ظلال وأمواج

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالمنعم حسن محمود
    أديب وكاتب
    • 30-06-2010
    • 299

    ظلال وأمواج

    إلى شقيقي الأصغر (محمد) الذي مزق شهاداته الجامعية ذات يوم، وكف عن البحث عن وظيفة، وقرر أن يكون مكتئباً كالآخرين.

    ظلال وأمواج

    إنها الرابعة عصراً..
    هكذا تشير عقارب الساعات الملتفة حول معاصم الفريق المنظم للحفل بثيابهم الموحدة..
    قميص، سروال، حذاء / أخضر، أصفر، أحمر...على التوالي.
    ينظر أفراد الفريق بعيون جاحظة في وجوه بعضهم البعض فخورين بما تم انجازه. يلتفون حول دائرة خالية من معداتهم، ويقتسمون ابتسامات الرضا بالتساوي، كما اقتسم من قبل فقراء الأرض حبة يتيمة من النبق الفارسي وجدوها معلقة في غصن شجرة تلفط أنفاسها الأخيرة.
    الشمس بكامل هيبتها مازالت حاضرة في سمائها، وستشهد بعد قليل إذا ما سئلت، بأن كل شئ كان مرتباً وأنيقاً وفق الخطة المتفق عليها.
    الأسِرّة الفخمة المصنوعة من أجود أنواع الخشب في المقدمة، وفي كل سرير لحاف إسفنجي مغطى بشرشف زاه اللون. المساند التي تحتفظ في داخلها بريش النعام تشتهي في سرها مجموعة من كبار الشخصيات، كي يسندوا عليها أجسادهم الطرية المعطرة بأفخم ما أنتجته البيوتات الباريسة من عطور. أمام كل سرير هناك طاولة زجاجية مظللة بألوان قوس قزح، فوقها قوارير معبأة بالمياه المعدنية، وزجاجات مغلقة بإحكام تحوي أنواعاً مختلفة من المشروبات الغازية المثلجة. ألواح متعددة الأشكال والأحجام من الحلوى، وفي مقدمتها (الشوكلاتة) جيدة الصنع في صناديق مغلفة بعناية.
    خلف الأسِرّة الفخمة وضع منظمو الحفل مقاعد وثيرة من الجلد الصناعي، تعرف متى تفتح أفواهها الكبيرة لمؤخرات رجال الصف الثاني. جوار كل مقعد وثير توجد طاولة خشبية مستوية، ومصقولة السطح، يحفها إطار سميك وظيفته حماية العصائر الطازجة، والمعصورة عصر حلال من الانزلاق، وعلى الطرف الثاني من الطاولة توجد أجود أنواع التمور الواصلة للتو من المدينة المنورة.
    مقاعد من البلاستيك المهترئ تقبع بزوايا منفرجة في الصف الثالث، وأمام كل مقعد طاولة واحدة صغيرة الحجم مصنوعة من الحديد الصلب، وفوقها أكواب من البلاستيك بها مشروبات بلدية متنوعة بتنوع القبائل التي تصنعها.
    تتوالي الصفوف وفق القاعدة التنازلية التي اخترعتها عقول منظمي الحفل. ففي الصف الرابع كراسي حديدية صدئة بثلاثة أرجل، وكل كرسي يصله أنبوب ممتد من الشبكة العامة للمياه.
    تتدرج الصفوف بعد ذلك مبتدئة من الحجارة المغلفة بكراتين فارغة، إلى علب الحليب المجفف الفارغة سعة ثلاثة آلاف جرام، مروراً بسجادات من السعف المحلي، ثم التراب المستوي، وأخيراً صف المجاري الذي يرحب عادة بكل قاذورات المدينة..
    المسرح زاه اليوم، وأنيق بحلته الجديدة، وبينه وبين الحضور مسافة ثلاثين متر فقط. ستار أبيض مستطيل، ومحفوف بخطوط حمراء، مسدلاً كخلفية لخشبة المسرح. سجادة تركية خضراء منبسطة على أرضية الخشبة. مكبر صوت كقبة صغيرة يتدلى من سقف غير مرئي، يبدو من بعيد كقبضة طفل مشاغب لا يرغب في الإنتماء هذه السنة لواحدة من رياض الأطفال..
    عقارب الساعات المثبتة منذ الصباح الباكر في سواعد الفريق المنظم للحفل تشير إلى ساعة الصفر، وعلى الحفل أن يعلن عن أولى فقرات برامجه.
