رجـل منسـي
علي أحمد العبدالله
رجل منسي ــ رواية
الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى ــ 2010
التنفيذ
دار اسكندرون
دمشق ــ سورية
هاتف: 5139364
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صمم الغلاف: جمال سعيد
علي أحمد العبدالله
رجـل منسـي
روايـــــة
إلى كل الذين طواهم التراب في أعماقه
واعتدنا غيابهم
اهدي هذه الرواية.
علي
أغلقَ الشرطيُ بابَ الزنزانةِ، وَتركني بِمفردي، وَقد طمأنني بأنَّ المدةَ التي سَأقضيها فيها قصيرة جداً، فهيَ لن تتعدى النصف ساعة، كانت الزنزانةُ باردةً، متسخةً، ترشح من جدرانها رائحة رطوبة كريهة، و كتب عليها عبارات كثيرة بمتناول اليد، تحت النافذة الصغيرة رسم مربع، وفي وسطه دائرة مشوهة، ثمة سرير هناك, عفواً هناك آخر، فوقه بطانية، بدت – أي البطانية - متسخة أيضاً، وأعتقد أن رائحتها مقززة، والبلاط متآكلٌ على شكل مساحات داكنة، أو رمادية، رمادية داكنة، كأنها بنية، هي بنية، مصراع الباب ثقيل وسميك، يلتصق بالبلاط من الأسفل، ولا أثر لقفل من الداخل، في أعلاه نافذة صغيرة، كأنها حفرت فيه، ولها باب، بابان بباب، وقفت مندهشاً، هذه أول مرة أدخل فيها السجن، بالمناسبة عمري خمسون عاماً، ولا أحب الموت، لذلك وفي صلاتي الأخيرة، سألت الله أن أعيش مئة وعشرين عاماً، حتى ولو حصل معي ما يحصل لكلِ عجوز، أتدرون ما يحصلُ لكلِ عجوز؟!! يكثرُ كلامهُ، تطولُ خصيتاهُ، يكثرُ فساهُ، أعتذرُ عن قلةِ أدبي، لكنها حقيقة، لذلك أحب الحقائق كلها، وأعيش على إيماني بها، هاأنذا أحاول أن أتذكر أني اقترفت – ولو سهواً - مخالفة ما، قلبي ينبض بشدة، لا لا قلبي يخفق بشدة، دعوني أتكلم بصراحة، قلبي يضطرب بشدة، فلم أعد أميز بين النبض، والخفق، وهذه الغرفة – الزنزانة – أسميها غرفة، لأنني لست سجيناً، هكذا قال لي الشرطي، بالمناسبة كان شرطياً لبقاً، دمثاً، كان يحدثني بأدب جم، ويستمع إليَّ، وأنا أتحدث إليه، ونحن نسير باتجاه الغرفة، أقصد الزنزانة، بحثت في ذاكرتي عن مخالفة كنت قد ارتكبتها فلم أجد، لذلك قمت بتفتيشها عنوةً، فلم أجد شيئاً، فجزمت أن الأمر لن يطول عن نصف ساعة، فَرُحْتُ لطرد ملل الانتظار، أقيس أبعاد الغرفة، أقصد الزنزانة، فكانت ثلاثة خطوات طولاً ومثلها عرضاً، فهي متساوية الأضلاع، رباعية الشكل، نظرت نحو السقف المنخفض – لو قفزت رغم اعتدال طول قامتي للامسته - كانَ يتدلى منهُ سِلكٌ كهربائيٌ قصيرٌ جداً ينتهي بمصباحٍ غير مضاءٍ؛ ربما لأننا كنَّا في وقت الظهيرة.
*
بدأت ألاحظ أنني أتعرق، عرقاً سخياً، يهبط من عنقي حتى يصل إلى مقعدتي فبلل ملابسي الداخلية، وبدأت تظهر آثارهُ على القميص، فحررت أزراره لاستقبل بعضَ الهواءِ وَأنا أسيرُ نحوَ النافذةِ - نسيتُ أنْ أذكرَ لكم أنَّ ضلعَ النافذةِ العلوي ملتصقٌ بالسقفِ – بات الوقت متأخراً قليلاً، أعتقد أن إقامتي قد تجاوزت النصف ساعة بقليل، وما أزالُ انتصبُ وسطَ الغرفةِ - الزنزانة – إلى الآن، لم تزل غرفة، فأنا لست سجيناً، هكذا أخبرني الشرطي المؤدب الدمث.
نظرت إلى ساعتي، صحيح لقد تجاوزت النصف ساعة بقليل، ربما أكثر من القليل، ربما ساعة, أعتقد أنه وقت الغداء، أو وقت تبديل المناوبة، لأن الشرطة تعمل بنظام المناوبة.
*
التعب كبير، لكنني مازلت أنتظر، قررت الجلوس، إنني أميل بقوة فوق السرير الأول، خلته أنظف قليلاً، استلقيت عليه، شيء عجيب، كان مريحاً، بدونِ مبالغة، كم هو مريح.!! أشبك يدي تحت رأسي، وأنظر لسقف الغرفة – الزنزانة – التصقت ملابسي الداخلية بجسدي من آثار التعرق، وبحركة سريعة قمت وسحبت السرير قبالة النافذة الصغيرة التي يلتصق ضلعها العلوي بالسقف، ومن بعيد سمعت صوت جلبة ضخمة قادمة نحو الغرفة نحوي، فحمدت الله لقد انتهوا من الغداء، أومن تبديل المناوبة، لست غاضباً منهم، فهم مشغولون، وتأخير ساعة لا يهم، وجاء الفرج، ومراكب الصور الملونة ستهب، لقد جُعلت في هذه الليلة سيد الفرح.
شعرت أنني أطول، لأن رأسي كاد أن يصل السقف، عفواً لم ألاحظ أني كنت واقفاً فوق السرير وا أسفاه!! اعتقدت أنني طولت مع أني قد توقفت عن النمو منذ أكثر من ثلاثين عاماً، فقفزت عن السرير ومشيت نحو الباب، قطعت أربع خطوات، فتقدم الباب بعد أن فُتح أربعة رجال يرتدون بدلات رمادية داكنة وربطات عنق أنيقة، هناك شيء واحد لم أذكره- رغم محاولاتي العديدة - أن أتبين ملامح الفرح الذي دخلوا به عليَّ.
*
من الفجر حين ولدتني أمي في غرفة ما، في قرية ما، على ضفة وادٍ ما، تحت سماء ما، لذلك عشت أحب الحرية كالعصافير حين تفرد أجنحتها للريح، هذا ما كنت أفكر به فقط حين اندفع نحوي الرجال الأربعة وكبلوا معصمي نحو الخلف ووضعوا كيساً فوق رأسي وتحركوا، أقصد تحركنا لأنني كنت معهم جعلتني تلك اللحظة شبه خائف، لا... لا كنت خائفاً إن أردتم الصدق أكثر، كانت أوصالي ترتعد خوفاً، أحاول أن أمد رأسي من الكيس لأنني في الظلام، و أنا مثل الناس أكره الظلام أحاول أن أركز مع اندفاع عجلات العربة التي تقلني عفواً تقلنا لأنني كنت أحس بوجود الرجال الأربعة معي.
*
لخبرتي كسائق، ولمعرفتي بنقطة انطلاقنا رحت أتابع معصوب العينين يقظ الحواس تُجاه العربة التي انطلقت بنا يميناً، ثم يساراً، ثم يساراً، وأرسم خريطة لخط سيرنا، فأعرف جهتنا المقصودة دون أن أسأل أحداً منهم – خوفاً لم أستطع أن أسأل عن الجهة التي نقصدها – وبصدق كنت أشعر ولا زلت أن عظمتي تنهار أمام الصمت الذي خيم على الرجال الأربعة، فلم يتحدث أي منهم بحرف طيلة المسافة التي أذهلني طولها دون توقف للتزود بالوقود ولا استراحة يقضي فيها أحدنا – أتحدث كأنني واحد منهم – حاجته وفشلت حواسي بمعرفة خريطة الطريق الذي نسير عليه وبقيت في ظلام الكيس الأسود.
*
أنا جالس بينهم، في العربة، أتصبب عرقاً، مضطرب التنفس، للحظة راودني شعور ورغبة عارمة بالبكاء مثل الأطفال، أرفع تركيزي لأعلى طاقاته، خطر لي أن أقرأ بعض الآيات و الأدعية علها تخرجني من هذا الظلام – ظلام الكيس – كان الجو داخل الكيس مظلماً، قائظاً، حاراً، مدراً للعرق بشكل مرعب، آنذاك تمنيت أن أتلقى ريحاً باردة منعشة تصفع وجهي بلطف، تتبعت تحديقي بالظلام متشبثاً بصور غامضة وتساءلت عن نذير الشؤم الذي قادني إليهم هذا الصباح، أبتسم وأتذكر بمرارة، قبل سنوات عديدة قاربت الأربعين حرب الأيام الستة، يا لبؤس هذا الرقم، بت أكرهه، أتذكر وأنا أقلب صفحات ذاكرتي وأبحث عن وجه الطفل الخائف الذي غادر البيت ليلعب مع أقرانه فوق تل الجبانة الصغيرة، حيث الفضاء الرحب مفتوح للعب والجري حفاة شبه عراة، حين عصفت طائرة إسرائيلية بهدوء المقبرة وهي تمر فوقها، وبثوان قليلة كان الغبار يملأ محيط القرية، فركضت راجعاً نحو بيتنا، خائفاً مذعوراً، فأنا لم أر طائرةً منذ خلقت، كانت سوداء ولها امتدادات لا أفهمها مرورها فوقك كطفل يعني اندفاعك للهرب من شيء تجهله، شيء مخيف، وصلت إلى باب المنزل الكبير، تلقتني أمي ورفعتني عالياً وضمتني إلى صدرها، سمعت جدتي تقول لأبي:
- يا بني أصعد أنت وابنك إلى الجبل !! و أردفت
- يا بني هؤلاء الخنازير دمروا المنازل فوق رؤوس أصحابها !
خيم صمت مفاجئ لقد غادرت الطائرة الإسرائيلية سماء القرية وأصبح المكان يتسع للجميع برحابته المعهودة، وقال أبي - عرفت وقتها أنه يتحدث إليَّ- بينما هو ينظر إلى جدتي:
- نحن نعيش هنا بعز ونعيم أفلح أرضي، أرعى ماشيتي، لن أخرج من بيتي ولو دمروه فوق رأسي!!
انسحبت من حضن أمي وتوجهت نحو أبي هناك مساحة أوسع للطمأنينة، فقادني من يدي وتمدد بطوله الفارع في الظل وأنا أمامه أقارن يده الكبيرة مع يدي الصغيرة وأنتظر أمي تجهز قدر البرغل الناشف فوق الموقد، آه ما الذي يقحم صدري بهذه الذكريات؟
و أين أنت الآن يا أبي؟!!
*
مرت ساعة – هكذا خلتها- طويلة، مرعبة، هذا الظلام ليل شامل يحاصرني من جميع الجهات، لقد بذلت جهداً مضاعفاً لأتبين صوت أغنية صدرت من الغرفة الأمامية للسائق، شعرت أن هناك حاجزاً يفصلني وإياهم عن مقصورة السائق، فكان الصوت منخفضاً، لذلك لم أميزها، لكن الصوت كان صوتاً أنثوياً يستريح المرء إذا ما سمع صوت أنثى هكذا إحساس يشترك به كل الرجال ولكل قاعدة شواذ ولست من هؤلاء الشواذ، لكن الجو كان ثقيلاً واهتزازات العربة وانعطافاتها الكثيرة تزيدها ثقلاً.
شممت رائحة تبغ أحدهم يدخن سيجارة، آه لم أدخن من ساعات، لكن تبعها نسمة باردة دخلت من تحت عنقي إلى داخل الكيس الأسود، لا بد أن أحدهم فتح زجاج نافذة السيارة – يبدو أن الله قد استجاب لدعوتي- لا إراديا ملت برأسي نحو مصدر الهواء نحو النافذة، يزداد تدفق الهواء عرقي يجف شيئاً فشيئاً، آه لو دخن التبغ طوال الطريق.
*
لعلني توهمت شيئاً في ظلام الكيس، أني أرى، لكن ليس بوضوح كاف، فعيني لم تعتد اختراق اللون الأسود، أرى جداراً قائماً وطفلاً يتسلقه بخفة ومهارة، لعله أنا، لعله غيري، لكني أحسبه أنا أتطاول لأصل إلى السطح، سطح منزلنا الطيني، من هناك يمكنني أن أراها، لكنها بالطبع لم تكن تراني، كنت وحدي أرى ذاك الجسد الأنثوي المتكامل حديثاًُ دون أن أفهم دافعي لذلك، رأيتها وهي تكبر وتكبر حتى تكور لها دل الأنثى ونضجت رمانتاها، لست أعرف اسمها وربما عفتني من أن أعرفه، لأنني بعد أسبوع كنت أركض مع البقية لمشاهدتها وهي ميتة، تجرعت السم, كأني أذكر أنها أتُّهِمَتْ بسرقة دكان في حارتها، لكنها أنكرت وأقسمت بالله أنها لم تسرق شيئاً، كانت تحب ابن عمها وتحلم بالزواج منه، ولم تفلح؛ لأننا مشينا في جنازتها أطفالاً منذ أربعين عاماً، ياااه لا بد أنها الآن رماداً.!!!!!
*
كيف يمكن للطفل أن ينسى ما رآه، ألا يتذكر عنوة لحظات الفرح الغامر، يخيل لي أن ظلام الكيس الأسود يفتح أمامي مسرحاً موغلاً في الحنين، ونحن ثلة من الأطفال نتسابق للوصول إلى تينة أبي شوقي وهي تينة عملاقة زرعت جانب بركة ماء عذبة، كان الأطفال يجتمعون عليها كما عصافير الدوري، ومن تفقد من النسوة ابنها فلن تبحث عنه إلا على أغصانها، لكن ما كان يميزها جارها الطاعن في السن، فقد كنَّا نتحين الفرص لرؤيته نائماً بطوله الفارع وقدميه الكبيرتين، وقيل أنه نبت له أسنان لبنية مرة ثانية بعد تجاوزه المئة وإن حصل واستيقظ والأطفال مجتمعون على باب غرفته صاح بهم قائلاً بصوت جَهوريّ أجش:
- اطلع برا يا ولد !!! فيتناثر الأطفال عبر الجهات.
أي صدفة أغنى من هذه الصدفة لتتصدق عليَّ ذاكرتي وتحملني من عناء الطريق الطويل وأنا جاثم في هذه العربة وسط صحراء مقفرة، منكمشاً على نفسي، أضيع وقتي في امتداد الشارع إلى المجهول وليس يمكنني أن أوقف دوران عجلة العربة، إن الإنسان الضعيف يعيش في داخلي بوجهه المبتذل بأقصى عنفوان الابتذال، لذلك أنا أمشي نحوه، خطوة وراء خطوة، ككائن محطم بالهدوء يراقب الساعات تمضي لأستيقظ فجأة وأرى نفسي أقف أمام المحقق.
*
كانت الغرفة – غرفة التحقيق – تبدو باهتة ضوؤها ضئيل يشبه ضوء القنبور – قنديل بدائي- وأثاثها عكس ذلك، فهو من الجلد البني الفاخر، كلون جلود الجمال الهرمة، كنت أتأمل هذه الخطوط المتداخلة من ضوء غرف مجاورة تقتحم غرفتنا – غرفة التحقيق – فينعكس على بلاطها الذي كان جديداً، والغريب أن الجميع بما فيهم المحقق – عرفت هذا بذكاء خارق، فقد كان يجلس على الكرسي والجميع واقفون – بقوا صامتين لنصف ساعة، أظن أن المحقق كان يتظاهر بالانشغال، ثم نظر إلي من تحت نظارة ليست سميكة، وقال:
- أهذا هو؟!!
فأجاب أحدهم:
- نعم سيدي !! فقال:
- خذوه !! فأخذوني.
أُعيد الكيس فوق رأسي، ومشوا بي أتهادى بين اثنين ولثقتي بعدم وجود تهمة ما كنت غير مبال ورحت أضحك سراً لأنني تذكرت أغنية لدمى متحركة في برنامج تلفزيوني للأطفال وهي تغني وتسير بين وحشين قائلةً:
- أنا بين اثنين !!
ولعل أحدهم شعر بأنني أضحك فلكزني بعنف، فألجمت حتى وصلوا بي إلى ردهة باردة، رطبة، فوقفوا ونزعوا الكيس الأسود عن رأسي ونهرني أحدهم قائلاً:
- اخلع ملابسك !!
ترددت قليلاً، وهذا رد فعل طبيعي، فاندفع أحدهم ورفعني بكلتا يديه، وباشر آخر تحرير أزرار قميصي المتبقية ونزعه عني نزعاً ومزق اللباس الداخلي ورماه كالمزقة، و فك نطاق بنطالي – ما زلت مرفوعاً – وسحبه ورماه وسأكون صادقاً كما وعدتكم لقد سحب معه سراويلي الداخلي، فأصبحت عارياً تماماً!!
*
منذ مولدي، منذ سنين طويلة، كنت أحتفظ بذاكرتي يوم ختان أبناء عمي، ولنصيحة من شخص لا أذكره ولا أذكر شكل وجهه ولا السبب الذي جعله يشير على عمي بإجراء الختان لي مع أولاده، فأمسك بي من قبة قميصي بيده اليسرى ووضع يده على بنطالي من الجهة الأمامية وسحب البنطال – يومها لم نكن نلبس السراويل الداخلية - ورماه بعيداً وهرول باتجاه أبي أيوب – المختص بالختان – وصاح بالنسوة اللواتي كن ينظرن إلي:
- هيا زغردن يا نساء !!
وانطلقت الزغاريد، جميع النساء يزغردن لأن قسماً من ذكورتي سوف يقطع بمشرط أبي أيوب
أنزلني أبي أو غيره حينئذٍ لا أذكر تماماً، فالرعب أطار بعقلي، وأسرعت مهرولاً ومبتعداً عن المكان وخسرت طبق الحلوى وبقيت دون ختان، وفي المساء قالت أمي لأبي:
- لماذا لم تترك أخاك يختن ابنك مع أبنائه؟!! فعرفت أن أبي هو من أنزلني من يدي عمي، فأجابها:
- أريد أن أفرح به لوحده
و احتفظت بهذه الجلدة بعدها خمس سنين أخريات ! ولأسبوع كامل كنت أضحك للطريقة التي كان يمشيها أبناء عمي.
*
أخذتني رعدة طويلة سرعان ما تحولت إلى هلع هبط عليّ وأنا أضع يدي فوق عورتي خجلاً، ثم تقدم أحدهم ودفع بي إلى غرفة مظلمة وأغلق الباب وسمعت صوت قفل يدور وصوت خطىً تسير فأدركت أنني بقيت وحدي في الغرفة عارياً، فباشرت على عجل عصر بؤبؤ عيني كي أتبين شيئاً من حولي، لكن الظلام كان يطبق على المكان بصرامة مرعبة، فرحت أتحسس بيدي جدران الزنزانة من الآن سأسميها زنزانة، فراعني أن جدرانها متقاربة بشكل كبير حتى إنني أستطيع أن ألمس جدارين وأنا أقف في منتصفها، للحظة اعتقدت أنها دورة مياه أبعادها كأبعاد دورة المياه سقفها المنخفض كسقف دورة المياه، لكنها خالية من كل شيء.
*
الليل شامل من حولي، جدران متقاربة من حولي، أخذت أتحسسها من جديد لكن بحرفية، فقد تحسستها شبراً بعد شبر، لم يكن على جدرانها شيء يلمس، ما خلا فتحة دائرية بحجم فم الإنسان الفاغر فاه، لكن هناك هواء بارد يدخل منها، أضع عيني أمامها أجاهد للنظر من خلالها لاشيء يمكن أن يرى غير الظلام.
انكفأت على نفسي، و أجهشت بالبكاء، فلقد بعث الظلام فيَّ شعوراً بالوحدة بشكل فعلي لم أعهده من ذي قبل بدأ يدخل إلى حياتي، فبدأت بمداهمة ذاكرتي، وتفتيشها بعنف وبقسوة عما يمكن أن يكون مخالفة صريحة للقانون الإلهي أو الوضعي.
*
هأنذا وبعد سنوات من نجاتي من مشرط أبي أيوب أعود وقد أمسك بي والدي رحمه الله من قبة قميصي بيده اليسرى، ورفعني - مثل عمي – وسحب بيده اليمنى بنطالي، ورماه كمزقة - وإلى ذلك الوقت لم نكن تلبس سراويل داخلية بعد - واحتضنني وجلس القرفصاء على وسائد جعلت كالكرسي، و أدار وجهي إلى الأمام، فإذ أنا بمواجهة أبي أيوب ومشرطه، ليس ثمة شيء يعدل أن تمسك بمشرط أمام طفل خائف، نعم كنت خائفاً، وبنظرة ماكرة أراد أبو أيوب أن يحول نظري عن مشرطه، فاختلق كذبة ليوهمني بوجود حمامة في سقف الغرفة، لكنني لم أحول نظري عن مشرطه، وهو يقطع تلك الجلدة ليندفع الدم حتى بلل مريوله الأبيض.
مساءً انقطع الدم – ربما كما يقال – تجمد في عروقي وعاد الهدوء إلى نفسي و أنا أرفل بثوبي الطويل المزين بريش النعام – عادة الفلاحين حين يختنون أطفالهم – وبدأ الهدوء يعود إلى نفسي وجلست إلى الفراش السميك الذي جهز خصيصاً لي وجيبي تثقلها القروش التي نثرها أبي فوقي وأنا أسير نحو أمي بينما أبي يستعد لإشعال الشمعدان ( المصباح الأبيض )، حَكَ عُوْدَ الثِّقابِ فَتَوَهَجَ الضوءُ سَرِيْعَاً َوَبَدَتْ عَيْنَا أبِيْ كَجَزِيْرَةٍ خَضْرَاء وَأثَاثُ الغُرْفَةِ كَصُخُوْرٍ بَاهِتَةٍ، كُنْتُ أتَأمَّلُ شُرُوْدَ أَبِي وَهُوَ مُمْسِكٌ بِعُوْدِ الثِّقَابِ الذي لَسَعَهُ، فأسْرَعَ وَنَفَخَ عَلَيْهِ فَانْطَفَأ التَّوَهُجُ وَعَاْدَ لِيَفْتَحَ عُلْبَةَ الكِبْرِيْتِ وَيُشْعِلَ آخَرَ، فَعَاْدَت الصُّخُورُ تُقَدِّمُ عَيْنَي أَبِيْ كَجَزِيْرَةٍ صَغِيْرَةٍ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ وَنَزَعَ الزُّجَاْجَةَ عَنِ الشَّمْعَدَانِ وَقَرَّبَ العُوْدَ المُشْتَعِلَ مِنَ الفَتِيْلِ المُبْتَلِّ، فَلَمَعَ الضوءُ في أَرْجَاْءِ الغُرْفَةِ الواسِعَةِ، لكنِّي الآنَ وَسَطَ الظَّلامِ يُرْجِعُنِيْ نَحْوَ اليأس وَالخَوْفِ.
*
يخيل لي أنني سمعت شيئاً لم أحدد طبيعته، لكن تبعه صوت حاد يحوم حول أذنيّ صوت مزعج، أعرفه جيداً في ليالي الصيف القائظ، وقد تأكدت منه حين باشر لسعي بحقد، فحاولت بحركات عشوائية وأنا في ظلمة كاملة قتلها حتى وصلت يدي إلى الفتحة الدائرية في الجدار، فهالني تلك الأعداد الهائلة من البعوض التي تتدفق منها لتسكن معي زنزانتي الشبيهة بدورة مياه لتشاطر قلبي مسكنه، ليس لتشاطره همه بل لتزيده.
كانت الزنزانة كخلية نحل، أقاوم لسعاتها دون فائدة، فرحت أصرخ، أبكي، استجدي، كما لو كنت مجنوناً، وأسمع لغطاً، أو ربما ضحكاً، وبدا هؤلاء اللاغطون كأنهم يتحدثون عن ظفر عسكري، ثم سمعت صوتاً، صوت رجل، صوت جاف، ربما تحسبه غليظاً، هو كذلك، لأن صراخه كان غريزياً، أتدرون كيف يكون الصراخ غريزياً؟!! أنا أخبركم!! عندما يتحول قلبك إلى قطعة لحم فقط، لا تعرف إلا أن تضخ الدم في العروق، وقد تابع هذا الصوت الصراخ تدفقه حتى بدأت أشم رائحة كريهة، ليست كريهة كريهةً، لكنها لا تطرق الأنف بمتعة، تلاها هدوء عجيب لحركة البعوض، وكنت أشعر بها وهي تهوي ميتة، فأدركت أن الرائحة التي تصدر من فوهة الزنزانة، لم تكن إلا مبيداً للبعوض!!
للحظة تلمست جسدي، كان حاراً، مؤلماً، وانتشرت الآثار التي تركها البعوض تظهر تحت أصابعي كحبيبات الفطر الصغيرة.
*
انتظرت طويلاً وأنا أقف أمام المحقق عارياً، كم هو مخجل أن تقف أمام الناس عارياً، وقد جعل مني هذا الخجل شبه أخرس، كأن صوتي قد انقطع، فسيطر الهدوء على الغرفة، ونظارة المحقق غير السميكة تقدم لي عينين خضراوين بدتا بنيتين، لكنهما جاحظتان وتحتهما هالات سود أو بنية، بدأ الخجل يتلاشى لأنني بدأت أقبل الواقع بما هو عليه لذلك بدأ توازني أفضل وشحذت إرادتي للرد على كل سؤال كما لو أنني أرتدي بذلة رمادية – مثل الجميع – وأيقظت كل حواسي متحفزاً.
*
شيء ما يجعلني لا أغضب مما فعلوه بي من تعريتي من ملابسي ودعوة البعوض لوجبة دسمة من دمي، فحين سأتكلم سأثبت لهم أنهم يمسكون بالرجل الخطأ نعم أنا الرجل الخطأ!! وعناصر التقرير غير مكتملة، غرفة التحقيق، المحقق، المتهم، الأوراق، ينقصها التهمة، إنني منتصب، ويدي غير متشنجة، رأسي لا يدور، ليس هناك صداع، تحررت من كل القلق الذي كان يساورني، لأنني عارٍ، ورحت أنظر إلى طاولة المحقق الذي ما زال يتظاهر بالانشغال، كانت الطاولة تعم فوقها الفوضى، وكانت قريبة مني جداً، أنظر إليها أتأمل الأوراق البيضاء المصقولة بعناية، المفكرة، صحن السجائر، علبة التبغ، كأس الماء، وفنجان القهوة الفارغ، عدت للنظر نحو كأس الماء، فشعرت بالعطش، هو ليس عطشاً، بل جفاف في الفم يحول شفتيك إلى أرض صحراوية قاحلة لا ماء فيها ولا رطوبة.
انتظرت طويلاً دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة، سيتحدث أحدهم هذه الليلة لا محالة، لن يبقوا صامتين إلى الأبد، إن الله خلق لنا الفم لنحكي ونأكل، كم أنا جائع هذه الليلة، فمنذ الظهيرة لم أذق لقمة واحدة، كم أشتهي دجاجة مشوية، وجاء الفرج، فارتفع رأس المحقق ونظر نحوي بعد أن أنزل النظارة غير السميكة عن أنفه، وقال:
- أهلاً وسهلاً نحن نبحث عنك منذ مدة وها أنت قد وفرت علينا المشقة والتعب.
كنت أتأمل أنفه الذي ارتسمت عليه نقطتان كالحتان من أثر النظارة، فبدا جميلاً وإن كان كبيراً وبانت عيناه على حقيقتهما فبدتا بنيتين لا خضراوين، فأحياناً تكتشف أن للنظرِ أخطاءً كما للسمعِ أخطاءٌ، فأدركت أنه يريد مني التكلم وقلت بدفعة من الإرادة المشحوذة:
- أهلاً بكم سيدي لكن لماذا تبحثون عني؟!!
ضحك المحقق وجلجلت ضحكته الغرفة وشاركه الرجال الأربعة الضحك ورأيت نفسي أشاركهم التبسم وأنا أنقل نظري بينهم، ثم ما لبثت أن رفعت صوتي بالضحك حتى كاد أن يطغى على أصواتهم، فسكت المحقق وسكتت الأفواه الأربعة الواحد تلو الآخر وراحت جميع العيون تنظر نحوي و أنا مستغرق بالضحك، فألجمت عن الضحك وراح الصمت يخيم على المكان من جديد، لكنه صمت يختلف عن الصمت الذي نعرفه، أو نعيشه، إذ يمكنك أن تصمت لتستمع إلى أغنية، أو دندنة، أو تستمع إلى حبيب يشكو، أما هنا فأنت تستمع لتترقب، لتترك لخيالك الحبل على الغارب لتتوقع ما يمكن لغريزتك أن تتصرف لتحافظ على بقائك.
وجاء الفرج الثاني، فرن الهاتف على الطاولة، فتناوله المحقق بسرعة وقال مرعوباً:
- نعم سيدي !!
وأغلقه وهرول خارج الغرفة بعد أن قال للرجال الأربعة خذوه الآن، وغداً سنراه!!
*
أُعدت إلى الغرفة المظلمة عارياً طوال الليل – هكذا حدسي – وبأمل كبير رحت أجعل من الانتظار عادتي، كي أصمد حتى الصباح، لكن الصبح بهذه الظلمة ليس بقريب، وكنت خائر القوى، منهكاً، وكان لدي من القوة ما أستطيع بها الجلوس، فجلست، واختلج عليَّ نوع من اليأس يدعوني للهروب من الظلمة، لكن عبثاً فجدران الغرفة المتقاربة تزيد من ضيق صدرك، فتشعر أنك تعيش في تابوت، مظلم، ولقد راعني أن أتخيل شكل القبر، فارتعدت وانكمشت وأسندت ظهري إلى الزاوية كأني أستريح، وعجبت رغم الظلام أنني مازلت أحافظ على وضع يدي على عورتي كأنني أخفيهما عن الظلام.
*
الظلام شيء مخيف، أذكر يوماً، آه مضى على ذلك زمن طويل، كنت أجلس مع غيري من الصغار – لا بد أنهم الآن أصبحوا كباراً مثلي- نستمع إلى مريم السعد تلك العجوز التي فقدت بصرها لسبب هي لا تعرفه، ولا أنا، ولا أهل القرية، ولا حتى الطبيب الذي كان يعالج مرضاً ألم ببصرها – بعض الناس يقول أن الطبيب هو السبب- لا دخل لي!! أذكر أنها كانت تروي ما حصل للفتاة وأخيها اللذين طردتهما زوجة أبيهم في ليلة شتاء باردة, فأووا إلى ظل جدار يقيهم من المطر، فخرج عليهم شيخ جليل من الجدار وأدخلهم فيه، فوجدوا قرية سعيدة عاشوا فيها حتى نهاية الحكاية، كما حدث معي حين عدت ببعض الحاجيات لأمي من الدكان وقد أظلم الليل وغاب القمر، فلم أعد أرى شيئاً في الظلام وأنا أمر جانب المقبرة وربما كنت أنتظر الشيخ الجليل ليخرج إليّ ويدخلني في الجدار إلى القرية السعيدة، لكنه لم يخرج من الجدار، بل خرج من القبر، كان طويلاً يرتدي لباساً أبيضَ وذو لحية بيضاء وعمامة خضراء، لكنها بدت في الليل سوداء، ففرحت لخروجه، وألقيت عليه السلام- كما كان أبطال قصص مريم السعد يلقونها حين يخرج عليهم الجن والغول- قائلاً:
- السلام عليك يا مخلوق الله، لكنه لم يرد عليّ كما كانوا يردون، بل ندت عن شفتيه ابتسامة، وظهرت أسنانه صفاً واحداً بيضاء لامعة ولمع نور عينيه، فلم تعد قدماي تحملانني، فوليت هارباً ومستنجداً بأبي الذي جلجلت ضحكته في أرجاء الغرفة، ولذت أنا في الفراش.
*
أنا أتواصل في هذه اللحظة مع نفسي، فأشعر ببعض المتعة، بات من الواضح أنني لست وحيداً مادمت قد حصلت على بعض المتعة والسعادة، وربما تملكني شعور غريب يخلط بين المتعة والذكرى، فكأن بينهما اتحاد غريب، وصار التمييز بينهما نافذة لليأس والكآبة، فخيل إلي أنني – بعنادي- أتابع الرؤى لتتدفق الذكرى والمتعة معاً لتقهر الظلام من حولي.!!
هذا لم يكن كل شيء، فلقد مضى في خاطري، و أنا لم أزل أتكئ على جدار زنزانتي، وأنظر إلى الظلام الذي أخفى عليَّ بابها، وجعلني أترقب أن يطل عليّ يوم جديد حتى أسلمني التعب للنوم، فنمت مرتاحاً رغم جوعي.
*
سكنتْ الزنزانة – زنزانتي – أمامي آنذاك في المدى المظلم، ثمة شخص ما قادم نحوي، من خلال ممر ضيق ينحدر من درج عالٍ درجاته حجرية, من البازلت، دخل البهو مجتازاً الممر، أحاول أن أتفحص الزائر، أتفحص خلسة قامته الممشوقة كالرمح، صدره البارز كتلة واحدة، وجهه الساكن كالندى، يمتد رأسه إلى الأمام قليلاً، امتداداً هادئاً وئيدًا، كأنك لا تراه من فرط الشفافية، تحركت شفتاه. لست أدري أكان يهمس أم كان يومئ، إنه هنا بعينيه الزرقاوين، ووجهه الأبيض، تتأرجح هالة نور حول جسده، كأنه يمشي في صندوق زجاج محطم، إنه هو إنه أبي، لن أحاول أن أشرح كيف جاء من العالم الآخر، الأحلام خارج المعقول، خارج السيطرة، لكن الصور المجتمعة في الذاكرة المحنطة تستجمعها على شكل حياة قائمة بكل تفاصيلها، هناك شمس وهواء وأرض وسماء وفقر وثراء هناك حياة وموت وصمت وصوت وكوخ وبيت في لحظة ما نظر إلي ونظرت إليه، ثم انفرج فمه عن ابتسامة، إنها لمتعة أن ترى ميتاً يبتسم ولو بحلم، ودام الأمر هنيهة ما لبثت أن انطفأت الابتسامة، وعاد الفم فم ميت وانكفأ نحو البهو، فالممر، فالدرج ذي الدرجات البازلتية الزرقاء، وغاب ظله في الظلام، لعلي توهمت أني رأيته، لأنني كنت أقف على اللحظة الفاصلة بين اليقظة والنوم، لكني رأيته على هذه الهيئة أكثر من مرة، حينما أكون بحاجة إليه، حينما أكون على وشك أن أقع تحت الظلم، ولهنيهة أشحت برأسي جانباً، فارتطم بالجدار وصحوت من النوم، إذاً رأيته حقيقةً، وسوء ظني كان من هيولى الحلم نفسه، ورغم يقظتي لم يزل يمن عليَّ ببعض الصور المبعثرة، فها هو يبذر قمحاً، أو يمسك معولاً، ثم يقذف بنفسه في البئر في يوم قائظ.
