السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سأساهم بمشاركتي المتواضعة هذه في دعم نشاطكم وجهودكم في سبيل التّرغيب في المطالعة.
تخيّرت هذه المرّة كتاب" شرح المعلّقات السّبع "للزّوزني وآمل أن تتوفّر لي إمكانيّة المشاركة في مسابقات أخرى بكتاب ليلة القدر للطّاهرابن جلّون فقد راقني كثيرا أسلوبا ودلالة مثلما تروقني كتابات جبرا إبراهيم جبرا وتحديدا رواية البحث عن وليد مسعود.
سيتمثّل منهج عملي في:
- تقديم الكتاب وصاحبه
-دراسة جزء من معلّقة طرفة بن العبد (الوقوف على الطّلل والنّسيب)
"شرح المعلّقات السّبع" نتاج جهد بذله اللّغويّ والقاضي الحسين بن أحمد الزّوزني الذي أخبرتنا كتب التّراجم أنّه من بلدة "زوزن" بين هرات ونيسابور.توفّي في 486 هـ
والمعلّقات هي قصائد طوال من أجود ما وصل إلينا من الشّعر الجاهليّ ورأى ابن عبد ربّه وابن رشيق وابن خلدون أنّها سبع قصائد أعجب بها العرب فكتبت بماء الذّهب وعُلّقت على أستار الكعبة.إلاّ أنّ بعض العلماء الحديثين وقبلهم أبو جعفر النّحاسّ ذهبوا إلى أنّ تلك القصائد الطّوال جمعها حمّاد الرّاوية في مطلع العهد العبّاسيّ وهي تسمّى المعلّقات والمذهّبات والمسمّطات والمنتقيات.
ضمّن الزّوزني كتابه المعلّقاتِ السّبع التي اتّفق بعض نقّاد الأدب على اعتبارها أجود الشّعرالجاهليّ وهي:
-معلّقة امرئ القيس ومطلعها: "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل"
-معلّقة طرفة بن العبد ومطلعها: "لخولة أطلال ببرقة ثهمد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد"
-معلّقة زهير بن أبي سلمى: "أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّم بحومانة الدّرّاج فالمتثلّم"
-معلّقة لبيد بن ربيعة ومطلعها : "عفت الدّيار محلّها فمُقامها بمنى تأبّد غولها فرجامها"
-معلّقة عمرو بن كلثوم ومطلعها : "ألا هُبّي بصحنك فاصبحينا ولا تُبقي خمور الأندرينا"
-معلّقة عنترة بن شدّاد العبسي ومطلعها : "هل غادر الشّعراء من متردّم أم هل عرفت الدّار بعد توهّم"
-معلّقة الحارث بن حلّزة ومطلعها: "آذنتنا بينها أسماء ربّ ثاو يُملّ منه الثّواء"
أوردت المعلّقات مرتّبة كما وردت في كتاب الزّوزني.
اهتمّ بجمع المعلّقات وشرحها الأنباري والتّبريزي وغيرهما
ومن المؤرّخين من اعتبرها عشر معلّقات فأضاف النّابغة الذبياني والأعشى الأكبر وعبيد بن الأبرص.
اعتنى الزّوزني في كتابه بالشّرح اللّغويّ لهذه المعلّقات وبترتيب الأبيات لذلك قد نجد فوارق في التّرتيب وفي بعض المفردات أو الأبيات بين كتاب شرح وآخر ويعود ذلك إلى أنّ هذا الشّعر نقل مشافهة قبل أن يدوّن و قد يتأثّر النّص قليلا باختلاف الرّواة وهي قضيّة عالجها طه حسين في كتابه " في الأدب الجاهليّ".
سأهتمّ الآن بالشّاعر الجاهلي طرفة بن العبد وبمعلّقته في غرض الفخر الذّاتي.
تتكوّن معلّقة طرفة من 103 بيتا تنقسم إلى المقدّمة الطّلليّة والغرض الرّئيسيّ وهو الفخر.