    سيارات يابانية فارهة بلا صوت يفضح حضورها، تقترب من طرف الميدان. رجال المرور فرحون بمهمتهم الجديدة لدرجة الابتسام. يتقدم أحدهم جهة السيارات بثياب نظيفة ولامعة. صافرة ملونة تم تصميمها في ماليزيا بشكلٍ انسيابي، يضعها رجل المرور بين أسنانه بلا توتر، ينفخ فيها عبر فتحتها الخلفية نصف نفخة. موسيقى حالمة تنساب في الفضاء. يشير بيده اليمنى الداخلة في غشاء أبيض ناعم لسائقي السيارات، تستجيب السيارات بأريحية، وتصطف في تراتب أنيق في طرف الميدان.
    يلهث (الحارس الأمين لنوافذ الجامعة) بخطى مرتبكة ولكنها واسعة جهة ضيوفه من كبار الشخصيات التي تشرف بحضورها الآسر هذا الاحتفال، ابتهاجاً بتخريج دفعة جديدة من طلاب أشهر كلية علمية في المنطقة، والتي لا يدخلها إلا الراضون عنهم من العباد. يفتح (الحارس الأمين) ذراعيه كمن يريد أن يستشهد من أجل قضية عادلة، ويدخل ضيفه الكبير المحترم (ملازم عاشر معاش أراضي) في حضنه، يرافقه بأدب جم، وبخطوات متمهلة، وكأنه يتنزه على شاطئ النيل. يجلس (الملازم) في إحدى الأسِرّة الفخمة المواجهة بشكل مباشر لعمق المسرح. يتنازل (الحارس الأمين) عن ابتسامته ويهبها مجاناً (للملازم)، ويركض مرة أخرى بذات الطريقة التي فتح بها ذراعيه في المرة السابقة، ويقترب من ضيفه الثاني المحترم جداً (عامل النقاط التي غابت عنها حروفها). يضع أصابع ذات أظافر نظيفة ومقلمة بعناية فوق كتف (عامل النقاط)، ويرجوه أن يشرف هذا السرير المجاور لسرير (الملازم) بجلوسه عليه. ينحني (الحارس الأمين) حتى يكاد يمس برأسه الطاولة الموضوعة أمام سرير (عامل النقاط)، يسحب منديلاُ من الورق، ويحيط به خصر قارورة مياه معدنية بعد أن ينزع عنها الغطاء، ويزجها بين شفتي (عامل النقاط). يتنازل له (الحارس الأمين) طواعية عن بريقه ويمنحه له بلا من ولا أذى، قبل أن يهرول جهة ضيفه الثالث والأخير، الكبير جداً، والمحترم لدرجة "قف مكانك" (عميل أول ديوان العمل). يضغط بيده ضغطة خفيفة ولينة وموحية على يد (العميل أول)، ويرافقه بنظرات لا تفارق الأرض، إلى حيث ينتظر السرير الثالث يسار سرير (الملازم). يدخل (الحارس الأمين) يده في جيب سرواله ويخرج مفتاحاً، يخنق بأصبعين فقط عنق زجاجة تحوي مشروب غازي مثلج، ويحيط غطاء الزجاجة باستدارة المفتاح، ينزع الغطاء بالمفتاح دون أن يهتز المشروب الغازي، ثم يحشر نصف الزجاجة برفق في فم ضيفه الكبير جداً (عميل أول)..
    مرتادو الصفوف الخلفية يتوافدون بهدوء، وكأنهم يزحفون على بطونهم، يحتلون أماكنهم بلا ضجيج..
    الطلاب المحتفى بهم كخريجين من الكلية الشهيرة يقفون خلف كواليس المسرح، يرتدون معاطف سوداء، وعلى رؤوسهم قبعات دائرية، في انتظار صافرة البداية.
    يستعير أحد أفراد الفريق المنظم للحفل صافرة ماليزية انسيابية الشكل من رجل المرور الذي يراقب المشهد من مكانه وسط السيارات القابعة في طرف الميدان. تطلق الصافرة موسيقى حالمة، فيقفز (الحارس الأمين) إلى خشبة المسرح، يحمل بين يديه دجاجة تفرفر تزن واحد كيلوجرام من اللحم الصافي، وقبل أن يشرع في إلقاء كلمته على الحضور، مبتدئاً إياها بتحية كبار ضيوفه من الشخصيات المهمة التي تجعل من مهمته مهمة صعبة. يرميه مشاغب واقف في مجري من مجاري (المحلية) التي حفرتها مؤخراً استعداداً للخريف ونسيت أن تكملها، ببيضة نعام كبيرة ومغايرة لحجمها الطبيعي. تنتفض الدجاجة انتفاضة امرأة واحدة، وتنفلت من بين يديه، تجري الدجاجة برجل واحدة، وتجلس بتهذيب تام جوار (الملازم) كتفاً بكتف. يلتقط (الحارس الأمين) بيضة النعام الصادرة من المجرى العام بالتقاطة ماهرة يحسده عليها (كازياس) حارس