*
أذكر يوماً وقد اجتمع صغار القرية حول البرك والآبار، بالمناسبة قريتي تمتلك ثلاث برك عذبة وثلاث آبار للشرب – سابقاً – تملأ من الوادي القادمة مياهه من ذوبان الثلج في الربيع، ولست أعرف كنه تلك اللحظة – فأنا لا أعرف السباحة- إلا وأمسك بي من تحت إبطيَّ وجرى مسرعاً نحو البئر وقذفني فيه وتبعني يجلجل ضاحكاً وتركني أناضل ضد الماء في كل مكان فارغ الرأس، مرعوب الذهن، أصم الأذنين، خاوي العزيمة، أكافح حتى وصلت لدرج البئر، فتبعني وأمسك بي ثانية في أعلاه وقذفني ثانية وثالثة، لم يكن قد مضى وقت طويل حتى علمني السباحة، وبقيت هذه الذكريات مجرد صور تستمر بالعرض أمامي حين أريدها وكم أريدها.
*
لبثت ساعات لا أرى شيئاً – كما كنت – عادت كآبتي وخوفي، فتلك الصور والخيالات هي إشارات ميتة لا نفع فيها وإعادة إحيائها ضرب من الجنون، لكنه جنون مفرح مسل لا يتركك وحيداً ويفرج عنك شدة الضيق.
*
غرقت بعد طول تفكير بنوم عميق نصف حالم ونصف يائس يزحف البرد نحوي، كانت الغرفة - عفواً أقصد الزنزانة – غابة دون شمس، دغل دون طريق، وخيل لي أنني أعيش في عصر حجري عارياً أقاوم الوحوش ذوات القرون الثلاثة نهاراً وأختبئ في جحر ثعلب آخر الليل أنتظر الصباح.
*
من جديد فُتِحَ باب الزنزانة، أيقظتُ حواسي، وساروا بي إلى الزاوية التي خلعوا فيها عني ملابسي، فارتديت بنطالي كما أمرت، ووقفت أمام المحقق دون أن أنظر إليه، وقد تعودت الانتظار واقفاً وتفكرت في الزنزانة، فنمت عن طرف شفتي ابتسامة ساخرة من الزنزانة الخاوية الفارغة من أي شخص، وقد تحولت إلى غرفة بعد خروجي منها، للحظةٍ هبطَ الرعبُ على وجهي وأنا – دون قصد – أُنَقِلُ نظري على الطاولة المرتبة المفكرة، صحن السجائر، وفنجان القهوة الفارغ، والأوراق البيضاء المصقولة جيداً، فرفعت نظري نحو الجالس على الكرسي، فإذ المحقق قد تغير، كان له وجه جميل، حليق الذقن والشارب، لامع العينين أسودها، أنيقاً مترفاً، كأنه ابن طبقة مخملية، فنظر إلي وجانب وجهه يكتسي حمرة فاتنة كمن تناول قدحاً من نبيذ أحمر في ليلة باردة، وانسابت ابتسامة متجهمة على شفتيه لكنها مطمئنة، بينما حافظ الرجال الأربعة أنفسهم على وجومهم صامتين وقال لي:
-أهلاً.... كيف الحال؟!! و ببساطة قلت له:
- الحمد لله !! قطب حاجبيه وقال:
- ماذا جئت تفعل هنا؟!! ببساطة أكثر:
- جئت كسائق لشاحنة تحمل القمح إلى المطحنة !!
- ثم ماذا؟!! قلت:
- بعد طحن القمح يُذْهَبُ بالطحين إلى الفرن فَيُعْجَنُ و يُخْبَزُ ليؤكل !!
كان يصغي إليَّ تطوف على وجهه الابتسامة نفسها، فظهر جماله بشكل أفضل من ذي قبل وظهرت عيناه جميلتين وديعتين، لكنني شعرت رغم أنه كان يصغي إليَّ بعمق، أن الرجل لا يصدقني!! وظهرت علامات السأم على وجهه، رغم الصبر والأناة التي كانت تميز ملامحه الدقيقة، فبعث ببعض الخيبة إليَّ وتحولت إلى نوع من رتابة مملة، فراغ مدوي، ما لبث إلا أن احمرت عيناه، فظهرتا أجمل بأشواط كثيرة، وقال:
- أنت أتعس رجل في العالم لهذا اليوم !!
أُخذت على حين غرة وتمزقت العزيمة التي كنت أشحن نفسي بها لليوم الثاني وبدت الحقيقة شبه واضحة أمامي و رأيت أن هذه الكائنات تحوم حولي مستنفرة ولم تغادر عيناي تلك اللحظة وجه الرجل وصمتي الطويل يرهق عضلاتي، فتقهقرت إلى الوراء حتى التصقت بجدار المكتب بينما تابع الرجال الأربعة تقدمهم وراء المحقق وهو يسير نحوي.
أي أسىً جرى معي في غرفة التعذيب، فقد أحزنني أن أعلم أخيراً أن الإنسان يمارس التخريب ضد الإنسان أكثر مما يمارسه ضد الطبيعة والحيوان، فقد كان كل شيء صاعقاً ومؤلماً لا ينفع معه الرجاء ولا الاستجداء ولا القسم، فرمي بي في غرفتي التي استعادت اسم الزنزانة وقد وشموا جسدي بحروق على شكل خريطة لا يمحوها، إلا الموت.!!
*
العينان مفتوحتان على مصراعيهما كالباب، والظلام يخيم على الزنزانة زاخراً بالوحشة أحاول بالذكرى أن لا أكون وحيداً، مادمت لا أملك تصوراً للمستقبل رغم تتالي توالد الأيام، وأنا ما زلت أقبع في زنزانتي، فتغدو تلك الأماكن التي كان ظلك يغادرها نوعٌ من المساحات المنداحة الموغلة في الحزن، الموغلة في الحنين، الموغلة في المتعة.
*
آه ما أحلى أن تتحدث عن نفسك، ثمة من يحب أن يتابعك في هذا المجال، أجل أنا محق، ماذا أنت فاعلٌ لو رأيت طفلاً يركض خلف فراشة؟ بدون شك وبدون تطرف في الإجابة كنت ستبتسم هذا أولاً، ثم تتابعه بنظرك هذا ثانياً، وربما فعلت شيئاً ثالثاً ورابعاً، من يدري؟!!
نعم لقد ركضت خلف الفراشات حتى تعبت، وركضت خلف قطيع الماشية في المرعى، وتعلمت ركوب الخيل وقبلها ركوب الحمير، كيف لا يكون هذا تدرجاً في المتعة؟ وقد يكون تدرجاً في الألم، إذا ما وقعت عن ظهر حصان واجتمع الناس من حولك، وأنت فاقد للوعي لتصحوَ على جمهرة نساء القرية يصرخن:
- لقد قطع قلب الصغير! لقد قطع قلب الصغير!
يسحبونك إلى كوخ الحاجة عذاب - نعم اسمها عذاب - ويمددونك أمامها، وبيدها المسمار الُمحمى حتى الاحمرار لترسم فوق بطنك الصغير مساحات للألم، ومساحات للزمن، وترسم أنت في فضاء الكوخ صرخات طفل لا بد يوماً ستكبر وسترويها لأبنائك.
لقد أقضت هذه الصرخة مرقدي لأكثر من أسبوع، عدت بعدها لأشارك الإنسانية – في الطفولة – إنسانيتها وكثيراً ما تساءلت كيف تم الأمر بهذه البساطة؟ كيف تم الأمر بهذه البساطة؟!!
*
عجت زنزانتي الكئيبة بالفرح، وأضاءت شموع الصور المتلاحقة ظلمتها، فبعد أسبوع واحد فقط كان أبي رحمه الله يقيس طول قدمي بخيط ليشتري لي حذاءً للمدرسة، وتلك عادة الفلاحين قبل أن يطرق التعليم أبواب قراهم، ومثل غيري من الأطفال نمت ليلتها، وأنا ارتدي حذائي الجديد، آنذاك أبكرت أمي إلى البركة الشرقية، وملأت قدر الماء النائم فوق الموقد، فأيقظته وأجلستني وغسلتني من درن اليوم السابق وذهبت إلى المدرسة، لكن هل تصدقون؟ ما إن وطأت قدمي أرض المدرسة، ورأيت المعلمة القادمة من المدينة حتى خلعت حذائي الجديد، ورميت به، ووليت الأدبار راجعاً للبيت.
*
مرة ثالثة داهمت ذاكرتي أفتش فيها عما يمكن أن يبرر فعلتهم معي – رغم أنني لست غاضباً منهم – وقطعت عليها استرسالها ومنولوجها الحزين أو المفرح - إن أردتم - على الرغم من أننا كنا مشتركين في الاسترسال، لكن كنت أشعر أني المراقب لها وليس العكس – في هذا الموقف – أما عادة، فنحن نستمع لبعضنا البعض كحبيبين، ونتبادل الحديث كرفيقين، منتعشة بعض الشيء إن فرحت، وحزينة جداً إن حزنت، لذلك كلانا يسير على الطريق نفسه، وننحى المنحى نفسه، وا أسفاه يا ذاكرتي .... وا أسفاه إنه لقرح هائل أن ننفصل للحظة عن بعضنا رغم انفصال الكائنات المتحابة، لكن هذا لاشيء إذا ما قورن بالموت، فأنا لا أعرف كيف ستكون حالنا بعد الموت، أنموت سوياً؟ لا أعتقد !! فالكل يعرف بما فيهم أنت أن الذاكرة تبقى على قيد الحياة إذا مات صاحبها يا لبؤسي وأنا في ثياب الكفن وأنت تنظرين إلي مع المشيعين وهم يضعون البلاطة الأخيرة على قبري ويغادرون وأنت معهم !!
أنني أحبك يا ذاكرتي فأحبيني، وأظهري ما تخفين علَّهم يخففون عني رغم معرفتي الأكيدة بأنك لا تخفين شيء.
لكن مهما أحببتك وأحببتني، فلن يتغير شيء، فالظلام في كل مكان، قذارة الزنازين هي الظلام، ويخيل لي أن هذا غير مجدٍ أن أتحدث معك عنك، فدعينا ننام الآن.
*
اضطربت لسماع قفل الباب يدور، يئن، يفرج عن الشمس، شمسي تختلف عن شمسكم، هذا الباب بالنسبة لي هو أقوى الحقائق واقعية، كما أنه يعطيك نصراً خفياً حين تدرك أن هناك أناساً يفكرون فيك، ويلفحك الشفق وهو يجتاح الغرفة – كلّما خرجت منها تتحول إلى غرفة – غرفة حقيرة وصغيرة ولو أنها في فناء منزلي لجعلتها دورة مياه !!
المحقق نفسه ينتظر مني الحديث بعد أن قال لي :
- نعرف عنك كل شيء فاعترف ماذا جئت تفعل هنا؟ أعدت عليه ما قلت سابقاً وعرفت أنه لن يصدقني عندئذ قال لأحد الرجال الأربعة:
- زنزانة رقم ستة !!
تأملت الرجل المحقق في غسق الغرفة، وقلت له:
- سيدي هل لك أن تعرفني ما هي تهمتي؟
فقال متفكراً:
- أنت من ستقول لنا ذلك ليس نحن !!
لذلك رأيته عارياً أكثر مني، و يداه مبسوطتان فوق الطاولة المرتبة ورأسه مطرق كقاعدة تمثال وفي عينيه حنق شديد، لكنه سينسى كل شيء حين يعود لبيته، فيجد زوجته بانتظاره وقد حضرت له مائدة الطعام وقد يثرثر قليلاً عما عاناه، لكن سرعان ما يعود له الصفاء.
*
أسير بين اثنين، كالدمية بين وحشين، وتجاوزنا الممر الضيق المؤدي إلى زنزانتي، أنظر إليها من خلال الممر، تبتعد عني بقبحها، ببؤسها، لم يبق منها إلا غرفة بائسة حقيرة، شكل مجرد، جدران لا قيمة لها، آه كم أشعر بالزهو، هي لاشيء بدوني !!
*
وصلنا آخر الممر وانعطفا بي يميناً نحو غرفة عرفتها مباشرة، بعد أن أجلسوني على كرسي ومشت فوق رأسي ماكينة الحلاقة تحصد شعر رأسي وتوزعه على أرض الغرفة، ثم انعطفا بي إلى غرفة كبيرة يقبع بداخلها رجلٌ – هو شرطي – يرتدي لباساً رياضياً استقبلني وهو يرمي بقطعتين من اللباس أحداهما سراويل والأخر قميص، كان اللباس نظيفاً مكوياً ذو رائحة نافذة بقوة و فكرت كثيراً حتى تبينت نوعها، رغم أني كنت أشمها عند بائعي البالة في شوارع المدينة.
*
هأنذا في ثوب السجن الأزرق الداكن، لكن أحس ببرودة في رأسي ربما لأنني خسرت شعري، لا يهم سيطول يوماً، سارا بي نحو المدخل الرئيس - هكذا اعتقدت – وكان اعتقادي بمكانه، فلقد كان المدخل كبيراً يتسع لدخول سيارات كبيرة، ربما شاحنات مثل التي تركتها على الحدود محملة بالقمح الذي سيطحن، ويعجن، ويخبز، ويؤكل، وولجنا الباب الرئيس، ثم انعطفا يساراً لباب آخر يفضي إلى غرفة باهتة، حيث استكملت الأوراق الثبوتية من صور و بصمات وغيرها وأخذت رقماً لن أبوح به لأحد لو قطع رأسي هكذا للحظة، لم يكذب حسي، انبجست عيناي بالدموع وأنا أجتاز الردهة لأدخل من باب إلى آخر، حتى عدت لا أتخيل خط السير المتشابك، ولا عدد الأبواب التي اجتزتها حتى وصلت إلى الزنزانة رقم ستة، كانت راقدة هناك تنتظرني وحدي بفراغها بقبح صمت جدرانها، تنثر عليَّ اليأس وأنا أدخلها، حقيقة حية، لم أكن يوماً أفكر فيها، لكنها أمامي ماثلة، فقد أغلق الباب وخيم الصمت، بعد أن غادر الجميع.
*
الضوء الخافت يدخل من نافذتها الصغيرة جداً، لذلك لم أستطع أن أتبين الوقت، فتنهدت وبدأت على عجل نهب الزنزانة شبه المظلمة بنظري، فهي ستدخل حياتي وستغتصب جزءاً من عمري، قد لا أعرف مدته، لكنه يشكل شيئاً لذلك ستكتسب أهمية ما.
*
امتدت أصابعي لتعانق الباب الحديدي البارد ذا النافذتين المغلقتين، علوية ضبطت بقضبان معدنية ثقيلة، وسفلية على شكل مستطيل تضاءل عرضه حتى شابه فتحات الرسائل البريدية، لونه أسود لامع، تناسق مع لون الجدران الرمادية الداكنة – ربما بدت كذلك من فرط اتساخها- لا كتابة عليها، بينما كان السرير الإسمنتي ذو السطح المتموج هو سيد أثاثها الذي سيشاركني جسدي.
*
استلقيت، وبنظراتي على السقف، كان الضوء الخافت يُمحى بليل داكن مانحاً كمَّاً من التفاصيل القاحلة لاتفاقية التعارف معها – زنزانتي- ووضعته على أجندتي كمشروع اللحظة القادمة، وربما كانت تفكر بما كنت أفكر، فأسدلت عليَّ النوم منتظراً اجتماعنا الأول.
*
غفوت و يدي تتحسس السرير تحتي، خالياً من كل شيء، لكنه دافئ، تمر فوق تكاثف تجاعيده برقة، عارياً يقدم نفسه لي، ثم أخذت يدي تنساب فوق تكتل هضابه اللينة، يرتجف تحتي كأنثى أسمع خفق قلبه، يهمس في أذني، نحن وحيدان، بمفردنا، لن يرانا أحد، إنه يريد ما يريد البشر، يشكو من قلة الإحسان إليه، يتسول اللذة أمد ذراعي أحتضنه، زاخراً بالحنان يلتصق وجهي ممتلئاً، محتقناً، هي لحظات لا نهائية، ترتفع ضجة في داخلي، يتأوه مثلي، أتابع هذه الضجة وهي تتضاءل وتتضاءل حتى تنتهي، ويبقى الاختلاج يلازمنا حتى لم نعد نقوى على الحراك، فانفصلنا ولازلت نائماً فوقه كوردة تنفست قبل انبلاج الفجر.
*
صباحاً أخذني الذهول برؤية الأمس، تحسست سراويلي الأزرق الداكن المبلل، فأخذتني رعدة لبثت عدة دقائق، ماذا فعلت بنفسي؟ وغطت هالة سوداء جبيني، فلم أعد قادراً على التفكير، اقتربت من السرير، كتلة إسمنت متطاولة، مددت يدي نحوه بارداً، جماداً، أنظر أكثر أرى لا شيء، ما الذي حصل إذاً؟ حتى أنصهر معه !! تراجعت منكفئاً، أفكر في تفاصيل مشروع التعارف مع الزنزانة، الضوء الخافت فيها لا يناسبني، ربما لأنني اعتدت ظلام الزنزانة السابقة – تباً لها أمست غرفة عادية بدوني - آه لو يعيدونني إلى الزنزانة المظلمة، حلمٌ بعيدْ، حلمٌ بعيدْ، لكن هناك شيء ما، جاهداً حاولت التعرف على ماهيته فلم أفلح، وبعد لحظة السرير بقربي كل القرب، أرى كائناً يتحرك فيه، ربما لأنني نقلت من عالم الظلام إلى عالم النور هل انبهرت عيني برؤية شيء؟ يا إلهي ... إنه يتحرك، لونه يكاد يكون بنفسجياً، أو ليلكياً وجه قان محمر، كأنني مشوش، يشع منه شيء يصدر عنه صوت... إنه يتلوى، هل هو مريض؟ اندفعت نحوه أتلمس حوافه، إنه يئن، أنين الليلة الماضية، يتسول شيئاً ما، يشدني إليه بعنف، الآن أنظر إليه بعينين نائمتين، وكأنه يملك سحراً لأنصهر به لأعيش لأجله، آه من قال إني أعيش؟ من قال إني على قيد الحياة؟ لكنه مسكين، وحيد، مثلي، أشعر بقلبه يرتجف مثل قلبي، هناك نوع من الألفة تقربني منه أكثر، التفاصيل قادمة لمشروع التعارف مع الزنزانة، ليكن أول بنود اتفاقيتي، أنظر إليه بعينين ذاهلتين مسحوراً، تدفعني إليه رغبة خفية، فأرتمي عليه، تصدر عنة تأوه مغر، دافئ يا إلهي أنا أنصهر معه أنا أذوب، لا بل كنا كلينا يذوب ويذوب، حتى ثقلت الحركة، فارتميت عنه كخشبة مبللة فوق الرمال، وبعد لحظة كنت أبكي وأبكي، فأنا كالمجنون !!
*
يبدو أن حلم البارحة قد تحول إلى حقيقة، وما كنت أرتعد منه أصبح يشعرني بالمتعة، و كم أنا بحاجة إلى المتعة، أي متعة، يخيل لي أن كثيراً من المسائل تحب بالاعتياد، أليس هذا نوع من الاعتياد؟ أليس هو نوع من المتعة؟ لست أدري ما يقول البعض عن هذا، لكن مهما قالوا فهم من الناس، والناس يخفون أشياء كثيرة لا يحبون أن تُكشفَ، لست منهم، لكن هل هم – أي الناس – وحيدون مثلي ومثله، وهل فكروا مثلي بغريزية خلقت معي؟ من يدري؟!!
*
جلب صوت بكائي رجلاً – استخدم كلمة رجل بدل شرطي – وأطل بنظره من النافذة العلوية لباب الزنزانة، ومد رأسه ممعناً، فبرز ظل وجهه كقناع لم يحرك فيَّ شيء لأنني لم أزل أعيش نشوة الانصهار نشوة الملامسة الفجة لذكورتي مع السرير و إن كنت أبكي.
لعله شعر بحالة المتعة التي تعتريني، فتح الباب كلص، تقدم نحوي، جال بنظره أجزاء جسمي كاملة، لاحظ أن هناك بللاً على سراويلي الأزرق الداكن، قطب حاجبيه، أحمرت عيناه، أنا ممنوع من المتعة، لذلك سحبني من رجلي خارج الزنزانة إلى الممر وصرخ برفاقه – الشرطة – فاجتمعوا مسرعين وقال لهم:
- انظروا، ثم انحنى نحوي، وقال:
- تفوه..... يا وسخ !! وقال آخر:
- تفوه..... يا حقير !! وثالث ورابع....
سحبوني، من رجلي وأدخلوني الحمام بعد أن رفعوني عالياً وخلعوا عني ملابسي عنوة ورموا بها كمزق بالية – كنت سأخلع ملابسي بنفسي لو طلبوا مني ذلك – لكنها طبيعة العمل وهو مكلفون بخلع ملابس الناس عنوة، إنه عملهم.
*
الماء وانتعاش سيله يسقطك في المتعة يعيد شحنك لمتعة جديدة، متعة لا مرئية، تجول بك بمفردك، لحظات ذكرى الثمرة المحرمة، تنساب على الجسد، مدغدغة، منسابة، مندمجة، إلى الوضوح وتبعثر النشوة.
*
بصدق لا أذكر متعتي الأولى، لكن دعوني أتخيلها والتخيل مسموح لكل الناس وأدعو الله أن أتخيلها كما حدثت معي، أو لعلي أذكر شيئاً يكون أقرب إلى الواقع، ربما هي ذكرى بعيدة، لا أعرف بالضبط ذاك التشابه في الضجيج الذي يفرض نفسه عليك، كان المنزل خالياً، خالياً تماماً، منزلٌ قديمٌ تطل غرفتاه غرباً على باحة واسعة وتتعامد معهما غرفتان أخريان، وثالثة جانب خابية الماء (الجرة الكبيرة ) وقد جمع التبن جانبها على شكل هرم، هرم من تبن فضي اللون لأن الوقت كان مساءً وكنت أقف فوق سطح الغرفة وأقفز على التبن بمرح، بقوة، شعري يلامس الهواء، و أنا أطير هكذا كنت أشعر ببريق يشع أمامي، فاندفعت ألحقه، وأنا أطير، فتجاوزت الهرم الفضي لأسقط أرضاً، للحظة فقط، اعترتني غيبوبة دفعت بضجيج ممتع يندفع من بين رجلي، من ذكورتي، شيء ممتع رغم الألم من أثر القفزة الخطأ، كم اشتهيت أن تعود ولو بألم، آه كم كانت مغرية لأقفز مرة ثانية، لكن الخوف منعني، وبعد فترة كنت أتسولها وقت ما أريد، وببساطة!!
*
أعدت إلى الزنزانة رقم ستة – كم أكره هذا الرقم - أسير بين اثنين، بين وحشين، لكني في عجلة من أمري أريد العودة لأستكمل بنود اتفاقيتي مع الزنزانة، كنت أهرع وعيناي ساهمتان ذابلتان كوردتين تنزفان، قُذفتُ فيها، نظرت إلى السرير الإسمنتي، ينتظرني، أصبح بالنسبة لي، كجرح غامض أفرح لضمه، كقلب نازف يغسل حزني، كقيثارة تطربني، أصبحت أعيش بعمقه كما هو يعيش من عمقي، كل ما أردته أن أبقى قربه ويبقى قربي، هذا كل ما يجب أن يبقى في ذهني حالياً على الأقل، واعترتني سعادة و أنا أجلس جانبه بعد أن طبعت على هيكله قبلة.
*
لبثت عدة أيام فارغاً من كل شيء، وجبات الطعام في وقتها، لا استجواب على الإطلاق، كأنهم لا يفكرون فيَّ، حتى سريري الإسمنتي لم اقترب منه، مسكين بدا واجماً حزيناً وهو يتسول مني لذة مسروقة، كنت غير مبال لحرمانه وحرماني منها، فاتحادي بهذا السرير يجب أن يحكم بضوابط، إذ يجب أن أفصل بين تسولنا لهذه اللذة، واللذة نفسها، واعتراني تشويش ليومين آخرين، ولا زلت منفصلاً عنه، فغدت الأشياء لا لون لها، كئيبة، يسرقني الظلام منه شيئاً فشيئاً، وكنت أسمع أنينه فلا يثير فيَّ شيئاً، وتأوهه لا يحرك لي ساكناً، وبكى أخيراً، فسددت أذني عن صوت نحيبه.
*
الليل يداعب الكون بلون كثيف السواد، يسرق الضوء من العيون، أستلقي وسط الزنزانة ظلام يغري بالنوم لفترة طويلة، يوماً، يومين، شهر، دهر، أجاهد جفوني وهي تغلق رويداً رويدا، كأن الهواء يمازحني، يحملني ويطوف بي تقاطيع الزنزانة، بحركة رتيبة دائرية كطائرة من ورق يلعب بها الصغير، يتضاءل حسي بالأشياء، فيتضاءل جسدي، بينما يتسع بي الفضاء كأن جدران الزنزانة قد غابت، فانبعث شوق صغير وحلق معنا حملته بين شغاف الفؤاد، واستمر الهواء يحلق، فخرج بي من الزنزانة وعلا في السماء، أشعر بخفة وزني، ريشة، ذرة غبار، كان شيئاً مفرحاً أن أقلب نفسي في الهواء وأنا أمد يدي، فأصبحتُ كطائرٍ لي جناحان أتحكم بجهة سيري، آه كم كنت أشعر بمثل تلك اللحظات وأنا صغير، كم كنت آوي إلى الفراش باكراً لأحصل على هذا الشعور، أصبح من عاداتي قبل النوم أن أفرد يدي وأنا مستلق فوق الفراش كطائر و أنام، وأنا أحلم بالطيران وكنت أطير وأطير، كما أنا الآن. هأنذا أمر فوق الأماكن التي أعرفها، أميز بوضوح تام الخطوط والأشكال لكنها تحتي، كل شيء تحتي أنا فوق الجميع، فوق الأشياء، فوق الكائنات المتحابة فوق الكائنات المتباغضة، أحلق أدور بحركة دائرية محمومة وعصبية أحياناً مذهولاً فوق الجميع؛ يأسرني عمق شفاف بلوري مشع؛ يغريني لأتبع هذا الذوبان كركام جليد ينحدر نحو البحر العذب ويغوص فيه حتى تنقطع الرؤية عن التغلغل أنا نائم بعمق وأحلم، أنا أهذي.
*
مضى على ذلك زمن طويل، كنت آنذاك طفلاً، ولا زلت أحتفظ ببقايا صور مبعثرة مما حدث معي، أذكرها على شكل مقاطع غامضة، مبهمة، طافحة، بما لم أكن أعرفه، تجلسني في حجرها وتبدأ بمداعبتي بخفة تحت شحمتي أذني، ثم تدغدغني بأنفها فوق عنقي، تمرر شفتيها فوق خدي، فوق عيني، فوق أنفي، ففمي، ويدها تتحسس جسدي من أصابع رجلي مروراً بركبتي لتصل بيدها بين رجليَّ، فتضغط برفق، ثم تتحول لتلف خصري بمعصمها، وتضمني بعنف، وبأسنانها كانت تنهي رحلتها اليومية معي، فتعضني بخفة حيثما يتوقف فمها حين تقول لها أمي:
- إن شاء الله ترزقي بمثله، فترد:
- عندما يأتي زوجي من السفر! بينما أنا ممتلئ بها بكليتي، ولم تضعف ذاكرتي عن تجديد إشاراتها بخطوط هلامية الشكل باهتة الملامح.
*
في اليوم التالي، كان يوماً بحق، إذ كنت أنظر إلى السرير بعدم الاكتراث، وانفعال أقل، فأنا أمضيت ليلتي نائماً على أرض الزنزانة، لا مبالياً لما يصدر منه من تأوه واستعطاف، فاستدراج بحميمية خيالية مفرطة، يجعلني أنظر إليه، أقترب وابتعد – ضمن مساحة الزنزانة- يريني نفسه وحيداً كائناً متحركاً بأحاسيس ومشاعر طافحة بالحب، بالمتعة، بالشهوة، يبهرني بواقعية عجيبة وقد اتشح ببطانية غطت نصفه السفلي بينما النصف العلوي يقدم نفسه عارياً بارزاً ومؤثراً يشع بياض بلاطه المتموج كوجنتين، حافتاه كمعصمين، أنظر إليه رغماً عني، إلى ظله الهابط فوق الأرض بقوة وثبات، إلى الوحدة الغريبة الشاحبة في تسوله لي، شكل من البغي يظلل هذه الطهارة، تهالكت وسط الزنزانة، وانكفأت على نفسي، وحيداً أكثر من ذي قبل، رغم الإشارات المتتالية منه، يذكرني باتفاقية التعارف، ويعرض عليَّ الدخول إلى بنودها ويحفزني بصور متتابعة لاختلاجي فوقه بقوة ويسمعني همسه و موسيقا تأوهه العذب، فبدأ كل شيء حولي بالانهيار، الضباب من حولي، من كل جانب، بؤس ويأس، إنه يبكي، ينتحب، أتفحص نصفه العاري خلسة، فبدا شبه أسود، كالح المنظر، لقد تبدل في لحظة، ينظر إليَّ شزراً، رغم عدم شعوري بالخوف، فأنا بمأمن من جميع الأخطار داخل الزنزانة، إلا أنها حقيقة واضحة، فاقتربت أتبين الحقيقة أكثر، أنا أقترب، وأقترب أراه بعمق أكثر أنه غاضب مقطب التعرجات الصلبة ربما تحركت شفتاه، ربما سمعته يشتمني، ويدعوني إليه، تمتد حافتاه اللتان كمعصمين تسقط البطانية عن نصفه السفلي، فتظهر حافتاه، يبهرانني بنقاء التموج بنعومة الإسمنت المصقول، يأسرني تهدهده المريح و أنا أرمي بنفسي فوقه، طافحاً غارقاً، متلذذاً، مختلجاً، يخبو و ينطفئ ببطء مسروق، أنه ينجح باستدراجي بعد أن تبدل من كالح المنظر إلى رشيق الملامح بهي الحركات، يا إلهي أنا مستدرج، واقع في فخ سريري، أحاول أن أبرر لنفسي ذنبي بأن لا قدرة لي على مقاومة الاستدراج، فينهرني السرير ويشعرني بأن أتابع اتحادي به، استجمع نفسي لأتابع اختلاجي فوقه، فلما أحاسب نفسي على ما هو غير جريمة، يزداد فيض الصور المتلاحقة أمام عيني أجمعه على شكل مخروط يضللني وسريري أتمدد على طول قامتي أحث جسدي الملتهب بموجات سطحه المصقول وهو ما يزال يشعر أنه يستدرجني، وينفرج عن ابتسامة وهو ينصهر وتسقط معصماه ويتركني أنصهر معه، ونتابع كلينا البصيص القادم من قلب الظلام حتى يصيح الجسد الغارق وهو ينتشل ويتمزق الانسجام.
*
انطفأ اللهيب، رميت بنفسي جانباً مزقة من حرير، كومة من أجنحة الفراشات، شكلاً طويلاً من شفق فضي اللون، رجلاً ليس له بقية.
*
أنا مريض، أنا غير طبيعي، أنا خارج حدود المعقول، أسمع صوتاً يصدر عن السرير، أحاول أن أجمع نثره حولي، أحاول جاهداً، أرهف السمع، أكاد أميز بوضوح رجاءً حاراً يصدر عن صوت مبحوح، يسألني الوفاء له، أن أهبه وفاءً بقدر حبه لي، ثم يتصاعد الصوت المبحوح حتى يغدو زقزقة عصفور، ربما شحرور، ربما وسيلة لضم عاشقين إلى الأبد بالشكل الذي يحرر النفس من القلق، آه كم أنا قلق!! كم أنا تعس!! كي أحب سريراً من إسمنت.
*
مضيت نحو آخر الغرفة – الزنزانة- متفكراً كيف سأسلخ عني هذا العارض؟ أتمالك نفسي أعيدها كما خلقت أترصد ظل نفسي الحقيقي، أبحث عن وجه بملامح خاصة يرسلها بصيص قادم من عمق الطفولة حيث الصباحات التي تهل متألقة على جسد تعود قطع المسافات المتناثرة من الوادي إلى شوارع القرى الطينية وتبعثر طرقها الضيقة، لكن ذلك حدث منذ زمن طويل و لا أكاد أذكر تلك الذكريات الساذجة، بعد أن أتت جرافات البلدية عليها وبدلت ملامحها، ما عدا ساحة الجامع القديم حيث الملابس الملونة، أو المائلة نحو الفرح بأكمامها الطويلة أيام العيد، بالمناسبة كنت أعتقد – و أنا طفل – أن الحياة ستبقى حلوة إلى هذا الحد إلى الأبد، آنذاك كانت الأيام تولد صباحاً ولعل هناك تناغم وتشابه بين الصباح والطفولة وقد يتطور إلى حب، بل إنه حب، فكل منهما يمنح الآخر أحلاماً صادقة، آه كم هو ممتع أن تهب حلماً وكم هو محزن أن تشعر أنك كبرت، فصرت تزوّر الحلم كما تزوّر مشاعرك وأحاسيسك وتلوّن وجهك حسب الحاجة لتظهر عكس ما تبطن وتتأصل فيك هذه الميزة، فتصبح هي أنت.
*
تدثرني الغرفة – الزنزانة – ولا زلت متفكراً أتواصل مع ذاتي بشفافية وأسائلها:
- هل أنت سعيدة بهذا العمل؟
تملكني شعور هائل بأن السرير يخاطبني... نعم إنه يخاطبني، أصغت السمع قليلاً، فبدا الأمر بتعقيده مخيفاً، أو أن هناك لوناً من الجنون المطبق، مهما يكن، فقد أصابني الهلع وأنا أتخيله يتحدث إليّ – أقول أتخيله لأنني حتى الآن ما زلت لا أصدق أنه يتحدث إليّ- ثمة خطأ ما، و الغريب في الأمر أنني كنت وبوضوح أرى تموجاته وهو يتحدث، إذاً مع من يتحدث هذا السرير؟ لا يهم إن الأمر في نهاية المطاف جنون، أو نوبة من جنون.