وذكر الباحث وهب أحمد روميّة في كتاب "شعرنا القديم والنّقد الجديد" ص 183: "بدأ طرفة معلّقته بذكر الدّيار وأهلها الظّاعنين عنها ووصل ذلك بالنّسيب ليميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه فلمّا استوثق وصف الرّاحلة واتّخذها أداة يغالب بها الهموم ثمّ ها هو يركب إلى غرض الفخر ليفصّل في بدايته المتع التي كان منقطعا إليها".
استند هذا الباحث إلى كتاب الشّعراء والشعراء لابن قتيبة وفيه تحدّث بتفصيل عن بنية القصيدة الجاهليّة عامّة ومكوّنات المقدّمة الطّلليّة باعتبارها جزء من بنية القصيدة.
مكوّنات المقدّمة الطّللية وفق ما ذكر ابن قتيبة هي:
-ذكر الدّيار والدّمن والآثار
-النّسيب وهو التشبيب بالحبيبة وشكوى ألم البين
-وصف الرّحلة والرّاحلة
قبل أن أقدّم محاولتي في قراءة الابيات الاولى من معلّقة طرفة بن العبد سأعرّفه.
هو عمرو بن العبد الملقّب بطرفة من بني بكر بن وائل ولد حوالي سنة 543 في البحرين على الخليج الفارسي من أبوين شريفين العبد البكري الشّاعر ووردة بنت عبد المسيح.كان جدّه وأبوه وعمّاه المرقّش الأصغر والأكبر وخاله المتلمّس شعراء.(من كتاب تاريخ الادب العربي لحنّا فاخوري)
تحدّث الزّوزني عن ظروف مقتله وهو ابن العشرين في إطار خلاف بينه وبين عمرو بن هند الذي أمر بقتله بعد أن وصله أمر هجاء طرفة له.
أعرض الآن الأبيات التي سأجتهد في تحليلها وهي من البيت الأوّل إلى البيت العاشرمن المعلّقة:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم يقولون لا تهلك أسى وتجلّد
كأنّ حدوج المالكيّة غدوة خلايا سفين بالنّواصف من دد
عدوليّة أو من سفين ابن يامن يجور بها الملاّح طورا ويهتدي
يشقّ حباب الماء حيزومها بها كما قسم التّرب المفايل باليد
وفي الحيّ أحوى ينفض المرد شادن مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد
خذول تراعى ربربا بخميلة تناول أطراف البرير وترتدي
وتبسم عن ألمى كأنّ منوّرا تخلّل حرّ الرّمل دعص له ند
سقته أياة الشّمس إلاّ لثاته أسفّ ولم تكدم عليه بإثمد
ووجه كأنّ الشّمس القت رداءها عليه نقيّ اللّون لم يتخدّد
-الوقوف على الطلل من البيت الأوّل إلى البيت الخامس
-النّسيب من البيت السادس إلى البيت العاشر
ينطلق الحدث الشّعريّ من الوقوف على أطلال الحبيبة خولة وهي آثار لأمكنة أقفرت برحيل أهلها عنها لكنّها تبقى منقوشة كالوشم في ظاهر اليد.وتتشكّل الحركة الأولى في النّص في هذا الفضاء المكاني الذي تجتمع فيه ثنائيّات متقابلة:
-الفناء والبقاء فالطّلل هو ديار دارسة لكنّها شبّهت بالوشم الذي يتحدّى الزّمن فيبقى في ظاهر اليد(البيت الأوّل)
-الأسى والتّجلّد إذ يدعو الصّحب الشّاعر إلى مقاومة الاسى والظّهور بمظهر القوّة(البيت الثاني)
-الجور والاهتداء وتجلّى في حركة السّفن التي تحمل الرّاحلين فهي مقامرة قد تؤدّي إلى اتّجاهين :التّيه أو الاهتداء وتعمّقت دلالة هذه الصّورة الواردة في البيت الثّالث بتشبيه تمثيل عقده الشاعر بين حركة اسلّفن وهي تشقّ عباب الماء دون أن تدرك مصيرها وحركة المفايل الذي يقسم التّربة باليد.والمفايل هو الذي يخفي شيئا في التّراب ويقسمه قسمين أو أكثر ثمّ يسأل عن الدّفين في أيّ موضع هو،فمن أصاب كسب ومن لم يصب خسر.