مرمى فريق برشلونه، أو فريق ريال مدريد، فأنا لست متأكداً لأيّ فريق ينتمي هذا العملاق. يصفق الطلاب المحتفى بهم بحماس شديد لحارسهم العجيب من خلف الكواليس. يقشر (الحارس الأمين) بأظافره التي استطالت في الحال البيضة، ويرميها من مكانه جهة (العميل أول) الفاتح فمه على آخره، وهو جالس في سريره الفخم. يمزق (العميل أول) البيضة بأسنانه بتمهل، ثم يصدر صوتاً عندما يلصق سطح لسانه بتجويف فمه الأعلى، يمد يده، يفتح قارورة مياه معدنية جديدة، ويعيدها فارغة فوق الطاولة، يحمد الله كثيراً على هذه النعمة ويصمت..
    يترجل (الحارس الأمين) عن الخشبة، بعد أن أعلن بصوت خشن، بأنه قرر في هذه اللحظة التاريخية أن يرشح نفسه لدورة أخرى هذا العام وفق قانون الانتخابات الجديد..
    فاصل غنائي مختار بعناية من الغناء الصاعد المتكسر المتسيد الساحة الفنية الآن..
    (عامل النقاط) يقفز فوق اللحاف ويتمايل طرباً..
    (الملازم) ينزع عن كتفه مائة متر حيازة نجوم، ويرقص بعصبية بلا أكتاف على أنغام الفنان الصاعد لتوه في نفق الغناء..
    يتشظى (الحارس الأمين) بصمت أمام خشبة المسرح، يبكي بتشنج بكاءً حاراً لا دموع فيه، وهو يتذكر الأيام الخوالي، وكيف كان حاله عندما كان خريجاً جديداً، وكيف أن المؤسسات الزراعية التي كانت تحسب على أصابع اليد الواحدة في المركز والهامش، كانت تتنافس عليه تنافساً حاداً لا تنازل فيه، وتبرم معه العقود منذ أن كان في الصف الأول في الجامعة..
    ينتهي الفاصل الغنائي..
    تتقدم فتاة مثيرة لدرجة التحرش رسبت في جميع المواد بخطى تهتز لها الأفئدة من سيادة (الملازم)، وتضع بين يديه لوحاً من الثلج تختبئ شمس ملتهبة في تجويفه. يحمل سيادته الشمس بأصبع واحد، ويضعها بين فخذي (العميل أول)، ثم يشرع دون أن يستأذن من أحد في نزع ملابسه، مبتدئاً من القبعة التي على رأسه، ومنتهياً بآخر قطعة قماش صغيرة ملتصقة بجسده اللدن، ثم يتدحرج عبر الدرجات المؤدية إلى خشبة المسرح، يربط لوح الثلج في طرف الحبل الذي يتدلى منه مكبر الصوت، يقف مستقيماً تحت الثلج، يأخذ حماماً بارداً، ثم ينزل ويتجه صوب (العميل أول)، يستعيد شمسه المختبئة بين فخذيه ويتدفأ بلهيبها، يرتدي ملابسه على عجل، يدخل أصبعين من أصابعه داخل فمه، يمدُّ لسانه قليلاً للخارج، ويطلقها صافرة داوية يستجيب لها الحاضرين بتصفيق حار..
    الفأر الذي يغط في نومٍ عميق في المجرى الخلفي، أيقظه التصفيق الحاد. تذكر القطة التي كان يطاردها قبل أن يداهمه هذا النعاس المفاجئ. مارس رياضة خفيفة، ثم تجول تحت الأسِرّة، والمقاعد، والكراسي، والحجارة، وعبؤات الحليب المجفف الفارغة بحثاً عن قطته الضائعة..
    أفسح الفأر أثناء تجواله الطريق لنملة تحمل فوق ظهرها برميل نفط، وتتقدم به بخطى واثقة جهة خشبة المسرح. اقتربت النملة من الستار الأبيض الذي يفاخر به منظمي الحفل كخلفية رائعة للمسرح. وضعت البرميل فوق السجادة الخضراء، وأزاحت بفمها الغطاء، أعادت تنسيق ألوانها بأحمر الشفاه، أدخلت يدها في الفتحة بين القميص واستدارة صدرها وأخرجت فرشاة رسم سرقتها في وقت سابق من فنان تشكيلي كبير انتحر مؤخراً. غمرت النملة الفرشاة في لزوجة النفط، ووقفت بشكل مستقيم، رسمت على الستار الأبيض ظلها بكل أمانة أدبية، ابتعدت قليلاً، وتأملت الظل بإعجاب واضح، ثم قفزت قفزة سريعة والتصقت بظلها إلى الأبد..
    الشمس مازالت حاضرة بقوة، وكذلك الذباب..