*
بدا صوته يعلو قليلاً و أعاد السؤال مرة ثانية:
- هل أنت سعيد بهذا العمل؟!!
أحسست أن قلبي يخفق بشدة بين أضلعي، هو ذا الجنون إذاً نعم لقد جننت، حدث لي مكروه، أو عارض، أو مس من جن، أنا لا أشك أنني سمعت السرير يحدثني، إذاً أنا مريض وبي مس من جنون، فالجمادات لا تتكلم، وبدا لي السرير كريهاً مقيتاً، وأحسست نحوه بحقد وسأم عميقين، وتساءلت ما الذي يجعلني أختلج فوقه متلذذاً؟!! وما الذي جعله يوافق على اختلاجي فوقه دون مقابل؟!! لكن هذا ليس كل شيء، فقد طلب مني الوفاء له، إذاً هو يملك أحاسيس وقدرة على احتواء العطف، فانتفضت وقلت لنفسي يجب أن أهجر هذا السرير الإسمنتي وأقنع بزاوية الغرفة – الغريب في الأمر أنني مازلت أستخدم اسم غرفة بدل زنزانة – فمتى سأستخدم اسم الزنزانة؟!!
*
لم أكن مخطئاً، وأنا قابع في زاوية الغرفة – الزنزانة- ثمة علامات وإشارات تصدر من ناحية السرير، ليست أغنية، ليست كلمات، فقد كان السرير ينظر إليّ يسألني وأسمع:
- هل ستنام في الزاوية وحدك؟!!
أبحث في صمت وخوف عن مدلولات الكلمات، أنظر إليه إنه يدهشني أرى وأسمع بشكل واضح أنه يعرف ما سيحصل بعد قليل، ويعرف أنني لن أصمد، ولن يصمد أي رجل يقبع في زاوية وحيداً مثلي، يتشح قلبه بالنقاء من أثر العزلة عن الناس هاهو يصدر انفعالات تؤذيني أعرفها سابقاً، فأخذتني رغبة في دفن رأسي بين ركبتي، وقررت ألا أستخدم أذني كمستقبل للصوت، يجب أن أرفض كل صوت قادم من ناحيته، وبما أن الإذن تعشق الصوت لأنها خلقت من أجله، فسأغلقهما عنوةً، فعشت دقائق بين أصوات كثيرة – كأنه سمع قراري- صدرت عنه أسمعها، ولا أعيها لقد رفضتها بكليتها رغم معرفتي بها سابقاً حين كان يغريني! يا الهي ما أجمل أن يهمل الإنسان شيئاً يسمعه.
*
صباحاً، أطل رجل – شرطي – من نافذة باب الزنزانة، مبتسماً وألقى تحية الصباح، باذلاً جهداً واضحاً للظهور بالدماثة واللباقة، وفتح باب الزنزانة على مصراعيه، و الغريب أنها لم تصدر زعقا كالزعيق التي أصدرته وأنا أدخلها لأول مرة، إذ ربما قد وضع أحدهم نقطة زيت فوق المفاصل المتحركة فيه، وانحنى أمامي بخشوع، أو لنقل باحترام، لأن لا خشوع، إلا في الصلاة، وقال:
- تفضل يا أستاذ !!!
شممت رائحة مؤامرة، عبرت خياشيمي بعنف، لكن دماثة الرجل – الشرطي – جعلتني أقطع المسافة مهرولاً ولم يستوقفني في الممر أي زنزانة يستقر عليها نظري، رغم توزعها على جانبي الممر، والعجيب في الامر أنني لم أكن أسمع صوتاً، أو همساً، فاعتراني هاجس مخيف وخلت أنها فارغة، ترى هل كنت في هذا السجن وحدي؟ لست أدري.!
*
انتظرت طويلاً وأنا أقف أمام طاولة المحقق؛ أتأمل كومة الأوراق المبعثرة علبة التبغ الفارغة؛ فنجان القهوة الساخن ذا الرائحة النافذة؛ آه منذ شهر لم أشرب فنجان قهوة، ولم أكلف نفسي عناء التفكير بالمحقق الجديد وإن بدا ممتلئ الصحة أحمر الخدين، لا يستخدم نظارة طبية، لكنه يدخن بشراهة، نظر نحوي، وقال يتحدث إلى أحد الرجال – شرطي – يحمل كيساً أسودَ:
- دعهم يدخلون واحداً بعد الآخر !!
دخل الرجل – الشرطي – الذي وبخني قائلاً تفوه يا وسخ وتقدم نحوي وقال:
- سامحني أنت لست وسخاً!! وخرج، ثم دخل الآخر وقال:
- سامحني أنت لست حقيراً!! وخرج والثالث والرابع....
أنا محاط بيأس، أنا محاط بقلق، بخوف، أنا لا أؤمن بشيء لا أفهمه، فازداد يقيني بوجود مؤامرة وخيم صمت جليدي، لم ينبس أحدهم ببنت شفة، حتى وقف المحقق وتقدم نحوي بعد أن دار حول الطاولة نصف دورة كاملة، وقال:
- يمكنك العودة إلى زنزانتك والعيش فيها كأي إنسان عادي حتى يصدر قرار إخلاء سبيلك، نحن آسفون سامحنا!!
*
عدت إلى زنزانتي، دخلتها، فوجئت بأن أحد ما قد ألغى، أو أغلق النافذة العلوية الصغيرة، فأدخل الزنزانة في ظلمة حالكة، عندئذ دخلتها كأعمى يتحسس طريقه وأعتقد أنني وقفت في منتصفها وأخذتني رغبة في الضحك، وقلما تجد رجلاً وحيداً يرغب بالضحك، واستجمعت نفسي، أتهيأ للضحك، فقمت باستشعار شيءٍ مضحكٍ، لكني كنت أولاً أرغب في التأكد من جدية رغبتي في الضحك، أو ما هي الأسباب التي جعلتني أرغب في الضحك، وبقيت لحظة أفكر، فقررت أنني لست بحاجة للضحك - الآن على الأقل – وتوجهت متحسساً طريقي نحو الزاوية، عندئذ رأيت من خلال ضوء نافذة الباب السفلى – التي على شكل مستطيل ضيق – بغير وضوح، أو بصعوبة بالغة ابتسامة تنم عن طرف فم السرير، ابتسامة نصر، أو ظفر، أو لعلها شماتة، لا هي شماتة، نعم شماتة، عندئذ تساءلت إذا ما كنت قادراً على التخلص من الاشمئزاز الذي انتابني بعد ذلك، في بادئ الأمر كففت من النظر إليه رغم سيل الإشارات والرسائل - طبعاً كان يرسلها إليّ – لكن ما كان يميز هذه الإشارات تناغمها العجيب، كثافتها، عدم تناقضها، تصلني متتالية كمطر خفيف، أعترف لكم بأنني كنت أتابع هذه الرسائل بيقظة وتحفز رغم إظهاري العكس – أرأيتم حين يكبر الإنسان يمكنه أن يظهر عكس ما يبطن – أحسست أنني أنسجم مع توافقها العجيب، بل أنا متأكد من أنني سأكون أكثر انسجاماً إذا ما اقتربت منه أكثر، فاقتربت، زاحفاً على بطني، أدفع نفسي بركبتي، برؤوس أصابعي، حتى وصلت إليه ومددت يدي، ودائماً كنت أمد يدي و أتحسس سطحه الإسمنتي المصقولة تعرجاته كلوح توتياء متموج، ناعم، لحظة عجيبة دفئاً بلورياً يهتز في أعماقي، سماء صافية، يخالطها نسيم بارد منعش، إنني مع هذا أحترق، أشتعل، أقدم نحوه لن أعمل إلا ما هو صالح، ربما أن الصالح أنْ تذهبَ بغموضٍ لما هو واضحٌ وجليٌ وبسيطُ، نعم ها هو يبسط سطحه لي بعمق، فيزداد لهيبي، فأقف لأرتمي عليه وأبدأ اختلاجي الهائل، يغسلني العرق، فأخلع قميصي الأزرق الداكن وأعود لاختلج بقوة، بعنف، بينما هو يبهرني بتأوهه وتلذذه وازداد اندفاعي كحيوان حين هاجمني الضجيج الهائل، فتابعته حتى اضمحل وسقطت نائماً كدب.
*
ما مضى كان رائعاً بحق، هذا ما شعرت به لحظة استيقظت من سقوطي نائماً، نظري يهبط بملل على أرضية الزنزانة، أتخيل ما حدث بتفاصيله الدقيقة، وقد حدث مثله في الماضي مع نساء كثيرات، لكنه مجرد ذكرى أو لنقل ذكريات فهن كثيرات، أما الآن أنا لا أفكر بإحداهن لأنني لا أهتم بالبحث عن صورة لأي منهن – لم يحدث هذا إلا مؤخراً – لأن نوعاً من الضباب يجثم على مقدمة رأسي يرسم أشكالاً هلامية لهن، فلا أستطيع أن أتبين حقيقة صورهن من الشكل الذي أمامي على أنها - أي الأشكال - تدهشني في أول الأمر وتبعث في نفسي شعوراً بالاستغراب، لكنها سرعان ما تمّحي، فلا أكلف نفسي مشقة البحث ثانية.
*
بكسل عدت للنوم، ظلام الزنزانة يغريني للنوم، أنا نائم، هذه الشوارع – شوارع قريتي – أسير فيها لا أبالي للكلاب تقف على أسطح المنازل وهي تنظر نحو القمر، ثمة طريق مغر للسير فيه، طريق ضيق، كتلة من التعرجات، العشوائية إنه الطريق إلى قصر حسن النازح، الذي كان يعيش في الجولان، وحين احتلها الصهاينة الذين دمروا بيته وقتلوا زوجته وأطفاله نزح وسكن في قريتي بدارٍ مهجورة، أطلق عليها اسم قصر حسن النازح، خلفها يقع مكب نفايات القرية، ونفايات قريتنا نظيفة، تبن، مخلفات القمح، بقايا قش، رماد حطب المدافئ، الآن انتهى كل شيء، فقد مات حسن النازح، ولم يمت معه النزوح، ليس ثمة شيء يسكن هذا القصر سوى الغول، وكنت وأقراني نتساءل:
-كيف استطاع حسن النازح أن يعيش مع الغول في دارٍ واحدة؟!!
لذلك كان له قدسية في نفوس الصغار، أتوقف وسط الباحة – باحة القصر - لأسترجع بقايا من صوره الرمادية وصعدت الدرج نحو الطابق الثاني ووقفت أمام النافذة التي كنا نقفز منها فوق أكوام النفايات النظيفة، كم أنا سعيد، فالنسمات الباردة تشكل مع الإنسان ظلين متناغمين، آه كم أنا سعيد، أنا أحلم.
*
لا شك أنني وما زلت مغمض العينين، في زنزانتي المظلمة- بدأت أفضل الزنازين المظلمة - أحتل وسطها، مستلقياً على ظهري، يداي متشابكتان تحت جمجمتي، أستطيع بوضوح أن أعيد صورة القرية حينما كنت صغيراً – أعيدها بحس رجل بالغ لا حس طفل – أركز وأستجمع وما زلت مغمض العينين، أرى من بعيد إنها ( كحيل ) منتصف النهار، والتي دبت الحياة في أوصالها منذ الفجر، والناس تواقون للجلوس في ساحاتها الأربعة في يومٍ قائظ تستمتع الشمس فيه بضرب نقر رؤوسهم من الأعلى حيث التفت غلالة من سراب بعيد تخترق حاراتها المستلقية على شكل صليب يبدأ بحارة الحماصنة حيث البركة الشرقية سمحت لبيوتها التي اجتمعت معترضة طريق المقبرة الجديدة؛ وتنحصر جنوباً لتغلق بجدار بيت طيني، ثم تنعطف غرباً متجاوزة المقبرة القديمة باتجاه البركة الغربية، والساحة المتشكلة قربها، والمشرفة على تلال صغيرة كانت عرصات خاليةً لتجميع قطعان الماشية صباحاً، وشمالاًَ حيث العوادية تشرع أبوابها، وتجمع سكانها على شكل دائرة غير متكاملة حول بضع حبات من التمر، وجنوباً يحتل بئر الماء طرف الطريق العام، حيث الفضاء فاتحاً ذراعيه لأرض القرية تلتصق بكبد السماء، ماعدا خيط رفيع لمجرى قناة وادي الزيدي الجافة تضرب كبد القرية بسهم ترابي معوج.
*
أمر – وما زلت مغمض العينين – هذه الحارة – الحماصنة – كل يوم، وقد شكلت ساحة لتجمع أطفال القرية، بالمناسبة الحارة ملتصقة بشجرة التوت الضخمة – توتة أبي شوقي - أعيد تشكيل وإعادة اختراع الأشكال المميزة والمبعثرة لجدران حقولها الحجرية المتداعية، هكذا لا أزال أشعر بأنها لا نهائية، ولم تكن يوماً ثاوية في ذاكرتي، فأنا كرجل لا أستطيع أن أقدر ما تمثله لي هذه الحارة، فذاكرتي تروي مئات القصص والحكايات عنها بشخوصها ومواقفها، وتغمرني سعادة حين أحث ذاكرتي على نسجها من جديد.
*
أردت أن أستعيد حاضري، أن أترك الماضي بحاله، أنا ابن ظرفي الحالي، أنا لا أستطيع أن أؤثر بالماضي تأثيري بالحاضر، لأنني أشعر بكينونتي أكثر في المكان الذي يكون فيه تأثيري أكبر، فمن يعيش في مدينة يكون تأثيره فيها ضحلاً بينما من يعيش في قرية يحظى بتأثير مرعب وكلما صغر المحيط ازداد التأثير، كزنزانتي يصل تأثيري بها لنسف وجودها، فهي بدوني غرفة حقيرة.
*
أيقظني فجأة، عارض مجهول، أو ذكرى محزنة، هي ليست محزنة، لأن الله يراها عكس ذلك، دائماً هم البشر لا يعجبهم ما يراه الله لحادث جلل جمع الطريق الواصل بين البركتين قرب المقبرة القديمة أهالي القرية ينتظرون وصول جثمان الشهيد فاضل – أقسم بالله اسمه فاضل - الذي كان محارباً، في حرب الأيام الستة:
- ترى هل بذل الرجال ما بذله فاضل؟
هذه المشقة الموغلة في الفرح، تختص بالشباب فقط، رأيته مرة واحدة، أو أكثر لم يكن له لحية، ولم يكن أصلعَ كان شاباً ودائماً هم الشباب طاقة هائلة، وجميع الطاقات استشهدت وهو منهم، وحين أبلغوا أمه بوفاته، أنا لم أكن هناك حين أبلغوها، لكني متأكد أنها بعد أن بكت ونحبت عليه، زغردت، تلك عادة من يقدم الشهداء.
حين تكون القرية كلها بانتظار شخص ما، فاعرف إنه مهم، واعلم أن الشمس التي كانت تشاركهم الانتظار لا ترسل حراً ولا مللاً بل ترسل برداً وسلاماً، برداً لا يجف وسلاماً لا ينتهي وقفت وتسللت من بين الجمع ونظرت إليه، كانت أمه تجلس عند رأس قبره تبكي بصمت – سابقاً كان الرجال يسمحون للنساء بالمشي وراء الجنائز، أما الآن فلا يملكون نقاء الماضي فمنعوهن رغم أن الله يرى عكس ذلك – هي عجوز، عجوز هرمة، ولدته بسنٍ متأخرةٍ وسمته فاضلاً لأنها كانت تقول دائماً:
- هذا سيكون فاضلاً.
أذكر قبل أن يشن التراب عليه وقفت وقالت:
- ذهب دمك مع الجولان لكن لن يعود إلا بدماء كثيرة، فنم بطمأنينة يا بني !!
عاشت بعده فترةً قصيرةً وأعطتها الحكومة بيتاً من بيوت الشهداء وراح البيت وماتت أمه وبقيت حكايته في سماء القرية كالنجم.
*
لكل شيء نهاية، ولن تبلغ القصة نهايتها بعد، أفكر وأنا مغمض العينين، وأتساءل:
- لماذا لم أفكر بقريتي – كحيل - التي أحب و أخاف، حين كنت فيها كما أفكر فيها الآن؟!!
- هل لأنني كنت أعيش حياة هامشية لا قيمة لها؟!!
أرى أنني كنت أعيش بداخلها هيكلاً أو ناسوتاً متحركاً من ضمن الهياكل والناسوتات التي تعيش بداخلها، تتوالد وتتكاثر بداخلها يوماً وراء يوم، أما الآن فهي التي تعيش بداخلي، وأفكر فيها بكليتي، وكل ذلك التفكير لا يتجاوز لحظات أو لمعان برق فتكون حاضرة أمامي.
*
حين فتحت عيني كان كل شيء مكانه، أنا، السرير، قميصي الأزرق الداكن المرمي جانباً، يكاد الظلام يطمسنا جميعاً لولا قوة البصر التي اكتسبتها بسبب ظلمة الزنزانة المستمرة، فاتسعت أحداق عيني بشكل جيد، تململت قليلاً، ظهري يؤلمني بعض الشيء، تحسست قميصي الأزرق و ارتديته، شيء ما فيَّ بدا منقبضاً كما الزنازين التي حولي، والتي لم أسمع صوت سجين فيها أو استغاثة معذب، ترى:
- أين ذهب الناس جميعاً وتركوني وحدي؟!!
كانت الزنزانة – أصبحت استخدم كلمة زنزانة بدل غرفة – أشد شحوباً من ذي قبل، لكن قليلاً من الحركة كفيل بنقل هذا الانقباض الذي اعتراني وعندئذ تساءلت:
- لماذا أنا منقبض؟ !!
أذناي لا تسمعان، عيناي لا تريان، عضلاتي لا تتحرك، أي أنا أحتفظ بقوة هذه العناصر الأساسية لاستمرار حياتي، إذاً أنا سأتمتع بصحة وافرة أثناء شيخوختي التي ستمتد إلى مئة وعشرين سنة – هكذا طلبت من الله في صلاتي الأخيرة وعودنا الله أنه كريم ولا يرد سائلاً – لذلك لا بد من حركة تزيل الانقباض، ثمة حركة قادمة لا محالة، شيئاً ما سيحدث بعد قليل، شيء ما ينتظرني، هناك ستبدأ حياتي من جديد، إني أرى، أتقدم بإحساس هائل، بقدر مكتوب، إن في الطرف الآخر من الزنزانة جسم يصدر بياضاً، كان يبدو أسودَ قبل ساعة إني أتقدم نحوه، فتتضح رويداً رويداً بياض بشرته، سأتوقف عند رأسه وأمد يدي، دائماً أمد يدي، آنذاك تبدأ المغامرة، تبدأ الحياة، هذه الكتلة الإسمنتية الملساء تستدرجني.
للحظة، فكرت أن أعود أدراجي نحو الزاوية- زاوية الزنزانة أو الغرفة – لكن ليس بالإمكان وقف المد الجاري لسيل العواطف الهائجة، وبما أنني أنا الذي أصنع الأصوات والأشكال وحزم الصور الملونة، فلأجعلها قوية بشكل لا أستطيع رده.
أتوقف للحظة، وأنظر، قلبي يخفق بشدة، أقلب بعيني مساحة سطحه الأملس الغني بالحركة، تهب ريحه قوية لكني لست بعجلة من أمري، أنا من سيحاول استدراجه، أنا من سيجعله يلتهب ويتوسل اللذة، هأنذا بدأت أحرك فيه إحساسا ما، مليئاً بالحنين، أنا بحاجة إلى هذا الإحساس، فامضي إليه أجنحةَ رغبةٍ عارمةٍ وهي أنني وحيد معه، أنا هنا في هذه الزنزانة المقفرة، أعرف ماذا سأفعل بهذا السرير الإسمنتي، شيء ما في هذا السرير يحتاجني، إنني ممتلئ وهو فارغ، أدنى حركة مني ستشعل ناره، لكني لا أستطيع أن أحدس قوة ولا درجة اشتعاله.
أنا ألقي عليه النظرة الأخيرة قبل أن أهجم عليه و أفكر وأتساءل:
- ترى هل سيحتمل اختلاجي عليه هذه المرة، أم أنه سيخدعني ويوهمني بعدم تحمله لاختلاجي ليزيد من عنفواني، بينما هو في أقصى تلذذه.
اللحظة تفيض بالمشاعر، والهواء الأسود يخيم على أرجاء الغرفة فيجبرني على خلع قميصي الأزرق الداكن، ويصدر رائحة كرائحة البابونج المنقوع إنه ينتظرني بنصفه الفارغ العاري الجامد !!!
شيء ما في جوف هذه البطانية التي تغطي نصفه بحاجة إليَّ، لقد عبرت الليل و الليل – لأن النهار عندي ليل، فلا أتبين الليل من النهار- لأصل إليه لقد توقف كل شيء، هذا الهواء الثقيل، أنا، السرير، نشكل جماداً ثنائي الأبعاد، و إني لسعيد بأن أرمي بنفسي عليه، وهو بفارغ الصبر ينتظر أن تلامس ذكورتي الفجة سطحه الإسمنتي الأملس، لكن سرعان ما لمعت أمامي فكرة أخرى، منعت نفسي من الاقتراب وبعثرت كل ما يجذبني إليه، كان يحترق، يتلوى، يتوسل، بينما أراقب بظفر هزيمته رغم دغدغة جسدي الحالمة، ابتسمت وأنا أنكفئ نحو الزاوية وأدركت القيمة الحقيقية لهذه الابتسامة.
*
لبثت ساعات أقبع في زاوية الزنزانة – الوقت لا قيمة له في مثل حالتي – غرقت أثناءها بالماضي، وتمنيت أن ثمة شخص ما ينتشلني من غرقي، لكن اللاشعور قد تآمر مع الظلام، فكان ما حدث في الماضي ماثلاً أمامي بكليته، آنذاك تجمهر الناس زرافات زرافات حول المقبرة القديمة، وعند حدها الشرقي، حيث جرافات البلدية تشق شارعاً يقسم البلدة نصفين، قليلون من عرفوا أصحاب القبور الدارسة التي كانت الجرافة توقظهم من سباتهم، كنت أنظر إليها – القبور – كانت فارغة، لا شيء على الإطلاق، فارغة تماماً، بالنسبة إليهم كل شيء قد انتهى، مثلاً ذاك القبر الذي كان يحتل زاوية المقبرة من الناحية الجنوبية الشرقية، لا يعرف أحد اسمه ترى:
كم سنة عاش؟
أكان سعيداً أم شقياً؟
هل أحب فتاة ما؟
وهل تزوجها؟
أم هل تزوج بغيرها؟
وعاش محروماً من وصل الحبيب، هل سافر؟
أكان ظالماً أم مظلوما ً؟
أفقت بعد ذلك من النوم أرتجف، فقد غفوت، آه ما أجمل النوم.
*
نهضت، كنت وحيداً، كان بي رغبة جامحة لأنبطح على بطني وأزحف، غشتني سعادة خفية وأنا أزحف كشيء ما، ربما كأفعى، ربما كسحلية، لكني لا أحب السحالي، لذلك كأفعى، كما إن الأفعى تعطي انطباعاً أفضل للزواحف، فزحفت حتى وصلت إلى باب الزنزانة السميك ذي النافذتين العلوية والسفلية، ولأنني مازلت منبطحاً مددت يدي إلى النافذة السفلية، ورفعت القطعة المعدنية التي تسدها من الخارج، و أولجت نظري خارج الزنزانة، أجل، لقد كنت وحدي، صف الزنازين خال تماماً، والممر الطويل بينهما يشي ببعض اللمعان الباهت، لكنه خال من كل شيء، أراقب الممر، لدي من الوقت الكثير، - كما قلت لا قيمة للوقت عندي – أراقبه وأتساءل لماذا لم أكن أراقبه كل يوم وقد أمضيت فترة طويلة؟!! فقد كان مجالاً لقتل الوقت، فهو – الممر- يعج بالهدوء، مزدحماً بالسكينة، ممتلئاً بفوضى الصمت، هاأنذا أتتبعه بقسوةٍ وكثافةٍ أرومُ الدخولَ فيهِ.
عدت إلى نفسي لحظة، وقفت، ثمة شيء ما ينقر في رأسي، تنبه السرير الإسمنتي ظناً أني سألقي بنفسي عليه، لكني كنت لئيماً، فتركته رغم تأوهه، فعاد للاكتئاب – الحالة التي تركته عليها – وانطوى حزيناً.
كان الكل ينظر إليَّ وأنا وسط الزنزانة، السرير، البطانية، الزوايا، الظلام، النافذتان، وأخيراً الباب المغلق، وخلعت ملابسي، كانت الأنوار الداكنة تميل نحو الاحتشام، والحر الشديد يميل نحو التثاؤب، ألقيت نظرة على محتويات هذا العالم الكبير وبدأت بالرقص.
أميل برأسي إلى الخلف، قدماي ترقصان، أعود وأفتح ذراعي على أقصى اتساعها و أباعد بين أصابعي مع إثارة للجموح في خصري وذكورتي المرحة و المسترخية، نقاوة في التعبير لما كنت أفكر فيه، رقصت ورقصت حتى صارت حياتي سعيدة، فارغ الرأس، هاجراً للصداع، قاتلاً للطنين، وإشارات السرير المتوسلة
كان صدره – السرير- أبيض يصدر من ظلمة، يصدر بياضاً لحد الوسوسة القاهرة، لا يراها إلا الممتلئون بالشبق، وكان عليَّ أن أفيض عليه لينال مني وطره، لم يكن يطلب سواها، تلك اللذة, إن المرء يكن في أعلى درجات مزاجه حين يهب اللذة والفرح، ويكون شيطانه وقتها أصغر ما يمكن، إن جسدينا هما اللذان يحسنان مواساتنا من الهموم الكبيرة في هذا الظلام.
*
مستنقعات متعددة من فضة، ذاك هو وادي الزيدي في فصل الربيع، على حافتيه الطويلتين من قعر الجبل حتى بحيرة السد العميقة، صخور مزدانة بالناس، ومن بعيد دوائر من قطعان الماشية غير منتظمة، مليئة بالثقوب والظلال البارزة والمتداخلة، كان يوم السبت أو الخميس لا أذكر تماماً، لكن كان يوماً من أسبوع، مر محشواً بالحركة، ثقيلاً فوق الأديم كثير الصمت، ولست أدري إن كان الوادي هو الذي ضيق الأمل وحوله إلى يأس بليد، فجأة وأنا أسمع وأستمع إلى الأصوات والأشكال الهلامية لصراخ النساء، فأنا لم أكن يوماً أتصور أن يحدث هذا وحدث، أتوقف لحظة وأنتظر أن يعفيني قلبي من طرق ذاكرته، لكن قد هبت ريح ذاك اليوم ونزل إلى الوادي، ليسبح، أو ليحلق بروحه لا بجسده، يداني ذروة السعادة، لكن الوادي رفض أن يعيده إلينا إلا ميتاً، إحساسا كهذا لن يحدث أمامي ثانيةً وأنا أرى أباه ينتشله من قلب الوادي الغاضب ولن أتحمل أن أرى ذلك مرة أخرى ومن خلفي القرية بأضوائها الخافتة تشاركني غرق طفل في واد، مهما يكن فقد مات عادل غرقاً.
*
يمتلئ قلبي بالحقد على هذه الزنزانة، تلك الجدران الرطبة الحقيرة، ربما كان هذا الحقد ممزوجاً ببعض الغضب، وكم تمنيت لو أن لي فأساً أو معولاً ضخماً لأكتشف حقيقة جدرانها، إنها تذكرني بأحزاني وتعمدتْ – هكذا ظننت – نسيان أفراحي، رغم أن الحياة هي من تهدي إلينا الأحزان والأفراح، وفي ذاكرتي الشيء الكثير من الفرح، لكن قد لا أستطيع البوح فيه، فأنا ممنوع من الفرح، ومن المتعة التي أسرقها خلسة، لكن من حسن حظي لا قيمة للوقت في زنزانتي، فهو مبذول بكثرة، و سأحصل على الفرح يوماً ما أكان ذكرى أم واقع معاش.
*
تمثل أمامي صوت اعتراض تافه، شيء يدعوني لأغوص في تجربة شرسة، لقد تمثل بوضوح أمامي ظل الموت:
- كيف أستطيع أنا الذي أطلب في صلواتي- أو لأكن صادقاً في صلاتي الأخيرة وبدقة أكثر بعدها – من الله أن أعيش مئة وعشرين عاماً؟!!
إذ أخذتني رعشة، فتراجعت منكفئاً إلى زاوية الزنزانة، والصوت ما زال ماثلاً أمام سمعي، و بما أن لي خبرة في الزحف على البطن كأفعى انبطحت كأنني أخفي نفسي عن هذا الزائر الجديد، فكان لدي و أنا منبطح ركاماً هائلاً من التأملات.
رفعت بصري نحو السرير – كتلة الإسمنت المصقولة – كان يشع بياضاً أُخذت بمظهره العجيب، فهو لم يشع بهذا الصفاء من قبل، هذا الإشعاع الباهر، القاسي، اللامع، لم أعد أرى به سريراً يستجدي اللذة، فزحفت نحوه رويداً رويداً بعد أن ألقيت نظرة حائرة، قلقة، على محتويات زنزانتي النافذتين في الباب السميك، الزوايا الأربع الحادة، وسطحها غير المرئي، والبطانية الوحيدة جانب السرير.
كان الموقف يكشف عن نفسه، إن سريري يحتضر, صحيح أنني ومنذ فترة لم أعرف مدتها أشك في أنه روح، لكنه الآن يحتضر، فليس هناك حاجة لتفسير حالة شيء ما يحتضر، إنه يقدم نفسه أمامك بوضوح ها هو يقدم نفسه مليئاً بالألم، إذاً هو كائن، وقد فاتني أن أعتقد اعتقاداً راسخاً بأنه كائن، فها هو يتهيأ للانسحاب من حياتي ككائن ذو روح ويبقى عندي كسرير من إسمنت، حين أدركت ذلك غمرني اشمئزاز هائل تبعه تأوه أشد إيلاماً، آه ما أصعب أن تكون في حضرة روح تموت !! هناك جرعة ألم غير مدرك تنقلك إلى العيش في ذعر رغم أنك لست بالميت.
كان قربي قبل أيام، ساعات، لحظات، يتحرك بحيوية، لا شك أن عالمه الداخلي كان يتحرك، مليئاً بالعنفوان وكنت أتحسسه، فكان يتحرك بحيوية، خصوصاً أوقات شبقه الجميل، لكنه الآن كأنه يقاوم مرضاً عضالاً قارب على الإجهاز على فريسته، فأعان المرض العضال على نفسه و أسلم الروح، آه الروح ثانيةً تلك الروح التي لازمتني زنزانتي منذ دخولي إليها، ماذا جاء بك أيها الزائر لتأخذ الروح الوحيدة في زنزانتي.
الآن هي تسيل، على مهل، ببطء ممل، وهي تغادر الحياة وتتركني، هذا الهدوء في الحركة لم يكن يدم إلا لحظات، أما الآن فهو أبدي يبحر في المستقبل ببرود، بتأنٍ.
انتبهت بشدة مفزعة، بكيت بمرارة، صرخت، لا شيء يعدل حزني، حبيبي أيها السرير، لكم أحببتك، لكم أحبك، يا الهي أنا مفجع بسريري.
*
هدأت ساعة لا أكثر، هذه الكلمات ليس لها معنى، هذه العبارات لا تصدر عن عاقل، صحيح أنه كان يشاركني الزنزانة لكنه سرير وإن كان بروح و إحساس ومشاعر وفي النهاية هو جماد ثمة مشكلة في عقلي إذاً، مشكلة جوفاء، عقيمة، إن الروح التي انفصلت عنه – السرير – ليست موجودة الآن، إلا في عقلي، فها هو السرير وحيداً كما كان لم يتحرك، صحيح أنه لن يظهر وجهه الوديع بعد أن أمسى كالحاً ولن يفيض بالحركة بعد خمودها، لكني صرت أرسم ملامحه بدقة بعد أن غطيته بالبطانية الوحيدة وحجبته عن بصري وعدت نحو الزاوية وقد سيطر عليَّ شعور بخيبة الأمل وغبن لا يحتمل.
*
مرت ساعة ثانية أو أكثر – يا لسخف الوقت عندي – أضع رأسي بين ركبتيَّ، لم يتغير شيء في هذه الزنزانة، لكن فاجعة قد سيطرت عليها، ثمة شيء مفقود فيها، فانفجرت في نفسي رغبة لشيء ينتفض فيها بي رغبة لأقوم و أرقص كما كنت أرقص عارياً، لكني لن أرقص، أعرف أن شيئاً سوف يتبع الرقص و السرير قد مات، فقررت النوم.
*
استيقظت أحمل في يدي مشاعل من أمل، كان سريري يجلس قبالتي بكينونته الأصلية، من الإسمنت، ولا شيء غير الإسمنت المغطى ببطانية، حتى وإن كان سابقاً – بنظري - من لحم ودم وأحاسيس، فقد مات والمهم أني موجود، أنا موجود بداخلي لا بداخله، أشعر أنني لم أكن يوماً موجوداً بداخله، هناك قبالتي ينام كتلة من الاسمنت البارد وكل ما كان منه سيبقى ذكرى و لن أسمح لذكرى بأن تسرد نفسها على الجميع، إلا أنا، فأنا الشيء الوحيد الذي كان يذوب فيه ويذوب فيّ، فأنا الشيء الوحيد الذي يختلج فوقه، فتنعشه ملامسة ذكورتي الفجة لسطحه الأملس وهي الآن قد تلاشت وطعمها ماء عذب يغسل جوفي يداعبني يشكل بركة من فرح ترطب من صحراء لساني، إنها تعيش معي كما غيرها.
*
يدي تمتد نحو قميصي الأزرق الداكن تفك أزراره واحداً بعد الآخر، تفتح عن صدري العاري وتمتد لتعبث ببقايا الشعر العالق بين الثديين، تتسلى بمداعبة رؤوس خصلاته المتباعدة والقاحلة، ثم ترتفع نحو عنقي – الشيء الوحيد الذي يشاركها- يدي الأخرى لتحتضن عنقي، شيئان وحيدان يحيطان بعنقي.
