تتأمله، ممددا في الغرفة،أنهكها البحث عن الأعذار،وجهه شاحب،صدره مثقوب،أصبحت سجينة غرفة معه،تمنع الآخرين من رؤيته،تتجنبهم،تتجنب نظراتهم،شريط سخريتهم.
لا بد من خلاصه،خلاصها،خلاص العائلة،خلاص الوطن...
الآخر يستحكم في الأذهان،في التصرفات،نتحرك وفق رغبة الآخر،الآخر هو آلام الرأس،هو الْعُصَاب،هو الهُواس،لا مفر من الآخر،لا مفر من الجحيم…
ضربة قاضية ستكفيها كي تبكيه بحرارة،كي يصبح بطلا،شهما،أصيلا...
كي تحتفي به…
كي ترثيه…
عندما تعطيه جرعات زائدة،سيستشهد في ساحة الوغى لتزغرد،وتعلن خبر وفاته،كما تُعْلَنُ الوفاة
في قبيلة أمازيغية في أعالي جبال الأطلس الصغير،يُنْفَخُ في المزمار فتُعْلَنُ وفاة جريح،مجرم،يريئ،منتحر قسرا...
تَذَكَّرَتْ يوم قَتَلَ أبوها كلبا أصابه السعار ببنيته القوية حاملا قضيبا،كان يوما كئيبا،هبت ريح مسائية شاحبة،اهتزت جدران الحيطان القديمة،هل يستحق هذا الكلب المسكين القتل؟على مرأى من الأم،و الأخ الأصغر،أول الجرائم التي رأتها،أبوها ليس مجرما،هي لست مجرمة،سيعض هذا الكلب الناس وتعم البلوى،نتقمص شخصيةَ مُجْرِمٍ كي نحفظ حياة الآخرين،استراح أبوها،الأم لا تستسيغ مثل هذه الأمور،كما أورثتها ذلك،
لَا تُحِبُّ أَنْ تَرَى الدَّجَاجَ يُذْبح،
و الحيوانات تحتضر،
ويدفن الناس في المقابر،
والآلات الطبية المقيتة،
وقسوة الكبار على الأطفال...
أضافت العقاقير في الكأس بحزم،انتظرت بعض الوقت،خرجت،دخلت،
حَشْرَجَ بعبارات الوصية:أنا مجرم،أنا بريئ،أنا مستشهد،أنا منتحر...
زغردت الأخت معلنة استشهاد أخيها،قتل أخيها...
وضعت السر في صدرها،فهي لا تعرف قصة هابيل وقابيل،ولا الغراب،المهم أن تحتفل بانتحار أخيها في ساحة شرف الآخر.
هَلَّلَ اللعين فرحا وبكاء،أَسْرَعَ للمعاول لحفر القبر،كي يَسْتَمِرَّ مُتَرَبِّعًا على سلطته،ينتظر ضحاياه في المقبرة،
تداوت الأخت بتراجيديا قتل أخيها،
عانقته،
وَحُمِلَتِ الجثة الخفيفة بسواعِدَ قوية،
إلى مقبرة النسيان،
تمرغت الأخت في تراب المقبرة،حضرت البوم والغربان،تنظر بترقب لم تستسغ الأمر،دُفِنَ قُرْبَ قَبْرِ منتحرة فقدت الأمل في الزواج من حبيبها،قتلها الآخر بطعنة أمامية.
اشتعلت براكين الندم في صدرها لتعيش في صراع داخلي،تتقاسمها الذكرى وإرضاء الآخر لتكمل حياتها في صمت أبدي، فتموت وتدفن بجانبه.
تعليق