    توافد الطلاب من خلف كواليس المسرح، واصطفوا فوق الخشبة في شكل هندسي مهيب، يحملون شهاداتهم الجامعية في أياديهم، كأنها أنابيب بلاستيكية صغيرة يلتف حول خصرها حزام من الحرير الناعم..
    ينزل المتحدث باسم الطلاب من على الخشبة، ويركض جهة (عامل النقاط)، يقبله قبلة سريعة في جبينه، ثم يمسح بطرف معطفه بقايا بصاق علق في جبهته، ويعود بذات الطريقة إلى الخشبة. يسحب مكبر الصوت إلى أسفل حتى يوازي قامته القصيرة، وقبل أن ينفخ ثلاث نفخات فيه، يمزق المعطف والقميص من الجهة التي تغطي صدره، تظهر لوحة مضيئة استخدمت فيها أشعة الليزر. تتحد أصوات الصفوف، من صف المجاري إلى صف الأسِرّة الفخمة، وتقرأ جميعها بصوت عال ما كتب على اللوحة..
    "ما حكّ جلدك مثل ظفرك"..
    الأشجار المنتشرة بعشوائية في ساحات الكلية العلمية، ما أن شاهدت المشهد حتى تركت جذورها خلفها، ورحلت. يضحك (الملازم) حتى تدمع عيناه، ويكاد يسقط من على سريره الفخم ويدق عنقه بالأرض..
    بائعات الهوى والأساور، والاكسسوارات، اللاتي ينتظرن خارج الحفل البهيج مللن الانتظار، ولعن في سرهن عقارب الساعات التي تلتف حول معاصم منظمي الحفل، التي لا تشير إلى أوان انتهاء الحفل وفق الوقت المتفق عليه..
    أول الدفعة، وأذكى طالب في الكلية يستعد الآن لإلقاء كلمته. يعتلي الخشبة، يواجه الحضور الكريم، يصيبه هلع مباغت، وهو يراقب ثور يلون بطنه بألوان حمار الوحش، ويعلق في أحد قرنيه حزمة علف. يمر الثور أمام كبار الشخصيات في تهذيب مفرط، يلقي عليهم تحية "سلام تعظيم"، يعتلي الخشبة، ويقترب من أول الدفعة، يندفع بتركيز عال جهة بطنه، يصنع فيها تجويفاً، وكأنه شبه منحرف رسمه مهندس محترف بدقة متناهية. يضع الثور حزمة العلف داخل التجويف، ويستأذن بذات التهذيب ويخرج..
    يضحك أول الدفعة رغم الألم الذي يشعر به بسبب هذا التجويف الجديد، يضغط على العلف بامتنان، ثم يقرأ بصوت جهور نصاً شعرياً (لخليل حاوي)، أو (لفايز خضور)..لست متأكدا. ترميه الصفوف الخلفية بحجارة الاحتجاج وتؤكد بأن الأمر لا يخلو من استعلاء، وإنها لم تفهم شيئاً من هذا النص، وعليه أن يقرأ عليهم كل ما كتبه الشاعر (سليم بركات) عن حيواناته، ابتداءً من " الزيز، وانتهاءً باليعسوب، مروراً بالطاووس، والفهد، والعصفور"، لأن مثل هذه النصوص أكثر وضوحاً ومصادمة من "مَن غيرنا، وجيل البطولات، وهلم جرا"..
    يتثاءب (عامل النقاط) بصوت عال دون أن يستر فمه بحجابٍ ما..
    يرتبك (الحارس الأمين)، ويعلن بعد أن استعاد ابتسامته من (الملازم)، وبريقه من (العميل أول)، عن انتهاء الحفل..
    ينزل جمع الطلاب في صمت غريب من على ظهر الخشبة، ويحتلون المساحة الخالية الواقعة بين مقدمة خشبة المسرح والصف الأمامي بأسِرّته الفخمة..
    ينزع طالب طويل القامة، بهي الطلة، حذاءه وجواربه، يخبئ جورب رجله اليسرى في الحذاء..
    وكأن الأرض انشقت فجأة، يخرج متشرد أعرج ضئيل الحجم، يخطف الحذاء. تنحني هامات كبار الشخصيات، يقفز من فوقها المتشرد، ويركض خارج سور الجامعة. يفاجئه متشرد آخر أكبر حجماً، يشبعه ضرباً، ويأخذ منه الحذاء، ويتجه به جهة رفيقته المتشردة والمنتظرة قدومه خلف جبل من النفايات، وعندما تراه وبيده فردة حذاء جديدة، تقبله قبله عميقة في خده. يفتح المتشرد الأكبر حجماً يدها ويضع فيها الحذاء. تبتسم له بأسنان صفراء، ثم تغافله وتمتص ما تبقى له من رحيق..