أحس ولو للحظة، بثقل أكتافي، فأنزل يدي وأخلع القميص، وأفك عقدة البنطال، فيسدل نحو قدميَّ وبما أنني الآن – كما كنت صغيراً – لا ألبس سراويل داخلي شعرت بأنني عارٍ- مع أنني عارٍ – هذا الشعور بالعري يلازمني في الظلام و لا أستطيع أن أحذفه من تداعياتي.
*
أقف منتفضاً و لم أعد قادراً عن الكف بالتفكير بالرقص، ولم أبالِ بجسدي العفن وملمسه المتسخ، فرحت وبعنف فاتحاً ذراعيّ مهرولاً في أرجاء الزنزانة، مستلقياً، جاثياً، قافزاً ومصفقاً كعنكبوت في زجاجة و أطلقت لنفسي عنانها ولم يعد هناك إمكانية للسيطرة عليها، كينونتها تثور، إن الأفكار الناجزة تولد في قلب الحدث وتفرض نفسها بقوة.
لن أستسلم سأتابع الرقص رغم أني مفجع بسريري، وتتبعت حركاتي بعصبية مفرطة إنه يوم الرقص يجب أن يثخن بالعرق ليخرج النتن وسقطت قرب الزاوية وكل الزوايا قريبة وارتطم رأسي بالجدار، فنزفت بغزارة، ثم مددت يدي أتلمس شعري الذي استطال وطوقني الدم بطوق من لبلاب يحيط بعنقي، لكن شيئاً ما يؤلمني، بعد أن أحسست أن شخصاً يسحبني على الأرض ويرمي بي تحت صنبور الماء وتركته يغسلني بحرية.
*
أعرف أين أنا، وعاد الذعر يسيطر عليَّ من جديد ولم أكن أدري إلى أين أتجه، فوقفت وركضت في الممر الطويل بين الزنازين وهي تنظر إلي بعيون فارغة، ودخلت زنزانتي أتفقد كل الأشياء بحركة عين عصبية وتقدمت نحو الزاوية وقبعت عارياً.
في تلك اللحظة سمعت صوتاً، وكأنني كنت مسحوراً، لم يكن ذاك صوتاً، بل كان لوناً من انتظار مفرح، مطمئن، كان وقع خطىً في آخر الممر، تسير ببطء تجتاز الزنازين واحدة بعد الأخرى، وحين بلغ الصوت باب زنزانتي رفعت رأسي، وبعد لحظة فتحت جفني، فظهر أمامي لم أكن بحاجة إلى وقت طويل كي أتعرف على ملامحه الشابة، كان يبتسم ببشاشة، ولا تجاعيد على وجهه الأبيض، كان نظره خارقاً، عاينتهُ، عيناه الباهرتان تلتهمانني، تفحصني، حالة تملك عجيبة، لقد كرس كل لحظته الحالية بالتفكير فيَّ، وتقدم نحو قميصي الأزرق الداكن، فالتقطه ورماه نحوي وما زالت ابتسامته البشوشة ترتسم على وجهه، ثم ما لبث أن عاد الفم فم ميت، وتقهقر خارجاً من زنزانتي وقطع الممر الطويل ولم أكن أرغب في شيء وقتها، إلا أن أتابع نومي.
*
بعد خروجه، حاولت أن أرى شيئاً غيري يشاركني لحظة الفرح التي تركني عليها، لحظة كغابة بلوط وغار وكدغل دفلى نبت قرب الخزامى على شكل طرقات متشعبة تغريك للسير فيها والعودة إلى أعماق ذاكرتك لتقتحم عزلتها بعنف، وتسألها عن الحد الفاصل بين الخطأ والصواب، فلا تجيب.
كان الحزن يعتريني وأنا أقف لأسير نحو منتصف الزنزانة وأقف ماداً ذراعي ورافعاً رأسي أتأمل في ذهول ما قالته خصلات شعري التي داعبت أكتافي وانفرطت عليه كعقد، ثم توقف الزمن كعربة قطار أخرجت من الخدمة وسكنتها الريح، كما سكن الجفاف السهول فأجبرت والدي على العمل في العاصمة.
*
وسط الغرفة أو الزنزانة لا يهم استلقيت، رأسي – خلته - باتجاه الشمال والباب على يساري أشعر بسعادة مفرطة ولم أبذل جهداً كبيراً للحصول عليها، لعل السعادة مؤقتة، فأنا لا أحسها دائمة، إن لحظات التخلص من الكآبة قلما تدوم عند الناس – أقصد عموم الناس – لأنك لن تلبث إلا أن تتذكر الأشياء الأليفة إلى قلبك وقد اختفت من أمامك ورفاق الطفولة الذين تقاسمتهم الدنيا بين مسافر ومهاجر وتحت التراب، فتعود حالات الانكسار وتنفذ إلى تعبير وجهك من خلال مسامات الجلد وتلبسك قناع الحزن، لكنه يوم ممتاز لأنني أقر أنني سعيد رغم الأضواء المظلمة التي تلفني بلا رحمة وتجعل مني هيكلاً يبحث في ذاكرته عن خطيئة لم يدر متى ارتكبها فزجت به إلى زنزانة.
*
مللت من السعادة – على قصر وقتها – وبمد من الملل تحول نظري نحو النافذة السفلية لباب زنزانتي التي على شكل مستطيل، وبما أنني كنت وسط الغرفة مستلقياً على ظهري اضطررت للوي عنقي كي أتابع تحديقي بالنافذة، فشعرت ببعض الألم يعصر عنقي، فقررت التخلص من الألم بأن انقلبت على بطني، فذهب الألم وأحسست برغبة في الزحف، فزحفت نحو النافذة، و أولجت إصبعي فيها رافعاً غطاءَها الخارجي وتقدمت بوجهي و أولجت أنفي خلال شقها علّي أشم رائحة غير التي تحتويها زنزانتي وتهيأت، وأنا ممسك بكلتا يدي الأطراف الداخلية لها وأنفي داخلها وبدأت الشهيق من هواء الممر، حتى استقامت رائحة جديدة في رئتيَّ.
*
فجأة خطر لي خاطر غريب، لكنه معقول ومسلٍ، فقررت أن أغير هواء زنزانتي وذلك عن طريق ذلك الشق العجيب، فانبطحت وتملكت أرضية الزنزانة وعدت للإمساك بطرفي النافذة من جدرانها الداخلية الرفيعة، و أولجت فمي أغب من هواء الممر دون أن استنشقه و أفرغه في الزنزانة.
التصقت أكثر بهذا الشق العجيب، و بكل قوتي كنت أدني وجهي نحوه، أتوحد به من خلال الحركة الرتيبة لشفتي وهن يملأن فمي بالهواء محمومتين تخفيان حشرجة صدري، هذا العالم المظلم برز بخطوط تتحول إلى لون أخضر فاتح، عند ذاك لم أستطع أن أتعرف على التفاصيل الجديدة للظلام القادم، لكنه منعش و لم أستطع أن أتبين ما حصل، فقد فقدَ رأسي توازنه – شعرت أن رأسي منفصل عن جسدي – و تبعته أنا، ففقدت السيطرة على نفسي و جاهدت - و أنا لا أزال أغب الهواء من خلال الشق – للحصول على إحساس يعيد لي السيطرة على نفسي، لكنه – فقدان السيطرة - كان عذباً فضفاضاً لأن اللون الأخضر هجم بشكل صاعق على بصري ولم أعرف ما حصل بعدها، إذ سقط رأسي ببطء على أرضية الزنزانة وكفت شفتاي عن غب الهواء ونبتت على طرفي فمي مشقة مختلطة تحولت إلى سواد قاتم، وخيل لي أن هذا السواد لا يشابه سواد الظلمة في زنزانتي أجل إنه لا يشابه سواد ظلمة زنزانتي وانتظرت مع رأسي عودة الظلام، وأنا وقتئذ لا أملك إلا الانتظار، فانتظرت.
*
استيقظت، أنا سجين لا يكف عن الحركة يرفض أن يبقى متقوقعاً في زاوية ما، كما أنه ليس هناك داع ليبقى في ركن ما، أو فوق سرير، ياااه شعرت ببعض المتعة حين ذكرت السرير، لكنه ميت، فنسيته، لكن لم تزل لذكراه تتسلل بعض الأفكار الزاهية إلى نفسي التي تحولت إلى نيران من الكآبة حينما أدركت أنني أعيش بلا متعة بعد موته.
لدقائق فقط شعرت أنني أحقق شيئاً ما، حدقت في أرجاء القاعة – لا أدري ما الذي دعاني لتسمية الزنزانة بالقاعة – المظلمة وبما أن عينيّ قد اعتادتا الرؤية في الظلام رشحت بعض الضوء، فانطلق صوت – كما يقولون – من قحف رأسي، كصوت خوار ثور وارتفعت حدته حتى انهمرت دموعي فوق خدي بدون استئذان.
*
كم هو قريب من الإذن مألوف بغرابة إنه صوت الطائرات، كرشق رعد تائه في الفضاء يصلني، كقادم من أعماق بعيدة يصل متلاحقاً متتابعاً، أمسكتني أمي من يدي و أشارت نحو السماء باتجاه طائرة محترقة تهوي جنوباً، وسألت أمي:
- ماذا هناك يا أمي؟ !!
- إنه يوم الثأر لحسن النازح !!
- و أبي إنه في دمشق ولم يعد بعد؟!!
تكدرت ملامح أمي ونحن نقف متسمرين في حصننا الدائم فوق سطح البيت ككل البشر، وتركتها و هرولت مسرعاً وهبطت نحو الساحة حيث وصلت سيارة جيب عسكرية ونزل منها ضابط برفقة مجموعة من الجنود وتابع أهالي القرية تجمعهم، فَطُلِبَ من المختار جمع الرجال الذين كانوا يتدربون على القتال ضمن صفوف الجيش الشعبي ووزع السلاح عليهم.
كنت أقف جانب الضابط أتأمل مسدسه الذي يدسه تحت نطاق بنطاله العسكري، فنظر إلي وهو يبتسم وقال لي:
- هل أعجبك مسدسي؟
- نعم، أعطني إياه !!
قهقه الرجال وهم ينتشرون في الطرقات خارج القرية وسألت الضابط:
- إلى أين يذهبون ببنادقهم؟ أجابني :
- مهمتهم إلقاء القبض على الطيارين الإسرائيليين الذين تسقط طائراتهم.
- ومن يسقطها؟
- هناك من يحرس السماء يا بني لا تخف !!
- أنا لست خائفاً، لكن أبي لم يعد من العاصمة بعد !!
- جميع الناس في أعمالهم يا بني !!
غادرنا الضابط بعد أن ركب بسيارة الجيب بينما تسابق الأطفال للركض خلفها، وعدت أنا لأبشر أمي أن للسماء من يحرسها.
*
في اليوم التالي ويخيل لي أنني كنتُ حافي القدمين أركضُ خلفَ عربةٍ تابعةٍ لمديريةِ التربيةِ تتجولُ في طرقاتِ القريةِ يتربعُ على بابِها الخلفيّ رجلٌ يرتدي بنطالاً أزرقَ يوزع مجلة أسامة على الأطفال ورمى نحوي بنسخةٍ منها، فقفزتُ عالياً لألتقطها بفرح.
لمع مصباح الكاز الذي أشعلته أمي و أعتقد أن الفراشات كانت ترصده مثلي، فاندفعت تحوم حوله، كنت ألاحظ انعكاس ضوءه على صفحات المجلة بسعادة و قد أهملت دعوة أمي لتناول طعام العشاء، ثمة شيء في أوراق هذه المجلة يشدني إليها كانت أغلى من كتبي المدرسية، فتحت صفحاتها، وبدأت المغامرة سيل من الأحاسيس المجهولة تطرق رأسي وليس بالإمكان إيقاف سحرها سحر لا يشبه سحرَ الكتب المدرسية ولا الوظائف والمذاكرات سحر قادني للاستسلام لصفحاتها وتملكها لحظات لا تعرف الشيخوخة.
*
انتهت الحرب لكن حرباً من نوع آخر قد بدأت عرفت لاحقاً أنها حرب الاستنزاف وخلالها لم أرَ والدي واستمرت أعراض الحرب بالظهور المكثف للطيران – أصبحنا و أصدقائي الأطفال لا نخاف منها- لكن الحياة الطبيعية عادت لتمارس عادتها.
سألت أمي عن مكان أبي فقالت:
- ليس له مكان محدد، إنه ينقل القمح إلى المطاحن و المطاحن في كل أرجاء الوطن.
عدت إلى مجلة أسامة كان فيها رسم لسيارة تحمل شيئاً ما وعليها علم أعرف هذا العلم إنه علم بلادي لكن السيارة لا تشبه سيارة أبي.
*
غمرتني لحظة أمل هائلة لعودة أبي، فرحت ألاحقه بالأسئلة عن الحرب وكثيرة هي الأجوبة المفرحة، فقد وصل بسيارته إلى أكثر الأماكن خطورة وهو ينقل الخبز إلى الجبهة، أنا هنا أتكلم عن شخص أدى رسالته كأب وكفرد في مجتمع، كرمته الحكومة بوسام بطل الإنتاج لأنه لم يترك عمله خلال حرب تشرين المجيدة، لقد رحل بعد أن ترك بصمته.
قد لا أستطيع أن أكمل الحديث عن ذلك، لأنها أليمة التذكر رغم سعادتها، لاحقاً ابتسم أبي وهو يعلن مزهواً أنه اشترى قطعة أرض صغيرة في العاصمة وهو يبني عليها بيتاً صغيراً.
نوبة فرح نوبة سعادة شملتنا – أنا و أمي – فرقصنا، ثم قلت لأبي:
- هل سننتقل إلى العاصمة؟
- نعم سننتقل قريباً.
- والعنزات يا أبي ( السَوداء، القرنَّة، المسكينة، القرعة)؟
- سنبيعهن !!
لقد نفذ صبري ولم يعد بمقدوري تحمل قرب هذه الحوادث مني، فقفزت من مكاني، فأجد نفسي في هذه الزنزانة بينما روحي تسبح خارجها أتداعى للسقوط على سريري الإسمنتي الميت، بينما السماء تمتد فاتحة ذراعيها للشاحنة التي تنقل أثاثنا إلى حي التضامن في العاصمة بعد أن باع والدي العنزات وحرصت على عدم الاسترسال لأنني بكيت على العنزة والتي اسمها المسكينة، كما يبكي طفل على لعبة.
*
قفزت نحو السرير رغم أني في الخمسين من العمر، ورفعت البطانية عنه ورميتها وسط الزنزانة وجلست عليها أروم السيطرة على نفسي، إن السيطرة على النفس قمة السعادة، ولأنني قرأت يوماً عن فن اليوغا قررت ممارسته بأعلى طاقتي، جلست متربعاً أضع يدي فوق ركبتي باسترخاء تام أغمض عيني بكليتهما، أتنفس بعمق وأطرد كل الأفكار من رأسي، حتى فكرة وجودي ليس في الزنزانة فقط، بل في الدنيا وخلت أن الأصوات والأشكال والأفكار تنساب من نوافذ وجهي بحرية كأسراب فراش في يوم دافئ.
خليط من الألوان يدور حولي يستولي على كينونتي يشعرني بدفء، لكنه غير كاف أروم ما هو أكثر من الدفء، ثم تحول الدفء إلى نوع من الفراغ تبعه شعور بتضاؤل جسدي بشكل مخيف، تبعه تضخم رأسي، لكنه تضخم فارغ لا يحوي على شيء، كأنه هيكل شفاف كدخان سيجارة.
أنا في أقل درجات الانفعال على الإطلاق. درجة تكاد لا تكون موجودة، فلا أذكر أي تفاصيل أو محتوى لها وكان ذلك كله يقودني إلى الاستغراق أكثر في حالتي الجديدة حتى تحول الدفء فيه إلى أشد حالات النقاوة نعم، لقد كان الدفء شديد النقاء، فقدت الشعور بأنني من لحم ودم شعور يشابه شعورك وأنت تستيقظ من النوم بعد حلم سعيد، لقد شعرت أنني قد تحولت إلى فقاعة.
*
استلقيت على ظهري. ربما كانت قد مرت ساعة، أو أكثر تعرفون قيمة الوقت عندي، لكنها من أشد لحظات الدفء عندي، وقلما ما حصلت عليها وتضاءلت، ففقدت بعض السعادة وشعرت بخيبة أمل تحولت إلى كآبة، كأنني بحاجة لشيء ما، ربما امرأة أقع في شركها رغم قلة وقوعي في شراك النساء، إلا مرات عديدة ولم أكن وقتها أعرف أنه شرك لكني الآن أميزه بحس عال وشفافية مفرطة تتمنى عودته.
كانت تنتظرني وأنا عائد من المدرسة متكئة على طرف نافذة غرفتها، يرهق كاهلي حقيبتي القماشية التي خاطتها أمي لي، فتناديني وتدعوني للدخول إلى بيتها الواسع الخالي، فزوجها ما انفك يسافر ويرشح عليها أياماً معدودة من أجازاته القصيرة ويعود وقد تركها بلا ولد ولا زوج، كنت أدخل غير متردد، فهي تداوم على زيارتنا وكانت تداعبني بعد أن تحملني أمام أمي وتمرر فمها فوق عنقي، ثم تصل إلى فمي، فتلثمه برفق ماكر يفوق تقبيل طفل بحميمية عالية – أشعر بهذه الحميمية الآن بأعلى درجاتها - خصوصاً وهي تمر بيدها فوق ساقي وتصل إلى أشد مناطق الإثارة فيها وتضغط برفق ممتع وتكرر أمي ما تقوله لها:
- الله يطعمك مثله !!
تأخذ عني الحقيبة القماشية وتخلع عني لباس المدرسة، تغسل لي وجهي وتطعمني بعض الخبز والجبن و أحياناً بعض الفاكهة، ثم تحملني إلى غرفتها وتجلسني على سريرها وتخرج لدقيقة، ثم ما تلبث أن تعود وقد ارتدت لباساً داخلياً يبرز أعضائها مكتنزة وذراعان بيضاوان وتجلس أمامي وقد أدارت ظهرها عليَّ وتقول بعد أن تعطيني دبوساً:
- أشكل هذا الدبوس في شعري !!
أمسك بيدي الصغيرتين بضفيرتها السميكة وأنا أحاول ربط ضفيرتها وهي تساعدني بكلتا يديها المرفوعتين خلفاً أقترب من عنقها تصدر من تحت أبطيها رائحة ذكية، فأقول لها:
- رائحتك تشبه رائحة الآنسة في الصف، لكنها هنا أقوى بكثير!!
تقول وهي تلتصق بي:
- يا أزعر !!!
ثم تمد يدها نحو رأسي وما زالت ملصقة ظهرها بصدري، ثم تقول:
- اهمس في أذني !! فأقول:
- بماذا أهمس؟
- أي شيء المهم اهمس، لكن دع شفتيك تلمس شحمة أذني.
أترك الضفيرة وقد فشلت في ربطها بالدبوس، فينساب شعرها كومة من عطر أمام وجهي أغوص داخله لأصل إلى أذنها وأهمس تاركاً شفتيَّ تلمسان شحمة أذنها، ثم تثور وتحملني من ورائها وتلصقني بصدرها وهي ترمي بنفسها فوق السرير وتضع رأسي بين ثدييها البارزين وتدعكه بهما، ثم تجبره على مواجهة أحد ثدييها وجهاً لوجه وتدعك به حلمتها السمراء النافرة، ثم أخيراً تتكور عليَّ مرتعشة، كأنها تحتضنني، بينما أنا مستغرق بدفئها أنتظر معها أن تنزعني عنها وقد قارب الدفء أن ينشر نفسه علينا ويخرج بعد أن ترمي بي جانباً شبه حالمة و أتابع أنا بخجل الخروج من دوائر الضوء والزخات العبثية التي تنتابني وأنا ملتصق بها كأفعى لا يعرف رأسها من ذيلها.
يا لها من صور غريبة عندما تتشابه الأشياء، فأنا أعيش في زنزانتي وصور ذراعيها وعنقها من الخلف وشحمة أذناها لا تفارقني، قوية هي ذاكرة الأطفال وبما أنني أقبع في زنزانتي أسترد جميع لحظاتي السابقة وكل ما حدث لي ومعي، أرتبه بشكل عشوائي و كيفما اتفق وحسب وروده عليَّ، ذاكرتي هنا هي سلسلة من الصور، لكني لا أحسن التركيز فيها كما يجب لذلك أخذتني رغبة في البكاء، ثم وجدت أن لا فائدة من ذلك، فتوجهت للسرير الإسمنتي الميت ونمت بعمق.
*
كان ذلك رائعاً كثيراً وكان يطيب لي وأنا أغمض عيني وأسترجع تفاصيل تلك اللحظات الهلامية الشفافة وهي تتحول إلى لون من الحياة والبهجة أتمثلها حتى أخجل من نفسي، فقررت أن لا أذكرها ثانية، لأنها أصبحت تخجل مني كلما رأتني بعد أن أصبحت شاباً وأصبحت أعي تلك التفاصيل.
*
انقضى وقت طويل وقد تركت نفسي تشرد بعيداً عن جسدي القابع في زاوية، تعرفون أين تقع هذه الزاوية أنا لا أفكر بأحد لا بد أن أحداً ما يفكر فيَّ، ثم خطر لي أن أبحث عن كلمات تجرني كي أتذكر شيئاً فلم أفلح، فانكفأت على نفسي وعدت إلى شرودي، لكنه على غير عادته، كان مملاً وباهتاً وغير مسل، لكنني أذكر أنني قد تذكرت الثلج ذلك الذي يدهشني، فهو – الثلج – لا يسقط على (كحيل ) – قريتي – إلا نادراً وطيلة الخمسين عاماً رأيته مرتين، في المرة الأولى كنت ابن أحد عشر عاماً، فقد كان يوم هطوله ممتعاً بحق، فقد أغراني بقصص لا حصر لها أولها أغلقت المدرسة أبوابها، فكانت فرحة الأطفال كبيرة أتساءل:
- لماذا يفرح الأطفال حين تغلق المدارس أبوابها لحدث طارئ؟!!
ربما لكسر الرتابة، فالرتابة مملة و إن كانت للتعليم، وبالمناسبة سمعت عجوزاً تقول وقد رأت الصغار وهم عائدون من المدرسة يرهقهم الجوع والتعب وحمل حقائبهم:
- كنا سابقاً نعمل كمرابعين عند مالكي الأراضي، فأصبحت المرابعة في زمن هؤلاء الصغار الدراسة ألا يتعبون منها كل يوم؟!!
كان يوم الثلج قصيراً، فقد مضى سريعاً أسرع من الأيام السابقة، لكن لا أسترجع من ذاك اليوم، إلا رجلاً عجوزاً يكنى ( بالشرع ) أذكر أنه مر من أمام بيتنا – هو جارنا – قبالة المقبرة القديمة يرتدي معطفاً داكناً يلف رأسه بغطاء سميك يسمى ( الكوفية ) وينتعل جزمة من الجلد الصناعي تنبعث منه رائحة – مثل سكان القرية - دخان الموقد يسير سعيداً وهو يحرك الثلج بقدميه وأفترض أنه كان مثلي سعيداً جداً، لكن من جهته أما من جهتي، فكنت أسعد منه لأنني أستطيع أن أتصرف وألهو كما الأطفال بينما هو لا يقدر على ذلك.
كان شديد الميل للمزاح والمداعبة كريماً رغم فقره وشديد التواضع خصوصاً لأمه، فقد كان وكلما رآها يرمي بنفسه أمامها ويرجوها أن تطأ عنقه بقدمها ويجبرها إذا ما رفضت ذلك لأنه سيدخل الجنة من تحت قدميها، فتنصاع لأمره محبة منها له بدخول الجنة، لكن كل هذه المشاهد التي وردت على ذهني سرعان ما تمزقت وتبعثرت، فلقد نقلت سيارة أجرة ذلك العجوز إلى المشفى ولم يعد منها ولم أره منذ ذلك الحين.
*
الظلام مطبق، ثمة شخص – يخيل لي أنه أنا - يزحف نحو شق أسفل باب زنزانة – يخيل لي أنها زنزانتي أنا – أولجت سبابتي في ذلك الشق المسماة نافذة سفلية على شكل مستطيل ورفعت الغطاء الخارجي عنها، فقدم الممر نفسه لي برحابة بعد أن أولجت بصري فيه، فصرت أشعر أن هذا الممر يشبه خروجي من ثقب إلى آخر.
ثمة قبس أحمر يشع من آخر الممر، كأنه لفافة تبغ تشع من فم رجل – تعرفون جيداً أنني أستخدم كلمة رجل بدل شرطي – ثم اختفى الضوء الأحمر وعاد الظلام يطبق من جديد رافقه صوت اهتزاز باب الزنزانة، فتراجعت منكفئاً وقد استنفرت حواسي بقلق وتهيأت – على غير عادتي - للوثوب على شيء ما، ثم تبعه صوت دخول مفتاح في قفل الباب السميك وتبعه صوت انسحاب لسانه من عمق الجدار دفعة وراء دفعة و خطاً بعد خط، حتى شعر بأمان العودة إلى مخدعه الذي صنع له، كان الجو يتخبط بلحظات غير قابلة للابتذال، فقد انفرج الباب بدفته السميكة وسمح للنور بالتدفق على شكل ضوء خافت، فاستعد بؤبؤ عيني يلتقط ويحلل ما يرى.
الرجال الأربعة يقفون على باب الزنزانة، لكنه - أي بؤبؤ عيني- لم يميز هل هم الرجال الأربعة أنفسهم أم أنهم قد تغيروا؟!! وقتذاك ليس مهماً، بل المهم أنهم يلبسون البدلات الرمادية نفسها، أو مثلها، فتراجع استنفاري للوثوب على شيء ما، وقادوني أتهادى بين اثنين ولم أضحك على ما شاهدته وتذكرته ببرنامج تلفزيوني لشخص يسير بين وحشين وهو يغني بفرح:
- أنا بين اثنين !!!
*
وقفت أمام المحقق، ليس أمام المحققين السابقين نفسيهما، لكن الغرفة نفسها وإن تغير أثاثها بشكل هائل، فقد بدا فاخراً لم أكن أرى مثله إلا في دور السينما التي تقدم أفلاماً رخيصة وعرضاً متواصلاً للخارجين عن حدود الزمان، يدخلونها صباحاً ويخرجون منها بعد منتصف الليل، وكثيراً ما كان يستعملها – صالات السينما – بعض المتشردين، فينامون طيلة العرض ويخرجون لمتابعة تشردهم وصدقاً كنت منهم لفترة.
أنظر إلى طاولة المحقق مرتبة بشكل مذهل، جميع الملفات على يمينه منسقة فوق بعضها بحرفية، المصنف الجلدي الأسود الفاخر يحتل منصف الطاولة نحو الكرسي وحافظة الأقلام الأنيقة تحتضن الأقلام الملونة، هناك قلم أزرق وأسود وأحمر وقلمان خضراوان أحدهما بدون غطاء وبالقرب منها – حافظة الأقلام – فنجان قهوة ساخن لقد كان بخاره يندفع بلطف ورائحته منعشة، لكن ما لفت نظري بحدة المفكرة السنوية على طرف زاوية الطاولة الأيمن مقابل الملفات المرتبة فوق بعضها البعض، فرحت ألتهمها بنظري بينما كان المحقق يتلذذ برشف محتويات فنجان القهوة بتأن، كان على ما أذكر وكثيراً ما كنت أعتز بقوة ذاكرتي يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجة المصادف للحادي عشر من كانون الأول و كتب بأعلى وسط صفحة المفكرة ذكرى إعلان حقوق الإنسان بينما كتب على الصفحة المقابلة باللون الأحمر 30 كغ علف للصيصان و 20000 لأم جميل و5000 لخليل ورسمت دائرة وسطها توقيع على شكل فراشة.
*
أنزل المحقق فنجان القهوة من يده فارغاً و دفع به لأحد الرجال الأربعة، فتناوله وخرج مسرعاً ولم يلبث ثوان حتى عاد إلى الوقوف بالوضعية التي كان يقف عليها. رفعت نظري باتجاه المحقق أنتظر بلا مبالاة، كانت عيناه تلمعان وأهدابهما طويلة، ثم مد يده وفتح علبة أنيقة لم ألاحظ وجودها على الطاولة و أخرج سيجاراً ضخماً ملأ ما بين سبابته و الوسطى وأشعلها ومج منها ببطء وهو يشعلها من ولاعة أنيقة ورمى بالولاعة كيفما اتفق و حدق بي ملياً، كأنه يتفحصني، بالمقابل كنت أنظر إليه وأتفحصه، فلم يظهر عليه غير ما يظهر على كل رجل عادي و إن كان يحمل سيجاراً، ثم انفرجت عن طرف فمه ابتسامة وقال:
- لقد تبين لنا أنك غير مذنب ويمكنك الخروج الآن إن أردت !!!
أخذت على حين غرة وقلت مندفعاً:
- وما كان جرمي الذي أنا بريء منه؟!!
- لم يكن جرماً !!
- هل كان جنحةً؟!!
- لا لم يكن جنحةً !!
- ماذا إذاً؟ !!
ومبتسماً ثم ضاحكاً ثم مقهقهاُ وشاركه الرجال الأربعة ذوو البدلات الرمادية القهقهة:
- لا شيء !!!
فرحت على عجل أقهقه مثلهم و بقيت أقهقه وهم يرفعوني عالياً و يخلعون عني لباسي الأزرق الداكن ويرموه كالمزقة ويقتادونني عارياً من باب إلى باب حتى وصلنا إلى غرفة بها كرسي جلدي وضعت عليه ملابسي فأمروني أن ألبسها، فلبستها، ثم تقدم نحوي أحدهم – شرطي – ووضع الكيس الأسود نفسه فوق رأسي واقتادوني ودفعني بلطف إلى العربة وانطلقت بنا
*
أحس بوجود عدة رجال ولم أكلف نفسي رسم خريطةً لخط سيرنا ولم أبال بطول المسافة وعدم التوقف لقضاء حاجة، أو تزود بالوقود، لكنني كنت استغرق في الهدوء ووجهي ملتصق بالكيس الأسود وأفكر بسرير الإسمنت والبطانية الثكلى والنافذتين العلوية والسفلية وبالزنزانة التي نسفت وجودها وحولتها إلى غرفة بعد مغادرتي لها.
وقفوا أمام شاحنتي، وأنزلوني وخلعوا الكيس الأسود عن رأسي، فهو عهدة، وتركوني وحيداً، ترى كم مضى عليَّ من الزمن وأنا عندهم؟! كنت أردد هذا السؤال بصوت منخفض ومتلاحق بعفوية ودون تمهيد، كأنني بحضرة أستاذ مدرسة يختبرني، وجال نظري نحو الشاحنة أتفقدها، كان القمح قد نبت من خلال الأكياس واخْضَرَّ، فعدت أسأل نفسي:
- ترى كم مضى عليَّ من الزمن؟!
فتحت باب الشاحنة، فهالني منظر وجهي حين نظرت في المرآة، كان وجهي أصفرَ شاحباً ولحيتي كدغل بغير مدخل، والغريب أنني لم انتبه طيلة فترة سجني إلى هذا الكم الهائل من الشعر يغطي وجهي، كأنني لم أتحسسه قبل اليوم، فعدت أردد وبشكل متقطع:
- ترى كيف حدث هذا بهذه البساطة؟!
- ترى كيف حدث هذا بهذه البساطة؟!.
*
العالم الخارجي يقدم نفسه برحابة عارياً غاضباً ينثر ظلالاً غريبة ترسمها غيوم فصل الشتاء فوق الطريق كأنها صور لأشباح تمسك بهروات هلامية الملمس يحركها الهواء، ثم انداحت أمامي لوحات لحكايات ميتة على صوت نزول المطر فوق زجاج الشاحنة، فتحولت إلى خيالات تسرق النظر وتبهره.
مددت يدي نحو علب السجائر المرمية أمام المقود وفتحت إحداها ووضعت سيجارة بين شفتي، فخلال فترة سجني لم أدخن سيجارة ورحت أبحث عن عود ثقاب يختبئ في جيوبي وأشعلته، فتوهجت ناره أمام عيني أشعلت سيجارتي وأخذت أمج بعمق، فاعترى مخيلتي ضباب مترنح نفذ إلى كياني ودغدغ ذاكرتي بتلك الرقعة الإسمنتية التي تسكن أعلى الدرج في بيتي حيث يروق لي الجلوس مع كأسي لأدخل في امتداد للأفق المفتوح للفرح يسري في عروقي، فيجلي الأحاسيس ويصقلها، ثم يدمرها، لكنها تطيح بكل الكوابيس الجاثمة فوق الصدر مع إنها تبقي على صور الذين نحبهم.
رائحة (كحيل) تدخل في خياشيمي توقظ الحواس، أتأمل اللوحة التي تركتها الزنزانة على وجهي، ثمة بريق يصدر من عيني بريق أمل في أن أجد عائلتي تنتظرني.
أتأمل القرية النائمة الهادئة وتطرق أذني صياح الديكة، بينما اقتسم طرفي الطريق بيوتها كبقع سوداء متناثرة ولم تزل جدرانها المتشكلة من الصخور البازلتية الزرقاء الصلبة تغطيها طبقة من الطين الكثيف وبفعل المطر تشربت بالماء، فانبعثت منها رائحة ذكية.
أدرت مفتاح البيت والكل نيام ودخلت وتسلق نظري الدرج المؤدي إلى رقعة الإسمنت التي شكلت شرفة منزلي، فصعدت على مهل واتجهت نحو مكاني حيث أجلس وكأسي، ووقفت أنظرُ إلى الضوء الأخضر المنبعث من أعلى مئذنتها، كان الهدوء يخيم على المكان والجو ماطراً والبرد قاسياً، و يخيل لي أنني غداً سأشاهدُ للمرةِ الثالثةِ الثلجَ يسقطُ فوقَ قريتي كحيل.
تمت
علي أحمد العبد الله
سوريا – درعا- كحيل / 2009
صدر للمؤلف:
قاعة العرش الباردة ــ مجموعة قصصية ــ دار الطليعة الجديدة ــ 2008
نزف الذاكرة ــ رواية ــ دار الطليعة الجديدة ــ 2009
=============
أيها الأعزاء
قمت بنشر الرواية ( رجل منسي) بإذن المؤلف
للتواصل مع الأستاذ علي العبدالله على البريد الإلكتروني
(ali-abed@ mail.sy )
__________________
علي أحمد العبدالله
رجل منسي ــ رواية
الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى ــ 2010
التنفيذ
دار اسكندرون
دمشق ــ سورية
هاتف: 5139364
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صمم الغلاف: جمال سعيد
علي أحمد العبدالله
رجـل منسـي
روايـــــة
إلى كل الذين طواهم التراب في أعماقه
واعتدنا غيابهم
اهدي هذه الرواية.
