كرسي ( قصة بقلم : محمد صالح رجب )

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد صالح رجب
    أديب وكاتب
    • 18-10-2008
    • 46

    كرسي ( قصة بقلم : محمد صالح رجب )

    كرسي
    ( قصة بقلم : محمد صالح رجب )

    في محطة توقف فيها قطار الزمن .. أخلد إلى نفسه .. إنه لا يذكر انه توقف يوما ما في أي من محطاته.. راح يلتقط أنفاسه.. شعر أن العمر يتفلت من بين يديه .
    نظر إلى ذلك الكرسي القابع خلف ذلك المكتب الكبير في أقصى الغرفة .. إنه لا زال على حاله ، بذات العجلات التي تدور فتعطي وجها عند الإقبال وآخر عند الإدبار ،اقترب منه شيئا فشيئا .. راحت أنامله تعبث بجلده الحالك السواد بينما عيناه التي ألفت تفاصيله راحت تمسحه من جديد كما لو كانت تسجل لقطات للذكرى ..
    نبش في الذاكرة .. عاد إلى الماضي ..لقد أسره منذ اللحظة الأولى التي وطأت قدماه هذه المصلحة ، كان يسير في ذات الردهة الطويلة المؤدية إلى مكتب المدير ، يتخيل نفسه وهو يتلقى التحية ، يمشي منتفخا مزهوا ، حتى إذا ما دخل إلى المكتب اصطدم بواقعه ، أطرق برأسه مرتديا قناع التواضع .. وعيناه تحاول عبثا تفحصه ، فضخامة المدير وتمكنه منه يحول بينه وبين ذلك .. يحصل على التأشيرة المطلوبة ويعود أدراجه أكثر تشبثا بحلمه ..
    عندما جلس على هذا الكرسي لأول مرة ، أغلق عليه المكتب وراح يحتفل مع نفسه على طريقته الخاصة .. تارة يدور بالكرسي كطفل يلهو ، وتارة أخرى يحتضنه ويقبله بهوس ، وبين الحين والحين يلقى نظرة على الباب خشية أن يتهم بالجنون ..الدنيا لم تعد تسعه .. لقد تحقق حلمه ..صيحة قوية مكبوتة بداخله يريد أن يطلقها بأعلى صوته ، ثم ما يلبث أن يجهضها سريعا ، فتخرج مكتومة مصحوبة بحركة عصبية متشنجة .. طرقات على الباب أوقفت طقوسه الاحتفالية.. عدل من نفسه ، ارتدى سريعا قناع الجدية ، ووقف منتشيا في شموخ يتلقى تهاني المرؤسيين.. حتى إذا ما فرغوا جاءت كلماته قوية في مستهل خطاب العرش.. لن أسمح .. سأضرب بيد من حديد .. لقد ولى زمن .. الحقبة غير الحقبة ، أنا غير من كان ..أنا الآن على عرش المصلحة .. وفي حين كانت عيناه تلتقط إشارات الخوف والولاء ..كان لسان حاله يردد أنا ربكم الأعلى..
    لقد خلف إرثا ثقيلا يصعب نسيانه ـ هكذا همس لنفسه ـ شعر بحرارة دموعه التي نادرا ما غلبته ، انتبه إلى طرقات على الباب .. لملم نفسه سريعا ، لم يكن في حاجة لارتداء أي من الأقنعة .. فقد زالت جميعها .. نهض عن الكرسي في انكسار ، راح يتقبل شماتة المرؤوسين ، بينما كانت عيناه تلتقط إشارات الفرح برحيله .

    ( تمت )


    محمد صالح رجب
  • إيمان الدرع
    نائب ملتقى القصة
    • 09-02-2010
    • 3576

    #2
    الأستاذ محمد صالح رجب..
    ومضة حلوة وذكيّة ..
    استنبطتها من أصحاب المناصب ...
    عندما يعتلون هذا الكرسيّ الزائل ..وينسون أنفسهم
    ويستغرقون في ارتداء أقنعة مزيّفة ...تشبع نفوسهم الصدئة..
    ناسين أن الزمن سيتغيّر بهم ..
    ولن يدوم إلاّ الذكر الحسن ، وطيّب الفعل..وصدق العمل والتعامل..
    كنت رائعاً في إجراء هذه المفارقة بين الموقفين...بداية ونهاية..
    بأسلوبٍ جميل ...ومصداقيّة ملموسة..مستمدّة من الواقع..
    لك أجمل أمنياتي ....وتحياتي

    تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

    تعليق

    • عائده محمد نادر
      عضو الملتقى
      • 18-10-2008
      • 12843

      #3
      الزميل القدير
      محمد صالح رجب
      سأكون حنونة مع صاحب الكرسي
      فللكرسي رونقه وأبهته
      وتلك الحمى التي تصيب من يجلس عليه
      حسنا فعلت وأنت تتركب خائبا
      لأنها لو دامت لأحد لما صارت لك
      ودي ومحبتي
      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

      تعليق

      • محمد صالح رجب
        أديب وكاتب
        • 18-10-2008
        • 46

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
        الأستاذ محمد صالح رجب..
        ومضة حلوة وذكيّة ..
        استنبطتها من أصحاب المناصب ...
        عندما يعتلون هذا الكرسيّ الزائل ..وينسون أنفسهم
        ويستغرقون في ارتداء أقنعة مزيّفة ...تشبع نفوسهم الصدئة..
        ناسين أن الزمن سيتغيّر بهم ..
        ولن يدوم إلاّ الذكر الحسن ، وطيّب الفعل..وصدق العمل والتعامل..
        كنت رائعاً في إجراء هذه المفارقة بين الموقفين...بداية ونهاية..
        بأسلوبٍ جميل ...ومصداقيّة ملموسة..مستمدّة من الواقع..
        لك أجمل أمنياتي ....وتحياتي
        اختي المحترمة / ايمان الدرع
        ليتنا نتوقف في محطات عديدة من رحلتنا في هذه الدنيا لنحاسب أنفسنا قبل أن تضيع الفرصة ويتفلت العمر من بين أيدينا .. تحياتي.
        محمد صالح رجب

        تعليق

        • محمد صالح رجب
          أديب وكاتب
          • 18-10-2008
          • 46

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
          الزميل القدير
          محمد صالح رجب
          سأكون حنونة مع صاحب الكرسي
          فللكرسي رونقه وأبهته
          وتلك الحمى التي تصيب من يجلس عليه
          حسنا فعلت وأنت تتركب خائبا
          لأنها لو دامت لأحد لما صارت لك
          ودي ومحبتي
          اشكر لك تلك القراءة زميلتنا العزيزة / عائدة محمد نادر.. فصاحب المنصب يصبح اسيرا للكرسي ..يفعل أي شئ من أجل الحفاظ عليه .. دمتي بخير.
          محمد صالح رجب

          تعليق

          • محمد فطومي
            رئيس ملتقى فرعي
            • 05-06-2010
            • 2433

            #6
            وحدها مغادرة الكراسي تنتفي معها معها طقوس الأقنعة،و تتضاءل لها حظوظ الاستمرار النّفسيّ لمقترفيها أو لنقل لأصحابها في أحسن الأحوال.
            بل إنّ ضريبة الكرسيّ هي ما سيواجهه معاشروه من ركاكة فيما بعد و سوء معاملة لم يألفوها،أو بالأحرى نسوها.
            و أكاد أجزم أنّها و الحديث عن الضّريبة،تعادل ما تلذّذوه من سلطان..

            نصّ يحاصر باقتدار و اختلاف،زاوية مواربة من واقعنا الموبوء بشهوة الأمر و النّهي،المشبوه بالكراسي و المقيّد بحتميّة زوال الأحوال.
            شكرا لك.أستاذ محمّد الصّالح رجب على بهاء النصّ و الطّرح.
            مدوّنة

            فلكُ القصّة القصيرة

            تعليق

            • محمد صالح رجب
              أديب وكاتب
              • 18-10-2008
              • 46

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
              وحدها مغادرة الكراسي تنتفي معها معها طقوس الأقنعة،و تتضاءل لها حظوظ الاستمرار النّفسيّ لمقترفيها أو لنقل لأصحابها في أحسن الأحوال.
              بل إنّ ضريبة الكرسيّ هي ما سيواجهه معاشروه من ركاكة فيما بعد و سوء معاملة لم يألفوها،أو بالأحرى نسوها.
              و أكاد أجزم أنّها و الحديث عن الضّريبة،تعادل ما تلذّذوه من سلطان..

              نصّ يحاصر باقتدار و اختلاف،زاوية مواربة من واقعنا الموبوء بشهوة الأمر و النّهي،المشبوه بالكراسي و المقيّد بحتميّة زوال الأحوال.
              شكرا لك.أستاذ محمّد الصّالح رجب على بهاء النصّ و الطّرح.
              المحترم / محمد فطومي
              هو كرسي كملايين الكراسي إلا أنه كرسي سلطة يدور بصاحبه فيعطي وجها عند الإقبال وآخر عند الإدبار ، ليت صاحبه يعمل للحظة الإدبار.. تقبل خالص تحياتي آخي محمد فطومي..
              محمد صالح رجب

              تعليق

              يعمل...
              X