خفافيــــش
أسامه محمد صادق
_هذه المرة الثانية التي جئنا لنأخذك إلى الاعتقال
-وأقول لك وللمرة الثانية ستطلقون سراحي وستقولون مجرد وشاية
_ أصمت هذه أوامر وعليك تنفيذها فتشوا البيت واحملوا كل ما تجدوه من وثائق وأجهزة وحقائب لا تتركوا شيء يغفل عنكم وانتم يا حراس كتفوه وارموه في السيارة...
- انتظروا ...انتظروا أرجوكم... ريثما أيقظ عائلتي وادخلهما في الحجرة الثانية
لم يكن عند الحرس الذي انتشروا كالجراد في فناء بيتي الضيق... شيء ليكتفونني حاولوا ان يجدوا شيء .. دخلوا غرفة منامي القوا بملابسي على الأرض ، ربما استهوتم ملابسي الداخلية كانت جديدة ولم تستخدم بعد ...
لن انسى نظراتهم المتفرسة ولن انسى ذلك الشكل الذي تسمرت بوجهي عيناه المزرورتان حين اوكل لنفسه تمزيق (الفانيلة) كان وجه اشبه بوجه فرس النهر وكانت يداه مطلقتان تنتظران صفعي ورفسي في حال اي رفض وامتناع عن طاعتهم
طلبت منهم منحي بعض الوقت للذهاب الى الحمام لتجديد وضوئي فقد يطول الطريق كما اني اجهل المكان الذي سألقى فيه او قد لايكون هناك مكان أصلا ......
تعالت ضحكاتهم ..
_المسكين أصابه الإسهال من شدة الخوف ...
حملني احدهم وتلاقني الاخر ووضعوني بحوض السيارة الخلفي وانطلقوا بسرعة تفوق الخيال وراح جسدي يرتطم ببدن العجلة كشاة مذبوحة بدون وثاق..
كان ثوبي يتطاير ويكشف عن عورتي ولا سبيل بسترها
صحت بأعلى صوتي
_ أسترني الله يستر عليك..
لم يتباطأ احدهم كان على ما يبدو حسن الخلق ...اسند ظهري على مؤخرة العجلة ولم ثوبي ..كان البرد قارصا فأحتميت بدون إرادتي بحضن شاب ،لقد بدا لي يافعا في مقتبل العمر يحمل من الشجاعة ما يثير الارتياب باعتقاله...همس في إذني
_ ليست هذه المرة الأولى التي اذهب معهم لقد اعتدت على ذلك..
تمتمت مع نفسي
- حسبي الله ونعم الوكيل
استدركني الأخر صارخا بغضب
_ تحسب على الذي أوشى عليك ولا ترفع صوتك لتغيضنا لقد تماديت كثيرا منذ ان اعتقلناك وأنت تستغفر وتسبح وتتحمد وتتوعد بنا من خلالها... اقسم باني سأتعامل معك بكل قسوة أذا كررتها ...
لم أكن أتصور اني سأغيظهم .....او ان خشوعا قد أصاب قلوبهم الراكنة تحت أضلع دججت بالأسلحة والتجهيزات ...
نظرت الى مايحصل لي بيأس ..كان مشهدا مخيفاً، ياترى ماذا حل بتوأمي حين انقضوا على غرفتهم بكل وحشية ..لقد حفر صراخهم جرح في صدري لن أنساه ما حييت....
ولم أكن اعي لحضتها الاحداث فقد توالت تباعا اصواتهم الناشزة بوجه ولدي الفتي وهو ينتفض بغيرته على باب مخدع شقيقته يمنعهم من الدخول وهي نائمة ..ولم أكن أدرك توسلات ورجاء زوجتي وهي تلملم بنفسها وتحاول معرفة الفعل الذي نسب ضدي والمكان الذي سيأخذونني إليه والجهة التي أمرت باعتقالي
ألهي لقد استنزفوا قواي الواهنة عبثا.....
وراح جسدي يتراخى , كمقتول مقطوع الرأس والرجلين ...
كضمت غيضي مستدركا حرارة مقلتي ومحاولا ضبط انفجارها.
هيا ترجلوا بسرعة وانتظموا بصف واحد ...ادخلوا الغرفة المقابلة....
أنهم خمسة وعشرون معتقلا عليك ان تجرد أسمائهم وتدخلهم تباعا للسجن ...
_أمرك سيدي وماهي الإجراءات والتهم التي نسبت ضدهم.
ـ لااعرف سيحدد مصيرهم فيما بعد ..أنهم مجرد وديعة حافظ عليها وشدد الحراسة أنهم مجرمون .
مرق الحراس من إمامي تباعا وتوقف الأخير في وجهي ممعنا فيه كأنه يلزمني بحفظ وجهه وتذكره وراح يردد
- وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يضلمون....
