دخول الأنثى إلى المقهى أثار استغراب "الأستاذ"، فكان محطّ تمتماته السرية ..
"أنثى تدخل المقهى ؟! ..
إنه لأمر نادر الحدوث، فالمرة التي دخلت فيها امرأة المقهى وقت انصرافي، لمحت في اليوم التالي عقدها معلقا على إحدى الكراسي، وخاتمها في خنصر النادل ... لكني في هذه الليلة سأشهد على تفاصيل موت أنثى للمرة الأولى ..."
ثم راح يتأملها باهتمام وفضول شديدين ..
عيناها بلون القهوة المحلاة بالموت، مخيفتان، ماكرتان كعيني كقطة، تخفيان الكثير من الأسرار، بل تضمران الشرّ، وتتقدان كشهب في وسط الليل ..
وشعرها الأسود الطويل سلاح آخر من أسلحتها، إنها بلا شكّ أنثى مختلفة .. ولكن الطيور على أشكالها تقع ..
استحوذت هذه المرأة على كل تفكيره، وعليها رست أنظاره في تلك الليلة، ولكنه رغم إعجابه بجمالها الخارق الفتّاك، إلا أنه تلهف لرؤية مشهد موتها، فتخيله مختلفا، بل مغريا ..كما شعر أن قتلها سيكون ثأرا لكل رجل قتلته امرأة جميلة !
ثم تابع الحديث في نفسه قائلا : " سأقهقه عند موتها، كما ضحكت "حياة" فوق جثتي .. حياة ؟! .. من هي؟ ولم نطقت باسمها ؟!"
اضطربت ذاكرته بالصور، أطلت من نافذة الضباب، امرأة، مألوفة الملامح، أشارت بإصبعها نحوه قائلة: أنت شخص مريض .. أنت شخص مريض .."ثم اختفت .....
بسرعة البرق مسح رأسه بيده، محاولا مسح الصور من ذاكرته، كما مسح الماضي يوما ..
نظر إلى المرأة نظرة حادة، يلومها على العبث بذاكرته، كما لام كل امرأة قبلا ... تمتم بعنف لم تشهده شفتاه قبلا : "هي دقائق .. هي دقائق وستموتين .. أيها النادل أسرع بدأ صبري ينفذ .. وأنتِ أيتها الساحرة المتكبرة ، سنرى كيف سيبدو كبرياؤك وأنت تنازعين أرضا كسمكة انتشلت من الماء .. !
أما المرأة فقد جلست تحتسي قهوتها،و تضخ في الفنجان، نظرات حادة يملؤها الحقد، ثم راحت تعصره بكفيها تحاول خنقه تارة، أو تنهال عليه بنقرات مزعجة بأطراف أظافرها تارة أخرى ... وكأن هناك ثأرا بينها وبينه ...
كان الأستاذ يعدّ لها الرشفات، ينتظر الأخيرة بفارغ الصبر، ولكن ما حدث فاجأه، بل أبقى ثغره مفتوحا على مصرعيه لفترة ..
فعندما قاربت على الإنتهاء، سكبت ما تبقى في الفنجان، على ظاهر كفها وأخذت تدلكه باليد الأخرى، كأنها تضع كريما للبشرة... ثم نادت النادل تطلب الحساب، اقترب منها وكان العطر المنبثق من عنقها يزداد توغلا في المكان، لكنه لم يتمكن من تخديره تماما، فسرعان ما صعق النادل عندما وجد الفنجان فارغا بينما المرأة لا تزال على قيد الحياة !
ظلل ذهولَه جسدُها الطويل النحيل حين وقفت قبالته وكأنها جبل شامخ، مدّت له يدها فانحنى يقّبلها كما جرت العادة عند التعامل مع النساء ...
وما هي إلا برهات حتى بدأ جسد النادل بالإرتجاف، كأن زلازلا ضربه وحده، حاول بيده المرتعشة أن يلتقط أنفاسه الهاربة، أو أن يعثر على صورة حوله، إلا أن كل شيء كان يسقط أمامه ويموت، تماما كما سقط هو دفعة واحدة على الأرض معلنة أنفاسه جلاء جنودها التام، وأن روحه تلاشت مع كل أمتعتها ...
لم يرعب هذا المشهد سوى الأستاذ الذي صار يتخبط في سره ويهذي :
"يا إلهي! لقد قتلت النادل ! هل انقلب السحر على الساحر! ... من هي ؟؟؟ ... كيف استطاعت ؟!
استولى الذعر عليه تماما، خاصة عندما ظنّ أن تلك المرأة تتقدم نحوه ...
اقتربت من المعلم الذي لم تظهر عليه علامة الإستغراب بتاتا ... مدّت له يدها ليقبلها، فابتسم بسخرية وقال: "لقد اشتقت إليك كثيرا يا حلوتي .."
بادلته نفس الإبتسامة، ثم جلست على حجره، وأسدلت بستار شعرها على كتفه، محدقة في السماء بخبث، بينما هو غارق في استنشاق عطرها ......
أما الأستاذ فكان عالقا بين جدران أسئلة غامضة، وكلمات مضطربة:
"من هي ؟! .. وما علاقتها به ؟! ..
يا ربي، أصبح هناك اثنان يبخان دخانهما في وجهي الآن! .. إثنان من المجرمين والقتلة ..
لكنه ما لبث أن انشلت أفكاره، فقد وقفت من جديد ومشت نحوه، تغرس خطواتها في قلبه، فتستنفر خفقاته، هلعة، متخبطة ببعضها، تحاول الفرار ..!
انتصبت أمامه كشبح مضى على موت نظراته دهور، حدّقت في فنجانه ثم في وجهه المصفرّ، وأردفت:
-أتعمل نادلا هنا؟
-من أنا؟.. أجابها متلعثما، ثم استجمع قواه وبعض الأحرف ليقول بثقة مصطنعة: "أردّ عليك في الغدّ" ..
وهمّ بالرحيل، ليجد فنجانه الذي يحتضن السمّ، يلاحقه خطوة بخطوة ...
التفت نحوها فكانت متبسمة تحمل مئزرا وربطة عنق سوداء ... وما هي إلا ثوان حتى وجدها تلفّ المئزر حول خصره، وربطة العنق حول رقبته، فأحسّ أنها تحاول شنقه بها، كما علقّت على صدره رقم "140" ثم وضعت عينيها بمحاذاة عينيه، كأنها تتحداهما، وقالت دون أن تحرك شفتيها:
"من اليوم صار رصيدك في اللعبة أكبر ... وزادت قدرتك على التحكم .."
.
.
.
.
يتبع
تعليق