استنساخ
أكواب الشاي ترتاح على الطاولة الخشبية ..
وقطع الشوكولاته تتغندر بأثوابها من السلوفان الملون اللماع .. وقد سجلت على صدرها اسمها وعنوانها لتزيدك اغراء للتحرش بها وتتناولها رغم ما يشاع عن خطر السكر ..
وعلى يمينها جبل من البسكويت الناشف الرخيص يغتاط غيرة لعدم الانتباه اليه أو لمسه من بداية الجلسة ..
والجلسة هي مشوار نراجيل بين حميمين .. لصقتهما ببعضهما بعضا صداقة قديمة منذ مقاعد الدراسة الثانوية .. وباعدتهما انتماءات فكرية ومذهبية .. مما جعلهما يقفان عند الحاجز الحيادي .. كحراس الحدود الذين يتبادلون السكائر والأحاديث والنكات وبعض الأطعمة .. انما لا يجرؤ أحد منهم على تجاوز الخط الأحمر بين البلدين ولايستضيف في منطقته أي قدم تخطو دون تأشيرة ..
والنراجيل ذات بال طويل .. وسعة تحمل وقاع ممتلىء بالماء لتبريد الأعصاب .. وصوت "بقبقة" تمنع المدخن من السهو والنوم .. وإلا رمت على ساقية جمراتها اللاذعة وأدبته . واعطته درساً في علم تدخين النراجيل ولذا .. ولكي تستغل صبر نرجيلتك بحكمة .. عليك فتح الشهية للحديث .. الحديث المتشعب والواسع دون أجوبة مقتضبة .. أو مسايرة وترديد ببغاوي أحمق . واستسلام متعب:
تلك الأجوبة لاتجوز في حضرة النراجيل .. وان كانت تجوز مع أولي الأمر حفظهم الله.
هذا ما دفع الصديقين اللذين زرعاً نرجيلتهما بمحاذاة الطاولة لاختيار حديث عميق .. ذي جدل وأخذ ورد .. لاسيما وأنهما على رفعة من الثقافة والاطلاع والمعرفة .. فالسيد نزار وهو ليس قباني رغم فتنته به وتعلقه بأشعاره – صحفي ضليع .. قيل انه موهوب وسريع البديهة والحدس .. يعمل في جريدة أسبوعية بريئة .. أي لا تلمس السياسة ولا صانعيها ولا معارضيها ولاحتى ضحاياها .. بل تنفرد بالأمور العامة الثقافية والاجتماعية .. وبسبب شكله الخلقي غير الموفق .. فقد اختفى وراء المصنفات ورفض دعوة احدى الفضائيات للعمل بها .. وكان يردد:
- ألايكفيكم جميل عازار في قناة الجزيرة ..
ويجيبونه معتمدين على سعة صدره وتواضعه وسماحه:
- نريد رؤية التوأمين على الشاشة .
ويتبادلون الضحك ..
وتلك سمة نادرة في الانسان الذي يمكنه مواجهة نقصه وضعفه وعيوبه بتلك الروح التفاؤلية والمرحة دون عقد أو نزق أو لعنات .. وتلك قوة داخلية وثقة بلا حدود بالذات .. والمقدرة والدفع للأمام .. والتعوض من محبته للآخرين.
وهذا يبدو واضحاً ومبهراً عند الفتيات .. فالجميلة الطويلة ذات الصدر الشهي والساقين العاجيين والعينين القناصتين عن بعد .. لاتغادر البسمة شفتيها .. وترمي بها لكل عباد الله دون تعويض .. فالله يحثنا على أن نحدث بنعمته ..
بينما التي غفل عنها الخالق .. وأعدها على عجل من أمره .. فلم يعتن بصياغتها .. وألحقها بالدنيا تكملة عدد .. ترى سهام غيظها تجلد كل من أحاط بها.. فلو ألقيت عليها التحية .. كصدقة من عينيك .. ارتابت بها وردتها بالتي هي أسوأ.
وتحقد على المرآة .. وعلى ساقيها المعوجتين .. وصدرها الضامر .. وعينيها الغائرتين في غياهب الجب مع سيدنا يوسف عليه السلام.