    يتجاهل الطالب الذي فقد حذاءه ما حدث للحذاء، يفتح مقدمة جوربه الآخر بأصابع يده اليسرى، بينما يده الأخرى تقبض على شهاداته الجامعية، يمدها جهة أسنانه. الأسنان تمزق الشهادات، وتصنع منها قصاصات صغيرة، يجمعها الطالب في يده، يحشو بها تجويف الجورب..
    زملاؤه الطلاب تعجبهم الفكرة، يلتفون حوله ويمزقون بأيديهم شهاداتهم، ويملأون بها التجويف، يتبرع أحدهم ويقوم بمهمة خنق عنق الجورب بحبل سميك..
    الكرة أصبحت الآن شبه مستديرة..
    يقسم الطلاب الثلاثون متراً الفاصلة بين خشبة المسرح ومقدمة الصف الأول من صفوف الحاضرين إلى قسمين. ألف وخمسمائة طالب سوف يلعبون في الجهة الجنوبية، وآخرين مثلهم بذات العدد سيلعبون في الجهة الشمالية..
    الفتاة المثيرة التي رسبت في جميع المواد، تقف بين طالبين وفي يدها قطعة نقد، تتحدث قليلاً معهما، ثم ترمي القطعة لأعلى في الهواء، تصطدم القطعة بالأرض، وتستقر فوق سطحها، ينحني ثلاثتهم ليروا وجهها غير الملتصق بالأرض. تعلن البنت المثيرة بتمايلها المستفز عن ضربة البداية بآهة واحدة من آهاتها الكثيرة..
    أرجل الطلاب المحتفى بهم تتقاذف الكرة في كل الاتجاهات..
    معاطف التخرج تعيق الحركة..
    تتأوه البنت بدلال فاضح..
    يخلع الطلاب المعاطف عن أجسادهم الهزيلة..
    أبواق سيارات الشرطة تملأ الفضاء..
    لوح الثلج العالق بجوار مكبر الصوت المتدلي من السقف غير المرئي لا يكف عن الانصهار، هكذا هو الثلج كما تنبأ بسلوكه عالم في الفيزياء، فضل أن ينتحر على أن يكون ضيف شرف في هذا الحفل..
    لعاب الثلج ينساب بسرعة الضوء..
    الماء في طريقها لإغراق المكان..
    يستبدل الطلاب قوانين لعبتهم..
    تتحول المباراة، من مباراة في كرة القدم إلى مباراة في كرة اليد..
    الماء يطفو فوق الأسِرّة الفخمة، والمقاعد الوثيرة، والكراسي البلاستيكية والحديدية، تغرق الحجارة المكسية بالكراتين الفارغة في الماء. تقذف الأمواج بمعلبات الحليب المجفف سعة ثلاثة آلاف جرام..
    يخرج (الملازم) هاتفه المحمول ويتحدث بلهجة محتدة، ولكن فيها كثير من التهذيب مع جهة أخرى..
    (عميل أول) يشهر مسدسه، ويطلق عبر فوهته إشارات للنجدة ملونة بكل ألوان الفضاء..
    (الحارس الأمين) يرتل بصوت جميل آية الكرسي..
    (عامل النقاط) أستطاع في هذه اللحظات المتوترة التقاط الحروف والنقاط وكل ما هو غائب في عالم اللغة، ليكتمل نسيجها لديه..
    الطلاب مازالوا يضربون الكرة شبه المستديره بأيديهم..
    من قاع الماء تطفو سفينة صينية الصنع فوق السطح، تطلق بوقها الأخير معلنة عن أوان المغادرة..
    سكان الصف الأول يتركون أسِرّتهم الفخمة، ويقفزون فوق سطح السفينة..
    الطالب الطويل القامة، والبهي الطلة، وصاحب فكرة الكرة شبه المستديرة، يضرب الكرة بيده اليمنى بقوة خارقة..
    تتجه الكرة صوب السفينة التي أبحرت حالما استقر سكان الصف الأول في مقاعدهم الوثيرة..
    تقترب الكرة من المقصورة، تصطدم بها، تكسر زجاجها، وترتطم برأس ربان السفينة، تشق جمجته إلى شقين. يسقط على أرضية المقصورة، يصرخ ولا أحد يستجيب..
    الدم حار ينثال، يتسرب داخل بوصلة السفينة..
    تفقد البوصلة بوصلتها..
    تتداخل الاتجاهات في بعضها وتتشابك..
    الشمس تعلن عن غيابها..
    يحل الظلام..
    سكان السفينة يتخبطون..
    ويفكرون بصوت عال علّ أحدهم يعطيهم فرصة أخيرة للحوار مع هذه الأمواج.
    التواصل الإنساني
    جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    مررت من هنا
    لأزجي التحايا
    و لي عودة بعد القراءة !!

