غير بعيد عنها.نظرت إليها مجددا فأحست بآلام في بطنها ورغبة في التقيؤ.

    شعرت كما لو أن رائحة نتنة تنبعث منها،لم تفكر في الاغتسال بل أغمضت عينيها تسترجع صورا لم تغب عنها يوما.

    يرتسم المشهد الأول غاية في "الرومنسية"،بعيدا عن الأنظار يحتضن شاب ما فتاته التي تحبه بكل صدق،يطبع قبلة على شفتيها هي المأخوذة بسحر همساته،المنقادة بكل استسلام لحركاته التي تلامس مواطن طهرها،هذا الطهر الذي تراه ينتهك بداعي الحب فلا ترفض أو تقاوم،نظراته وهمساته ولمساته كانت كفيلة بدك حصونها التي بدت واهية أمام فعل الحبيب الآثم.

    تتألم روحها وتصّاعد الحرارة إلى عينيها وهي تتابع المشهد الذي انتهى بجنين يتخبط في أحشائها وحبيب يتنكر لها فتبقى وحيدة تصارع العذاب،لتقرر ذات صباح الرحيل قبل أن يفتضح أمرها.

    فكم فتاة جلبت العار لعائلتها وألبستها ثوب الخزي بفعلتها النكراء التي تراها متجسدة في بطنها الذي لم ينتفخ كثيرا بعد.

    رحلت دون أن تودعهم،دون أن تلقي عليهم رداء الذل إلى الأبد،رحلت مع أشعة الشمس الأولى تاركة وراءها حياة بأكملها،اختفت فجأة فصارت في نظر العائلة مفقودة أو حتى مخطوفة،الأكيد أنهم بحثوا عنها كثيرا ولكنهم حتما بعد سنتين أو اثنتين قد "نسوا" أمرها.

    هل كان قرار مناسبا ذلك الذي اتخذته؟وأنى لها أن تتحمل لوحدها ثمن الخطيئة بعيدا عن العائلة والقرية؟

    لم تعد تلك الأسئلة مهمة وهي تنتقل من مدينة إلى أخرى ومن عمل إلى آخر...

    تنهمر الدموع حارة على وجنتيها وتتالى الصور المؤلمة،خاصة وقد تتابعت الأشهر فصارت نظرات من تسألهم العمل تتجه باتهام إلى بطنها المنتفخ ثم تطردها بكل قسوة.

    ويحين اليوم الذي لا مفر منه فتتجه إلى إحدى المصحات فيتلقفها ذئب جديد يعرض عليها صفقة لم تقدر على رفضها.

    وكم كانت تجهل تبعاتها،ففي حين يتكفل هو بعملية الوضع ويحتال بطريقته الخاصة لتسجيل المولود بدفاتر الحالة المدنية،كان عليها أن تبقى رهينة لديه لسنتين متتاليتين.

    تحاول تجنب الصور التي تذكرها بتلك المدة التي قضتها في خدمة ذلك الطبيب تلبي رغباته كما نزوات أصدقائه،ولكنها لا تستطيع تجاهل صورة تلك الليلة،وقد كانت تقدم جسدها وجبة لذلك الجشع الذي لا يشبع أبدا إذ يرتفع صراخ رضيعها ويشتد،ولكن الرجل يمنعها من الذهاب إليه،بل ويلقي إليها بوابل من الشتائم والصفعات،فتدفعه عنها وتسرع إلى المطبخ حتى إذا ما لاحقها أشهرت في وجهه سكينا حادة.

    وهكذا تعلمت الدفاع عن نفسها وقد صارت على يقين أن كل الذئاب...جبناء.

    تنهض بصعوبة وتلتقط الورقة النقدية ثم تتجه إلى الغرفة لتي ينام فيها ثمرة حبها الأول،تنظر إليه بكل حنان فتزداد آلامها حين تستشرف ذلك اليوم الذي سيسألها فيه من أنا؟من نحن؟أين أبي؟أين عائلتي؟...

    ترجع إلى غرفتها وهي لا تدرك أن عيني صغيرها البالغ من العمر خمس سنوات كانتا مفتوحتين...ونديتين.

    تضع الورقة النقدية داخل حقيبتها اليدوية الصغيرة ثم تنظر إلى المرآة فترى وجها تكاد تعرفه ولكنها تنكره بشدة.

    تُمعن النظر إلى المرآة ثم تفرك عينيها فتظهر لها صورتها المألوفة،بوجهها الطلق الذي زاده نور الإيمان ضياء وجمالا.

    انهمرت دمعة من عينيها وهي تستغفر ربها الذي نجاها من المصير الذي تخيلته للتو،مصير الأنثى التي تستسلم لإغراءات الذئاب المتلحفة برداء الحب،وهو منها براء.
    و أسرعت إلى هاتفها تضغط أزراره لتكتب إرسالية قصيرة لحبيبها الذي التقته قبل ساعات.

    "أخبرتني أن القبلة ليست سوى توقيع على ميثاق الحب والوفاء...كدت أصدقك لولا هداية الله...ميثاق الحب والوفاء هو عقد القران..."

    وما إن ضغطت على زر الإرسال حتى قامت تتوضأ لتصلي حمدا للمولى الذي يسّر دربها بعيدا عن الإثم والخطيئة.
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    أعجبني السّرد و القصّة بشكل عام.
    و أعجبني أنّك لم تكن عليها أيضا،أعطيتها فرصتها و تعاطفت معها.
    كذت الكاتب الإنسان مهما أخطأ الآثم الإنسان.
    أحيّيك و أشكرك على متعة القصّ.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    يعمل...
    X