علي
أغلقَ الشرطيُ بابَ الزنزانةِ، وَتركني بِمفردي، وَقد طمأنني بأنَّ المدةَ التي سَأقضيها فيها قصيرة جداً، فهيَ لن تتعدى النصف ساعة، كانت الزنزانةُ باردةً، متسخةً، ترشح من جدرانها رائحة رطوبة كريهة، و كتب عليها عبارات كثيرة بمتناول اليد، تحت النافذة الصغيرة رسم مربع، وفي وسطه دائرة مشوهة، ثمة سرير هناك, عفواً هناك آخر، فوقه بطانية، بدت – أي البطانية - متسخة أيضاً، وأعتقد أن رائحتها مقززة، والبلاط متآكلٌ على شكل مساحات داكنة، أو رمادية، رمادية داكنة، كأنها بنية، هي بنية، مصراع الباب ثقيل وسميك، يلتصق بالبلاط من الأسفل، ولا أثر لقفل من الداخل، في أعلاه نافذة صغيرة، كأنها حفرت فيه، ولها باب، بابان بباب، وقفت مندهشاً، هذه أول مرة أدخل فيها السجن، بالمناسبة عمري خمسون عاماً، ولا أحب الموت، لذلك وفي صلاتي الأخيرة، سألت الله أن أعيش مئة وعشرين عاماً، حتى ولو حصل معي ما يحصل لكلِ عجوز، أتدرون ما يحصلُ لكلِ عجوز؟!! يكثرُ كلامهُ، تطولُ خصيتاهُ، يكثرُ فساهُ، أعتذرُ عن قلةِ أدبي، لكنها حقيقة، لذلك أحب الحقائق كلها، وأعيش على إيماني بها، هاأنذا أحاول أن أتذكر أني اقترفت – ولو سهواً - مخالفة ما، قلبي ينبض بشدة، لا لا قلبي يخفق بشدة، دعوني أتكلم بصراحة، قلبي يضطرب بشدة، فلم أعد أميز بين النبض، والخفق، وهذه الغرفة – الزنزانة – أسميها غرفة، لأنني لست سجيناً، هكذا قال لي الشرطي، بالمناسبة كان شرطياً لبقاً، دمثاً، كان يحدثني بأدب جم، ويستمع إليَّ، وأنا أتحدث إليه، ونحن نسير باتجاه الغرفة، أقصد الزنزانة، بحثت في ذاكرتي عن مخالفة كنت قد ارتكبتها فلم أجد، لذلك قمت بتفتيشها عنوةً، فلم أجد شيئاً، فجزمت أن الأمر لن يطول عن نصف ساعة، فَرُحْتُ لطرد ملل الانتظار، أقيس أبعاد الغرفة، أقصد الزنزانة، فكانت ثلاثة خطوات طولاً ومثلها عرضاً، فهي متساوية الأضلاع، رباعية الشكل، نظرت نحو السقف المنخفض – لو قفزت رغم اعتدال طول قامتي للامسته - كانَ يتدلى منهُ سِلكٌ كهربائيٌ قصيرٌ جداً ينتهي بمصباحٍ غير مضاءٍ؛ ربما لأننا كنَّا في وقت الظهيرة.
*
بدأت ألاحظ أنني أتعرق، عرقاً سخياً، يهبط من عنقي حتى يصل إلى مقعدتي فبلل ملابسي الداخلية، وبدأت تظهر آثارهُ على القميص، فحررت أزراره لاستقبل بعضَ الهواءِ وَأنا أسيرُ نحوَ النافذةِ - نسيتُ أنْ أذكرَ لكم أنَّ ضلعَ النافذةِ العلوي ملتصقٌ بالسقفِ – بات الوقت متأخراً قليلاً، أعتقد أن إقامتي قد تجاوزت النصف ساعة بقليل، وما أزالُ انتصبُ وسطَ الغرفةِ - الزنزانة – إلى الآن، لم تزل غرفة، فأنا لست سجيناً، هكذا أخبرني الشرطي المؤدب الدمث.
نظرت إلى ساعتي، صحيح لقد تجاوزت النصف ساعة بقليل، ربما أكثر من القليل، ربما ساعة, أعتقد أنه وقت الغداء، أو وقت تبديل المناوبة، لأن الشرطة تعمل بنظام المناوبة.
*
التعب كبير، لكنني مازلت أنتظر، قررت الجلوس، إنني أميل بقوة فوق السرير الأول، خلته أنظف قليلاً، استلقيت عليه، شيء عجيب، كان مريحاً، بدونِ مبالغة، كم هو مريح.!! أشبك يدي تحت رأسي، وأنظر لسقف الغرفة – الزنزانة – التصقت ملابسي الداخلية بجسدي من آثار التعرق، وبحركة سريعة قمت وسحبت السرير قبالة النافذة الصغيرة التي يلتصق ضلعها العلوي بالسقف، ومن بعيد سمعت صوت جلبة ضخمة قادمة نحو الغرفة نحوي، فحمدت الله لقد انتهوا من الغداء، أومن تبديل المناوبة، لست غاضباً منهم، فهم مشغولون، وتأخير ساعة لا يهم، وجاء الفرج، ومراكب الصور الملونة ستهب، لقد جُعلت في هذه الليلة سيد الفرح.
شعرت أنني أطول، لأن رأسي كاد أن يصل السقف، عفواً لم ألاحظ أني كنت واقفاً فوق السرير وا أسفاه!! اعتقدت أنني طولت مع أني قد توقفت عن النمو منذ أكثر من ثلاثين عاماً، فقفزت عن السرير ومشيت نحو الباب، قطعت أربع خطوات، فتقدم الباب بعد أن فُتح أربعة رجال يرتدون بدلات رمادية داكنة وربطات عنق أنيقة، هناك شيء واحد لم أذكره- رغم محاولاتي العديدة - أن أتبين ملامح الفرح الذي دخلوا به عليَّ.
*
من الفجر حين ولدتني أمي في غرفة ما، في قرية ما، على ضفة وادٍ ما، تحت سماء ما، لذلك عشت أحب الحرية كالعصافير حين تفرد أجنحتها للريح، هذا ما كنت أفكر به فقط حين اندفع نحوي الرجال الأربعة وكبلوا معصمي نحو الخلف ووضعوا كيساً فوق رأسي وتحركوا، أقصد تحركنا لأنني كنت معهم جعلتني تلك اللحظة شبه خائف، لا... لا كنت خائفاً إن أردتم الصدق أكثر، كانت أوصالي ترتعد خوفاً، أحاول أن أمد رأسي من الكيس لأنني في الظلام، و أنا مثل الناس أكره الظلام أحاول أن أركز مع اندفاع عجلات العربة التي تقلني عفواً تقلنا لأنني كنت أحس بوجود الرجال الأربعة معي.
*
لخبرتي كسائق، ولمعرفتي بنقطة انطلاقنا رحت أتابع معصوب العينين يقظ الحواس تُجاه العربة التي انطلقت بنا يميناً، ثم يساراً، ثم يساراً، وأرسم خريطة لخط سيرنا، فأعرف جهتنا المقصودة دون أن أسأل أحداً منهم – خوفاً لم أستطع أن أسأل عن الجهة التي نقصدها – وبصدق كنت أشعر ولا زلت أن عظمتي تنهار أمام الصمت الذي خيم على الرجال الأربعة، فلم يتحدث أي منهم بحرف طيلة المسافة التي أذهلني طولها دون توقف للتزود بالوقود ولا استراحة يقضي فيها أحدنا – أتحدث كأنني واحد منهم – حاجته وفشلت حواسي بمعرفة خريطة الطريق الذي نسير عليه وبقيت في ظلام الكيس الأسود.
*
أنا جالس بينهم، في العربة، أتصبب عرقاً، مضطرب التنفس، للحظة راودني شعور ورغبة عارمة بالبكاء مثل الأطفال، أرفع تركيزي لأعلى طاقاته، خطر لي أن أقرأ بعض الآيات و الأدعية علها تخرجني من هذا الظلام – ظلام الكيس – كان الجو داخل الكيس مظلماً، قائظاً، حاراً، مدراً للعرق بشكل مرعب، آنذاك تمنيت أن أتلقى ريحاً باردة منعشة تصفع وجهي بلطف، تتبعت تحديقي بالظلام متشبثاً بصور غامضة وتساءلت عن نذير الشؤم الذي قادني إليهم هذا الصباح، أبتسم وأتذكر بمرارة، قبل سنوات عديدة قاربت الأربعين حرب الأيام الستة، يا لبؤس هذا الرقم، بت أكرهه، أتذكر وأنا أقلب صفحات ذاكرتي وأبحث عن وجه الطفل الخائف الذي غادر البيت ليلعب مع أقرانه فوق تل الجبانة الصغيرة، حيث الفضاء الرحب مفتوح للعب والجري حفاة شبه عراة، حين عصفت طائرة إسرائيلية بهدوء المقبرة وهي تمر فوقها، وبثوان قليلة كان الغبار يملأ محيط القرية، فركضت راجعاً نحو بيتنا، خائفاً مذعوراً، فأنا لم أر طائرةً منذ خلقت، كانت سوداء ولها امتدادات لا أفهمها مرورها فوقك كطفل يعني اندفاعك للهرب من شيء تجهله، شيء مخيف، وصلت إلى باب المنزل الكبير، تلقتني أمي ورفعتني عالياً وضمتني إلى صدرها، سمعت جدتي تقول لأبي:
- يا بني أصعد أنت وابنك إلى الجبل !! و أردفت
- يا بني هؤلاء الخنازير دمروا المنازل فوق رؤوس أصحابها !
خيم صمت مفاجئ لقد غادرت الطائرة الإسرائيلية سماء القرية وأصبح المكان يتسع للجميع برحابته المعهودة، وقال أبي - عرفت وقتها أنه يتحدث إليَّ- بينما هو ينظر إلى جدتي:
- نحن نعيش هنا بعز ونعيم أفلح أرضي، أرعى ماشيتي، لن أخرج من بيتي ولو دمروه فوق رأسي!!
انسحبت من حضن أمي وتوجهت نحو أبي هناك مساحة أوسع للطمأنينة، فقادني من يدي وتمدد بطوله الفارع في الظل وأنا أمامه أقارن يده الكبيرة مع يدي الصغيرة وأنتظر أمي تجهز قدر البرغل الناشف فوق الموقد، آه ما الذي يقحم صدري بهذه الذكريات؟
و أين أنت الآن يا أبي؟!!
*
مرت ساعة – هكذا خلتها- طويلة، مرعبة، هذا الظلام ليل شامل يحاصرني من جميع الجهات، لقد بذلت جهداً مضاعفاً لأتبين صوت أغنية صدرت من الغرفة الأمامية للسائق، شعرت أن هناك حاجزاً يفصلني وإياهم عن مقصورة السائق، فكان الصوت منخفضاً، لذلك لم أميزها، لكن الصوت كان صوتاً أنثوياً يستريح المرء إذا ما سمع صوت أنثى هكذا إحساس يشترك به كل الرجال ولكل قاعدة شواذ ولست من هؤلاء الشواذ، لكن الجو كان ثقيلاً واهتزازات العربة وانعطافاتها الكثيرة تزيدها ثقلاً.
شممت رائحة تبغ أحدهم يدخن سيجارة، آه لم أدخن من ساعات، لكن تبعها نسمة باردة دخلت من تحت عنقي إلى داخل الكيس الأسود، لا بد أن أحدهم فتح زجاج نافذة السيارة – يبدو أن الله قد استجاب لدعوتي- لا إراديا ملت برأسي نحو مصدر الهواء نحو النافذة، يزداد تدفق الهواء عرقي يجف شيئاً فشيئاً، آه لو دخن التبغ طوال الطريق.
*
لعلني توهمت شيئاً في ظلام الكيس، أني أرى، لكن ليس بوضوح كاف، فعيني لم تعتد اختراق اللون الأسود، أرى جداراً قائماً وطفلاً يتسلقه بخفة ومهارة، لعله أنا، لعله غيري، لكني أحسبه أنا أتطاول لأصل إلى السطح، سطح منزلنا الطيني، من هناك يمكنني أن أراها، لكنها بالطبع لم تكن تراني، كنت وحدي أرى ذاك الجسد الأنثوي المتكامل حديثاًُ دون أن أفهم دافعي لذلك، رأيتها وهي تكبر وتكبر حتى تكور لها دل الأنثى ونضجت رمانتاها، لست أعرف اسمها وربما عفتني من أن أعرفه، لأنني بعد أسبوع كنت أركض مع البقية لمشاهدتها وهي ميتة، تجرعت السم, كأني أذكر أنها أتُّهِمَتْ بسرقة دكان في حارتها، لكنها أنكرت وأقسمت بالله أنها لم تسرق شيئاً، كانت تحب ابن عمها وتحلم بالزواج منه، ولم تفلح؛ لأننا مشينا في جنازتها أطفالاً منذ أربعين عاماً، ياااه لا بد أنها الآن رماداً.!!!!!
*
كيف يمكن للطفل أن ينسى ما رآه، ألا يتذكر عنوة لحظات الفرح الغامر، يخيل لي أن ظلام الكيس الأسود يفتح أمامي مسرحاً موغلاً في الحنين، ونحن ثلة من الأطفال نتسابق للوصول إلى تينة أبي شوقي وهي تينة عملاقة زرعت جانب بركة ماء عذبة، كان الأطفال يجتمعون عليها كما عصافير الدوري، ومن تفقد من النسوة ابنها فلن تبحث عنه إلا على أغصانها، لكن ما كان يميزها جارها الطاعن في السن، فقد كنَّا نتحين الفرص لرؤيته نائماً بطوله الفارع وقدميه الكبيرتين، وقيل أنه نبت له أسنان لبنية مرة ثانية بعد تجاوزه المئة وإن حصل واستيقظ والأطفال مجتمعون على باب غرفته صاح بهم قائلاً بصوت جَهوريّ أجش:
- اطلع برا يا ولد !!! فيتناثر الأطفال عبر الجهات.
أي صدفة أغنى من هذه الصدفة لتتصدق عليَّ ذاكرتي وتحملني من عناء الطريق الطويل وأنا جاثم في هذه العربة وسط صحراء مقفرة، منكمشاً على نفسي، أضيع وقتي في امتداد الشارع إلى المجهول وليس يمكنني أن أوقف دوران عجلة العربة، إن الإنسان الضعيف يعيش في داخلي بوجهه المبتذل بأقصى عنفوان الابتذال، لذلك أنا أمشي نحوه، خطوة وراء خطوة، ككائن محطم بالهدوء يراقب الساعات تمضي لأستيقظ فجأة وأرى نفسي أقف أمام المحقق.
*
كانت الغرفة – غرفة التحقيق – تبدو باهتة ضوؤها ضئيل يشبه ضوء القنبور – قنديل بدائي- وأثاثها عكس ذلك، فهو من الجلد البني الفاخر، كلون جلود الجمال الهرمة، كنت أتأمل هذه الخطوط المتداخلة من ضوء غرف مجاورة تقتحم غرفتنا – غرفة التحقيق – فينعكس على بلاطها الذي كان جديداً، والغريب أن الجميع بما فيهم المحقق – عرفت هذا بذكاء خارق، فقد كان يجلس على الكرسي والجميع واقفون – بقوا صامتين لنصف ساعة، أظن أن المحقق كان يتظاهر بالانشغال، ثم نظر إلي من تحت نظارة ليست سميكة، وقال:
- أهذا هو؟!!
فأجاب أحدهم:
- نعم سيدي !! فقال:
- خذوه !! فأخذوني.
أُعيد الكيس فوق رأسي، ومشوا بي أتهادى بين اثنين ولثقتي بعدم وجود تهمة ما كنت غير مبال ورحت أضحك سراً لأنني تذكرت أغنية لدمى متحركة في برنامج تلفزيوني للأطفال وهي تغني وتسير بين وحشين قائلةً:
- أنا بين اثنين !!
ولعل أحدهم شعر بأنني أضحك فلكزني بعنف، فألجمت حتى وصلوا بي إلى ردهة باردة، رطبة، فوقفوا ونزعوا الكيس الأسود عن رأسي ونهرني أحدهم قائلاً:
- اخلع ملابسك !!
ترددت قليلاً، وهذا رد فعل طبيعي، فاندفع أحدهم ورفعني بكلتا يديه، وباشر آخر تحرير أزرار قميصي المتبقية ونزعه عني نزعاً ومزق اللباس الداخلي ورماه كالمزقة، و فك نطاق بنطالي – ما زلت مرفوعاً – وسحبه ورماه وسأكون صادقاً كما وعدتكم لقد سحب معه سراويلي الداخلي، فأصبحت عارياً تماماً!!
*
منذ مولدي، منذ سنين طويلة، كنت أحتفظ بذاكرتي يوم ختان أبناء عمي، ولنصيحة من شخص لا أذكره ولا أذكر شكل وجهه ولا السبب الذي جعله يشير على عمي بإجراء الختان لي مع أولاده، فأمسك بي من قبة قميصي بيده اليسرى ووضع يده على بنطالي من الجهة الأمامية وسحب البنطال – يومها لم نكن نلبس السراويل الداخلية - ورماه بعيداً وهرول باتجاه أبي أيوب – المختص بالختان – وصاح بالنسوة اللواتي كن ينظرن إلي:
- هيا زغردن يا نساء !!
وانطلقت الزغاريد، جميع النساء يزغردن لأن قسماً من ذكورتي سوف يقطع بمشرط أبي أيوب
أنزلني أبي أو غيره حينئذٍ لا أذكر تماماً، فالرعب أطار بعقلي، وأسرعت مهرولاً ومبتعداً عن المكان وخسرت طبق الحلوى وبقيت دون ختان، وفي المساء قالت أمي لأبي:
- لماذا لم تترك أخاك يختن ابنك مع أبنائه؟!! فعرفت أن أبي هو من أنزلني من يدي عمي، فأجابها:
- أريد أن أفرح به لوحده
و احتفظت بهذه الجلدة بعدها خمس سنين أخريات ! ولأسبوع كامل كنت أضحك للطريقة التي كان يمشيها أبناء عمي.
*
أخذتني رعدة طويلة سرعان ما تحولت إلى هلع هبط عليّ وأنا أضع يدي فوق عورتي خجلاً، ثم تقدم أحدهم ودفع بي إلى غرفة مظلمة وأغلق الباب وسمعت صوت قفل يدور وصوت خطىً تسير فأدركت أنني بقيت وحدي في الغرفة عارياً، فباشرت على عجل عصر بؤبؤ عيني كي أتبين شيئاً من حولي، لكن الظلام كان يطبق على المكان بصرامة مرعبة، فرحت أتحسس بيدي جدران الزنزانة من الآن سأسميها زنزانة، فراعني أن جدرانها متقاربة بشكل كبير حتى إنني أستطيع أن ألمس جدارين وأنا أقف في منتصفها، للحظة اعتقدت أنها دورة مياه أبعادها كأبعاد دورة المياه سقفها المنخفض كسقف دورة المياه، لكنها خالية من كل شيء.
*
الليل شامل من حولي، جدران متقاربة من حولي، أخذت أتحسسها من جديد لكن بحرفية، فقد تحسستها شبراً بعد شبر، لم يكن على جدرانها شيء يلمس، ما خلا فتحة دائرية بحجم فم الإنسان الفاغر فاه، لكن هناك هواء بارد يدخل منها، أضع عيني أمامها أجاهد للنظر من خلالها لاشيء يمكن أن يرى غير الظلام.
انكفأت على نفسي، و أجهشت بالبكاء، فلقد بعث الظلام فيَّ شعوراً بالوحدة بشكل فعلي لم أعهده من ذي قبل بدأ يدخل إلى حياتي، فبدأت بمداهمة ذاكرتي، وتفتيشها بعنف وبقسوة عما يمكن أن يكون مخالفة صريحة للقانون الإلهي أو الوضعي.
*
هأنذا وبعد سنوات من نجاتي من مشرط أبي أيوب أعود وقد أمسك بي والدي رحمه الله من قبة قميصي بيده اليسرى، ورفعني - مثل عمي – وسحب بيده اليمنى بنطالي، ورماه كمزقة - وإلى ذلك الوقت لم نكن تلبس سراويل داخلية بعد - واحتضنني وجلس القرفصاء على وسائد جعلت كالكرسي، و أدار وجهي إلى الأمام، فإذ أنا بمواجهة أبي أيوب ومشرطه، ليس ثمة شيء يعدل أن تمسك بمشرط أمام طفل خائف، نعم كنت خائفاً، وبنظرة ماكرة أراد أبو أيوب أن يحول نظري عن مشرطه، فاختلق كذبة ليوهمني بوجود حمامة في سقف الغرفة، لكنني لم أحول نظري عن مشرطه، وهو يقطع تلك الجلدة ليندفع الدم حتى بلل مريوله الأبيض.
مساءً انقطع الدم – ربما كما يقال – تجمد في عروقي وعاد الهدوء إلى نفسي و أنا أرفل بثوبي الطويل المزين بريش النعام – عادة الفلاحين حين يختنون أطفالهم – وبدأ الهدوء يعود إلى نفسي وجلست إلى الفراش السميك الذي جهز خصيصاً لي وجيبي تثقلها القروش التي نثرها أبي فوقي وأنا أسير نحو أمي بينما أبي يستعد لإشعال الشمعدان ( المصباح الأبيض )، حَكَ عُوْدَ الثِّقابِ فَتَوَهَجَ الضوءُ سَرِيْعَاً َوَبَدَتْ عَيْنَا أبِيْ كَجَزِيْرَةٍ خَضْرَاء وَأثَاثُ الغُرْفَةِ كَصُخُوْرٍ بَاهِتَةٍ، كُنْتُ أتَأمَّلُ شُرُوْدَ أَبِي وَهُوَ مُمْسِكٌ بِعُوْدِ الثِّقَابِ الذي لَسَعَهُ، فأسْرَعَ وَنَفَخَ عَلَيْهِ فَانْطَفَأ التَّوَهُجُ وَعَاْدَ لِيَفْتَحَ عُلْبَةَ الكِبْرِيْتِ وَيُشْعِلَ آخَرَ، فَعَاْدَت الصُّخُورُ تُقَدِّمُ عَيْنَي أَبِيْ كَجَزِيْرَةٍ صَغِيْرَةٍ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ وَنَزَعَ الزُّجَاْجَةَ عَنِ الشَّمْعَدَانِ وَقَرَّبَ العُوْدَ المُشْتَعِلَ مِنَ الفَتِيْلِ المُبْتَلِّ، فَلَمَعَ الضوءُ في أَرْجَاْءِ الغُرْفَةِ الواسِعَةِ، لكنِّي الآنَ وَسَطَ الظَّلامِ يُرْجِعُنِيْ نَحْوَ اليأس وَالخَوْفِ.
*
يخيل لي أنني سمعت شيئاً لم أحدد طبيعته، لكن تبعه صوت حاد يحوم حول أذنيّ صوت مزعج، أعرفه جيداً في ليالي الصيف القائظ، وقد تأكدت منه حين باشر لسعي بحقد، فحاولت بحركات عشوائية وأنا في ظلمة كاملة قتلها حتى وصلت يدي إلى الفتحة الدائرية في الجدار، فهالني تلك الأعداد الهائلة من البعوض التي تتدفق منها لتسكن معي زنزانتي الشبيهة بدورة مياه لتشاطر قلبي مسكنه، ليس لتشاطره همه بل لتزيده.
كانت الزنزانة كخلية نحل، أقاوم لسعاتها دون فائدة، فرحت أصرخ، أبكي، استجدي، كما لو كنت مجنوناً، وأسمع لغطاً، أو ربما ضحكاً، وبدا هؤلاء اللاغطون كأنهم يتحدثون عن ظفر عسكري، ثم سمعت صوتاً، صوت رجل، صوت جاف، ربما تحسبه غليظاً، هو كذلك، لأن صراخه كان غريزياً، أتدرون كيف يكون الصراخ غريزياً؟!! أنا أخبركم!! عندما يتحول قلبك إلى قطعة لحم فقط، لا تعرف إلا أن تضخ الدم في العروق، وقد تابع هذا الصوت الصراخ تدفقه حتى بدأت أشم رائحة كريهة، ليست كريهة كريهةً، لكنها لا تطرق الأنف بمتعة، تلاها هدوء عجيب لحركة البعوض، وكنت أشعر بها وهي تهوي ميتة، فأدركت أن الرائحة التي تصدر من فوهة الزنزانة، لم تكن إلا مبيداً للبعوض!!
للحظة تلمست جسدي، كان حاراً، مؤلماً، وانتشرت الآثار التي تركها البعوض تظهر تحت أصابعي كحبيبات الفطر الصغيرة.
*
انتظرت طويلاً وأنا أقف أمام المحقق عارياً، كم هو مخجل أن تقف أمام الناس عارياً، وقد جعل مني هذا الخجل شبه أخرس، كأن صوتي قد انقطع، فسيطر الهدوء على الغرفة، ونظارة المحقق غير السميكة تقدم لي عينين خضراوين بدتا بنيتين، لكنهما جاحظتان وتحتهما هالات سود أو بنية، بدأ الخجل يتلاشى لأنني بدأت أقبل الواقع بما هو عليه لذلك بدأ توازني أفضل وشحذت إرادتي للرد على كل سؤال كما لو أنني أرتدي بذلة رمادية – مثل الجميع – وأيقظت كل حواسي متحفزاً.
*
شيء ما يجعلني لا أغضب مما فعلوه بي من تعريتي من ملابسي ودعوة البعوض لوجبة دسمة من دمي، فحين سأتكلم سأثبت لهم أنهم يمسكون بالرجل الخطأ نعم أنا الرجل الخطأ!! وعناصر التقرير غير مكتملة، غرفة التحقيق، المحقق، المتهم، الأوراق، ينقصها التهمة، إنني منتصب، ويدي غير متشنجة، رأسي لا يدور، ليس هناك صداع، تحررت من كل القلق الذي كان يساورني، لأنني عارٍ، ورحت أنظر إلى طاولة المحقق الذي ما زال يتظاهر بالانشغال، كانت الطاولة تعم فوقها الفوضى، وكانت قريبة مني جداً، أنظر إليها أتأمل الأوراق البيضاء المصقولة بعناية، المفكرة، صحن السجائر، علبة التبغ، كأس الماء، وفنجان القهوة الفارغ، عدت للنظر نحو كأس الماء، فشعرت بالعطش، هو ليس عطشاً، بل جفاف في الفم يحول شفتيك إلى أرض صحراوية قاحلة لا ماء فيها ولا رطوبة.
انتظرت طويلاً دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة، سيتحدث أحدهم هذه الليلة لا محالة، لن يبقوا صامتين إلى الأبد، إن الله خلق لنا الفم لنحكي ونأكل، كم أنا جائع هذه الليلة، فمنذ الظهيرة لم أذق لقمة واحدة، كم أشتهي دجاجة مشوية، وجاء الفرج، فارتفع رأس المحقق ونظر نحوي بعد أن أنزل النظارة غير السميكة عن أنفه، وقال:
- أهلاً وسهلاً نحن نبحث عنك منذ مدة وها أنت قد وفرت علينا المشقة والتعب.
كنت أتأمل أنفه الذي ارتسمت عليه نقطتان كالحتان من أثر النظارة، فبدا جميلاً وإن كان كبيراً وبانت عيناه على حقيقتهما فبدتا بنيتين لا خضراوين، فأحياناً تكتشف أن للنظرِ أخطاءً كما للسمعِ أخطاءٌ، فأدركت أنه يريد مني التكلم وقلت بدفعة من الإرادة المشحوذة:
- أهلاً بكم سيدي لكن لماذا تبحثون عني؟!!
ضحك المحقق وجلجلت ضحكته الغرفة وشاركه الرجال الأربعة الضحك ورأيت نفسي أشاركهم التبسم وأنا أنقل نظري بينهم، ثم ما لبثت أن رفعت صوتي بالضحك حتى كاد أن يطغى على أصواتهم، فسكت المحقق وسكتت الأفواه الأربعة الواحد تلو الآخر وراحت جميع العيون تنظر نحوي و أنا مستغرق بالضحك، فألجمت عن الضحك وراح الصمت يخيم على المكان من جديد، لكنه صمت يختلف عن الصمت الذي نعرفه، أو نعيشه، إذ يمكنك أن تصمت لتستمع إلى أغنية، أو دندنة، أو تستمع إلى حبيب يشكو، أما هنا فأنت تستمع لتترقب، لتترك لخيالك الحبل على الغارب لتتوقع ما يمكن لغريزتك أن تتصرف لتحافظ على بقائك.
وجاء الفرج الثاني، فرن الهاتف على الطاولة، فتناوله المحقق بسرعة وقال مرعوباً:
- نعم سيدي !!
وأغلقه وهرول خارج الغرفة بعد أن قال للرجال الأربعة خذوه الآن، وغداً سنراه!!
*
أُعدت إلى الغرفة المظلمة عارياً طوال الليل – هكذا حدسي – وبأمل كبير رحت أجعل من الانتظار عادتي، كي أصمد حتى الصباح، لكن الصبح بهذه الظلمة ليس بقريب، وكنت خائر القوى، منهكاً، وكان لدي من القوة ما أستطيع بها الجلوس، فجلست، واختلج عليَّ نوع من اليأس يدعوني للهروب من الظلمة، لكن عبثاً فجدران الغرفة المتقاربة تزيد من ضيق صدرك، فتشعر أنك تعيش في تابوت، مظلم، ولقد راعني أن أتخيل شكل القبر، فارتعدت وانكمشت وأسندت ظهري إلى الزاوية كأني أستريح، وعجبت رغم الظلام أنني مازلت أحافظ على وضع يدي على عورتي كأنني أخفيهما عن الظلام.
*
الظلام شيء مخيف، أذكر يوماً، آه مضى على ذلك زمن طويل، كنت أجلس مع غيري من الصغار – لا بد أنهم الآن أصبحوا كباراً مثلي- نستمع إلى مريم السعد تلك العجوز التي فقدت بصرها لسبب هي لا تعرفه، ولا أنا، ولا أهل القرية، ولا حتى الطبيب الذي كان يعالج مرضاً ألم ببصرها – بعض الناس يقول أن الطبيب هو السبب- لا دخل لي!! أذكر أنها كانت تروي ما حصل للفتاة وأخيها اللذين طردتهما زوجة أبيهم في ليلة شتاء باردة, فأووا إلى ظل جدار يقيهم من المطر، فخرج عليهم شيخ جليل من الجدار وأدخلهم فيه، فوجدوا قرية سعيدة عاشوا فيها حتى نهاية الحكاية، كما حدث معي حين عدت ببعض الحاجيات لأمي من الدكان وقد أظلم الليل وغاب القمر، فلم أعد أرى شيئاً في الظلام وأنا أمر جانب المقبرة وربما كنت أنتظر الشيخ الجليل ليخرج إليّ ويدخلني في الجدار إلى القرية السعيدة، لكنه لم يخرج من الجدار، بل خرج من القبر، كان طويلاً يرتدي لباساً أبيضَ وذو لحية بيضاء وعمامة خضراء، لكنها بدت في الليل سوداء، ففرحت لخروجه، وألقيت عليه السلام- كما كان أبطال قصص مريم السعد يلقونها حين يخرج عليهم الجن والغول- قائلاً:
- السلام عليك يا مخلوق الله، لكنه لم يرد عليّ كما كانوا يردون، بل ندت عن شفتيه ابتسامة، وظهرت أسنانه صفاً واحداً بيضاء لامعة ولمع نور عينيه، فلم تعد قدماي تحملانني، فوليت هارباً ومستنجداً بأبي الذي جلجلت ضحكته في أرجاء الغرفة، ولذت أنا في الفراش.
*
أنا أتواصل في هذه اللحظة مع نفسي، فأشعر ببعض المتعة، بات من الواضح أنني لست وحيداً مادمت قد حصلت على بعض المتعة والسعادة، وربما تملكني شعور غريب يخلط بين المتعة والذكرى، فكأن بينهما اتحاد غريب، وصار التمييز بينهما نافذة لليأس والكآبة، فخيل إلي أنني – بعنادي- أتابع الرؤى لتتدفق الذكرى والمتعة معاً لتقهر الظلام من حولي.!!
هذا لم يكن كل شيء، فلقد مضى في خاطري، و أنا لم أزل أتكئ على جدار زنزانتي، وأنظر إلى الظلام الذي أخفى عليَّ بابها، وجعلني أترقب أن يطل عليّ يوم جديد حتى أسلمني التعب للنوم، فنمت مرتاحاً رغم جوعي.
*
سكنتْ الزنزانة – زنزانتي – أمامي آنذاك في المدى المظلم، ثمة شخص ما قادم نحوي، من خلال ممر ضيق ينحدر من درج عالٍ درجاته حجرية, من البازلت، دخل البهو مجتازاً الممر، أحاول أن أتفحص الزائر، أتفحص خلسة قامته الممشوقة كالرمح، صدره البارز كتلة واحدة، وجهه الساكن كالندى، يمتد رأسه إلى الأمام قليلاً، امتداداً هادئاً وئيدًا، كأنك لا تراه من فرط الشفافية، تحركت شفتاه. لست أدري أكان يهمس أم كان يومئ، إنه هنا بعينيه الزرقاوين، ووجهه الأبيض، تتأرجح هالة نور حول جسده، كأنه يمشي في صندوق زجاج محطم، إنه هو إنه أبي، لن أحاول أن أشرح كيف جاء من العالم الآخر، الأحلام خارج المعقول، خارج السيطرة، لكن الصور المجتمعة في الذاكرة المحنطة تستجمعها على شكل حياة قائمة بكل تفاصيلها، هناك شمس وهواء وأرض وسماء وفقر وثراء هناك حياة وموت وصمت وصوت وكوخ وبيت في لحظة ما نظر إلي ونظرت إليه، ثم انفرج فمه عن ابتسامة، إنها لمتعة أن ترى ميتاً يبتسم ولو بحلم، ودام الأمر هنيهة ما لبثت أن انطفأت الابتسامة، وعاد الفم فم ميت وانكفأ نحو البهو، فالممر، فالدرج ذي الدرجات البازلتية الزرقاء، وغاب ظله في الظلام، لعلي توهمت أني رأيته، لأنني كنت أقف على اللحظة الفاصلة بين اليقظة والنوم، لكني رأيته على هذه الهيئة أكثر من مرة، حينما أكون بحاجة إليه، حينما أكون على وشك أن أقع تحت الظلم، ولهنيهة أشحت برأسي جانباً، فارتطم بالجدار وصحوت من النوم، إذاً رأيته حقيقةً، وسوء ظني كان من هيولى الحلم نفسه، ورغم يقظتي لم يزل يمن عليَّ ببعض الصور المبعثرة، فها هو يبذر قمحاً، أو يمسك معولاً، ثم يقذف بنفسه في البئر في يوم قائظ.