    محبتي منعم الجميل
    sigpic

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      أحتاج لأكتب هنا حبتين كبيرتين ، لكن هل تساعدني معدتي ،
      و تكون أكثر احتراما ، حتى أنهى تلك المداخلة على خير ؟!
      لا أدري كيف أكملت معك هذا التجزؤ ، هذا الموت ، هذا الهذيان حد الجنون
      و عشت مع كل سطر قصة جديدة ، كانت تراكم حولى أسلاكا شائكة ، و قضبان مميتة
      كنت أنفذ منها برغمي ، و أحاول أن أستبقيها قليلا ، لكنها تروغ منى و تتفتت بددا

      لو قلت لك أن كل سطر هنا كان بمثابة حدوتة جديدة ، أن كل سطر هنا كان ينفرد بذاته فى
      تراجيديا الهلك ، و الضياع الذى تمارسه الأنظمة القاتلة علينا ، و على كل أولاد الوطن ، لما
      تجاوزت ، أو كذبت .. أبدا .. و لكن هل صنع كل هذا الكم حالة متكاملة ؟!
      و رؤية لهذا العبث !
      أصرخ منك و منهم .. أصرخ بجنون ما أتيت هنا ، بجنونك أنت و قدرتك على الإبداع ، لأقول
      ارحم نفسك
      أنت تريد عملا عبقريا ، و هذا تجاوز للعبقرية .. من الممكن بل من اليسير أن يطعنها ، و يلقى بها فى مجاريهم ، و لن يؤسس إلا للخواء
      ورأيي سيدى أن هذه خامة كبيرة ومتسعة لعمل روائي ، حملت مفرداته كاملة
      فلم الظلم ؟
      لنفسك و لهذه و لنا ؟
      طوبي لنا و لهم
      و سحقا لمن اغتلوا الوطن و المصائر و عاشوا على أكبادنا !!

      الحديث كثير سيدي المبدع الكبير لكننى فى لحظة جنون حقيقية منك و من هذا العمل المجنون
      الذى أدى بك للوقوع فى شرك أخطاء اللغة فكانت على غير العادة كثيرة ، و فاضحة !!

      محبتي حتى ترضي
      محبتي أيها الكبير القادم بقوة ، إن لم تتخل عن نفسك ، أو تتخلى عن جنونك !!
      sigpic

      تعليق

      • محمد محضار
        أديب وكاتب
        • 19-01-2010
        • 1270

        #4
        هي لحظة هذيان عميق ، بفضح واقعا يكاد يتشابهفي كل الٌطار العربية..سياسة الواجهة سارية المفعول ، ولغة الخشب رابضة على الصدور لا تسمح بالفعل أو رده...هنا قرأت نصا سرديا بحكايات متعددة ، يجمعها خيط رفيع برعت في التحكم فيه......كم أغبطك على هذا النص الماتع
        sigpicلك المجد أيها الفرح المشرق في ذاتي، لك السؤدد أيها الوهج المومض في جوانحي...

