حواديت : فضفضة في طريق عام ... بقلم د.مازن صافي
ربما من المثير للدهشة أن ينصت أحد منا لكل ما يقال في سيارة عمومي لكي يحاول أن يقرأ أفكار العامة الذين اختارهم القدر ليكونوا رفقاء الطريق لمدة تزيد على النصف ساعة .. أحاديث بتناقلها الركاب وربما هي مقتطفات لهموم متعددة أو لنقل مجازا " فضفضة مواطن " ...
بدأ الحديث عن الكهرباء وكيف أنها حولت حياة الناس إلى جحيم حقيقي وكل واحد بدأ ينقل مأساته ويقصّ أوضاعه وشكواه وتجد أن هناك رأي يتجه إلى أن في الأمور لعبة سياسية والبعض يقول أنها من تداعيات الحصار والبعض يجزم أن الأمور لا يعدو أكثر من جشع الشركة لجني المزيد من الأرباح في وقت لا تقدم إلا الخدمة الروتينية للناس دون أن تكلف نفسها بأي إبداع ظاهر سواء في كهرباء الشوارع أو البيوت أو أماكن أخرى والبعض أيضا يقول أن ما يحدث هو سياسة صهيونية مبرمجة ..؟!
وقبل أن ينتقل الحديث الى موضوع آخر كانت هناك " فزبة _ موتوسيكل _ دراجة نارية " قد أفزعت الجميع وهي تجتاز السيارة من جهة اليمين ..؟! بسرعة جنونية وكأنها تسابق الموت الى الموت .. وصرخ السواق يكبر " الله أكبر .. الله يرحمنا من هالأيام .. كارات بحمير وتكتك وفيزب وبلاوي على الطريق .. وإذ بصوي أنثوي خافض يقول " يا الله خلي شركات التأمين تنبسط " .. وكان رد السائق الذي تجاوز الخمسين سريعا ويبدو أنه محضَّر سلفا فقال لها : والله يا بنتي الله يستر عليكي .. التأمين لا يغطي لا الفيزب ولا التوكتوك مع أنني مؤمن على السيارة والركاب وحتى حق الطرف الآخر وهناك شرط أن التأمين لا يغطي حوادث الفيزب والتكتكت وهذه مصيبة علينا .. وهنا قال أحد الركاب وهو يحمل حقيبة رمادية اللون ويبدو أنه من طلاب الجامعات ، لماذا لا يتم تأمين الفيزب والتوكتوك .. فرد السائق أن تأمين الفيزب والتوكتوك لا يقل عن أحد عشر ألف شيكل ... ومين ممكن أن يؤمن بهذا المبلغ وبغير ذلك وين في شركة تأمين ممكن أن تغامر وتقوم بتأمين التوكتوك والدرجات النارية " الفيزب " ؟!
وفي هذه اللحظات مرَّ توك توك وقد حمل العديد من الركاب الصغار ويبدو أنهم من طلبة المدارس .. وهنا كان المنظر سيئا جدا حيث أن الطلاب فوق بعضهم وفي حال أي طارئ لا قدر الله فإن الأمر سيكون صعب جدا ..
وهنا قال السائق أن هذا الأمر عادي فبالأمس كان هناك توكتوت يسير بسرعة وفي الخلف هناك رجل يحمل بين يديه طفل صغير ويدلل فيه بأن يحملة من يديه ويخيفه بأنه سيرميه من التوكتوك . وكان الطفل يصرخ والرجل يضحك بصوتٍ عال ..؟!
وفي هذه الأثناء كانت شاحنة كبيرة جدا وطويلة قد اخترقت حاجز الصوت وأرعبت الجميع وهي تتجاوز سيارتنا .. وهنا قال السائق أن شوارعنا يا عمي غير متهيئة لأن تسير عليها كل أنواع السيارات مرة واحدة .. فتخيل أنك في لحظة واحدة قد تكون بين شاحنة كبيرة جدا وتوكتوت ودراجة نارية " فيزبة " وربما كاره يجرها حمار "أكرمكم الله " .. كيف يمكنك أن تتصرف ..؟!
وفي غمرة الحديث وبعد اجتياز جسر وادي غزة بدأ الحديث ينتقل وبدون مقدمات الى الوضع السياسي ومقارنة بين المفاوضات وما قاله د. صائب عريقات وكل واحد صار يتكهن ما الذي سوف يحدث .. وبين المصالحة الفلسطينية التي تراوح مكانها ولا تفاؤل هناك حقيقي يمكن أن يسجل حول إمكانية إتمامها والانتهاء من وضع الانقسام والتشرذم السياسي والاجتماعي الحاصل .. وبالطبع اختلف الركاب في الآراء وبدأت اتجاهات تظهر من خلال الرأي الذي يقوم بإقناع الجميع أنه هو الصواب .. وأصبحت السيارة عبارة عن مجتمع مصغر يصلح لأن يشارك في استبيانات ..!!
وقبل أن تنتهي الرحلة ونزول الركاب كل الى الجهة التي يقصدها .. كان كل واحد ينزل وكأن ما حدث لم يشارك به أو يترك رأيه فيه ولم ينتظر هذا أحدث إقناعا أم كان مجرد فضفضة في طريق عام .. كان أحد الركاب السبعة بجانبي ولم أسمعه قد قال كلمة واحدة وكل ما كان يفعله هو تحريك " سماعة الأذن " الخاصة بجهاز الجوال الخاص به ... ولقد تفاجأت منه وهو يستأذن في أن أوسع له المكان لينزل .. فقد قال لي كلمة وهي " كله على الفاضي ولا حاجة راح تتغير .. لا تعبوا حالكوا .. إسرائيل لن تتنازل والمصالحة لن تتم والكهربا لن تتحسن والطريق ستبقى هاجس والله يستر من حرب قادمة ... وضحك في وجهي وهو يقول كل عام وأنت بخير .."
وهنا طلبت من السائق أن يتوقف لكي أنزل لولا أن الراكب الأخير الذي بجانبه قد أطلق نكتة أخرت نزولي من كثرة الضحك .. والنكتة تقول : ( حمار ألقى بنفسه على الأرض من أعلى برج في غزة تاركاً خلفه رسالة كتب فيها " خلي التوكتوك ينفعكم " ) .
تنويه : في النظرية الأمنية هناك درس يقول أن المواصلات العامة لا تصلح للحديث عن أي شيء يقع تحت يديك نظرا لطبيعة عملك .. لذلك يجب عدم تقديم المعلومات مجانية لغرض الحديث وإن حسنت النية ..
Clove_yasmein@hotmail.com
تعليق