ان خيال الكاتب تصوّره وتصرفه هم جزء من الفن القصصي ، وإذ نلمس في قصص رحاب بريك بعض القصور في هذه المسائل ، إلا أنها كاتبة مبشرة مجتهدة . وعلى هذا الأساس وجب على النقد الإلتفات اليها ما دام من مهامه مواكبة الحركة الأدبية .
بين يدي كتابها الصادر هذه السنة " جذور ثابتة " قصص قصيرة وحواريات . في قصتها " غريبة " تجسد حال المرأة حين تتزوج غريبة في بلد آخر . " عشت سنوات بهذه البلدة اقاسي وجع الغربة ، وبالرغم من مرور السنوات ما زال اهل البلدة يقولون عني غريبة " .
وتشتد غربتها واحساسها بالضيق اذا كانت اديبة في مجتمع لا يتقبل بسهولة ان تكتب المرأة باسمها الصريح .
" قالوا كيف تتجرأ وتكتب بدون اسم مستعار " .
قصة " شك قاتل " تصوّر غريزة في الانسان في أخطر مراحلها ، وهي غيرة الرجل العمياء على زوجته الجميلة ، تتحوّل مع الزمن الى شك وعدم ثقة . وتسفر النتيجة ان يقتل الرجل بيد زوجته وبطريقة تراجيدية غريبة .
انا شخصيا لم أفاجأ بهذه القصة الواقعية كونها حدثت بالفعل في احدى قرى الجليل . لم يكن على الكاتبة إلا ان تروي الحكاية كما حصلت معتمدة على ما سمعته من الناس .
ملاحظتنا في هذه القصة ان بعض الدراسات أجمعت ان على الكاتب ان يخضع موّاده لفنه وألا يكون لها عبدا مطيعا همّه النقل الأمين .
والى قصة " كيف هان عليكم خراب بيتي ؟ " . مؤثرة دون شك . اظنها مستمدة من احداث غزة خلال الحرب .
فجأة ينهار البيت فوق الأطفال وتسرع الأم في محاولة لانقاذ اطفالها من تحت الركام ، لكن محاولتها تبوء بالفشل . هذا ملخص القصة .
تركيزنا هنا على الشخصية المحورية ( الأم ) . استطاعت الكاتبة ان تمثل التفاعل الظاهر لهذه الشخصية احسن تمثيل . هذه القصة بالذات كان يلزمها شخصية نامية وليس شخصية مسطحة . كما اصطلح على تسمية الشخصيات القصصية . صحيح ان للشخصية المسطحة اهمية في القالب القصصي ، وإن الكاتب يستطيع بلمسة
واحدة ان يبني هذه الشخصية . توقعت في هذا الحدث المفجع ان لا ينتهي دور الأم بالإنطواء على نفسها غارقة بدموعها وأحزانها ، بل تتحوّل الى شخصية نامية تتكشف لنا تدريجيا ، من خلال تطورها وسبر اغوارها تحملها تفكيرها مشاعرها قرارها بعد الحدث ، وكيف ستواجه حياتها الجديدة . بديهي لم يكن هذا بمتاح إلا أن تمتد القصة لمساحة اطول . وهذا ما كان يجب أن يحصل من وجهة نظري . لكن الكاتبة أغلقت قصتها بسرعة ودون تمهيد يذكر ! . هل كانت في عجلة ؟ أم أنها خشيت الخوض في " مغامرة " لم تألفها ؟! .
واللافت للنظر عند رحاب بريك انها تنتقي معظم شخصيات قصصها من الصنف الإنساني جدا والسمات النبيلة . فنشعر احيانا وكأننا في مجتع نقي تماما وخال من التناقض والخطوط المتعاكسة . ربما دل هذا على نواياها الحسنة ، أو لعلها ظنت ـــ ككل كاتب مبتدئ ـــ ان هذه هي الشخصيات المطلوبة للإطار القصصي ، باعتبار ان هدف القصة هو انساني بالدرجة الأولى . لكن كثرة هذه الشخصيات المثالية قد تصيب القارئ بالضجر ! .
لا يقلل من قيمة القصة إن زجت بها شخصيات تتصرف وتفكر بطريقة مقيتة ومكروهة ، كما فعل ( دوماس ) في قصته " الفرسان الثلاثة " وما فيها من مكر ومؤامرات تحاك في الظلام . يخرج القارئ منها وقد تملكه اعجاب شديد واحساس عميق ليس من السهل ان ينساه . وقد اعتبرت هذه القصة قمة العمل الفني الإبداعي .
أمّا قصتها الموجزة " حين بكت ملائكة السماء " اعتبرها الأصلح في المجموعة ، بملامحها الندية من فكرة جيدة ، ورموز متأنقة ، واقناعنا بامكانية حدوث امور تبدو مستحيلة ، ومن ثمة اللغة الشاعرية في بعض الفقرات ، والتي تضفي على النص جمالا ومتعة .
تعليق