بدئنا بالدخول تباعا... المكان لم يتغير ألا أن عدد المعتقلين كان اكبر من ذي قبل ولايوجد سوى فسحة صغيرة لاتتعدى مساحة القبر ..هي بالنسبة لي فندقا من خمسة نجوم .... صليت الفجر و غرقت في نوم عميق أفقت فيها مرغما على وحشية قدماي وتطاولها بلاارادة على معتقل أخر اتخذ من الفسحة المحسورة بين قدماي وباب السجن مكان لينام فيه...
نظرت للساعة أنها السابعة والنصف صباحا
ياترى ماذا سيقول المحققون وأي تهمة سأفاجأ بها لقد مر أكثر من ثلاثة أشهر على أخر اعتقال لي وقد استبدلت على أثرها الكثير من صفاتي وأصبحت أكثر إصغاء للقنوات الفضائية البعيدة عن اي أحداث سياسية او محلية من شأنها ان تعرضني للخطر كما أني احضى بتقدير رجل المرور في تطبيق النظام والالتزام بالإشارة المرورية العاطلة عن العمل منذ إنشائها قبل عشرين عام ... وحاصل على عدة تشكرات شفوية من السيد ثائر العبد مدير الجباية في سرعة دفعي لورقة الماء والكهرباء...ومستمتع ايما استمتاع بنعمة الوقوف طويلا في طابور استلام الراتب التقاعدي ولا اضمر حقدا اذا ما اكتشفت المبلغ ناقصا وادفع لوكيل التموينية إضعاف مايدفعه الآخرين وحسب طلبه طبعا!!
ولم اشتكيه عن قلة المواد او نفاذ صلاحية استعمال الصابون والزيت.....
لكن ثمة حدث كنت قد اقترفته قد اسأل عليه فقبل أسبوعين تقريبا وبعد ان ملئت السيارة بالوقود تطاولت بأدب وملئت (جلكان بانزين لمولدة البيت ) وقامت قيامة عامل المحطة بعد ان رأى مديره قادما باتجاهنا وتفاجأت حينها واعتذرت برجاء وتوسل ودفعت له مااراد وأكثر وقبلتُ رأسه وقال لي
_(أيا ك ان تفعلها ثانية .. كدت تسبب في قطع ارزاقنا)...
أنها العاشرة صباحا ولم يصلنا اي خبر نودي لاستلام فطور الصباح واجري التعداد جلوسا (1_2 _3_.....47) طلب منا عدم المسير في الممر الضيق المجاور للسجن والذي يفصلنا عن رؤية السماء وأحوالها وباب السجن الخارجي وما يحدث خلفه
عدت بذاكرتي للوراء قليلا لعلي اجد سببا يلزمني الصبر...لم أجد واقتنعت مرغما بمقولة خطها سجين لااعرف مصيره ومن هو ...ولم يذكر قائلها
(ان لم تصبر فستصبر بالقوة)...
وعبارة اخرى خطت على عجل حفرا...لاتأمن للزمن فأنه كذاب فلربما رقصت على جثث الاسود كلابُ
بدأت أكثر اطمئنانا وبدت جوارحي أكثر استقرار ...اقتربت من رجل يكبرني بكثير ثارني بؤسه وحرصه على أطعام خمسة من المساجين أكبرهم لم يكن يتجاوز الثلاثين بعد ...أما الصغير فظني انه بالغ ...
قال لي بعد أن أمعن بي كثيرا وأظنه كان بحاجة لأن يفرغ من همومه فهو مثلي لايحمل من ثقافة السجون الا القليل ...
_ هؤلاء أولادي وقد القي القبض علينا جميعا ...الغريب ان القوة القابضة لم تطلب هوياتنا ولم تسألنا من نحن كلما اذكره أنهم قالوا لنا انتم غرباء اليس كذلك قلت لهم ولكنا مسلمين ومن بلد واحد ... فبدؤا يشتموا إعراضنا ويسبوا المدينة التي ننحدر منها واوثقوا ايدينا ولسان حالنا يقول
لاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
- لاتكترث ياعماه انه امر الله وماهم الا أسباب سيرهم القدر ألينا
- ولكن لم يبقى في البيت سوى ام عجوز وزوجة مريضة .. لو أنهم تركوا واحد منا يقف على خدمتهم ..يصبرهم ...لكنت في غير حال ...
نودي لصلاة الظهر وعدنا إدراجنا نتبادل الحديث نستمع لمصائب الآخرين فإذا بمصائبنا فتات من السخف ذكرها ...
في المساء سمعت الحرس يردد اسمي هرعت الى الباب ...فالقي في صدري البرد وطلب مني الصبر ... الصبر فقط ..