هكذا تبدو الحركة الأولى في القصيدة ملتبسة متوتّرة ويرتبط هذا التّوتّر بذات الشاعر في مدّها وجزرها في سياق الزّمن الحاضر وهو زمن الجدب والفراغ.فالطّلل رمز الموت الذي كان هاجس الإنسان الأولّ ولا يزال مرورا بعصور الإنسان المختلفة.إنّه تجسيد لقدرة الموت التي لا تقهر.
كان طرفة إذن يدرك إدراكا عميقا هشاشة الوجود الإنسانيّ ومأساة المصيرلذلك يبحث جاهدا عن مواجهة هذه الحقيقة ببعث الماضي فيستحضر صورة الحبيبة في إطار من المائيّة والطّراوةالتي يقاوم بها جدب الحاضر.
إنّ الزّمن في الحركة الثانية هو زمن الجمال والتّجدّد والحياة،زمن المتعة الذي يرتبط بوجود الحبيبة المعطاء.
شكّل الشّاعر هذه الصّورة في إطار طبيعيّ محفوف بالجمال والحركة وقد استعار صورة الشّادن وهو الفتيّ من الظّباء لوصف الحبيبة وأجرى الكلمة على غير معناها الحقيقيّ لأنّه أورد قرينة مانعة في قوله"مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد"فالحبيبة كانت تتجمّل بالحليّ وهذا يكشف عن مكانتها الاجتماعيّة المميّزة.
لم تكن حركة الشّادن مقيّدة بل مطلقة ،توحي بالنّعومة والدّفء فهو يتجوّل في طبيعة منتجة"تراعى ربربا بخميلة".
وقد وصف الشاعر حركة اليد وهي تتناول أطراف الأراك وترتدي بأغصانه ووصف الفم وهو يبتسم فتشرق الحياة ويخصب الوجود وكنّى عنه بصفته "ألمى"والشّفة اللّمياء هي التي فيها سمرة ضاربة إلى السّواد.
واعتمد التّشبيه باعتباره من مقوّمات الوصف ليحدث مقاربة بين حركة الفم وحركة الأقحوان المنوّر المنبثق من الرّمل النّديّ.
إنّ مختلف هذه الحركات توحي بنضارة الحبيبة تلك النّضارة التي استمدّتها من الطّبيعة لذلك كان وجهها شبيها بالشّمس التي ألقت عليها رداءها فهي مشعّة في ذاكرة الشاعر المتعطّشة إلى اللّذة .
توحي الصّورة إذن بالحيويّة والمتعة التي افتقدها طرفة في حاضره لذلك يحيي الماضي بلذّاته المنقضية علّه يبلغ مرحلة الخلاص من أزمة ذاته ووجوده.
تحضر في القصيدة صورة الشّاعر الإنسان والشّاعر الفنّان فالأوّل يمثّل الواقع والثّاني يرسمه وكلتا الصّورتين غير منفصلتين بل تحيا الثانية داخل الأولى.
رغبت أن أعالج المعلّقة كلّها لكن ضيق الوقت يمنعني فمثلما سطا الزّمن على الجاهليين وأرّقهم فهو يفتك بنا فتكا لكن نقاومه بما ننتج من فعل حسن
المعذرة لأنّني لم أشكل النّص ولم أشرح المفردات شرحا لغويّا ربّما يكون ذلك حافزا للإطّلاع على شرح المعلّقات السّبع للزّوزني فمن الممتع أن نطّلع على تراثنا الشّعريّ ونستثمره فيما ينفعنا.