        تعليق

        • إيمان الدرع
          نائب ملتقى القصة
          • 09-02-2010
          • 3576

          #5
          الزّميل الغالي : عبد المنعم حسن محمود:
          قرأتُ نصّاً يفور ...ويغلي ...كبركانٍ يدفع بحممه اللاهبة ...ليعلن عن ثورة أعماقه..
          السطور تحمل رموزاً عديدة كانت عميقة وكاشفة لمخبوءٍ كبير...
          وإسقاطات أيّام تقتل بتناقضاتها ...نثرتها على صفحةٍ تحمل ثقل الكون..
          أحبّ أن أقرأ لك جدّاً ...ففيك مواعيد طريقٍ أدبيّ جميلٍ ..يسعدنا أن نتابعه ...ونمشيه إلى جانبك..
          بورك بقلمك ...تحيّاتي...
          وكلّ عامٍ وأنت بألف خير أخي العزيز...

          تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

          تعليق

          • مختار عوض
            شاعر وقاص
            • 12-05-2010
            • 2175

            #6
            كانت ظلالك معتمة، وأمواجك هادرة، فوجدتني أبحث عني بين سطورك..
            نصك يحتاج لقراءات متأنية وليست مجرد قراءة عابرة لنص قصصي..
            سعدت بالقراءة واستوقفتني الكثير من الصور:
            "الشمس بكامل هيبتها مازالت حاضرة في سمائها، وستشهد بعد قليل إذا ما سئلت، بأن كل شئ كان مرتباً وأنيقاً وفق الخطة المتفق عليها."
            "خلف الأسِرّة الفخمة وضع منظمو الحفل مقاعد وثيرة من الجلد الصناعي، تعرف متى تفتح أفواهها الكبيرة لمؤخرات رجال الصف الثاني."

            تحيتي وتقديري لمبدع قدير..
            كل عام وأنت بخير.

            تعليق

            • عبدالمنعم حسن محمود
              أديب وكاتب
              • 30-06-2010
              • 299

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
              أحتاج لأكتب هنا حبتين كبيرتين ، لكن هل تساعدني معدتي ،
              و تكون أكثر احتراما ، حتى أنهى تلك المداخلة على خير ؟!
              لا أدري كيف أكملت معك هذا التجزؤ ، هذا الموت ، هذا الهذيان حد الجنون
              و عشت مع كل سطر قصة جديدة ، كانت تراكم حولى أسلاكا شائكة ، و قضبان مميتة
              كنت أنفذ منها برغمي ، و أحاول أن أستبقيها قليلا ، لكنها تروغ منى و تتفتت بددا

              لو قلت لك أن كل سطر هنا كان بمثابة حدوتة جديدة ، أن كل سطر هنا كان ينفرد بذاته فى
              تراجيديا الهلك ، و الضياع الذى تمارسه الأنظمة القاتلة علينا ، و على كل أولاد الوطن ، لما
              تجاوزت ، أو كذبت .. أبدا .. و لكن هل صنع كل هذا الكم حالة متكاملة ؟!
              و رؤية لهذا العبث !
              أصرخ منك و منهم .. أصرخ بجنون ما أتيت هنا ، بجنونك أنت و قدرتك على الإبداع ، لأقول
              ارحم نفسك
              أنت تريد عملا عبقريا ، و هذا تجاوز للعبقرية .. من الممكن بل من اليسير أن يطعنها ، و يلقى بها فى مجاريهم ، و لن يؤسس إلا للخواء
              ورأيي سيدى أن هذه خامة كبيرة ومتسعة لعمل روائي ، حملت مفرداته كاملة
              فلم الظلم ؟
              لنفسك و لهذه و لنا ؟
              طوبي لنا و لهم
              و سحقا لمن اغتلوا الوطن و المصائر و عاشوا على أكبادنا !!

              الحديث كثير سيدي المبدع الكبير لكننى فى لحظة جنون حقيقية منك و من هذا العمل المجنون
              الذى أدى بك للوقوع فى شرك أخطاء اللغة فكانت على غير العادة كثيرة ، و فاضحة !!

