لا يوجد رسائل// كوثر خليل
عادت الجميلة جوليا طفلة ً صغيرة ً تحت وقـْع المهدئات و صارت تتحكم في اُرتداداتها من عالم الطفولة و إليهِ حتى تستطيع الكتابة بوضوح، كان هاجس الزمن شغلـَها الدائم، الخوف من الموت وعدم إيجاد الوقت الكافي للكتابة: كتابة كل شيء.
كانت تعشق قميص النوم الأبيض الفضفاض و تسريحة شعرها ذات الضفائر المهمَلة على الكتفين و فنجان القهوة أمامها و المحبرة و منضدة تطِل على نافذة مقفلة دوْما.... كانت هذه الأشياءُ فقط عالمَها كلـَّهُ بعد أن اُختارت هجران عالم الآخرين فهي لا تحب الكذب و النفاق و تكره إضاعة الوقت في الثرثرة و لا شيء يُوَتِرُها بقدر صخب الأطفال... ثم صارت تنام في النهار لتستيقظ طول الليل لتكتب و تتأمل و تهرب إلى عالم يُشبهها و لا يجرح ذاتَها الكئيبة أصلا.
تزوجت مرّتين و فشلت في الإثنتين لأنها تكره الكذب فكانت حياتها موْسومة دوما بإيقاع العزلة السوداء...لم يكن هناك أسلوب ثالث لتعيش وفـْقـَهُ فإما أن تتكور على ذاتها (كما تفعلُ) و تكتفي بحياة شبحية تجعلها غير مرئية أو أن تغادر هذا البيت إلى الأبد و تعيش نِصْفها الآخر الذي كانت تخاف اُنبـِثاقَهُ في كل لحظة فطول الوقت كانت تتصارع في داخلها اُمرأتانِ: اِمراة قوية إجتماعية شبقية واثقة و اُمرأة خانعة ضعيفة بلا ملامح و لا هدف فيما كانت هي تهرب إلى الثانية لتتمزق بسياط الأولى، تلك المرأة التي كانت تتحرك تحت جلدها كوحش شرس يطلع من كل مكان.
حين كان يأتي بعض الأشخاص المُهمين إلى البيت (بيت والدها) كانت تستعيد شخصيتها القوية و تتحرك في البيت كملكة تستقبل الضيوف و تشرف على الطاولة و تُحسِن المحادثة أمام عيون أفراد العائلة المندهشين من هذا الكائن الغريب الذي يعيش بينهم و لا يعرفونه و لكنها سرعان ما تعود إلى شخصيتها المنكسرة و تتسلل إلى غرفتها لتتحصّن بها.
حين حمَلت بطفلها الوحيد من زوجها الأول كانت تنتابُها نوبات ذعر رهيبة تعجز عن السيطرة عليها و كانت تسرع إلى أحضان زوجها المشغول دوما تريد أن تُخبره بأنها مُضطرة إليه و أنه الوحيد القادر على جمع شتاتِها و مصالحتِها مع نفسِها يكفي بأن يبقى معها قليلا و يحضنها بقوة حين يهجم عليها ذلك الخوف الذي يلتقي عندهُ نِصْفاها و مسؤولية الطفل القادم معًا لكنه يتركها مسرعا إلى أعماله، .
أنجبت طفلها و عاشت معه في بيت العائلة، هذا البيت الذي لم تكن تريد العودة إليه أبدا فإذا بها تعود و معها طفل لتستعيد عذاب طفولتها في شخصِهِ من جديد...و تزوجت للمرة الثانية هربًا و لم تَدُم زيجتُها أكثر من شهرين فلا رجلَ يستطيع أن يقدم إليها ما تطلبُهُ...
صارت الكتابة العالم الوحيد الذي تجد فيه نفسَها و تنهمر فيه حبرا و دُموعا و ذ ُلّا لتنبعث من جديد قصة ذات معنى و قصيدَ نشوةٍ و كبرياء...و في أحد الأيام جاء إلى البيت صديق مقرب من العائلة و نصحها بالنشر فاُستبدّ بها الأمل و عرفت السعادة و هي ترى أول نصوصها ينشرُ على صفحة جريدة لكن الأمر صار روتينيا و لم يعد يثير حماسها فيما ظلت على اُتصال ب"كاظم" صديق العائلة الذي اُستطاعت أن تحافظ معه على مسافة الأمان بمكالمات متباعدة لكن الحب عاد يُشاغبها و صار اُبنُها قطعة من الجمر لا تذكِـّرُها إلا بالإثم و العذاب فكانت تخاف حتى من ضَمِّهِ لئلا تنتقل إليه هواجِسُها و عذاباتُها.
و عرفت جوليا الشهرة بإصدار رواية عنوانها "المقصلة" توّجَها زواجُها ب"كاظم" و لكن الصراع في داخلها ظلّ قائما و لم تكن تستيقظُ المرأةُ القوية إلا في المناسبات الاجتماعية أما طيلة الوقت فكانت المرأة الخانعة المتكوّرة هي المسيطرة و بعد نجاحِها لم تكتب جوليا فقد صارت فريسة الإحباط الذي يلي كلَّ نجاح خارق و صار النوم ملجأها الوحيد عندها ترك كاظم البيتَ فأسرعت نحوه لتثنيَهُ عن قراره لكنه أصرّ مُتحجّجا بأنه لن يستطيع الحياة بهذه الطريقة و أنه فشل فشلا ذريعا في جَعْلِها اُمرأة سعيدة بعد أن صار الفِراش اُختبارا يوميا قاسيا لعاطفة كليهما لا ترتفع حرارتُهُ عن الصفر و ظلـّت أياما لا تبرح غرفة الجلوس و لا تفتأ ترفع سماعة الهاتف لتسمع أية رسالة صوتية مُحتملة من كاظم أو من غيره دون جدوى عندها أودعت طفلها بيتَ العائلة و فتحت كل صنابير الماء في البيت و اُستسلمت لمفعول الدواء فيما كان الهاتف يردّد في بُرود: لا يوجد رسائل..
كان الماءُ يعلو في الغرفة، يعلو مُحدِثا فوَرانا فيما كانت نائمة و الكوابيس تنهشها..كان آخر ما تذكره قبل أن يُغلق الماء عينيها سؤال اُبنِها: "ماذا يحدث حين نموت؟" فتمتمت و هي تشعر أنها تجدُ الإجابة:"نعود إلى المكان الذي أتينا منه".
تعليق