أسامه محمد صادق
_هذه المرة الثانية التي جئنا لنأخذك إلى الاعتقال
-وأقول لك وللمرة الثانية ستطلقون سراحي وستقولون مجرد وشاية
_ أصمت هذه أوامر وعليك تنفيذها فتشوا البيت واحملوا كل ما تجدوه من وثائق وأجهزة وحقائب لا تتركوا شيء يغفل عنكم وانتم يا حراس كتفوه وارموه في السيارة...
- انتظروا ...انتظروا أرجوكم... ريثما أيقظ عائلتي وادخلهما في الحجرة الثانية
لم يكن عند الحرس الذي انتشروا كالجراد في فناء بيتي الضيق... شيء ليكتفونني حاولوا ان يجدوا شيء .. دخلوا غرفة منامي القوا بملابسي على الأرض ، ربما استهوتم ملابسي الداخلية كانت جديدة ولم تستخدم بعد ...
لن انسى نظراتهم المتفرسة ولن انسى ذلك الشكل الذي تسمرت بوجهي عيناه المزرورتان حين اوكل لنفسه تمزيق (الفانيلة) كان وجه اشبه بوجه فرس النهر وكانت يداه مطلقتان تنتظران صفعي ورفسي في حال اي رفض وامتناع عن طاعتهم
طلبت منهم منحي بعض الوقت للذهاب الى الحمام لتجديد وضوئي فقد يطول الطريق كما اني اجهل المكان الذي سألقى فيه او قد لايكون هناك مكان أصلا ......
تعالت ضحكاتهم ..
_المسكين أصابه الإسهال من شدة الخوف ...
حملني احدهم وتلاقني الاخر ووضعوني بحوض السيارة الخلفي وانطلقوا بسرعة تفوق الخيال وراح جسدي يرتطم ببدن العجلة كشاة مذبوحة بدون وثاق..
كان ثوبي يتطاير ويكشف عن عورتي ولا سبيل بسترها
صحت بأعلى صوتي
_ أسترني الله يستر عليك..
لم يتباطأ احدهم كان على ما يبدو حسن الخلق ...اسند ظهري على مؤخرة العجلة ولم ثوبي ..كان البرد قارصا فأحتميت بدون إرادتي بحضن شاب ،لقد بدا لي يافعا في مقتبل العمر يحمل من الشجاعة ما يثير الارتياب باعتقاله...همس في إذني
_ ليست هذه المرة الأولى التي اذهب معهم لقد اعتدت على ذلك..
تمتمت مع نفسي
- حسبي الله ونعم الوكيل
استدركني الأخر صارخا بغضب
_ تحسب على الذي أوشى عليك ولا ترفع صوتك لتغيضنا لقد تماديت كثيرا منذ ان اعتقلناك وأنت تستغفر وتسبح وتتحمد وتتوعد بنا من خلالها... اقسم باني سأتعامل معك بكل قسوة أذا كررتها ...
لم أكن أتصور اني سأغيظهم .....او ان خشوعا قد أصاب قلوبهم الراكنة تحت أضلع دججت بالأسلحة والتجهيزات ...
نظرت الى مايحصل لي بيأس ..كان مشهدا مخيفاً، ياترى ماذا حل بتوأمي حين انقضوا على غرفتهم بكل وحشية ..لقد حفر صراخهم جرح في صدري لن أنساه ما حييت....
ولم أكن اعي لحضتها الاحداث فقد توالت تباعا اصواتهم الناشزة بوجه ولدي الفتي وهو ينتفض بغيرته على باب مخدع شقيقته يمنعهم من الدخول وهي نائمة ..ولم أكن أدرك توسلات ورجاء زوجتي وهي تلملم بنفسها وتحاول معرفة الفعل الذي نسب ضدي والمكان الذي سيأخذونني إليه والجهة التي أمرت باعتقالي
ألهي لقد استنزفوا قواي الواهنة عبثا.....
وراح جسدي يتراخى , كمقتول مقطوع الرأس والرجلين ...
كضمت غيضي مستدركا حرارة مقلتي ومحاولا ضبط انفجارها.
هيا ترجلوا بسرعة وانتظموا بصف واحد ...ادخلوا الغرفة المقابلة....
أنهم خمسة وعشرون معتقلا عليك ان تجرد أسمائهم وتدخلهم تباعا للسجن ...
_أمرك سيدي وماهي الإجراءات والتهم التي نسبت ضدهم.
ـ لااعرف سيحدد مصيرهم فيما بعد ..أنهم مجرد وديعة حافظ عليها وشدد الحراسة أنهم مجرمون .
مرق الحراس من إمامي تباعا وتوقف الأخير في وجهي ممعنا فيه كأنه يلزمني بحفظ وجهه وتذكره وراح يردد
- وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يضلمون....