*
أذكر يوماً وقد اجتمع صغار القرية حول البرك والآبار، بالمناسبة قريتي تمتلك ثلاث برك عذبة وثلاث آبار للشرب – سابقاً – تملأ من الوادي القادمة مياهه من ذوبان الثلج في الربيع، ولست أعرف كنه تلك اللحظة – فأنا لا أعرف السباحة- إلا وأمسك بي من تحت إبطيَّ وجرى مسرعاً نحو البئر وقذفني فيه وتبعني يجلجل ضاحكاً وتركني أناضل ضد الماء في كل مكان فارغ الرأس، مرعوب الذهن، أصم الأذنين، خاوي العزيمة، أكافح حتى وصلت لدرج البئر، فتبعني وأمسك بي ثانية في أعلاه وقذفني ثانية وثالثة، لم يكن قد مضى وقت طويل حتى علمني السباحة، وبقيت هذه الذكريات مجرد صور تستمر بالعرض أمامي حين أريدها وكم أريدها.
*
لبثت ساعات لا أرى شيئاً – كما كنت – عادت كآبتي وخوفي، فتلك الصور والخيالات هي إشارات ميتة لا نفع فيها وإعادة إحيائها ضرب من الجنون، لكنه جنون مفرح مسل لا يتركك وحيداً ويفرج عنك شدة الضيق.
*
غرقت بعد طول تفكير بنوم عميق نصف حالم ونصف يائس يزحف البرد نحوي، كانت الغرفة - عفواً أقصد الزنزانة – غابة دون شمس، دغل دون طريق، وخيل لي أنني أعيش في عصر حجري عارياً أقاوم الوحوش ذوات القرون الثلاثة نهاراً وأختبئ في جحر ثعلب آخر الليل أنتظر الصباح.
*
من جديد فُتِحَ باب الزنزانة، أيقظتُ حواسي، وساروا بي إلى الزاوية التي خلعوا فيها عني ملابسي، فارتديت بنطالي كما أمرت، ووقفت أمام المحقق دون أن أنظر إليه، وقد تعودت الانتظار واقفاً وتفكرت في الزنزانة، فنمت عن طرف شفتي ابتسامة ساخرة من الزنزانة الخاوية الفارغة من أي شخص، وقد تحولت إلى غرفة بعد خروجي منها، للحظةٍ هبطَ الرعبُ على وجهي وأنا – دون قصد – أُنَقِلُ نظري على الطاولة المرتبة المفكرة، صحن السجائر، وفنجان القهوة الفارغ، والأوراق البيضاء المصقولة جيداً، فرفعت نظري نحو الجالس على الكرسي، فإذ المحقق قد تغير، كان له وجه جميل، حليق الذقن والشارب، لامع العينين أسودها، أنيقاً مترفاً، كأنه ابن طبقة مخملية، فنظر إلي وجانب وجهه يكتسي حمرة فاتنة كمن تناول قدحاً من نبيذ أحمر في ليلة باردة، وانسابت ابتسامة متجهمة على شفتيه لكنها مطمئنة، بينما حافظ الرجال الأربعة أنفسهم على وجومهم صامتين وقال لي:
-أهلاً.... كيف الحال؟!! و ببساطة قلت له:
- الحمد لله !! قطب حاجبيه وقال:
- ماذا جئت تفعل هنا؟!! ببساطة أكثر:
- جئت كسائق لشاحنة تحمل القمح إلى المطحنة !!
- ثم ماذا؟!! قلت:
- بعد طحن القمح يُذْهَبُ بالطحين إلى الفرن فَيُعْجَنُ و يُخْبَزُ ليؤكل !!
كان يصغي إليَّ تطوف على وجهه الابتسامة نفسها، فظهر جماله بشكل أفضل من ذي قبل وظهرت عيناه جميلتين وديعتين، لكنني شعرت رغم أنه كان يصغي إليَّ بعمق، أن الرجل لا يصدقني!! وظهرت علامات السأم على وجهه، رغم الصبر والأناة التي كانت تميز ملامحه الدقيقة، فبعث ببعض الخيبة إليَّ وتحولت إلى نوع من رتابة مملة، فراغ مدوي، ما لبث إلا أن احمرت عيناه، فظهرتا أجمل بأشواط كثيرة، وقال:
- أنت أتعس رجل في العالم لهذا اليوم !!
أُخذت على حين غرة وتمزقت العزيمة التي كنت أشحن نفسي بها لليوم الثاني وبدت الحقيقة شبه واضحة أمامي و رأيت أن هذه الكائنات تحوم حولي مستنفرة ولم تغادر عيناي تلك اللحظة وجه الرجل وصمتي الطويل يرهق عضلاتي، فتقهقرت إلى الوراء حتى التصقت بجدار المكتب بينما تابع الرجال الأربعة تقدمهم وراء المحقق وهو يسير نحوي.
أي أسىً جرى معي في غرفة التعذيب، فقد أحزنني أن أعلم أخيراً أن الإنسان يمارس التخريب ضد الإنسان أكثر مما يمارسه ضد الطبيعة والحيوان، فقد كان كل شيء صاعقاً ومؤلماً لا ينفع معه الرجاء ولا الاستجداء ولا القسم، فرمي بي في غرفتي التي استعادت اسم الزنزانة وقد وشموا جسدي بحروق على شكل خريطة لا يمحوها، إلا الموت.!!
*
العينان مفتوحتان على مصراعيهما كالباب، والظلام يخيم على الزنزانة زاخراً بالوحشة أحاول بالذكرى أن لا أكون وحيداً، مادمت لا أملك تصوراً للمستقبل رغم تتالي توالد الأيام، وأنا ما زلت أقبع في زنزانتي، فتغدو تلك الأماكن التي كان ظلك يغادرها نوعٌ من المساحات المنداحة الموغلة في الحزن، الموغلة في الحنين، الموغلة في المتعة.
*
آه ما أحلى أن تتحدث عن نفسك، ثمة من يحب أن يتابعك في هذا المجال، أجل أنا محق، ماذا أنت فاعلٌ لو رأيت طفلاً يركض خلف فراشة؟ بدون شك وبدون تطرف في الإجابة كنت ستبتسم هذا أولاً، ثم تتابعه بنظرك هذا ثانياً، وربما فعلت شيئاً ثالثاً ورابعاً، من يدري؟!!
نعم لقد ركضت خلف الفراشات حتى تعبت، وركضت خلف قطيع الماشية في المرعى، وتعلمت ركوب الخيل وقبلها ركوب الحمير، كيف لا يكون هذا تدرجاً في المتعة؟ وقد يكون تدرجاً في الألم، إذا ما وقعت عن ظهر حصان واجتمع الناس من حولك، وأنت فاقد للوعي لتصحوَ على جمهرة نساء القرية يصرخن:
- لقد قطع قلب الصغير! لقد قطع قلب الصغير!
يسحبونك إلى كوخ الحاجة عذاب - نعم اسمها عذاب - ويمددونك أمامها، وبيدها المسمار الُمحمى حتى الاحمرار لترسم فوق بطنك الصغير مساحات للألم، ومساحات للزمن، وترسم أنت في فضاء الكوخ صرخات طفل لا بد يوماً ستكبر وسترويها لأبنائك.
لقد أقضت هذه الصرخة مرقدي لأكثر من أسبوع، عدت بعدها لأشارك الإنسانية – في الطفولة – إنسانيتها وكثيراً ما تساءلت كيف تم الأمر بهذه البساطة؟ كيف تم الأمر بهذه البساطة؟!!
*
عجت زنزانتي الكئيبة بالفرح، وأضاءت شموع الصور المتلاحقة ظلمتها، فبعد أسبوع واحد فقط كان أبي رحمه الله يقيس طول قدمي بخيط ليشتري لي حذاءً للمدرسة، وتلك عادة الفلاحين قبل أن يطرق التعليم أبواب قراهم، ومثل غيري من الأطفال نمت ليلتها، وأنا ارتدي حذائي الجديد، آنذاك أبكرت أمي إلى البركة الشرقية، وملأت قدر الماء النائم فوق الموقد، فأيقظته وأجلستني وغسلتني من درن اليوم السابق وذهبت إلى المدرسة، لكن هل تصدقون؟ ما إن وطأت قدمي أرض المدرسة، ورأيت المعلمة القادمة من المدينة حتى خلعت حذائي الجديد، ورميت به، ووليت الأدبار راجعاً للبيت.
*
مرة ثالثة داهمت ذاكرتي أفتش فيها عما يمكن أن يبرر فعلتهم معي – رغم أنني لست غاضباً منهم – وقطعت عليها استرسالها ومنولوجها الحزين أو المفرح - إن أردتم - على الرغم من أننا كنا مشتركين في الاسترسال، لكن كنت أشعر أني المراقب لها وليس العكس – في هذا الموقف – أما عادة، فنحن نستمع لبعضنا البعض كحبيبين، ونتبادل الحديث كرفيقين، منتعشة بعض الشيء إن فرحت، وحزينة جداً إن حزنت، لذلك كلانا يسير على الطريق نفسه، وننحى المنحى نفسه، وا أسفاه يا ذاكرتي .... وا أسفاه إنه لقرح هائل أن ننفصل للحظة عن بعضنا رغم انفصال الكائنات المتحابة، لكن هذا لاشيء إذا ما قورن بالموت، فأنا لا أعرف كيف ستكون حالنا بعد الموت، أنموت سوياً؟ لا أعتقد !! فالكل يعرف بما فيهم أنت أن الذاكرة تبقى على قيد الحياة إذا مات صاحبها يا لبؤسي وأنا في ثياب الكفن وأنت تنظرين إلي مع المشيعين وهم يضعون البلاطة الأخيرة على قبري ويغادرون وأنت معهم !!
أنني أحبك يا ذاكرتي فأحبيني، وأظهري ما تخفين علَّهم يخففون عني رغم معرفتي الأكيدة بأنك لا تخفين شيء.
لكن مهما أحببتك وأحببتني، فلن يتغير شيء، فالظلام في كل مكان، قذارة الزنازين هي الظلام، ويخيل لي أن هذا غير مجدٍ أن أتحدث معك عنك، فدعينا ننام الآن.
*
اضطربت لسماع قفل الباب يدور، يئن، يفرج عن الشمس، شمسي تختلف عن شمسكم، هذا الباب بالنسبة لي هو أقوى الحقائق واقعية، كما أنه يعطيك نصراً خفياً حين تدرك أن هناك أناساً يفكرون فيك، ويلفحك الشفق وهو يجتاح الغرفة – كلّما خرجت منها تتحول إلى غرفة – غرفة حقيرة وصغيرة ولو أنها في فناء منزلي لجعلتها دورة مياه !!
المحقق نفسه ينتظر مني الحديث بعد أن قال لي :
- نعرف عنك كل شيء فاعترف ماذا جئت تفعل هنا؟ أعدت عليه ما قلت سابقاً وعرفت أنه لن يصدقني عندئذ قال لأحد الرجال الأربعة:
- زنزانة رقم ستة !!
تأملت الرجل المحقق في غسق الغرفة، وقلت له:
- سيدي هل لك أن تعرفني ما هي تهمتي؟
فقال متفكراً:
- أنت من ستقول لنا ذلك ليس نحن !!
لذلك رأيته عارياً أكثر مني، و يداه مبسوطتان فوق الطاولة المرتبة ورأسه مطرق كقاعدة تمثال وفي عينيه حنق شديد، لكنه سينسى كل شيء حين يعود لبيته، فيجد زوجته بانتظاره وقد حضرت له مائدة الطعام وقد يثرثر قليلاً عما عاناه، لكن سرعان ما يعود له الصفاء.
*
أسير بين اثنين، كالدمية بين وحشين، وتجاوزنا الممر الضيق المؤدي إلى زنزانتي، أنظر إليها من خلال الممر، تبتعد عني بقبحها، ببؤسها، لم يبق منها إلا غرفة بائسة حقيرة، شكل مجرد، جدران لا قيمة لها، آه كم أشعر بالزهو، هي لاشيء بدوني !!
*
وصلنا آخر الممر وانعطفا بي يميناً نحو غرفة عرفتها مباشرة، بعد أن أجلسوني على كرسي ومشت فوق رأسي ماكينة الحلاقة تحصد شعر رأسي وتوزعه على أرض الغرفة، ثم انعطفا بي إلى غرفة كبيرة يقبع بداخلها رجلٌ – هو شرطي – يرتدي لباساً رياضياً استقبلني وهو يرمي بقطعتين من اللباس أحداهما سراويل والأخر قميص، كان اللباس نظيفاً مكوياً ذو رائحة نافذة بقوة و فكرت كثيراً حتى تبينت نوعها، رغم أني كنت أشمها عند بائعي البالة في شوارع المدينة.
*
هأنذا في ثوب السجن الأزرق الداكن، لكن أحس ببرودة في رأسي ربما لأنني خسرت شعري، لا يهم سيطول يوماً، سارا بي نحو المدخل الرئيس - هكذا اعتقدت – وكان اعتقادي بمكانه، فلقد كان المدخل كبيراً يتسع لدخول سيارات كبيرة، ربما شاحنات مثل التي تركتها على الحدود محملة بالقمح الذي سيطحن، ويعجن، ويخبز، ويؤكل، وولجنا الباب الرئيس، ثم انعطفا يساراً لباب آخر يفضي إلى غرفة باهتة، حيث استكملت الأوراق الثبوتية من صور و بصمات وغيرها وأخذت رقماً لن أبوح به لأحد لو قطع رأسي هكذا للحظة، لم يكذب حسي، انبجست عيناي بالدموع وأنا أجتاز الردهة لأدخل من باب إلى آخر، حتى عدت لا أتخيل خط السير المتشابك، ولا عدد الأبواب التي اجتزتها حتى وصلت إلى الزنزانة رقم ستة، كانت راقدة هناك تنتظرني وحدي بفراغها بقبح صمت جدرانها، تنثر عليَّ اليأس وأنا أدخلها، حقيقة حية، لم أكن يوماً أفكر فيها، لكنها أمامي ماثلة، فقد أغلق الباب وخيم الصمت، بعد أن غادر الجميع.
*
الضوء الخافت يدخل من نافذتها الصغيرة جداً، لذلك لم أستطع أن أتبين الوقت، فتنهدت وبدأت على عجل نهب الزنزانة شبه المظلمة بنظري، فهي ستدخل حياتي وستغتصب جزءاً من عمري، قد لا أعرف مدته، لكنه يشكل شيئاً لذلك ستكتسب أهمية ما.
*
امتدت أصابعي لتعانق الباب الحديدي البارد ذا النافذتين المغلقتين، علوية ضبطت بقضبان معدنية ثقيلة، وسفلية على شكل مستطيل تضاءل عرضه حتى شابه فتحات الرسائل البريدية، لونه أسود لامع، تناسق مع لون الجدران الرمادية الداكنة – ربما بدت كذلك من فرط اتساخها- لا كتابة عليها، بينما كان السرير الإسمنتي ذو السطح المتموج هو سيد أثاثها الذي سيشاركني جسدي.
*
استلقيت، وبنظراتي على السقف، كان الضوء الخافت يُمحى بليل داكن مانحاً كمَّاً من التفاصيل القاحلة لاتفاقية التعارف معها – زنزانتي- ووضعته على أجندتي كمشروع اللحظة القادمة، وربما كانت تفكر بما كنت أفكر، فأسدلت عليَّ النوم منتظراً اجتماعنا الأول.
*
غفوت و يدي تتحسس السرير تحتي، خالياً من كل شيء، لكنه دافئ، تمر فوق تكاثف تجاعيده برقة، عارياً يقدم نفسه لي، ثم أخذت يدي تنساب فوق تكتل هضابه اللينة، يرتجف تحتي كأنثى أسمع خفق قلبه، يهمس في أذني، نحن وحيدان، بمفردنا، لن يرانا أحد، إنه يريد ما يريد البشر، يشكو من قلة الإحسان إليه، يتسول اللذة أمد ذراعي أحتضنه، زاخراً بالحنان يلتصق وجهي ممتلئاً، محتقناً، هي لحظات لا نهائية، ترتفع ضجة في داخلي، يتأوه مثلي، أتابع هذه الضجة وهي تتضاءل وتتضاءل حتى تنتهي، ويبقى الاختلاج يلازمنا حتى لم نعد نقوى على الحراك، فانفصلنا ولازلت نائماً فوقه كوردة تنفست قبل انبلاج الفجر.
*
صباحاً أخذني الذهول برؤية الأمس، تحسست سراويلي الأزرق الداكن المبلل، فأخذتني رعدة لبثت عدة دقائق، ماذا فعلت بنفسي؟ وغطت هالة سوداء جبيني، فلم أعد قادراً على التفكير، اقتربت من السرير، كتلة إسمنت متطاولة، مددت يدي نحوه بارداً، جماداً، أنظر أكثر أرى لا شيء، ما الذي حصل إذاً؟ حتى أنصهر معه !! تراجعت منكفئاً، أفكر في تفاصيل مشروع التعارف مع الزنزانة، الضوء الخافت فيها لا يناسبني، ربما لأنني اعتدت ظلام الزنزانة السابقة – تباً لها أمست غرفة عادية بدوني - آه لو يعيدونني إلى الزنزانة المظلمة، حلمٌ بعيدْ، حلمٌ بعيدْ، لكن هناك شيء ما، جاهداً حاولت التعرف على ماهيته فلم أفلح، وبعد لحظة السرير بقربي كل القرب، أرى كائناً يتحرك فيه، ربما لأنني نقلت من عالم الظلام إلى عالم النور هل انبهرت عيني برؤية شيء؟ يا إلهي ... إنه يتحرك، لونه يكاد يكون بنفسجياً، أو ليلكياً وجه قان محمر، كأنني مشوش، يشع منه شيء يصدر عنه صوت... إنه يتلوى، هل هو مريض؟ اندفعت نحوه أتلمس حوافه، إنه يئن، أنين الليلة الماضية، يتسول شيئاً ما، يشدني إليه بعنف، الآن أنظر إليه بعينين نائمتين، وكأنه يملك سحراً لأنصهر به لأعيش لأجله، آه من قال إني أعيش؟ من قال إني على قيد الحياة؟ لكنه مسكين، وحيد، مثلي، أشعر بقلبه يرتجف مثل قلبي، هناك نوع من الألفة تقربني منه أكثر، التفاصيل قادمة لمشروع التعارف مع الزنزانة، ليكن أول بنود اتفاقيتي، أنظر إليه بعينين ذاهلتين مسحوراً، تدفعني إليه رغبة خفية، فأرتمي عليه، تصدر عنة تأوه مغر، دافئ يا إلهي أنا أنصهر معه أنا أذوب، لا بل كنا كلينا يذوب ويذوب، حتى ثقلت الحركة، فارتميت عنه كخشبة مبللة فوق الرمال، وبعد لحظة كنت أبكي وأبكي، فأنا كالمجنون !!
*
يبدو أن حلم البارحة قد تحول إلى حقيقة، وما كنت أرتعد منه أصبح يشعرني بالمتعة، و كم أنا بحاجة إلى المتعة، أي متعة، يخيل لي أن كثيراً من المسائل تحب بالاعتياد، أليس هذا نوع من الاعتياد؟ أليس هو نوع من المتعة؟ لست أدري ما يقول البعض عن هذا، لكن مهما قالوا فهم من الناس، والناس يخفون أشياء كثيرة لا يحبون أن تُكشفَ، لست منهم، لكن هل هم – أي الناس – وحيدون مثلي ومثله، وهل فكروا مثلي بغريزية خلقت معي؟ من يدري؟!!
*
جلب صوت بكائي رجلاً – استخدم كلمة رجل بدل شرطي – وأطل بنظره من النافذة العلوية لباب الزنزانة، ومد رأسه ممعناً، فبرز ظل وجهه كقناع لم يحرك فيَّ شيء لأنني لم أزل أعيش نشوة الانصهار نشوة الملامسة الفجة لذكورتي مع السرير و إن كنت أبكي.
لعله شعر بحالة المتعة التي تعتريني، فتح الباب كلص، تقدم نحوي، جال بنظره أجزاء جسمي كاملة، لاحظ أن هناك بللاً على سراويلي الأزرق الداكن، قطب حاجبيه، أحمرت عيناه، أنا ممنوع من المتعة، لذلك سحبني من رجلي خارج الزنزانة إلى الممر وصرخ برفاقه – الشرطة – فاجتمعوا مسرعين وقال لهم:
- انظروا، ثم انحنى نحوي، وقال:
- تفوه..... يا وسخ !! وقال آخر:
- تفوه..... يا حقير !! وثالث ورابع....
سحبوني، من رجلي وأدخلوني الحمام بعد أن رفعوني عالياً وخلعوا عني ملابسي عنوة ورموا بها كمزق بالية – كنت سأخلع ملابسي بنفسي لو طلبوا مني ذلك – لكنها طبيعة العمل وهو مكلفون بخلع ملابس الناس عنوة، إنه عملهم.
*
الماء وانتعاش سيله يسقطك في المتعة يعيد شحنك لمتعة جديدة، متعة لا مرئية، تجول بك بمفردك، لحظات ذكرى الثمرة المحرمة، تنساب على الجسد، مدغدغة، منسابة، مندمجة، إلى الوضوح وتبعثر النشوة.
*
بصدق لا أذكر متعتي الأولى، لكن دعوني أتخيلها والتخيل مسموح لكل الناس وأدعو الله أن أتخيلها كما حدثت معي، أو لعلي أذكر شيئاً يكون أقرب إلى الواقع، ربما هي ذكرى بعيدة، لا أعرف بالضبط ذاك التشابه في الضجيج الذي يفرض نفسه عليك، كان المنزل خالياً، خالياً تماماً، منزلٌ قديمٌ تطل غرفتاه غرباً على باحة واسعة وتتعامد معهما غرفتان أخريان، وثالثة جانب خابية الماء (الجرة الكبيرة ) وقد جمع التبن جانبها على شكل هرم، هرم من تبن فضي اللون لأن الوقت كان مساءً وكنت أقف فوق سطح الغرفة وأقفز على التبن بمرح، بقوة، شعري يلامس الهواء، و أنا أطير هكذا كنت أشعر ببريق يشع أمامي، فاندفعت ألحقه، وأنا أطير، فتجاوزت الهرم الفضي لأسقط أرضاً، للحظة فقط، اعترتني غيبوبة دفعت بضجيج ممتع يندفع من بين رجلي، من ذكورتي، شيء ممتع رغم الألم من أثر القفزة الخطأ، كم اشتهيت أن تعود ولو بألم، آه كم كانت مغرية لأقفز مرة ثانية، لكن الخوف منعني، وبعد فترة كنت أتسولها وقت ما أريد، وببساطة!!
*
أعدت إلى الزنزانة رقم ستة – كم أكره هذا الرقم - أسير بين اثنين، بين وحشين، لكني في عجلة من أمري أريد العودة لأستكمل بنود اتفاقيتي مع الزنزانة، كنت أهرع وعيناي ساهمتان ذابلتان كوردتين تنزفان، قُذفتُ فيها، نظرت إلى السرير الإسمنتي، ينتظرني، أصبح بالنسبة لي، كجرح غامض أفرح لضمه، كقلب نازف يغسل حزني، كقيثارة تطربني، أصبحت أعيش بعمقه كما هو يعيش من عمقي، كل ما أردته أن أبقى قربه ويبقى قربي، هذا كل ما يجب أن يبقى في ذهني حالياً على الأقل، واعترتني سعادة و أنا أجلس جانبه بعد أن طبعت على هيكله قبلة.
*
لبثت عدة أيام فارغاً من كل شيء، وجبات الطعام في وقتها، لا استجواب على الإطلاق، كأنهم لا يفكرون فيَّ، حتى سريري الإسمنتي لم اقترب منه، مسكين بدا واجماً حزيناً وهو يتسول مني لذة مسروقة، كنت غير مبال لحرمانه وحرماني منها، فاتحادي بهذا السرير يجب أن يحكم بضوابط، إذ يجب أن أفصل بين تسولنا لهذه اللذة، واللذة نفسها، واعتراني تشويش ليومين آخرين، ولا زلت منفصلاً عنه، فغدت الأشياء لا لون لها، كئيبة، يسرقني الظلام منه شيئاً فشيئاً، وكنت أسمع أنينه فلا يثير فيَّ شيئاً، وتأوهه لا يحرك لي ساكناً، وبكى أخيراً، فسددت أذني عن صوت نحيبه.
*
الليل يداعب الكون بلون كثيف السواد، يسرق الضوء من العيون، أستلقي وسط الزنزانة ظلام يغري بالنوم لفترة طويلة، يوماً، يومين، شهر، دهر، أجاهد جفوني وهي تغلق رويداً رويدا، كأن الهواء يمازحني، يحملني ويطوف بي تقاطيع الزنزانة، بحركة رتيبة دائرية كطائرة من ورق يلعب بها الصغير، يتضاءل حسي بالأشياء، فيتضاءل جسدي، بينما يتسع بي الفضاء كأن جدران الزنزانة قد غابت، فانبعث شوق صغير وحلق معنا حملته بين شغاف الفؤاد، واستمر الهواء يحلق، فخرج بي من الزنزانة وعلا في السماء، أشعر بخفة وزني، ريشة، ذرة غبار، كان شيئاً مفرحاً أن أقلب نفسي في الهواء وأنا أمد يدي، فأصبحتُ كطائرٍ لي جناحان أتحكم بجهة سيري، آه كم كنت أشعر بمثل تلك اللحظات وأنا صغير، كم كنت آوي إلى الفراش باكراً لأحصل على هذا الشعور، أصبح من عاداتي قبل النوم أن أفرد يدي وأنا مستلق فوق الفراش كطائر و أنام، وأنا أحلم بالطيران وكنت أطير وأطير، كما أنا الآن. هأنذا أمر فوق الأماكن التي أعرفها، أميز بوضوح تام الخطوط والأشكال لكنها تحتي، كل شيء تحتي أنا فوق الجميع، فوق الأشياء، فوق الكائنات المتحابة فوق الكائنات المتباغضة، أحلق أدور بحركة دائرية محمومة وعصبية أحياناً مذهولاً فوق الجميع؛ يأسرني عمق شفاف بلوري مشع؛ يغريني لأتبع هذا الذوبان كركام جليد ينحدر نحو البحر العذب ويغوص فيه حتى تنقطع الرؤية عن التغلغل أنا نائم بعمق وأحلم، أنا أهذي.
*
مضى على ذلك زمن طويل، كنت آنذاك طفلاً، ولا زلت أحتفظ ببقايا صور مبعثرة مما حدث معي، أذكرها على شكل مقاطع غامضة، مبهمة، طافحة، بما لم أكن أعرفه، تجلسني في حجرها وتبدأ بمداعبتي بخفة تحت شحمتي أذني، ثم تدغدغني بأنفها فوق عنقي، تمرر شفتيها فوق خدي، فوق عيني، فوق أنفي، ففمي، ويدها تتحسس جسدي من أصابع رجلي مروراً بركبتي لتصل بيدها بين رجليَّ، فتضغط برفق، ثم تتحول لتلف خصري بمعصمها، وتضمني بعنف، وبأسنانها كانت تنهي رحلتها اليومية معي، فتعضني بخفة حيثما يتوقف فمها حين تقول لها أمي:
- إن شاء الله ترزقي بمثله، فترد:
- عندما يأتي زوجي من السفر! بينما أنا ممتلئ بها بكليتي، ولم تضعف ذاكرتي عن تجديد إشاراتها بخطوط هلامية الشكل باهتة الملامح.
*
في اليوم التالي، كان يوماً بحق، إذ كنت أنظر إلى السرير بعدم الاكتراث، وانفعال أقل، فأنا أمضيت ليلتي نائماً على أرض الزنزانة، لا مبالياً لما يصدر منه من تأوه واستعطاف، فاستدراج بحميمية خيالية مفرطة، يجعلني أنظر إليه، أقترب وابتعد – ضمن مساحة الزنزانة- يريني نفسه وحيداً كائناً متحركاً بأحاسيس ومشاعر طافحة بالحب، بالمتعة، بالشهوة، يبهرني بواقعية عجيبة وقد اتشح ببطانية غطت نصفه السفلي بينما النصف العلوي يقدم نفسه عارياً بارزاً ومؤثراً يشع بياض بلاطه المتموج كوجنتين، حافتاه كمعصمين، أنظر إليه رغماً عني، إلى ظله الهابط فوق الأرض بقوة وثبات، إلى الوحدة الغريبة الشاحبة في تسوله لي، شكل من البغي يظلل هذه الطهارة، تهالكت وسط الزنزانة، وانكفأت على نفسي، وحيداً أكثر من ذي قبل، رغم الإشارات المتتالية منه، يذكرني باتفاقية التعارف، ويعرض عليَّ الدخول إلى بنودها ويحفزني بصور متتابعة لاختلاجي فوقه بقوة ويسمعني همسه و موسيقا تأوهه العذب، فبدأ كل شيء حولي بالانهيار، الضباب من حولي، من كل جانب، بؤس ويأس، إنه يبكي، ينتحب، أتفحص نصفه العاري خلسة، فبدا شبه أسود، كالح المنظر، لقد تبدل في لحظة، ينظر إليَّ شزراً، رغم عدم شعوري بالخوف، فأنا بمأمن من جميع الأخطار داخل الزنزانة، إلا أنها حقيقة واضحة، فاقتربت أتبين الحقيقة أكثر، أنا أقترب، وأقترب أراه بعمق أكثر أنه غاضب مقطب التعرجات الصلبة ربما تحركت شفتاه، ربما سمعته يشتمني، ويدعوني إليه، تمتد حافتاه اللتان كمعصمين تسقط البطانية عن نصفه السفلي، فتظهر حافتاه، يبهرانني بنقاء التموج بنعومة الإسمنت المصقول، يأسرني تهدهده المريح و أنا أرمي بنفسي فوقه، طافحاً غارقاً، متلذذاً، مختلجاً، يخبو و ينطفئ ببطء مسروق، أنه ينجح باستدراجي بعد أن تبدل من كالح المنظر إلى رشيق الملامح بهي الحركات، يا إلهي أنا مستدرج، واقع في فخ سريري، أحاول أن أبرر لنفسي ذنبي بأن لا قدرة لي على مقاومة الاستدراج، فينهرني السرير ويشعرني بأن أتابع اتحادي به، استجمع نفسي لأتابع اختلاجي فوقه، فلما أحاسب نفسي على ما هو غير جريمة، يزداد فيض الصور المتلاحقة أمام عيني أجمعه على شكل مخروط يضللني وسريري أتمدد على طول قامتي أحث جسدي الملتهب بموجات سطحه المصقول وهو ما يزال يشعر أنه يستدرجني، وينفرج عن ابتسامة وهو ينصهر وتسقط معصماه ويتركني أنصهر معه، ونتابع كلينا البصيص القادم من قلب الظلام حتى يصيح الجسد الغارق وهو ينتشل ويتمزق الانسجام.
*
انطفأ اللهيب، رميت بنفسي جانباً مزقة من حرير، كومة من أجنحة الفراشات، شكلاً طويلاً من شفق فضي اللون، رجلاً ليس له بقية.
*
أنا مريض، أنا غير طبيعي، أنا خارج حدود المعقول، أسمع صوتاً يصدر عن السرير، أحاول أن أجمع نثره حولي، أحاول جاهداً، أرهف السمع، أكاد أميز بوضوح رجاءً حاراً يصدر عن صوت مبحوح، يسألني الوفاء له، أن أهبه وفاءً بقدر حبه لي، ثم يتصاعد الصوت المبحوح حتى يغدو زقزقة عصفور، ربما شحرور، ربما وسيلة لضم عاشقين إلى الأبد بالشكل الذي يحرر النفس من القلق، آه كم أنا قلق!! كم أنا تعس!! كي أحب سريراً من إسمنت.
*
مضيت نحو آخر الغرفة – الزنزانة- متفكراً كيف سأسلخ عني هذا العارض؟ أتمالك نفسي أعيدها كما خلقت أترصد ظل نفسي الحقيقي، أبحث عن وجه بملامح خاصة يرسلها بصيص قادم من عمق الطفولة حيث الصباحات التي تهل متألقة على جسد تعود قطع المسافات المتناثرة من الوادي إلى شوارع القرى الطينية وتبعثر طرقها الضيقة، لكن ذلك حدث منذ زمن طويل و لا أكاد أذكر تلك الذكريات الساذجة، بعد أن أتت جرافات البلدية عليها وبدلت ملامحها، ما عدا ساحة الجامع القديم حيث الملابس الملونة، أو المائلة نحو الفرح بأكمامها الطويلة أيام العيد، بالمناسبة كنت أعتقد – و أنا طفل – أن الحياة ستبقى حلوة إلى هذا الحد إلى الأبد، آنذاك كانت الأيام تولد صباحاً ولعل هناك تناغم وتشابه بين الصباح والطفولة وقد يتطور إلى حب، بل إنه حب، فكل منهما يمنح الآخر أحلاماً صادقة، آه كم هو ممتع أن تهب حلماً وكم هو محزن أن تشعر أنك كبرت، فصرت تزوّر الحلم كما تزوّر مشاعرك وأحاسيسك وتلوّن وجهك حسب الحاجة لتظهر عكس ما تبطن وتتأصل فيك هذه الميزة، فتصبح هي أنت.
*
تدثرني الغرفة – الزنزانة – ولا زلت متفكراً أتواصل مع ذاتي بشفافية وأسائلها:
- هل أنت سعيدة بهذا العمل؟
تملكني شعور هائل بأن السرير يخاطبني... نعم إنه يخاطبني، أصغت السمع قليلاً، فبدا الأمر بتعقيده مخيفاً، أو أن هناك لوناً من الجنون المطبق، مهما يكن، فقد أصابني الهلع وأنا أتخيله يتحدث إليّ – أقول أتخيله لأنني حتى الآن ما زلت لا أصدق أنه يتحدث إليّ- ثمة خطأ ما، و الغريب في الأمر أنني كنت وبوضوح أرى تموجاته وهو يتحدث، إذاً مع من يتحدث هذا السرير؟ لا يهم إن الأمر في نهاية المطاف جنون، أو نوبة من جنون.