والصديق الثاني دياب .. ولاعلاقة له بعمرو .. حتى أنه لايستظرف أغانيه.. وينفي صلة القرابة غير الموجودة أصلاً ..
ويعمل محامياً من الدرجة الثانية .. وينشر مقالات عديدة في مختلف المواقع في الانترنيت .. آملاً أن يلمع نجمه ذات يوم وسط هذه النجوم المزيفة التي انتقلت من محو الأمية إلى المواقع المتكاثرة والتي تفرّخ بالجملة في كل موسم.
وافتتح دياب الحديث بأمنية تقليدية قائلاً:
- ان جلسة كهذه لايزينها إلاّ صوت أم كلثوم .. ملكة الليل .. فرد عليه نزار متسائلاً :
- ولم أم كلثوم بالذات ..
- لأن جلسات الليل لا يصلح لها إلا صوت أم كلثوم .. وكأن ربنا خلقها للسكارى ولندماء الليل والمتيمين.
- هذا اجتهادك ..
- اجتهادي ؟ هه .. هذه قاعدة .. أم كلثوم لليل وفيروز للصباح
فضحك نزار بتهكم وقال :
- ماشاء الله على الفرز اليومي .. أليس لديك فرز موسمي أيضاً ؟.. شتوي وصيفي ؟.
- سبحان الله .. ما رأيك لوتسمع فيروز الآن؟ ..
_ بكل سرور ..
_ هل جننت .. فيروز في عز الليل .. انها لاتسمع إلا في الصباح ..
سحب نزار نفساً عميقاً .. ورده دخاناً كثيفاً فوق رأسه .. وتطلع إلى النجوم المتلألئة في السماء الصيفية النقية .. واستنشق من هواء المزرعة الصافي نفساً صحياً .. خاليا من المعسل ذي التفاحتين .. والتفت إلى دياب قائلاً :
_ ياصديقي العزيز .. لايمكن تصنيف الأصوات بأوقات النهار .. أما أن فيروز للصباح فهي لعنة الإعلام الذي حول ذلك الصوت المخملي العذب .. إلى وظيفة الديك الذي يصيح في الصباح ثم يختفي ليظهر في صباح اليوم التالي ..
انها عادة مكتسبة دسوها في أذهان الناس .. بينما الصوت الذي تستلطفه يمكنك سماعه في كل وقت تشتاق فيه مشاعرك لصحبة الموسيقى والغناء .
وصفق دياب ساخراً من صاحبه وقال:
- الله أكبر والله أرى فيك موهبة وزير اعلام لا صحفي .. وبالمناسبة على سبيل الفرض مثلاً .. ماذا تفعل لو نصبوك وزيراً للإعلام ..
- أعينك فوراً سائق الوزير ..
وضحك أحدهما بينما نفخ الآخر غيظاً .. فوظيفة سائق الوزير التي يطمح لها الكثيرون حطت من قدره ومرتبته ..
انما السهرة في بدايتها .. ورغم أن البداية غير مشجعة .. لكن لاخيار .. فالصمت في حضرة النرجيلة كسر لهيبتها .. وهدر لسحرها .. ونزيف لسلطانها .. لذا تحامل دياب على نفسه وتغاضى عن تحطيم رتبته .. وسأل نزار من جديد:
- ومع ذلك يا سيادة الوزير .. يامعلمي .. ماكنت تفعل في وزارتك ؟
وساير نزار صاحبه في هيلمان النرجيلة فقال :
ياعزيزي .. المفروض أن نعرف مهمة الاعلام ودوره وهدفه .. قبل أن نرخي مؤخرتنا على الكرسي الدوار في مكتب الوزارة ..
- اتحفنا .. نورنا.. أدام الله فضلك .. يااعلامي الوطن ..
- تجاوزاً لسخريتك وتهكمك .. أجيبك .. من الاعلام الأكثر رواجاً .. وهو.. الفضائيات الكريمة التي فرّخت مثل الفطر بعد زخات المطر ..
معظمها تستضيف المومياءات التي تنظر وتبجل وتحكي الكلام المقولب .. وتعلك لغة حمقاء .. وتسرب للمشاهدين سفسطة لاتسمن ولاتغني ولاتبشر بخير ..
- ادعمنا بأمثلة يارعاك الله ..