دمتم بخير وعيد مبارك وسعيد
سأساهم بمشاركتي المتواضعة هذه في دعم نشاطكم وجهودكم في سبيل التّرغيب في المطالعة.
تخيّرت هذه المرّة كتاب" شرح المعلّقات السّبع "للزّوزني وآمل أن تتوفّر لي إمكانيّة المشاركة في مسابقات أخرى بكتاب ليلة القدر للطّاهرابن جلّون فقد راقني كثيرا أسلوبا ودلالة مثلما تروقني كتابات جبرا إبراهيم جبرا وتحديدا رواية البحث عن وليد مسعود.
سيتمثّل منهج عملي في:
- تقديم الكتاب وصاحبه
-دراسة جزء من معلّقة طرفة بن العبد (الوقوف على الطّلل والنّسيب)
"شرح المعلّقات السّبع" نتاج جهد بذله اللّغويّ والقاضي الحسين بن أحمد الزّوزني الذي أخبرتنا كتب التّراجم أنّه من بلدة "زوزن" بين هرات ونيسابور.توفّي في 486 هـ
والمعلّقات هي قصائد طوال من أجود ما وصل إلينا من الشّعر الجاهليّ ورأى ابن عبد ربّه وابن رشيق وابن خلدون أنّها سبع قصائد أعجب بها العرب فكتبت بماء الذّهب وعُلّقت على أستار الكعبة.إلاّ أنّ بعض العلماء الحديثين وقبلهم أبو جعفر النّحاسّ ذهبوا إلى أنّ تلك القصائد الطّوال جمعها حمّاد الرّاوية في مطلع العهد العبّاسيّ وهي تسمّى المعلّقات والمذهّبات والمسمّطات والمنتقيات.
ضمّن الزّوزني كتابه المعلّقاتِ السّبع التي اتّفق بعض نقّاد الأدب على اعتبارها أجود الشّعرالجاهليّ وهي:
-معلّقة امرئ القيس ومطلعها: "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل"
-معلّقة طرفة بن العبد ومطلعها: "لخولة أطلال ببرقة ثهمد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد"
-معلّقة زهير بن أبي سلمى: "أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّم بحومانة الدّرّاج فالمتثلّم"
-معلّقة لبيد بن ربيعة ومطلعها : "عفت الدّيار محلّها فمُقامها بمنى تأبّد غولها فرجامها"
-معلّقة عمرو بن كلثوم ومطلعها : "ألا هُبّي بصحنك فاصبحينا ولا تُبقي خمور الأندرينا"
-معلّقة عنترة بن شدّاد العبسي ومطلعها : "هل غادر الشّعراء من متردّم أم هل عرفت الدّار بعد توهّم"
-معلّقة الحارث بن حلّزة ومطلعها: "آذنتنا بينها أسماء ربّ ثاو يُملّ منه الثّواء"
أوردت المعلّقات مرتّبة كما وردت في كتاب الزّوزني.
اهتمّ بجمع المعلّقات وشرحها الأنباري والتّبريزي وغيرهما
ومن المؤرّخين من اعتبرها عشر معلّقات فأضاف النّابغة الذبياني والأعشى الأكبر وعبيد بن الأبرص.
اعتنى الزّوزني في كتابه بالشّرح اللّغويّ لهذه المعلّقات وبترتيب الأبيات لذلك قد نجد فوارق في التّرتيب وفي بعض المفردات أو الأبيات بين كتاب شرح وآخر ويعود ذلك إلى أنّ هذا الشّعر نقل مشافهة قبل أن يدوّن و قد يتأثّر النّص قليلا باختلاف الرّواة وهي قضيّة عالجها طه حسين في كتابه " في الأدب الجاهليّ".
سأهتمّ الآن بالشّاعر الجاهلي طرفة بن العبد وبمعلّقته في غرض الفخر الذّاتي.
تتكوّن معلّقة طرفة من 103 بيتا تنقسم إلى المقدّمة الطّلليّة والغرض الرّئيسيّ وهو الفخر.