بدئنا بالدخول تباعا... المكان لم يتغير ألا أن عدد المعتقلين كان اكبر من ذي قبل ولايوجد سوى فسحة صغيرة لاتتعدى مساحة القبر ..هي بالنسبة لي فندقا من خمسة نجوم .... صليت الفجر و غرقت في نوم عميق أفقت فيها مرغما على وحشية قدماي وتطاولها بلاارادة على معتقل أخر اتخذ من الفسحة المحسورة بين قدماي وباب السجن مكان لينام فيه...
نظرت للساعة أنها السابعة والنصف صباحا
ياترى ماذا سيقول المحققون وأي تهمة سأفاجأ بها لقد مر أكثر من ثلاثة أشهر على أخر اعتقال لي وقد استبدلت على أثرها الكثير من صفاتي وأصبحت أكثر إصغاء للقنوات الفضائية البعيدة عن اي أحداث سياسية او محلية من شأنها ان تعرضني للخطر كما أني احضى بتقدير رجل المرور في تطبيق النظام والالتزام بالإشارة المرورية العاطلة عن العمل منذ إنشائها قبل عشرين عام ... وحاصل على عدة تشكرات شفوية من السيد ثائر العبد مدير الجباية في سرعة دفعي لورقة الماء والكهرباء...ومستمتع ايما استمتاع بنعمة الوقوف طويلا في طابور استلام الراتب التقاعدي ولا اضمر حقدا اذا ما اكتشفت المبلغ ناقصا وادفع لوكيل التموينية إضعاف مايدفعه الآخرين وحسب طلبه طبعا!!
ولم اشتكيه عن قلة المواد او نفاذ صلاحية استعمال الصابون والزيت.....
لكن ثمة حدث كنت قد اقترفته قد اسأل عليه فقبل أسبوعين تقريبا وبعد ان ملئت السيارة بالوقود تطاولت بأدب وملئت (جلكان بانزين لمولدة البيت ) وقامت قيامة عامل المحطة بعد ان رأى مديره قادما باتجاهنا وتفاجأت حينها واعتذرت برجاء وتوسل ودفعت له مااراد وأكثر وقبلتُ رأسه وقال لي
_(أيا ك ان تفعلها ثانية .. كدت تسبب في قطع ارزاقنا)...
أنها العاشرة صباحا ولم يصلنا اي خبر نودي لاستلام فطور الصباح واجري التعداد جلوسا (1_2 _3_.....47) طلب منا عدم المسير في الممر الضيق المجاور للسجن والذي يفصلنا عن رؤية السماء وأحوالها وباب السجن الخارجي وما يحدث خلفه
عدت بذاكرتي للوراء قليلا لعلي اجد سببا يلزمني الصبر...لم أجد واقتنعت مرغما بمقولة خطها سجين لااعرف مصيره ومن هو ...ولم يذكر قائلها
(ان لم تصبر فستصبر بالقوة)...
وعبارة اخرى خطت على عجل حفرا...لاتأمن للزمن فأنه كذاب فلربما رقصت على جثث الاسود كلابُ
بدأت أكثر اطمئنانا وبدت جوارحي أكثر استقرار ...اقتربت من رجل يكبرني بكثير ثارني بؤسه وحرصه على أطعام خمسة من المساجين أكبرهم لم يكن يتجاوز الثلاثين بعد ...أما الصغير فظني انه بالغ ...
قال لي بعد أن أمعن بي كثيرا وأظنه كان بحاجة لأن يفرغ من همومه فهو مثلي لايحمل من ثقافة السجون الا القليل ...
_ هؤلاء أولادي وقد القي القبض علينا جميعا ...الغريب ان القوة القابضة لم تطلب هوياتنا ولم تسألنا من نحن كلما اذكره أنهم قالوا لنا انتم غرباء اليس كذلك قلت لهم ولكنا مسلمين ومن بلد واحد ... فبدؤا يشتموا إعراضنا ويسبوا المدينة التي ننحدر منها واوثقوا ايدينا ولسان حالنا يقول
لاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
- لاتكترث ياعماه انه امر الله وماهم الا أسباب سيرهم القدر ألينا
- ولكن لم يبقى في البيت سوى ام عجوز وزوجة مريضة .. لو أنهم تركوا واحد منا يقف على خدمتهم ..يصبرهم ...لكنت في غير حال ...
نودي لصلاة الظهر وعدنا إدراجنا نتبادل الحديث نستمع لمصائب الآخرين فإذا بمصائبنا فتات من السخف ذكرها ...
في المساء سمعت الحرس يردد اسمي هرعت الى الباب ...فالقي في صدري البرد وطلب مني الصبر ... الصبر فقط ..
تعليق