*
بدا صوته يعلو قليلاً و أعاد السؤال مرة ثانية:
- هل أنت سعيد بهذا العمل؟!!
أحسست أن قلبي يخفق بشدة بين أضلعي، هو ذا الجنون إذاً نعم لقد جننت، حدث لي مكروه، أو عارض، أو مس من جن، أنا لا أشك أنني سمعت السرير يحدثني، إذاً أنا مريض وبي مس من جنون، فالجمادات لا تتكلم، وبدا لي السرير كريهاً مقيتاً، وأحسست نحوه بحقد وسأم عميقين، وتساءلت ما الذي يجعلني أختلج فوقه متلذذاً؟!! وما الذي جعله يوافق على اختلاجي فوقه دون مقابل؟!! لكن هذا ليس كل شيء، فقد طلب مني الوفاء له، إذاً هو يملك أحاسيس وقدرة على احتواء العطف، فانتفضت وقلت لنفسي يجب أن أهجر هذا السرير الإسمنتي وأقنع بزاوية الغرفة – الغريب في الأمر أنني مازلت أستخدم اسم غرفة بدل زنزانة – فمتى سأستخدم اسم الزنزانة؟!!
*
لم أكن مخطئاً، وأنا قابع في زاوية الغرفة – الزنزانة- ثمة علامات وإشارات تصدر من ناحية السرير، ليست أغنية، ليست كلمات، فقد كان السرير ينظر إليّ يسألني وأسمع:
- هل ستنام في الزاوية وحدك؟!!
أبحث في صمت وخوف عن مدلولات الكلمات، أنظر إليه إنه يدهشني أرى وأسمع بشكل واضح أنه يعرف ما سيحصل بعد قليل، ويعرف أنني لن أصمد، ولن يصمد أي رجل يقبع في زاوية وحيداً مثلي، يتشح قلبه بالنقاء من أثر العزلة عن الناس هاهو يصدر انفعالات تؤذيني أعرفها سابقاً، فأخذتني رغبة في دفن رأسي بين ركبتي، وقررت ألا أستخدم أذني كمستقبل للصوت، يجب أن أرفض كل صوت قادم من ناحيته، وبما أن الإذن تعشق الصوت لأنها خلقت من أجله، فسأغلقهما عنوةً، فعشت دقائق بين أصوات كثيرة – كأنه سمع قراري- صدرت عنه أسمعها، ولا أعيها لقد رفضتها بكليتها رغم معرفتي بها سابقاً حين كان يغريني! يا الهي ما أجمل أن يهمل الإنسان شيئاً يسمعه.
*
صباحاً، أطل رجل – شرطي – من نافذة باب الزنزانة، مبتسماً وألقى تحية الصباح، باذلاً جهداً واضحاً للظهور بالدماثة واللباقة، وفتح باب الزنزانة على مصراعيه، و الغريب أنها لم تصدر زعقا كالزعيق التي أصدرته وأنا أدخلها لأول مرة، إذ ربما قد وضع أحدهم نقطة زيت فوق المفاصل المتحركة فيه، وانحنى أمامي بخشوع، أو لنقل باحترام، لأن لا خشوع، إلا في الصلاة، وقال:
- تفضل يا أستاذ !!!
شممت رائحة مؤامرة، عبرت خياشيمي بعنف، لكن دماثة الرجل – الشرطي – جعلتني أقطع المسافة مهرولاً ولم يستوقفني في الممر أي زنزانة يستقر عليها نظري، رغم توزعها على جانبي الممر، والعجيب في الامر أنني لم أكن أسمع صوتاً، أو همساً، فاعتراني هاجس مخيف وخلت أنها فارغة، ترى هل كنت في هذا السجن وحدي؟ لست أدري.!
*
انتظرت طويلاً وأنا أقف أمام طاولة المحقق؛ أتأمل كومة الأوراق المبعثرة علبة التبغ الفارغة؛ فنجان القهوة الساخن ذا الرائحة النافذة؛ آه منذ شهر لم أشرب فنجان قهوة، ولم أكلف نفسي عناء التفكير بالمحقق الجديد وإن بدا ممتلئ الصحة أحمر الخدين، لا يستخدم نظارة طبية، لكنه يدخن بشراهة، نظر نحوي، وقال يتحدث إلى أحد الرجال – شرطي – يحمل كيساً أسودَ:
- دعهم يدخلون واحداً بعد الآخر !!
دخل الرجل – الشرطي – الذي وبخني قائلاً تفوه يا وسخ وتقدم نحوي وقال:
- سامحني أنت لست وسخاً!! وخرج، ثم دخل الآخر وقال:
- سامحني أنت لست حقيراً!! وخرج والثالث والرابع....
أنا محاط بيأس، أنا محاط بقلق، بخوف، أنا لا أؤمن بشيء لا أفهمه، فازداد يقيني بوجود مؤامرة وخيم صمت جليدي، لم ينبس أحدهم ببنت شفة، حتى وقف المحقق وتقدم نحوي بعد أن دار حول الطاولة نصف دورة كاملة، وقال:
- يمكنك العودة إلى زنزانتك والعيش فيها كأي إنسان عادي حتى يصدر قرار إخلاء سبيلك، نحن آسفون سامحنا!!
*
عدت إلى زنزانتي، دخلتها، فوجئت بأن أحد ما قد ألغى، أو أغلق النافذة العلوية الصغيرة، فأدخل الزنزانة في ظلمة حالكة، عندئذ دخلتها كأعمى يتحسس طريقه وأعتقد أنني وقفت في منتصفها وأخذتني رغبة في الضحك، وقلما تجد رجلاً وحيداً يرغب بالضحك، واستجمعت نفسي، أتهيأ للضحك، فقمت باستشعار شيءٍ مضحكٍ، لكني كنت أولاً أرغب في التأكد من جدية رغبتي في الضحك، أو ما هي الأسباب التي جعلتني أرغب في الضحك، وبقيت لحظة أفكر، فقررت أنني لست بحاجة للضحك - الآن على الأقل – وتوجهت متحسساً طريقي نحو الزاوية، عندئذ رأيت من خلال ضوء نافذة الباب السفلى – التي على شكل مستطيل ضيق – بغير وضوح، أو بصعوبة بالغة ابتسامة تنم عن طرف فم السرير، ابتسامة نصر، أو ظفر، أو لعلها شماتة، لا هي شماتة، نعم شماتة، عندئذ تساءلت إذا ما كنت قادراً على التخلص من الاشمئزاز الذي انتابني بعد ذلك، في بادئ الأمر كففت من النظر إليه رغم سيل الإشارات والرسائل - طبعاً كان يرسلها إليّ – لكن ما كان يميز هذه الإشارات تناغمها العجيب، كثافتها، عدم تناقضها، تصلني متتالية كمطر خفيف، أعترف لكم بأنني كنت أتابع هذه الرسائل بيقظة وتحفز رغم إظهاري العكس – أرأيتم حين يكبر الإنسان يمكنه أن يظهر عكس ما يبطن – أحسست أنني أنسجم مع توافقها العجيب، بل أنا متأكد من أنني سأكون أكثر انسجاماً إذا ما اقتربت منه أكثر، فاقتربت، زاحفاً على بطني، أدفع نفسي بركبتي، برؤوس أصابعي، حتى وصلت إليه ومددت يدي، ودائماً كنت أمد يدي و أتحسس سطحه الإسمنتي المصقولة تعرجاته كلوح توتياء متموج، ناعم، لحظة عجيبة دفئاً بلورياً يهتز في أعماقي، سماء صافية، يخالطها نسيم بارد منعش، إنني مع هذا أحترق، أشتعل، أقدم نحوه لن أعمل إلا ما هو صالح، ربما أن الصالح أنْ تذهبَ بغموضٍ لما هو واضحٌ وجليٌ وبسيطُ، نعم ها هو يبسط سطحه لي بعمق، فيزداد لهيبي، فأقف لأرتمي عليه وأبدأ اختلاجي الهائل، يغسلني العرق، فأخلع قميصي الأزرق الداكن وأعود لاختلج بقوة، بعنف، بينما هو يبهرني بتأوهه وتلذذه وازداد اندفاعي كحيوان حين هاجمني الضجيج الهائل، فتابعته حتى اضمحل وسقطت نائماً كدب.
*
ما مضى كان رائعاً بحق، هذا ما شعرت به لحظة استيقظت من سقوطي نائماً، نظري يهبط بملل على أرضية الزنزانة، أتخيل ما حدث بتفاصيله الدقيقة، وقد حدث مثله في الماضي مع نساء كثيرات، لكنه مجرد ذكرى أو لنقل ذكريات فهن كثيرات، أما الآن أنا لا أفكر بإحداهن لأنني لا أهتم بالبحث عن صورة لأي منهن – لم يحدث هذا إلا مؤخراً – لأن نوعاً من الضباب يجثم على مقدمة رأسي يرسم أشكالاً هلامية لهن، فلا أستطيع أن أتبين حقيقة صورهن من الشكل الذي أمامي على أنها - أي الأشكال - تدهشني في أول الأمر وتبعث في نفسي شعوراً بالاستغراب، لكنها سرعان ما تمّحي، فلا أكلف نفسي مشقة البحث ثانية.
*
بكسل عدت للنوم، ظلام الزنزانة يغريني للنوم، أنا نائم، هذه الشوارع – شوارع قريتي – أسير فيها لا أبالي للكلاب تقف على أسطح المنازل وهي تنظر نحو القمر، ثمة طريق مغر للسير فيه، طريق ضيق، كتلة من التعرجات، العشوائية إنه الطريق إلى قصر حسن النازح، الذي كان يعيش في الجولان، وحين احتلها الصهاينة الذين دمروا بيته وقتلوا زوجته وأطفاله نزح وسكن في قريتي بدارٍ مهجورة، أطلق عليها اسم قصر حسن النازح، خلفها يقع مكب نفايات القرية، ونفايات قريتنا نظيفة، تبن، مخلفات القمح، بقايا قش، رماد حطب المدافئ، الآن انتهى كل شيء، فقد مات حسن النازح، ولم يمت معه النزوح، ليس ثمة شيء يسكن هذا القصر سوى الغول، وكنت وأقراني نتساءل:
-كيف استطاع حسن النازح أن يعيش مع الغول في دارٍ واحدة؟!!
لذلك كان له قدسية في نفوس الصغار، أتوقف وسط الباحة – باحة القصر - لأسترجع بقايا من صوره الرمادية وصعدت الدرج نحو الطابق الثاني ووقفت أمام النافذة التي كنا نقفز منها فوق أكوام النفايات النظيفة، كم أنا سعيد، فالنسمات الباردة تشكل مع الإنسان ظلين متناغمين، آه كم أنا سعيد، أنا أحلم.
*
لا شك أنني وما زلت مغمض العينين، في زنزانتي المظلمة- بدأت أفضل الزنازين المظلمة - أحتل وسطها، مستلقياً على ظهري، يداي متشابكتان تحت جمجمتي، أستطيع بوضوح أن أعيد صورة القرية حينما كنت صغيراً – أعيدها بحس رجل بالغ لا حس طفل – أركز وأستجمع وما زلت مغمض العينين، أرى من بعيد إنها ( كحيل ) منتصف النهار، والتي دبت الحياة في أوصالها منذ الفجر، والناس تواقون للجلوس في ساحاتها الأربعة في يومٍ قائظ تستمتع الشمس فيه بضرب نقر رؤوسهم من الأعلى حيث التفت غلالة من سراب بعيد تخترق حاراتها المستلقية على شكل صليب يبدأ بحارة الحماصنة حيث البركة الشرقية سمحت لبيوتها التي اجتمعت معترضة طريق المقبرة الجديدة؛ وتنحصر جنوباً لتغلق بجدار بيت طيني، ثم تنعطف غرباً متجاوزة المقبرة القديمة باتجاه البركة الغربية، والساحة المتشكلة قربها، والمشرفة على تلال صغيرة كانت عرصات خاليةً لتجميع قطعان الماشية صباحاً، وشمالاًَ حيث العوادية تشرع أبوابها، وتجمع سكانها على شكل دائرة غير متكاملة حول بضع حبات من التمر، وجنوباً يحتل بئر الماء طرف الطريق العام، حيث الفضاء فاتحاً ذراعيه لأرض القرية تلتصق بكبد السماء، ماعدا خيط رفيع لمجرى قناة وادي الزيدي الجافة تضرب كبد القرية بسهم ترابي معوج.
*
أمر – وما زلت مغمض العينين – هذه الحارة – الحماصنة – كل يوم، وقد شكلت ساحة لتجمع أطفال القرية، بالمناسبة الحارة ملتصقة بشجرة التوت الضخمة – توتة أبي شوقي - أعيد تشكيل وإعادة اختراع الأشكال المميزة والمبعثرة لجدران حقولها الحجرية المتداعية، هكذا لا أزال أشعر بأنها لا نهائية، ولم تكن يوماً ثاوية في ذاكرتي، فأنا كرجل لا أستطيع أن أقدر ما تمثله لي هذه الحارة، فذاكرتي تروي مئات القصص والحكايات عنها بشخوصها ومواقفها، وتغمرني سعادة حين أحث ذاكرتي على نسجها من جديد.
*
أردت أن أستعيد حاضري، أن أترك الماضي بحاله، أنا ابن ظرفي الحالي، أنا لا أستطيع أن أؤثر بالماضي تأثيري بالحاضر، لأنني أشعر بكينونتي أكثر في المكان الذي يكون فيه تأثيري أكبر، فمن يعيش في مدينة يكون تأثيره فيها ضحلاً بينما من يعيش في قرية يحظى بتأثير مرعب وكلما صغر المحيط ازداد التأثير، كزنزانتي يصل تأثيري بها لنسف وجودها، فهي بدوني غرفة حقيرة.
*
أيقظني فجأة، عارض مجهول، أو ذكرى محزنة، هي ليست محزنة، لأن الله يراها عكس ذلك، دائماً هم البشر لا يعجبهم ما يراه الله لحادث جلل جمع الطريق الواصل بين البركتين قرب المقبرة القديمة أهالي القرية ينتظرون وصول جثمان الشهيد فاضل – أقسم بالله اسمه فاضل - الذي كان محارباً، في حرب الأيام الستة:
- ترى هل بذل الرجال ما بذله فاضل؟
هذه المشقة الموغلة في الفرح، تختص بالشباب فقط، رأيته مرة واحدة، أو أكثر لم يكن له لحية، ولم يكن أصلعَ كان شاباً ودائماً هم الشباب طاقة هائلة، وجميع الطاقات استشهدت وهو منهم، وحين أبلغوا أمه بوفاته، أنا لم أكن هناك حين أبلغوها، لكني متأكد أنها بعد أن بكت ونحبت عليه، زغردت، تلك عادة من يقدم الشهداء.
حين تكون القرية كلها بانتظار شخص ما، فاعرف إنه مهم، واعلم أن الشمس التي كانت تشاركهم الانتظار لا ترسل حراً ولا مللاً بل ترسل برداً وسلاماً، برداً لا يجف وسلاماً لا ينتهي وقفت وتسللت من بين الجمع ونظرت إليه، كانت أمه تجلس عند رأس قبره تبكي بصمت – سابقاً كان الرجال يسمحون للنساء بالمشي وراء الجنائز، أما الآن فلا يملكون نقاء الماضي فمنعوهن رغم أن الله يرى عكس ذلك – هي عجوز، عجوز هرمة، ولدته بسنٍ متأخرةٍ وسمته فاضلاً لأنها كانت تقول دائماً:
- هذا سيكون فاضلاً.
أذكر قبل أن يشن التراب عليه وقفت وقالت:
- ذهب دمك مع الجولان لكن لن يعود إلا بدماء كثيرة، فنم بطمأنينة يا بني !!
عاشت بعده فترةً قصيرةً وأعطتها الحكومة بيتاً من بيوت الشهداء وراح البيت وماتت أمه وبقيت حكايته في سماء القرية كالنجم.
*
لكل شيء نهاية، ولن تبلغ القصة نهايتها بعد، أفكر وأنا مغمض العينين، وأتساءل:
- لماذا لم أفكر بقريتي – كحيل - التي أحب و أخاف، حين كنت فيها كما أفكر فيها الآن؟!!
- هل لأنني كنت أعيش حياة هامشية لا قيمة لها؟!!
أرى أنني كنت أعيش بداخلها هيكلاً أو ناسوتاً متحركاً من ضمن الهياكل والناسوتات التي تعيش بداخلها، تتوالد وتتكاثر بداخلها يوماً وراء يوم، أما الآن فهي التي تعيش بداخلي، وأفكر فيها بكليتي، وكل ذلك التفكير لا يتجاوز لحظات أو لمعان برق فتكون حاضرة أمامي.
*
حين فتحت عيني كان كل شيء مكانه، أنا، السرير، قميصي الأزرق الداكن المرمي جانباً، يكاد الظلام يطمسنا جميعاً لولا قوة البصر التي اكتسبتها بسبب ظلمة الزنزانة المستمرة، فاتسعت أحداق عيني بشكل جيد، تململت قليلاً، ظهري يؤلمني بعض الشيء، تحسست قميصي الأزرق و ارتديته، شيء ما فيَّ بدا منقبضاً كما الزنازين التي حولي، والتي لم أسمع صوت سجين فيها أو استغاثة معذب، ترى:
- أين ذهب الناس جميعاً وتركوني وحدي؟!!
كانت الزنزانة – أصبحت استخدم كلمة زنزانة بدل غرفة – أشد شحوباً من ذي قبل، لكن قليلاً من الحركة كفيل بنقل هذا الانقباض الذي اعتراني وعندئذ تساءلت:
- لماذا أنا منقبض؟ !!
أذناي لا تسمعان، عيناي لا تريان، عضلاتي لا تتحرك، أي أنا أحتفظ بقوة هذه العناصر الأساسية لاستمرار حياتي، إذاً أنا سأتمتع بصحة وافرة أثناء شيخوختي التي ستمتد إلى مئة وعشرين سنة – هكذا طلبت من الله في صلاتي الأخيرة وعودنا الله أنه كريم ولا يرد سائلاً – لذلك لا بد من حركة تزيل الانقباض، ثمة حركة قادمة لا محالة، شيئاً ما سيحدث بعد قليل، شيء ما ينتظرني، هناك ستبدأ حياتي من جديد، إني أرى، أتقدم بإحساس هائل، بقدر مكتوب، إن في الطرف الآخر من الزنزانة جسم يصدر بياضاً، كان يبدو أسودَ قبل ساعة إني أتقدم نحوه، فتتضح رويداً رويداً بياض بشرته، سأتوقف عند رأسه وأمد يدي، دائماً أمد يدي، آنذاك تبدأ المغامرة، تبدأ الحياة، هذه الكتلة الإسمنتية الملساء تستدرجني.
للحظة، فكرت أن أعود أدراجي نحو الزاوية- زاوية الزنزانة أو الغرفة – لكن ليس بالإمكان وقف المد الجاري لسيل العواطف الهائجة، وبما أنني أنا الذي أصنع الأصوات والأشكال وحزم الصور الملونة، فلأجعلها قوية بشكل لا أستطيع رده.
أتوقف للحظة، وأنظر، قلبي يخفق بشدة، أقلب بعيني مساحة سطحه الأملس الغني بالحركة، تهب ريحه قوية لكني لست بعجلة من أمري، أنا من سيحاول استدراجه، أنا من سيجعله يلتهب ويتوسل اللذة، هأنذا بدأت أحرك فيه إحساسا ما، مليئاً بالحنين، أنا بحاجة إلى هذا الإحساس، فامضي إليه أجنحةَ رغبةٍ عارمةٍ وهي أنني وحيد معه، أنا هنا في هذه الزنزانة المقفرة، أعرف ماذا سأفعل بهذا السرير الإسمنتي، شيء ما في هذا السرير يحتاجني، إنني ممتلئ وهو فارغ، أدنى حركة مني ستشعل ناره، لكني لا أستطيع أن أحدس قوة ولا درجة اشتعاله.
أنا ألقي عليه النظرة الأخيرة قبل أن أهجم عليه و أفكر وأتساءل:
- ترى هل سيحتمل اختلاجي عليه هذه المرة، أم أنه سيخدعني ويوهمني بعدم تحمله لاختلاجي ليزيد من عنفواني، بينما هو في أقصى تلذذه.
اللحظة تفيض بالمشاعر، والهواء الأسود يخيم على أرجاء الغرفة فيجبرني على خلع قميصي الأزرق الداكن، ويصدر رائحة كرائحة البابونج المنقوع إنه ينتظرني بنصفه الفارغ العاري الجامد !!!
شيء ما في جوف هذه البطانية التي تغطي نصفه بحاجة إليَّ، لقد عبرت الليل و الليل – لأن النهار عندي ليل، فلا أتبين الليل من النهار- لأصل إليه لقد توقف كل شيء، هذا الهواء الثقيل، أنا، السرير، نشكل جماداً ثنائي الأبعاد، و إني لسعيد بأن أرمي بنفسي عليه، وهو بفارغ الصبر ينتظر أن تلامس ذكورتي الفجة سطحه الإسمنتي الأملس، لكن سرعان ما لمعت أمامي فكرة أخرى، منعت نفسي من الاقتراب وبعثرت كل ما يجذبني إليه، كان يحترق، يتلوى، يتوسل، بينما أراقب بظفر هزيمته رغم دغدغة جسدي الحالمة، ابتسمت وأنا أنكفئ نحو الزاوية وأدركت القيمة الحقيقية لهذه الابتسامة.
*
لبثت ساعات أقبع في زاوية الزنزانة – الوقت لا قيمة له في مثل حالتي – غرقت أثناءها بالماضي، وتمنيت أن ثمة شخص ما ينتشلني من غرقي، لكن اللاشعور قد تآمر مع الظلام، فكان ما حدث في الماضي ماثلاً أمامي بكليته، آنذاك تجمهر الناس زرافات زرافات حول المقبرة القديمة، وعند حدها الشرقي، حيث جرافات البلدية تشق شارعاً يقسم البلدة نصفين، قليلون من عرفوا أصحاب القبور الدارسة التي كانت الجرافة توقظهم من سباتهم، كنت أنظر إليها – القبور – كانت فارغة، لا شيء على الإطلاق، فارغة تماماً، بالنسبة إليهم كل شيء قد انتهى، مثلاً ذاك القبر الذي كان يحتل زاوية المقبرة من الناحية الجنوبية الشرقية، لا يعرف أحد اسمه ترى:
كم سنة عاش؟
أكان سعيداً أم شقياً؟
هل أحب فتاة ما؟
وهل تزوجها؟
أم هل تزوج بغيرها؟
وعاش محروماً من وصل الحبيب، هل سافر؟
أكان ظالماً أم مظلوما ً؟
أفقت بعد ذلك من النوم أرتجف، فقد غفوت، آه ما أجمل النوم.
*
نهضت، كنت وحيداً، كان بي رغبة جامحة لأنبطح على بطني وأزحف، غشتني سعادة خفية وأنا أزحف كشيء ما، ربما كأفعى، ربما كسحلية، لكني لا أحب السحالي، لذلك كأفعى، كما إن الأفعى تعطي انطباعاً أفضل للزواحف، فزحفت حتى وصلت إلى باب الزنزانة السميك ذي النافذتين العلوية والسفلية، ولأنني مازلت منبطحاً مددت يدي إلى النافذة السفلية، ورفعت القطعة المعدنية التي تسدها من الخارج، و أولجت نظري خارج الزنزانة، أجل، لقد كنت وحدي، صف الزنازين خال تماماً، والممر الطويل بينهما يشي ببعض اللمعان الباهت، لكنه خال من كل شيء، أراقب الممر، لدي من الوقت الكثير، - كما قلت لا قيمة للوقت عندي – أراقبه وأتساءل لماذا لم أكن أراقبه كل يوم وقد أمضيت فترة طويلة؟!! فقد كان مجالاً لقتل الوقت، فهو – الممر- يعج بالهدوء، مزدحماً بالسكينة، ممتلئاً بفوضى الصمت، هاأنذا أتتبعه بقسوةٍ وكثافةٍ أرومُ الدخولَ فيهِ.
عدت إلى نفسي لحظة، وقفت، ثمة شيء ما ينقر في رأسي، تنبه السرير الإسمنتي ظناً أني سألقي بنفسي عليه، لكني كنت لئيماً، فتركته رغم تأوهه، فعاد للاكتئاب – الحالة التي تركته عليها – وانطوى حزيناً.
كان الكل ينظر إليَّ وأنا وسط الزنزانة، السرير، البطانية، الزوايا، الظلام، النافذتان، وأخيراً الباب المغلق، وخلعت ملابسي، كانت الأنوار الداكنة تميل نحو الاحتشام، والحر الشديد يميل نحو التثاؤب، ألقيت نظرة على محتويات هذا العالم الكبير وبدأت بالرقص.
أميل برأسي إلى الخلف، قدماي ترقصان، أعود وأفتح ذراعي على أقصى اتساعها و أباعد بين أصابعي مع إثارة للجموح في خصري وذكورتي المرحة و المسترخية، نقاوة في التعبير لما كنت أفكر فيه، رقصت ورقصت حتى صارت حياتي سعيدة، فارغ الرأس، هاجراً للصداع، قاتلاً للطنين، وإشارات السرير المتوسلة
كان صدره – السرير- أبيض يصدر من ظلمة، يصدر بياضاً لحد الوسوسة القاهرة، لا يراها إلا الممتلئون بالشبق، وكان عليَّ أن أفيض عليه لينال مني وطره، لم يكن يطلب سواها، تلك اللذة, إن المرء يكن في أعلى درجات مزاجه حين يهب اللذة والفرح، ويكون شيطانه وقتها أصغر ما يمكن، إن جسدينا هما اللذان يحسنان مواساتنا من الهموم الكبيرة في هذا الظلام.
*
مستنقعات متعددة من فضة، ذاك هو وادي الزيدي في فصل الربيع، على حافتيه الطويلتين من قعر الجبل حتى بحيرة السد العميقة، صخور مزدانة بالناس، ومن بعيد دوائر من قطعان الماشية غير منتظمة، مليئة بالثقوب والظلال البارزة والمتداخلة، كان يوم السبت أو الخميس لا أذكر تماماً، لكن كان يوماً من أسبوع، مر محشواً بالحركة، ثقيلاً فوق الأديم كثير الصمت، ولست أدري إن كان الوادي هو الذي ضيق الأمل وحوله إلى يأس بليد، فجأة وأنا أسمع وأستمع إلى الأصوات والأشكال الهلامية لصراخ النساء، فأنا لم أكن يوماً أتصور أن يحدث هذا وحدث، أتوقف لحظة وأنتظر أن يعفيني قلبي من طرق ذاكرته، لكن قد هبت ريح ذاك اليوم ونزل إلى الوادي، ليسبح، أو ليحلق بروحه لا بجسده، يداني ذروة السعادة، لكن الوادي رفض أن يعيده إلينا إلا ميتاً، إحساسا كهذا لن يحدث أمامي ثانيةً وأنا أرى أباه ينتشله من قلب الوادي الغاضب ولن أتحمل أن أرى ذلك مرة أخرى ومن خلفي القرية بأضوائها الخافتة تشاركني غرق طفل في واد، مهما يكن فقد مات عادل غرقاً.
*
يمتلئ قلبي بالحقد على هذه الزنزانة، تلك الجدران الرطبة الحقيرة، ربما كان هذا الحقد ممزوجاً ببعض الغضب، وكم تمنيت لو أن لي فأساً أو معولاً ضخماً لأكتشف حقيقة جدرانها، إنها تذكرني بأحزاني وتعمدتْ – هكذا ظننت – نسيان أفراحي، رغم أن الحياة هي من تهدي إلينا الأحزان والأفراح، وفي ذاكرتي الشيء الكثير من الفرح، لكن قد لا أستطيع البوح فيه، فأنا ممنوع من الفرح، ومن المتعة التي أسرقها خلسة، لكن من حسن حظي لا قيمة للوقت في زنزانتي، فهو مبذول بكثرة، و سأحصل على الفرح يوماً ما أكان ذكرى أم واقع معاش.
*
تمثل أمامي صوت اعتراض تافه، شيء يدعوني لأغوص في تجربة شرسة، لقد تمثل بوضوح أمامي ظل الموت:
- كيف أستطيع أنا الذي أطلب في صلواتي- أو لأكن صادقاً في صلاتي الأخيرة وبدقة أكثر بعدها – من الله أن أعيش مئة وعشرين عاماً؟!!
إذ أخذتني رعشة، فتراجعت منكفئاً إلى زاوية الزنزانة، والصوت ما زال ماثلاً أمام سمعي، و بما أن لي خبرة في الزحف على البطن كأفعى انبطحت كأنني أخفي نفسي عن هذا الزائر الجديد، فكان لدي و أنا منبطح ركاماً هائلاً من التأملات.
رفعت بصري نحو السرير – كتلة الإسمنت المصقولة – كان يشع بياضاً أُخذت بمظهره العجيب، فهو لم يشع بهذا الصفاء من قبل، هذا الإشعاع الباهر، القاسي، اللامع، لم أعد أرى به سريراً يستجدي اللذة، فزحفت نحوه رويداً رويداً بعد أن ألقيت نظرة حائرة، قلقة، على محتويات زنزانتي النافذتين في الباب السميك، الزوايا الأربع الحادة، وسطحها غير المرئي، والبطانية الوحيدة جانب السرير.
كان الموقف يكشف عن نفسه، إن سريري يحتضر, صحيح أنني ومنذ فترة لم أعرف مدتها أشك في أنه روح، لكنه الآن يحتضر، فليس هناك حاجة لتفسير حالة شيء ما يحتضر، إنه يقدم نفسه أمامك بوضوح ها هو يقدم نفسه مليئاً بالألم، إذاً هو كائن، وقد فاتني أن أعتقد اعتقاداً راسخاً بأنه كائن، فها هو يتهيأ للانسحاب من حياتي ككائن ذو روح ويبقى عندي كسرير من إسمنت، حين أدركت ذلك غمرني اشمئزاز هائل تبعه تأوه أشد إيلاماً، آه ما أصعب أن تكون في حضرة روح تموت !! هناك جرعة ألم غير مدرك تنقلك إلى العيش في ذعر رغم أنك لست بالميت.
كان قربي قبل أيام، ساعات، لحظات، يتحرك بحيوية، لا شك أن عالمه الداخلي كان يتحرك، مليئاً بالعنفوان وكنت أتحسسه، فكان يتحرك بحيوية، خصوصاً أوقات شبقه الجميل، لكنه الآن كأنه يقاوم مرضاً عضالاً قارب على الإجهاز على فريسته، فأعان المرض العضال على نفسه و أسلم الروح، آه الروح ثانيةً تلك الروح التي لازمتني زنزانتي منذ دخولي إليها، ماذا جاء بك أيها الزائر لتأخذ الروح الوحيدة في زنزانتي.
الآن هي تسيل، على مهل، ببطء ممل، وهي تغادر الحياة وتتركني، هذا الهدوء في الحركة لم يكن يدم إلا لحظات، أما الآن فهو أبدي يبحر في المستقبل ببرود، بتأنٍ.
انتبهت بشدة مفزعة، بكيت بمرارة، صرخت، لا شيء يعدل حزني، حبيبي أيها السرير، لكم أحببتك، لكم أحبك، يا الهي أنا مفجع بسريري.
*
هدأت ساعة لا أكثر، هذه الكلمات ليس لها معنى، هذه العبارات لا تصدر عن عاقل، صحيح أنه كان يشاركني الزنزانة لكنه سرير وإن كان بروح و إحساس ومشاعر وفي النهاية هو جماد ثمة مشكلة في عقلي إذاً، مشكلة جوفاء، عقيمة، إن الروح التي انفصلت عنه – السرير – ليست موجودة الآن، إلا في عقلي، فها هو السرير وحيداً كما كان لم يتحرك، صحيح أنه لن يظهر وجهه الوديع بعد أن أمسى كالحاً ولن يفيض بالحركة بعد خمودها، لكني صرت أرسم ملامحه بدقة بعد أن غطيته بالبطانية الوحيدة وحجبته عن بصري وعدت نحو الزاوية وقد سيطر عليَّ شعور بخيبة الأمل وغبن لا يحتمل.
*
مرت ساعة ثانية أو أكثر – يا لسخف الوقت عندي – أضع رأسي بين ركبتيَّ، لم يتغير شيء في هذه الزنزانة، لكن فاجعة قد سيطرت عليها، ثمة شيء مفقود فيها، فانفجرت في نفسي رغبة لشيء ينتفض فيها بي رغبة لأقوم و أرقص كما كنت أرقص عارياً، لكني لن أرقص، أعرف أن شيئاً سوف يتبع الرقص و السرير قد مات، فقررت النوم.
*
استيقظت أحمل في يدي مشاعل من أمل، كان سريري يجلس قبالتي بكينونته الأصلية، من الإسمنت، ولا شيء غير الإسمنت المغطى ببطانية، حتى وإن كان سابقاً – بنظري - من لحم ودم وأحاسيس، فقد مات والمهم أني موجود، أنا موجود بداخلي لا بداخله، أشعر أنني لم أكن يوماً موجوداً بداخله، هناك قبالتي ينام كتلة من الاسمنت البارد وكل ما كان منه سيبقى ذكرى و لن أسمح لذكرى بأن تسرد نفسها على الجميع، إلا أنا، فأنا الشيء الوحيد الذي كان يذوب فيه ويذوب فيّ، فأنا الشيء الوحيد الذي يختلج فوقه، فتنعشه ملامسة ذكورتي الفجة لسطحه الأملس وهي الآن قد تلاشت وطعمها ماء عذب يغسل جوفي يداعبني يشكل بركة من فرح ترطب من صحراء لساني، إنها تعيش معي كما غيرها.
*
يدي تمتد نحو قميصي الأزرق الداكن تفك أزراره واحداً بعد الآخر، تفتح عن صدري العاري وتمتد لتعبث ببقايا الشعر العالق بين الثديين، تتسلى بمداعبة رؤوس خصلاته المتباعدة والقاحلة، ثم ترتفع نحو عنقي – الشيء الوحيد الذي يشاركها- يدي الأخرى لتحتضن عنقي، شيئان وحيدان يحيطان بعنقي.