وذكر الباحث وهب أحمد روميّة في كتاب "شعرنا القديم والنّقد الجديد" ص 183: "بدأ طرفة معلّقته بذكر الدّيار وأهلها الظّاعنين عنها ووصل ذلك بالنّسيب ليميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه فلمّا استوثق وصف الرّاحلة واتّخذها أداة يغالب بها الهموم ثمّ ها هو يركب إلى غرض الفخر ليفصّل في بدايته المتع التي كان منقطعا إليها".
استند هذا الباحث إلى كتاب الشّعراء والشعراء لابن قتيبة وفيه تحدّث بتفصيل عن بنية القصيدة الجاهليّة عامّة ومكوّنات المقدّمة الطّلليّة باعتبارها جزء من بنية القصيدة.
مكوّنات المقدّمة الطّللية وفق ما ذكر ابن قتيبة هي:
-ذكر الدّيار والدّمن والآثار
-النّسيب وهو التشبيب بالحبيبة وشكوى ألم البين
-وصف الرّحلة والرّاحلة
قبل أن أقدّم محاولتي في قراءة الابيات الاولى من معلّقة طرفة بن العبد سأعرّفه.
هو عمرو بن العبد الملقّب بطرفة من بني بكر بن وائل ولد حوالي سنة 543 في البحرين على الخليج الفارسي من أبوين شريفين العبد البكري الشّاعر ووردة بنت عبد المسيح.كان جدّه وأبوه وعمّاه المرقّش الأصغر والأكبر وخاله المتلمّس شعراء.(من كتاب تاريخ الادب العربي لحنّا فاخوري)
تحدّث الزّوزني عن ظروف مقتله وهو ابن العشرين في إطار خلاف بينه وبين عمرو بن هند الذي أمر بقتله بعد أن وصله أمر هجاء طرفة له.
أعرض الآن الأبيات التي سأجتهد في تحليلها وهي من البيت الأوّل إلى البيت العاشرمن المعلّقة:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم يقولون لا تهلك أسى وتجلّد
كأنّ حدوج المالكيّة غدوة خلايا سفين بالنّواصف من دد
عدوليّة أو من سفين ابن يامن يجور بها الملاّح طورا ويهتدي
يشقّ حباب الماء حيزومها بها كما قسم التّرب المفايل باليد
وفي الحيّ أحوى ينفض المرد شادن مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد
خذول تراعى ربربا بخميلة تناول أطراف البرير وترتدي
وتبسم عن ألمى كأنّ منوّرا تخلّل حرّ الرّمل دعص له ند
سقته أياة الشّمس إلاّ لثاته أسفّ ولم تكدم عليه بإثمد
ووجه كأنّ الشّمس القت رداءها عليه نقيّ اللّون لم يتخدّد
-الوقوف على الطلل من البيت الأوّل إلى البيت الخامس
-النّسيب من البيت السادس إلى البيت العاشر
ينطلق الحدث الشّعريّ من الوقوف على أطلال الحبيبة خولة وهي آثار لأمكنة أقفرت برحيل أهلها عنها لكنّها تبقى منقوشة كالوشم في ظاهر اليد.وتتشكّل الحركة الأولى في النّص في هذا الفضاء المكاني الذي تجتمع فيه ثنائيّات متقابلة:
-الفناء والبقاء فالطّلل هو ديار دارسة لكنّها شبّهت بالوشم الذي يتحدّى الزّمن فيبقى في ظاهر اليد(البيت الأوّل)
-الأسى والتّجلّد إذ يدعو الصّحب الشّاعر إلى مقاومة الاسى والظّهور بمظهر القوّة(البيت الثاني)
-الجور والاهتداء وتجلّى في حركة السّفن التي تحمل الرّاحلين فهي مقامرة قد تؤدّي إلى اتّجاهين :التّيه أو الاهتداء وتعمّقت دلالة هذه الصّورة الواردة في البيت الثّالث بتشبيه تمثيل عقده الشاعر بين حركة اسلّفن وهي تشقّ عباب الماء دون أن تدرك مصيرها وحركة المفايل الذي يقسم التّربة باليد.والمفايل هو الذي يخفي شيئا في التّراب ويقسمه قسمين أو أكثر ثمّ يسأل عن الدّفين في أيّ موضع هو،فمن أصاب كسب ومن لم يصب خسر.