              محبتي حتى ترضي
              محبتي أيها الكبير القادم بقوة ، إن لم تتخل عن نفسك ، أو تتخلى عن جنونك !!
              .................
              أستاذي القدير الفخم / ربيع عقب الباب
              كلمة آسف لا تكفي على هذا التأخير والذي تسبب فيه حيرتي وفقداني للغة والتعابير فلم أجد ما يسعفني أمام مداخلتك القيمة والتي ظللت أقرأ فيها حتى ملت القراءة من القراءة..كثير هذا عليّ جدا..يكفيني فقط أن تقول لي أحسنت وكفى..
              وأعتذر لك وللنص وللغة عن أخطائي
              شكرا عميقا سيدي
              التواصل الإنساني
              جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


              تعليق

              • عبدالمنعم حسن محمود
                أديب وكاتب
                • 30-06-2010
                • 299

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة محمد محضار مشاهدة المشاركة
                هي لحظة هذيان عميق ، بفضح واقعا يكاد يتشابهفي كل الٌطار العربية..سياسة الواجهة سارية المفعول ، ولغة الخشب رابضة على الصدور لا تسمح بالفعل أو رده...هنا قرأت نصا سرديا بحكايات متعددة ، يجمعها خيط رفيع برعت في التحكم فيه......كم أغبطك على هذا النص الماتع
                ................
                الزميل الرائع / م محضار
                أشكرك جدا كون أن النص نال رضاك
                وممتن جدا لك على هذا التشجيع
                دمت بخير سيدي
                التواصل الإنساني
                جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


                تعليق

                • عبدالمنعم حسن محمود
                  أديب وكاتب
                  • 30-06-2010
                  • 299

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
                  الزّميل الغالي : عبد المنعم حسن محمود:
                  قرأتُ نصّاً يفور ...ويغلي ...كبركانٍ يدفع بحممه اللاهبة ...ليعلن عن ثورة أعماقه..
                  السطور تحمل رموزاً عديدة كانت عميقة وكاشفة لمخبوءٍ كبير...
                  وإسقاطات أيّام تقتل بتناقضاتها ...نثرتها على صفحةٍ تحمل ثقل الكون..
                  أحبّ أن أقرأ لك جدّاً ...ففيك مواعيد طريقٍ أدبيّ جميلٍ ..يسعدنا أن نتابعه ...ونمشيه إلى جانبك..
                  بورك بقلمك ...تحيّاتي...
                  وكلّ عامٍ وأنت بألف خير أخي العزيز...
                  ...............
                  أعتذر أستاذتي الفاضلة على هذا التأخير
                  راقني جدا هذه المداخلة العميقة..وسرني كرمك اللامحدود في دفعي إلى الأمام
                  شكرا أيتها المبدعة الراقية
                  التواصل الإنساني
                  جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


                  تعليق

                  • عبدالمنعم حسن محمود
                    أديب وكاتب
                    • 30-06-2010
                    • 299

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة مختار عوض مشاهدة المشاركة
                    كانت ظلالك معتمة، وأمواجك هادرة، فوجدتني أبحث عني بين سطورك..
                    نصك يحتاج لقراءات متأنية وليست مجرد قراءة عابرة لنص قصصي..
                    سعدت بالقراءة واستوقفتني الكثير من الصور:
                    "الشمس بكامل هيبتها مازالت حاضرة في سمائها، وستشهد بعد قليل إذا ما سئلت، بأن كل شئ كان مرتباً وأنيقاً وفق الخطة المتفق عليها."
                    "خلف الأسِرّة الفخمة وضع منظمو الحفل مقاعد وثيرة من الجلد الصناعي، تعرف متى تفتح أفواهها الكبيرة لمؤخرات رجال الصف الثاني."

                    تحيتي وتقديري لمبدع قدير..
                    كل عام وأنت بخير.
                    .................
                    الأستاذ القدير/ مختار عوض
                    شكرا على كل كلمة كتبتها حول هذا النص
                    وسعيد بأن نالت بعض الصور رضاك
                    تسلم أستاذي ويسلم يراعك
                    التواصل الإنساني
                    جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


                    تعليق

                    • محمود سعدى
                      حُبّك حُرية
                      • 13-12-2010
                      • 56

                      #11
                      الأستاذ / عبد المنعم حسن
                      لا أعرف كيف رسمت تلك الملحمة العظيمة
                      كم أحسدك عليها يا صديقى ، وعلى ذلك الخط الرفيع الذى ربط بين أحداثها
                      روعة ومن أروع وأغرب ما قرأت
                      تحيتى ومودتى
                      أسوان السمراء...
                      إختزنت أحزانها من أجل أن تسقى الوطن...

                      تعليق

                      يعمل...
                      X