أحس ولو للحظة، بثقل أكتافي، فأنزل يدي وأخلع القميص، وأفك عقدة البنطال، فيسدل نحو قدميَّ وبما أنني الآن – كما كنت صغيراً – لا ألبس سراويل داخلي شعرت بأنني عارٍ- مع أنني عارٍ – هذا الشعور بالعري يلازمني في الظلام و لا أستطيع أن أحذفه من تداعياتي.
*
أقف منتفضاً و لم أعد قادراً عن الكف بالتفكير بالرقص، ولم أبالِ بجسدي العفن وملمسه المتسخ، فرحت وبعنف فاتحاً ذراعيّ مهرولاً في أرجاء الزنزانة، مستلقياً، جاثياً، قافزاً ومصفقاً كعنكبوت في زجاجة و أطلقت لنفسي عنانها ولم يعد هناك إمكانية للسيطرة عليها، كينونتها تثور، إن الأفكار الناجزة تولد في قلب الحدث وتفرض نفسها بقوة.
لن أستسلم سأتابع الرقص رغم أني مفجع بسريري، وتتبعت حركاتي بعصبية مفرطة إنه يوم الرقص يجب أن يثخن بالعرق ليخرج النتن وسقطت قرب الزاوية وكل الزوايا قريبة وارتطم رأسي بالجدار، فنزفت بغزارة، ثم مددت يدي أتلمس شعري الذي استطال وطوقني الدم بطوق من لبلاب يحيط بعنقي، لكن شيئاً ما يؤلمني، بعد أن أحسست أن شخصاً يسحبني على الأرض ويرمي بي تحت صنبور الماء وتركته يغسلني بحرية.
*
أعرف أين أنا، وعاد الذعر يسيطر عليَّ من جديد ولم أكن أدري إلى أين أتجه، فوقفت وركضت في الممر الطويل بين الزنازين وهي تنظر إلي بعيون فارغة، ودخلت زنزانتي أتفقد كل الأشياء بحركة عين عصبية وتقدمت نحو الزاوية وقبعت عارياً.
في تلك اللحظة سمعت صوتاً، وكأنني كنت مسحوراً، لم يكن ذاك صوتاً، بل كان لوناً من انتظار مفرح، مطمئن، كان وقع خطىً في آخر الممر، تسير ببطء تجتاز الزنازين واحدة بعد الأخرى، وحين بلغ الصوت باب زنزانتي رفعت رأسي، وبعد لحظة فتحت جفني، فظهر أمامي لم أكن بحاجة إلى وقت طويل كي أتعرف على ملامحه الشابة، كان يبتسم ببشاشة، ولا تجاعيد على وجهه الأبيض، كان نظره خارقاً، عاينتهُ، عيناه الباهرتان تلتهمانني، تفحصني، حالة تملك عجيبة، لقد كرس كل لحظته الحالية بالتفكير فيَّ، وتقدم نحو قميصي الأزرق الداكن، فالتقطه ورماه نحوي وما زالت ابتسامته البشوشة ترتسم على وجهه، ثم ما لبث أن عاد الفم فم ميت، وتقهقر خارجاً من زنزانتي وقطع الممر الطويل ولم أكن أرغب في شيء وقتها، إلا أن أتابع نومي.
*
بعد خروجه، حاولت أن أرى شيئاً غيري يشاركني لحظة الفرح التي تركني عليها، لحظة كغابة بلوط وغار وكدغل دفلى نبت قرب الخزامى على شكل طرقات متشعبة تغريك للسير فيها والعودة إلى أعماق ذاكرتك لتقتحم عزلتها بعنف، وتسألها عن الحد الفاصل بين الخطأ والصواب، فلا تجيب.
كان الحزن يعتريني وأنا أقف لأسير نحو منتصف الزنزانة وأقف ماداً ذراعي ورافعاً رأسي أتأمل في ذهول ما قالته خصلات شعري التي داعبت أكتافي وانفرطت عليه كعقد، ثم توقف الزمن كعربة قطار أخرجت من الخدمة وسكنتها الريح، كما سكن الجفاف السهول فأجبرت والدي على العمل في العاصمة.
*
وسط الغرفة أو الزنزانة لا يهم استلقيت، رأسي – خلته - باتجاه الشمال والباب على يساري أشعر بسعادة مفرطة ولم أبذل جهداً كبيراً للحصول عليها، لعل السعادة مؤقتة، فأنا لا أحسها دائمة، إن لحظات التخلص من الكآبة قلما تدوم عند الناس – أقصد عموم الناس – لأنك لن تلبث إلا أن تتذكر الأشياء الأليفة إلى قلبك وقد اختفت من أمامك ورفاق الطفولة الذين تقاسمتهم الدنيا بين مسافر ومهاجر وتحت التراب، فتعود حالات الانكسار وتنفذ إلى تعبير وجهك من خلال مسامات الجلد وتلبسك قناع الحزن، لكنه يوم ممتاز لأنني أقر أنني سعيد رغم الأضواء المظلمة التي تلفني بلا رحمة وتجعل مني هيكلاً يبحث في ذاكرته عن خطيئة لم يدر متى ارتكبها فزجت به إلى زنزانة.
*
مللت من السعادة – على قصر وقتها – وبمد من الملل تحول نظري نحو النافذة السفلية لباب زنزانتي التي على شكل مستطيل، وبما أنني كنت وسط الغرفة مستلقياً على ظهري اضطررت للوي عنقي كي أتابع تحديقي بالنافذة، فشعرت ببعض الألم يعصر عنقي، فقررت التخلص من الألم بأن انقلبت على بطني، فذهب الألم وأحسست برغبة في الزحف، فزحفت نحو النافذة، و أولجت إصبعي فيها رافعاً غطاءَها الخارجي وتقدمت بوجهي و أولجت أنفي خلال شقها علّي أشم رائحة غير التي تحتويها زنزانتي وتهيأت، وأنا ممسك بكلتا يدي الأطراف الداخلية لها وأنفي داخلها وبدأت الشهيق من هواء الممر، حتى استقامت رائحة جديدة في رئتيَّ.
*
فجأة خطر لي خاطر غريب، لكنه معقول ومسلٍ، فقررت أن أغير هواء زنزانتي وذلك عن طريق ذلك الشق العجيب، فانبطحت وتملكت أرضية الزنزانة وعدت للإمساك بطرفي النافذة من جدرانها الداخلية الرفيعة، و أولجت فمي أغب من هواء الممر دون أن استنشقه و أفرغه في الزنزانة.
التصقت أكثر بهذا الشق العجيب، و بكل قوتي كنت أدني وجهي نحوه، أتوحد به من خلال الحركة الرتيبة لشفتي وهن يملأن فمي بالهواء محمومتين تخفيان حشرجة صدري، هذا العالم المظلم برز بخطوط تتحول إلى لون أخضر فاتح، عند ذاك لم أستطع أن أتعرف على التفاصيل الجديدة للظلام القادم، لكنه منعش و لم أستطع أن أتبين ما حصل، فقد فقدَ رأسي توازنه – شعرت أن رأسي منفصل عن جسدي – و تبعته أنا، ففقدت السيطرة على نفسي و جاهدت - و أنا لا أزال أغب الهواء من خلال الشق – للحصول على إحساس يعيد لي السيطرة على نفسي، لكنه – فقدان السيطرة - كان عذباً فضفاضاً لأن اللون الأخضر هجم بشكل صاعق على بصري ولم أعرف ما حصل بعدها، إذ سقط رأسي ببطء على أرضية الزنزانة وكفت شفتاي عن غب الهواء ونبتت على طرفي فمي مشقة مختلطة تحولت إلى سواد قاتم، وخيل لي أن هذا السواد لا يشابه سواد الظلمة في زنزانتي أجل إنه لا يشابه سواد ظلمة زنزانتي وانتظرت مع رأسي عودة الظلام، وأنا وقتئذ لا أملك إلا الانتظار، فانتظرت.
*
استيقظت، أنا سجين لا يكف عن الحركة يرفض أن يبقى متقوقعاً في زاوية ما، كما أنه ليس هناك داع ليبقى في ركن ما، أو فوق سرير، ياااه شعرت ببعض المتعة حين ذكرت السرير، لكنه ميت، فنسيته، لكن لم تزل لذكراه تتسلل بعض الأفكار الزاهية إلى نفسي التي تحولت إلى نيران من الكآبة حينما أدركت أنني أعيش بلا متعة بعد موته.
لدقائق فقط شعرت أنني أحقق شيئاً ما، حدقت في أرجاء القاعة – لا أدري ما الذي دعاني لتسمية الزنزانة بالقاعة – المظلمة وبما أن عينيّ قد اعتادتا الرؤية في الظلام رشحت بعض الضوء، فانطلق صوت – كما يقولون – من قحف رأسي، كصوت خوار ثور وارتفعت حدته حتى انهمرت دموعي فوق خدي بدون استئذان.
*
كم هو قريب من الإذن مألوف بغرابة إنه صوت الطائرات، كرشق رعد تائه في الفضاء يصلني، كقادم من أعماق بعيدة يصل متلاحقاً متتابعاً، أمسكتني أمي من يدي و أشارت نحو السماء باتجاه طائرة محترقة تهوي جنوباً، وسألت أمي:
- ماذا هناك يا أمي؟ !!
- إنه يوم الثأر لحسن النازح !!
- و أبي إنه في دمشق ولم يعد بعد؟!!
تكدرت ملامح أمي ونحن نقف متسمرين في حصننا الدائم فوق سطح البيت ككل البشر، وتركتها و هرولت مسرعاً وهبطت نحو الساحة حيث وصلت سيارة جيب عسكرية ونزل منها ضابط برفقة مجموعة من الجنود وتابع أهالي القرية تجمعهم، فَطُلِبَ من المختار جمع الرجال الذين كانوا يتدربون على القتال ضمن صفوف الجيش الشعبي ووزع السلاح عليهم.
كنت أقف جانب الضابط أتأمل مسدسه الذي يدسه تحت نطاق بنطاله العسكري، فنظر إلي وهو يبتسم وقال لي:
- هل أعجبك مسدسي؟
- نعم، أعطني إياه !!
قهقه الرجال وهم ينتشرون في الطرقات خارج القرية وسألت الضابط:
- إلى أين يذهبون ببنادقهم؟ أجابني :
- مهمتهم إلقاء القبض على الطيارين الإسرائيليين الذين تسقط طائراتهم.
- ومن يسقطها؟
- هناك من يحرس السماء يا بني لا تخف !!
- أنا لست خائفاً، لكن أبي لم يعد من العاصمة بعد !!
- جميع الناس في أعمالهم يا بني !!
غادرنا الضابط بعد أن ركب بسيارة الجيب بينما تسابق الأطفال للركض خلفها، وعدت أنا لأبشر أمي أن للسماء من يحرسها.
*
في اليوم التالي ويخيل لي أنني كنتُ حافي القدمين أركضُ خلفَ عربةٍ تابعةٍ لمديريةِ التربيةِ تتجولُ في طرقاتِ القريةِ يتربعُ على بابِها الخلفيّ رجلٌ يرتدي بنطالاً أزرقَ يوزع مجلة أسامة على الأطفال ورمى نحوي بنسخةٍ منها، فقفزتُ عالياً لألتقطها بفرح.
لمع مصباح الكاز الذي أشعلته أمي و أعتقد أن الفراشات كانت ترصده مثلي، فاندفعت تحوم حوله، كنت ألاحظ انعكاس ضوءه على صفحات المجلة بسعادة و قد أهملت دعوة أمي لتناول طعام العشاء، ثمة شيء في أوراق هذه المجلة يشدني إليها كانت أغلى من كتبي المدرسية، فتحت صفحاتها، وبدأت المغامرة سيل من الأحاسيس المجهولة تطرق رأسي وليس بالإمكان إيقاف سحرها سحر لا يشبه سحرَ الكتب المدرسية ولا الوظائف والمذاكرات سحر قادني للاستسلام لصفحاتها وتملكها لحظات لا تعرف الشيخوخة.
*
انتهت الحرب لكن حرباً من نوع آخر قد بدأت عرفت لاحقاً أنها حرب الاستنزاف وخلالها لم أرَ والدي واستمرت أعراض الحرب بالظهور المكثف للطيران – أصبحنا و أصدقائي الأطفال لا نخاف منها- لكن الحياة الطبيعية عادت لتمارس عادتها.
سألت أمي عن مكان أبي فقالت:
- ليس له مكان محدد، إنه ينقل القمح إلى المطاحن و المطاحن في كل أرجاء الوطن.
عدت إلى مجلة أسامة كان فيها رسم لسيارة تحمل شيئاً ما وعليها علم أعرف هذا العلم إنه علم بلادي لكن السيارة لا تشبه سيارة أبي.
*
غمرتني لحظة أمل هائلة لعودة أبي، فرحت ألاحقه بالأسئلة عن الحرب وكثيرة هي الأجوبة المفرحة، فقد وصل بسيارته إلى أكثر الأماكن خطورة وهو ينقل الخبز إلى الجبهة، أنا هنا أتكلم عن شخص أدى رسالته كأب وكفرد في مجتمع، كرمته الحكومة بوسام بطل الإنتاج لأنه لم يترك عمله خلال حرب تشرين المجيدة، لقد رحل بعد أن ترك بصمته.
قد لا أستطيع أن أكمل الحديث عن ذلك، لأنها أليمة التذكر رغم سعادتها، لاحقاً ابتسم أبي وهو يعلن مزهواً أنه اشترى قطعة أرض صغيرة في العاصمة وهو يبني عليها بيتاً صغيراً.
نوبة فرح نوبة سعادة شملتنا – أنا و أمي – فرقصنا، ثم قلت لأبي:
- هل سننتقل إلى العاصمة؟
- نعم سننتقل قريباً.
- والعنزات يا أبي ( السَوداء، القرنَّة، المسكينة، القرعة)؟
- سنبيعهن !!
لقد نفذ صبري ولم يعد بمقدوري تحمل قرب هذه الحوادث مني، فقفزت من مكاني، فأجد نفسي في هذه الزنزانة بينما روحي تسبح خارجها أتداعى للسقوط على سريري الإسمنتي الميت، بينما السماء تمتد فاتحة ذراعيها للشاحنة التي تنقل أثاثنا إلى حي التضامن في العاصمة بعد أن باع والدي العنزات وحرصت على عدم الاسترسال لأنني بكيت على العنزة والتي اسمها المسكينة، كما يبكي طفل على لعبة.
*
قفزت نحو السرير رغم أني في الخمسين من العمر، ورفعت البطانية عنه ورميتها وسط الزنزانة وجلست عليها أروم السيطرة على نفسي، إن السيطرة على النفس قمة السعادة، ولأنني قرأت يوماً عن فن اليوغا قررت ممارسته بأعلى طاقتي، جلست متربعاً أضع يدي فوق ركبتي باسترخاء تام أغمض عيني بكليتهما، أتنفس بعمق وأطرد كل الأفكار من رأسي، حتى فكرة وجودي ليس في الزنزانة فقط، بل في الدنيا وخلت أن الأصوات والأشكال والأفكار تنساب من نوافذ وجهي بحرية كأسراب فراش في يوم دافئ.
خليط من الألوان يدور حولي يستولي على كينونتي يشعرني بدفء، لكنه غير كاف أروم ما هو أكثر من الدفء، ثم تحول الدفء إلى نوع من الفراغ تبعه شعور بتضاؤل جسدي بشكل مخيف، تبعه تضخم رأسي، لكنه تضخم فارغ لا يحوي على شيء، كأنه هيكل شفاف كدخان سيجارة.
أنا في أقل درجات الانفعال على الإطلاق. درجة تكاد لا تكون موجودة، فلا أذكر أي تفاصيل أو محتوى لها وكان ذلك كله يقودني إلى الاستغراق أكثر في حالتي الجديدة حتى تحول الدفء فيه إلى أشد حالات النقاوة نعم، لقد كان الدفء شديد النقاء، فقدت الشعور بأنني من لحم ودم شعور يشابه شعورك وأنت تستيقظ من النوم بعد حلم سعيد، لقد شعرت أنني قد تحولت إلى فقاعة.
*
استلقيت على ظهري. ربما كانت قد مرت ساعة، أو أكثر تعرفون قيمة الوقت عندي، لكنها من أشد لحظات الدفء عندي، وقلما ما حصلت عليها وتضاءلت، ففقدت بعض السعادة وشعرت بخيبة أمل تحولت إلى كآبة، كأنني بحاجة لشيء ما، ربما امرأة أقع في شركها رغم قلة وقوعي في شراك النساء، إلا مرات عديدة ولم أكن وقتها أعرف أنه شرك لكني الآن أميزه بحس عال وشفافية مفرطة تتمنى عودته.
كانت تنتظرني وأنا عائد من المدرسة متكئة على طرف نافذة غرفتها، يرهق كاهلي حقيبتي القماشية التي خاطتها أمي لي، فتناديني وتدعوني للدخول إلى بيتها الواسع الخالي، فزوجها ما انفك يسافر ويرشح عليها أياماً معدودة من أجازاته القصيرة ويعود وقد تركها بلا ولد ولا زوج، كنت أدخل غير متردد، فهي تداوم على زيارتنا وكانت تداعبني بعد أن تحملني أمام أمي وتمرر فمها فوق عنقي، ثم تصل إلى فمي، فتلثمه برفق ماكر يفوق تقبيل طفل بحميمية عالية – أشعر بهذه الحميمية الآن بأعلى درجاتها - خصوصاً وهي تمر بيدها فوق ساقي وتصل إلى أشد مناطق الإثارة فيها وتضغط برفق ممتع وتكرر أمي ما تقوله لها:
- الله يطعمك مثله !!
تأخذ عني الحقيبة القماشية وتخلع عني لباس المدرسة، تغسل لي وجهي وتطعمني بعض الخبز والجبن و أحياناً بعض الفاكهة، ثم تحملني إلى غرفتها وتجلسني على سريرها وتخرج لدقيقة، ثم ما تلبث أن تعود وقد ارتدت لباساً داخلياً يبرز أعضائها مكتنزة وذراعان بيضاوان وتجلس أمامي وقد أدارت ظهرها عليَّ وتقول بعد أن تعطيني دبوساً:
- أشكل هذا الدبوس في شعري !!
أمسك بيدي الصغيرتين بضفيرتها السميكة وأنا أحاول ربط ضفيرتها وهي تساعدني بكلتا يديها المرفوعتين خلفاً أقترب من عنقها تصدر من تحت أبطيها رائحة ذكية، فأقول لها:
- رائحتك تشبه رائحة الآنسة في الصف، لكنها هنا أقوى بكثير!!
تقول وهي تلتصق بي:
- يا أزعر !!!
ثم تمد يدها نحو رأسي وما زالت ملصقة ظهرها بصدري، ثم تقول:
- اهمس في أذني !! فأقول:
- بماذا أهمس؟
- أي شيء المهم اهمس، لكن دع شفتيك تلمس شحمة أذني.
أترك الضفيرة وقد فشلت في ربطها بالدبوس، فينساب شعرها كومة من عطر أمام وجهي أغوص داخله لأصل إلى أذنها وأهمس تاركاً شفتيَّ تلمسان شحمة أذنها، ثم تثور وتحملني من ورائها وتلصقني بصدرها وهي ترمي بنفسها فوق السرير وتضع رأسي بين ثدييها البارزين وتدعكه بهما، ثم تجبره على مواجهة أحد ثدييها وجهاً لوجه وتدعك به حلمتها السمراء النافرة، ثم أخيراً تتكور عليَّ مرتعشة، كأنها تحتضنني، بينما أنا مستغرق بدفئها أنتظر معها أن تنزعني عنها وقد قارب الدفء أن ينشر نفسه علينا ويخرج بعد أن ترمي بي جانباً شبه حالمة و أتابع أنا بخجل الخروج من دوائر الضوء والزخات العبثية التي تنتابني وأنا ملتصق بها كأفعى لا يعرف رأسها من ذيلها.
يا لها من صور غريبة عندما تتشابه الأشياء، فأنا أعيش في زنزانتي وصور ذراعيها وعنقها من الخلف وشحمة أذناها لا تفارقني، قوية هي ذاكرة الأطفال وبما أنني أقبع في زنزانتي أسترد جميع لحظاتي السابقة وكل ما حدث لي ومعي، أرتبه بشكل عشوائي و كيفما اتفق وحسب وروده عليَّ، ذاكرتي هنا هي سلسلة من الصور، لكني لا أحسن التركيز فيها كما يجب لذلك أخذتني رغبة في البكاء، ثم وجدت أن لا فائدة من ذلك، فتوجهت للسرير الإسمنتي الميت ونمت بعمق.
*
كان ذلك رائعاً كثيراً وكان يطيب لي وأنا أغمض عيني وأسترجع تفاصيل تلك اللحظات الهلامية الشفافة وهي تتحول إلى لون من الحياة والبهجة أتمثلها حتى أخجل من نفسي، فقررت أن لا أذكرها ثانية، لأنها أصبحت تخجل مني كلما رأتني بعد أن أصبحت شاباً وأصبحت أعي تلك التفاصيل.
*
انقضى وقت طويل وقد تركت نفسي تشرد بعيداً عن جسدي القابع في زاوية، تعرفون أين تقع هذه الزاوية أنا لا أفكر بأحد لا بد أن أحداً ما يفكر فيَّ، ثم خطر لي أن أبحث عن كلمات تجرني كي أتذكر شيئاً فلم أفلح، فانكفأت على نفسي وعدت إلى شرودي، لكنه على غير عادته، كان مملاً وباهتاً وغير مسل، لكنني أذكر أنني قد تذكرت الثلج ذلك الذي يدهشني، فهو – الثلج – لا يسقط على (كحيل ) – قريتي – إلا نادراً وطيلة الخمسين عاماً رأيته مرتين، في المرة الأولى كنت ابن أحد عشر عاماً، فقد كان يوم هطوله ممتعاً بحق، فقد أغراني بقصص لا حصر لها أولها أغلقت المدرسة أبوابها، فكانت فرحة الأطفال كبيرة أتساءل:
- لماذا يفرح الأطفال حين تغلق المدارس أبوابها لحدث طارئ؟!!
ربما لكسر الرتابة، فالرتابة مملة و إن كانت للتعليم، وبالمناسبة سمعت عجوزاً تقول وقد رأت الصغار وهم عائدون من المدرسة يرهقهم الجوع والتعب وحمل حقائبهم:
- كنا سابقاً نعمل كمرابعين عند مالكي الأراضي، فأصبحت المرابعة في زمن هؤلاء الصغار الدراسة ألا يتعبون منها كل يوم؟!!
كان يوم الثلج قصيراً، فقد مضى سريعاً أسرع من الأيام السابقة، لكن لا أسترجع من ذاك اليوم، إلا رجلاً عجوزاً يكنى ( بالشرع ) أذكر أنه مر من أمام بيتنا – هو جارنا – قبالة المقبرة القديمة يرتدي معطفاً داكناً يلف رأسه بغطاء سميك يسمى ( الكوفية ) وينتعل جزمة من الجلد الصناعي تنبعث منه رائحة – مثل سكان القرية - دخان الموقد يسير سعيداً وهو يحرك الثلج بقدميه وأفترض أنه كان مثلي سعيداً جداً، لكن من جهته أما من جهتي، فكنت أسعد منه لأنني أستطيع أن أتصرف وألهو كما الأطفال بينما هو لا يقدر على ذلك.
كان شديد الميل للمزاح والمداعبة كريماً رغم فقره وشديد التواضع خصوصاً لأمه، فقد كان وكلما رآها يرمي بنفسه أمامها ويرجوها أن تطأ عنقه بقدمها ويجبرها إذا ما رفضت ذلك لأنه سيدخل الجنة من تحت قدميها، فتنصاع لأمره محبة منها له بدخول الجنة، لكن كل هذه المشاهد التي وردت على ذهني سرعان ما تمزقت وتبعثرت، فلقد نقلت سيارة أجرة ذلك العجوز إلى المشفى ولم يعد منها ولم أره منذ ذلك الحين.
*
الظلام مطبق، ثمة شخص – يخيل لي أنه أنا - يزحف نحو شق أسفل باب زنزانة – يخيل لي أنها زنزانتي أنا – أولجت سبابتي في ذلك الشق المسماة نافذة سفلية على شكل مستطيل ورفعت الغطاء الخارجي عنها، فقدم الممر نفسه لي برحابة بعد أن أولجت بصري فيه، فصرت أشعر أن هذا الممر يشبه خروجي من ثقب إلى آخر.
ثمة قبس أحمر يشع من آخر الممر، كأنه لفافة تبغ تشع من فم رجل – تعرفون جيداً أنني أستخدم كلمة رجل بدل شرطي – ثم اختفى الضوء الأحمر وعاد الظلام يطبق من جديد رافقه صوت اهتزاز باب الزنزانة، فتراجعت منكفئاً وقد استنفرت حواسي بقلق وتهيأت – على غير عادتي - للوثوب على شيء ما، ثم تبعه صوت دخول مفتاح في قفل الباب السميك وتبعه صوت انسحاب لسانه من عمق الجدار دفعة وراء دفعة و خطاً بعد خط، حتى شعر بأمان العودة إلى مخدعه الذي صنع له، كان الجو يتخبط بلحظات غير قابلة للابتذال، فقد انفرج الباب بدفته السميكة وسمح للنور بالتدفق على شكل ضوء خافت، فاستعد بؤبؤ عيني يلتقط ويحلل ما يرى.
الرجال الأربعة يقفون على باب الزنزانة، لكنه - أي بؤبؤ عيني- لم يميز هل هم الرجال الأربعة أنفسهم أم أنهم قد تغيروا؟!! وقتذاك ليس مهماً، بل المهم أنهم يلبسون البدلات الرمادية نفسها، أو مثلها، فتراجع استنفاري للوثوب على شيء ما، وقادوني أتهادى بين اثنين ولم أضحك على ما شاهدته وتذكرته ببرنامج تلفزيوني لشخص يسير بين وحشين وهو يغني بفرح:
- أنا بين اثنين !!!
*
وقفت أمام المحقق، ليس أمام المحققين السابقين نفسيهما، لكن الغرفة نفسها وإن تغير أثاثها بشكل هائل، فقد بدا فاخراً لم أكن أرى مثله إلا في دور السينما التي تقدم أفلاماً رخيصة وعرضاً متواصلاً للخارجين عن حدود الزمان، يدخلونها صباحاً ويخرجون منها بعد منتصف الليل، وكثيراً ما كان يستعملها – صالات السينما – بعض المتشردين، فينامون طيلة العرض ويخرجون لمتابعة تشردهم وصدقاً كنت منهم لفترة.
أنظر إلى طاولة المحقق مرتبة بشكل مذهل، جميع الملفات على يمينه منسقة فوق بعضها بحرفية، المصنف الجلدي الأسود الفاخر يحتل منصف الطاولة نحو الكرسي وحافظة الأقلام الأنيقة تحتضن الأقلام الملونة، هناك قلم أزرق وأسود وأحمر وقلمان خضراوان أحدهما بدون غطاء وبالقرب منها – حافظة الأقلام – فنجان قهوة ساخن لقد كان بخاره يندفع بلطف ورائحته منعشة، لكن ما لفت نظري بحدة المفكرة السنوية على طرف زاوية الطاولة الأيمن مقابل الملفات المرتبة فوق بعضها البعض، فرحت ألتهمها بنظري بينما كان المحقق يتلذذ برشف محتويات فنجان القهوة بتأن، كان على ما أذكر وكثيراً ما كنت أعتز بقوة ذاكرتي يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجة المصادف للحادي عشر من كانون الأول و كتب بأعلى وسط صفحة المفكرة ذكرى إعلان حقوق الإنسان بينما كتب على الصفحة المقابلة باللون الأحمر 30 كغ علف للصيصان و 20000 لأم جميل و5000 لخليل ورسمت دائرة وسطها توقيع على شكل فراشة.
*
أنزل المحقق فنجان القهوة من يده فارغاً و دفع به لأحد الرجال الأربعة، فتناوله وخرج مسرعاً ولم يلبث ثوان حتى عاد إلى الوقوف بالوضعية التي كان يقف عليها. رفعت نظري باتجاه المحقق أنتظر بلا مبالاة، كانت عيناه تلمعان وأهدابهما طويلة، ثم مد يده وفتح علبة أنيقة لم ألاحظ وجودها على الطاولة و أخرج سيجاراً ضخماً ملأ ما بين سبابته و الوسطى وأشعلها ومج منها ببطء وهو يشعلها من ولاعة أنيقة ورمى بالولاعة كيفما اتفق و حدق بي ملياً، كأنه يتفحصني، بالمقابل كنت أنظر إليه وأتفحصه، فلم يظهر عليه غير ما يظهر على كل رجل عادي و إن كان يحمل سيجاراً، ثم انفرجت عن طرف فمه ابتسامة وقال:
- لقد تبين لنا أنك غير مذنب ويمكنك الخروج الآن إن أردت !!!
أخذت على حين غرة وقلت مندفعاً:
- وما كان جرمي الذي أنا بريء منه؟!!
- لم يكن جرماً !!
- هل كان جنحةً؟!!
- لا لم يكن جنحةً !!
- ماذا إذاً؟ !!
ومبتسماً ثم ضاحكاً ثم مقهقهاُ وشاركه الرجال الأربعة ذوو البدلات الرمادية القهقهة:
- لا شيء !!!
فرحت على عجل أقهقه مثلهم و بقيت أقهقه وهم يرفعوني عالياً و يخلعون عني لباسي الأزرق الداكن ويرموه كالمزقة ويقتادونني عارياً من باب إلى باب حتى وصلنا إلى غرفة بها كرسي جلدي وضعت عليه ملابسي فأمروني أن ألبسها، فلبستها، ثم تقدم نحوي أحدهم – شرطي – ووضع الكيس الأسود نفسه فوق رأسي واقتادوني ودفعني بلطف إلى العربة وانطلقت بنا
*
أحس بوجود عدة رجال ولم أكلف نفسي رسم خريطةً لخط سيرنا ولم أبال بطول المسافة وعدم التوقف لقضاء حاجة، أو تزود بالوقود، لكنني كنت استغرق في الهدوء ووجهي ملتصق بالكيس الأسود وأفكر بسرير الإسمنت والبطانية الثكلى والنافذتين العلوية والسفلية وبالزنزانة التي نسفت وجودها وحولتها إلى غرفة بعد مغادرتي لها.
وقفوا أمام شاحنتي، وأنزلوني وخلعوا الكيس الأسود عن رأسي، فهو عهدة، وتركوني وحيداً، ترى كم مضى عليَّ من الزمن وأنا عندهم؟! كنت أردد هذا السؤال بصوت منخفض ومتلاحق بعفوية ودون تمهيد، كأنني بحضرة أستاذ مدرسة يختبرني، وجال نظري نحو الشاحنة أتفقدها، كان القمح قد نبت من خلال الأكياس واخْضَرَّ، فعدت أسأل نفسي:
- ترى كم مضى عليَّ من الزمن؟!
فتحت باب الشاحنة، فهالني منظر وجهي حين نظرت في المرآة، كان وجهي أصفرَ شاحباً ولحيتي كدغل بغير مدخل، والغريب أنني لم انتبه طيلة فترة سجني إلى هذا الكم الهائل من الشعر يغطي وجهي، كأنني لم أتحسسه قبل اليوم، فعدت أردد وبشكل متقطع:
- ترى كيف حدث هذا بهذه البساطة؟!
- ترى كيف حدث هذا بهذه البساطة؟!.
*
العالم الخارجي يقدم نفسه برحابة عارياً غاضباً ينثر ظلالاً غريبة ترسمها غيوم فصل الشتاء فوق الطريق كأنها صور لأشباح تمسك بهروات هلامية الملمس يحركها الهواء، ثم انداحت أمامي لوحات لحكايات ميتة على صوت نزول المطر فوق زجاج الشاحنة، فتحولت إلى خيالات تسرق النظر وتبهره.
مددت يدي نحو علب السجائر المرمية أمام المقود وفتحت إحداها ووضعت سيجارة بين شفتي، فخلال فترة سجني لم أدخن سيجارة ورحت أبحث عن عود ثقاب يختبئ في جيوبي وأشعلته، فتوهجت ناره أمام عيني أشعلت سيجارتي وأخذت أمج بعمق، فاعترى مخيلتي ضباب مترنح نفذ إلى كياني ودغدغ ذاكرتي بتلك الرقعة الإسمنتية التي تسكن أعلى الدرج في بيتي حيث يروق لي الجلوس مع كأسي لأدخل في امتداد للأفق المفتوح للفرح يسري في عروقي، فيجلي الأحاسيس ويصقلها، ثم يدمرها، لكنها تطيح بكل الكوابيس الجاثمة فوق الصدر مع إنها تبقي على صور الذين نحبهم.
رائحة (كحيل) تدخل في خياشيمي توقظ الحواس، أتأمل اللوحة التي تركتها الزنزانة على وجهي، ثمة بريق يصدر من عيني بريق أمل في أن أجد عائلتي تنتظرني.
أتأمل القرية النائمة الهادئة وتطرق أذني صياح الديكة، بينما اقتسم طرفي الطريق بيوتها كبقع سوداء متناثرة ولم تزل جدرانها المتشكلة من الصخور البازلتية الزرقاء الصلبة تغطيها طبقة من الطين الكثيف وبفعل المطر تشربت بالماء، فانبعثت منها رائحة ذكية.
أدرت مفتاح البيت والكل نيام ودخلت وتسلق نظري الدرج المؤدي إلى رقعة الإسمنت التي شكلت شرفة منزلي، فصعدت على مهل واتجهت نحو مكاني حيث أجلس وكأسي، ووقفت أنظرُ إلى الضوء الأخضر المنبعث من أعلى مئذنتها، كان الهدوء يخيم على المكان والجو ماطراً والبرد قاسياً، و يخيل لي أنني غداً سأشاهدُ للمرةِ الثالثةِ الثلجَ يسقطُ فوقَ قريتي كحيل.
تمت
علي أحمد العبد الله
سوريا – درعا- كحيل / 2009
صدر للمؤلف:
قاعة العرش الباردة ــ مجموعة قصصية ــ دار الطليعة الجديدة ــ 2008
نزف الذاكرة ــ رواية ــ دار الطليعة الجديدة ــ 2009
=============
أيها الأعزاء
قمت بنشر الرواية ( رجل منسي) بإذن المؤلف
للتواصل مع الأستاذ علي العبدالله على البريد الإلكتروني
(ali-abed@ mail.sy )
__________________
تعليق