- خذ فضائيات الخليج في اعتبارك، يكافحوك بعقال ولحية في وسط الشاشة ويسحبك الداعية إلى البقيع وتبوك ويهز الأضرحة وينبش الموتى ليعرفك بمآثرهم وصولاتهم واساطيرهم .. ثم ينساك هناك ويهرب في أول دعاية للكولا والوجبات السريعة .. وسباق الخيل للشيخ الشاعر طويل العمر..
- لاتشرّح ولاتجرّح .. هذا يعرفه الجميع .. وأين تذهب الفضائيات بهؤلاء المفروضين ولابد من سماعهم ..
- يرسلونهم في طرد مضمون إلى الجرائد .. والمهتم بهم سيقرأ ما يتكرمون به .. أو للاذاعة وعلى من يهمه الأمر أن ينصت لهم مادام الخير فيما يتفوهون به لا في سحناتهم العتيقة الأثرية .
- وما يتركون للفضائيات التي تدور أربعا وعشرين ساعة بلا هوادة ..
- مهمة التلفزيون – برأيي كمواطن لا كوزير إعلام – التثقيف والترفيه .
يعني أفلام وثائقية ودراما هادفة .. وأنما ذات مصداقية .
- الشاي .. سيادة الوزير .. يبدو أنه سيبرد مثل دم بعضهم .
نظر نزار لصديقه مستفسراً عن صاحب الدم البارد .. وارتشف الشاي وتبعه بقليل من وجبات المعسل .. وسأل :
- هل أقدم استقالتي من الوزارة .. وتخسر أنت وظيفتك كسائق؟
- يبدو أنك تريد أن تدفع عن نفسك تهمة برودة الدم ..
- ماعلينا .. ألا تشعر بالجوع ؟
لم يكن العرض من أجل الطعام .. فهما قد تعشيا مؤخراً بشواء متنوع ولذيذ ومازالت رائحته تطغى على عبق المعسل المحترق .. انما كبادرة لتغيير مجرى الحديث الذي وجد في المكان الغلط..
وفطن دياب لهذه المناورة .. فأعطى صاحبة اشارة بذلك :
- أهو هروب دبلوماسي سلس ؟
- عين الحسود تبلى بالعمى .. اللهم صلي على النبي .. يالنباهتك .. وختما بضحكة مشتركة تعني هدنة لطيفة كهذا الجو البديع في المزرعة .. وبعد برهة شعر نزار بالحاجة إلى مراضاة صاحبه الذي قمعه بحنان .. فقال :
- ما قولك يا دياب بفكرة الاستنساخ ..
- هذه حديثها يطول .. ومستقبلها مهوول..
- عرفنا الأولى .. فما الثانية ؟ ولماذا هوّلت ؟
- بدأ الاستنساخ بالحيوان ..وقريباً ينتقل إلى الانسان .
فصاح نزار:
- أعوذ بالله .. أعوذ بالله ..
- فاستغرب دياب هذا الايمان المفاجىء لصديقه العلماني .. فسأله :
- خير .. ماذا بك تستعيذ وتستنكر استنساخ الانسان ؟
- أخشى أن يستنسخوك .. فنكون بمصيبة نصبح بمصيبتين ..
وكتم ضحكته بصعوبة منتظراً ان تصل "خفة دمه" إلى مدارك صاحبه .. ولما طالت ردة فعله .. فرطت ارادة نزار فانفجر ضاحكاً بلا توقف .. بينما دياب في وجوم .. وهيئة جدية خاشعة ..
فقال نزار :
- مالك ياصاحبي .. اني امازحك .. مالك قد زعلت .. أني فقط ادفع عني شبهة برودة الدم التي لصقتها بي منذ قليل..
ومع ذلك .. اعتذر لك .. وأتأسف لما بدر مني .. فلاتنزع جلسة الإنس .. ورد عليه دياب بجدية تامة .. ومن موقع آخر .. وبموضوع مغاير تماماً:
- لقد شردت في فكرة استنساخ الانسان .. ولم اسمع ما قلت ..
كلمات دياب عبرت عن عمق ما يفكر به .. وشبه معاناة .. وهم واحباط وكأن الاستنساخ هذا مصيبة كبرى تطوقه وتكبس على انفاسه .. وشع في عينيه وميض قلق مستعص خرج عن السيطرة ..