هكذا تبدو الحركة الأولى في القصيدة ملتبسة متوتّرة ويرتبط هذا التّوتّر بذات الشاعر في مدّها وجزرها في سياق الزّمن الحاضر وهو زمن الجدب والفراغ.فالطّلل رمز الموت الذي كان هاجس الإنسان الأولّ ولا يزال مرورا بعصور الإنسان المختلفة.إنّه تجسيد لقدرة الموت التي لا تقهر.
كان طرفة إذن يدرك إدراكا عميقا هشاشة الوجود الإنسانيّ ومأساة المصيرلذلك يبحث جاهدا عن مواجهة هذه الحقيقة ببعث الماضي فيستحضر صورة الحبيبة في إطار من المائيّة والطّراوةالتي يقاوم بها جدب الحاضر.
إنّ الزّمن في الحركة الثانية هو زمن الجمال والتّجدّد والحياة،زمن المتعة الذي يرتبط بوجود الحبيبة المعطاء.
شكّل الشّاعر هذه الصّورة في إطار طبيعيّ محفوف بالجمال والحركة وقد استعار صورة الشّادن وهو الفتيّ من الظّباء لوصف الحبيبة وأجرى الكلمة على غير معناها الحقيقيّ لأنّه أورد قرينة مانعة في قوله"مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد"فالحبيبة كانت تتجمّل بالحليّ وهذا يكشف عن مكانتها الاجتماعيّة المميّزة.
لم تكن حركة الشّادن مقيّدة بل مطلقة ،توحي بالنّعومة والدّفء فهو يتجوّل في طبيعة منتجة"تراعى ربربا بخميلة".
وقد وصف الشاعر حركة اليد وهي تتناول أطراف الأراك وترتدي بأغصانه ووصف الفم وهو يبتسم فتشرق الحياة ويخصب الوجود وكنّى عنه بصفته "ألمى"والشّفة اللّمياء هي التي فيها سمرة ضاربة إلى السّواد.
واعتمد التّشبيه باعتباره من مقوّمات الوصف ليحدث مقاربة بين حركة الفم وحركة الأقحوان المنوّر المنبثق من الرّمل النّديّ.
إنّ مختلف هذه الحركات توحي بنضارة الحبيبة تلك النّضارة التي استمدّتها من الطّبيعة لذلك كان وجهها شبيها بالشّمس التي ألقت عليها رداءها فهي مشعّة في ذاكرة الشاعر المتعطّشة إلى اللّذة .
توحي الصّورة إذن بالحيويّة والمتعة التي افتقدها طرفة في حاضره لذلك يحيي الماضي بلذّاته المنقضية علّه يبلغ مرحلة الخلاص من أزمة ذاته ووجوده.
تحضر في القصيدة صورة الشّاعر الإنسان والشّاعر الفنّان فالأوّل يمثّل الواقع والثّاني يرسمه وكلتا الصّورتين غير منفصلتين بل تحيا الثانية داخل الأولى.
رغبت أن أعالج المعلّقة كلّها لكن ضيق الوقت يمنعني فمثلما سطا الزّمن على الجاهليين وأرّقهم فهو يفتك بنا فتكا لكن نقاومه بما ننتج من فعل حسن
المعذرة لأنّني لم أشكل النّص ولم أشرح المفردات شرحا لغويّا ربّما يكون ذلك حافزا للإطّلاع على شرح المعلّقات السّبع للزّوزني فمن الممتع أن نطّلع على تراثنا الشّعريّ ونستثمره فيما ينفعنا.
دمتم بخير وعيد مبارك وسعيد
تعليق