اعتدل نزار في جلسته .. واقترب اكثر من صديقه .. ليقاسمه ماهو فيه .. وتمتم بكلمات ضبابية ثم قال :
- أراك جاد في ماأنت فيه .. شاركني فيما يقلقك ..
القى دياب نظرة استطلاع في عيني نزار ليسبر مدى جديته في السؤال .. وأن لا لغم يختفي في بطانة كلامه، ولا سخرية مغلفة وراء الأكمة .. وحين استوثق من أرضية الحوار قال:
- اسمع يانزار .. هل ترى ماوراء الاستنساخ هذا .. لا الاستنساخ نفسه ..
- ماذا وراءه .. استنساخ آخر .. وتطور جديد .. وابتكارات لا تتوقف فالعلم دولاب يدور لا فرامل له.
صمتاً معاً .. لكنهما كانا يغزوان ذات الفكرة .. كل حسب مفاهيمه وتحليلاته
لأن الموضوع يفوق حجم دماغهما وأكبر من أن تحتويه معتقداتهما .. لأن ايمانهما بالخالق الوحيد الذي تفرد بصياغة الانسان على شكله وزرع فيه فيتمامينات الحياة وغذّاه بالمشاعر المحبة للخير .. وتبادل العطاءات الطيبة.. لكنه طوقه بالموت .. أجل نعمة الموت..
تلك النعمة التي لا تدرك أبعادها .. فنذرف طوفان الدموع على شارب تلك الكأس ومغادرته عالمنا بعد تعلقنا به والتصاقنا به .. نعمة الموت هذه فيها أهرام من الحكمة .. وبحار من العبرة أمواجها تضرب في مرافىء عيوننا كي نستشف العظة ..
ان الله حين اخترع الموت لعباده .. كان يدرك أنه أسمى ما تكرم به عليهم .. وخلاصة رحمته بالبشر، ويكفي أن نتخيل ولو لثوان لونسي الله أن يتحفنا بهذه المعجزة .. الموت .. كيف كان حال المعمورة ..
جشع في الاستحواذ على ماتقع عليه عينا البني آدم .. وشر مستشر في جوارح كل فرد .. وشريعة مبررة لنهش بعضنا بعضاً .. لأن الديمومة تستوجب أفناء الآخر وسحقه وبلعه .. وهي بدورها ستؤدي إلى الانقراض المحتم للجنس الآدمي ..
فالمرء رغم محدودية اقامته في الدنيا تجده يفترس ما حوله .. ويلتهم ما تطاله أسنانه .. و"يكوش" بدون وجه حق على ماتمكنه منه قوته وعضلاته وسطوته رغم معرفته أن كل هذه الماديات لن تصحبه حين يأتي أجله .. فما بالك لو كان هذا سيلاصقه إلى الأبد ..
وماالاستنساخ الذي شغل رأسي نزار ودياب في أمسيتهما في حضن الطبيعة آخر الليل إلا مضاد الموت .. واكسير الديمومة .. والثقب الاسود لابتلاع سكان المعمورة بكل طموحاتهم وآمالهم ..
ربما هي فلسفة جديدة .. لذا كان صديقانا غارقين في تلك الفكرة .. ولقسوتها وشراستها لم يتمكنا من تقليبها بصوت مسموع .. بل بخشية وهلع .. حتى إذا مااستوحشا .. بدآ يسربان بعضاً من ملامحهما فقال نزار :
- هل تجد الاستنساخ نعمة أو نقمة .. أعني خير للانسانية أم وبال عليها؟
تردد دياب في الاجابة .. لأن كلمة نعم أو لا لن تفي بالغرض .. وهي أقزم من هذا المارد لتحتويه وتعيده إلى قمقمه .. لكن التفات نزار إلى صاحبه وتشوقه للجواب أرغم دياب على الكلام فقال :
-انها الاثنان معاً .. الخير والشر ..
- كيف ؟
- ان استنساخ الطيبين الخيرين .. كالعلماء والفلاسفة والمخترعين هو خير لأنه يتمم مسيرة البشرية في التطور والازدهار .. ويساعدها على تحدي غدر الطبيعة من كوارث وزلازل وفيضانات وبراكين، ويدعمها بتكنولوجيا الحياة الرغيدة الكريمة أما استنساخ الأشرار والطغاة والانانيين فسيؤدي إلى انهيار القيم وسيطرة السطوة وابتلاع الآخر ..
ضحك نزار من مقولة صاحبه .. وارتشف كوب الشاي حتى آخره .. وجدد نار نرجيلته .. ثم ربت على كتف دياب وقال:
- أليس العلماء والمخترعون هم من اكتشفوا البارود والذرة والنووي .. هؤلاء من تحرض على استنساخهم .. هل تنوي قصف عمر البشرية مبكراً
وتابع ضحكه وهو يغير على معسل نرجيلته "بشفط" شره .. وكأن أحداً ما ينوي سلبها منه ..
أما دياب فقد أكد على ما قاله مستنكراً ضحك صاحبه .. ومدافعاً عن مقولته:
- لقد أكدت لك استنساخ الطيبين والخيرين منهم ..
- وكيف تميز ؟ ماهو شر بالنسبة إليك هو كل الخير للآخر .. انها مسألة نسبية..
- طيب ياعزيزي .. ليكن الاستنساخ محصوراً بالفلاسفة والأدباء والشعراء ورجال الدين .. والأطباء و ...
وفرقع نزار بالضحك بكل جوارحه يرافقه سعال حاد .. وكاد يسقط من الكرسي .. واستعان بالطاولة الخشبية يخبط عليها بقبضته ليفرغ فيها ما تكوم في أعماقه من الضحك والانفعال ..
بينما حملق فيه دياب .. وفتح فمه على الآخر .. مندهشاً ومستهجناً تلك الفورة غير المنتظرة وغير المبررة .. بل وغير المقبولة ..
وحاول نزار فرملة أعصابه . إلا أنها كانت تزداد سرعة وجموحاً .. وتنوي أن تسحق ما أمامها وتكسر كل الحواجز .. وتقفز من الجاذبية الأرضية نحو الفضاء .. فيبدو أن الكون بدا تحت سطوتها ..
وانتظر دياب حتى تفرغ الشحنة التي تدعم موتور ضحك نزار ويهدأ ويعود إلى الأرض .. وإلى آدميته .. لأن ضحكه هذا أكثر من شراسة لا حدود لها..
وحين بدأت تخف حملة ضحكه .. وانتهى سعاله المتقطع .. وتوقفت دموعه عن القفز من مقلتيه قال نزار:
- أتصور الآن البشرية كلها فلاسفة وأطباء وأدباء ورجال دين .. فكيف بالله عليك ستكون الحياة .. أليس الأمر مضحكاً يا صاحبي .. وأرجوك أن تعذرني فقد خرجت عن السيطرة على نفسي..
- لقد حيرتني ورب الكعبة .. أنت سألت وأنا أجبت..
- ولكني لم أتوقع جواباً كهذا.
- تفضل حضرتك .. وأفحمني اذن .. من تستنسخ؟
- الرئيس ..
- نعم .. ماذا قلت ؟
- قلت الرئيس..
- أي رئيس؟.
- رئيس كل بلد .. فحين يكون استنساخ الرئيس مباحاً .. تنتهي جميع المشاكل لا انقلابات ولا استيلاء على السلطة .. ولا معارضة لأن لا أمل لها ..
ولا انتخابات ولا استفتاءات .. ولاتوريث..
بل بالعكس .. سيتفرغ الرئيس لخدمة البلاد والشعب .. ويسرح جيوش المخبرين .. ورجال الأمن الطفيليين .. والمرافقين والمنتفعين .. وتلغى السجون .. وتعرف الرعية أن هذا قدرها إلى الأبد ..
تلفت دياب حوله .. في هذه المزرعة النائية خشية أن يكون كلام نزار قد تسرب هنا أو هناك .. وخاف أن تشي الأشجار أو النراجيل بهما ..
فنهض وقال:
- يخرب بيتك على هذه الفكرة .. أنا ذاهب إلى النوم .. ان كنت أستطيع النوم بعد كلامك هذا ..
فقال نزار ضاحكاً:
- تصبح على خير ..
تم مستدركاً وضحكته تجلجل:
- تصبح على استنساخ.
تعليق