أبومحمود قبل الموت وبعده
بقلم:عمر الصوص
الساعة تقترب من الثامنة والنصف , ومازالت الإشارة حمراء , يتأملها بغيظ , (ناقصك أنا ) يلغي الوضع الصامت لجهازه الخلوي , ويلقي به إلى جانبه ويطلق زامور الغضب .
الإشارة خضراء , ينطلق بسرعة , يلتفت إلى الطريق تارة وإلى جهازه تارة أخرى يتوقع في أي لحظة اتصالا من المدير يعنفه على عدم الرد على المكالمات ويجعل صباحه أسودا , رنات قصيرة متتالية , تقطع لعناته للمدير وللوظيفة وللإشارة وووو... يطالع الرسائل الواردة .
الرسالة الأولى: أبومحمود خرجت من المنزل دون أن تترك مصروف اليوم ماذا سنطبخ يا حبيبي , زوجتك حليمة . ( يتمتم عمرك لطبختي يا حليمة ال.... )
الرسالة الثانية : أبي لا تنس قسط الجامعة غدا آخر موعد . ابنك عادل
(يتمتم أبوك لأبوالجامعة .. )
الرسالة الثالثة أبي لم توقع ورقة الموافقة على الرحلة المدرسية ولم تترك لي العشرة دنانير رسوم الرحلة . ابتنك ليلى ( يتمتم عشر كنادر على ....)
الرسالةالرابعة: (الرسالة الوحيدة التي لم يطالعها أبومحمود ) ( الإشارة حمراء ) وما زال أبومحمود منطلقا بسيارته يقرأ ويتمتم .
الرسالة الخامسة : أبي لا تتأخر اليوم سأحتاج سيارتك لزيارة خطيبتي , حبيبي يابا . ابنك مروان
( يتمتم ولا يهمك ورح أفللها بنزين يا مروان ولو روح زور بنت ال....)
( مكالمة رابعة لن يرد عليها أبومحمود نهائيا . )
يستيقظ أبومحمود من غيبوبته , يفتح عينيه ببطء شديد , ما زالت الرؤية مشوشة
وجوه كثيرة تحيط بسريره من كل جانب يتفحص ملامحها بصعوبة .
لحظات قصيرة جدا ينكب الجميع على سريره يعانقون الأب الغائب من عشرين عاما تسبقهم إليه دموع تساقطت وتناثرت على وجنتيه ولحيته وهو ما زال في لحظات العودة الأولى للحياة من جديد , يتفحص ملامح الوجوه التي بدأت تخترق ذاكرته , تخف وطأة البكاء وتنسحب الأذرع التي تعانق وتحتضن أبا محمود
بعذوبة وحنان ولوعة .
مروان يعانق ويحتضن والده من جديد و يبكي ,أبي أنا مروان إبنك البكر وهذه سلمى زوجتي وهذا زيد حفيدك .
ليلى تجهش بالبكاء وترتمي عند قدميه ,أبي أنا ليلى ابنتك المدللة وهذا خطيبي يوسف ابن الحاج توفيق .
عادل يبكي بحرقة ويتلمس لحية والده , أبي أنا عادل صرت طبيبا وهذه زوجتي هند إنها حامل في الشهر السادس .
ما زالت أم محمود ( حليمة ) في غيبوبة الفرحة تلتصق بزوجها تشعر بنبضاته الحية لأول مرة بعد عشرين عاما تتفحص ملامح وجهه قطعة قطعة لطالما قتلها سكونها .يوقظها من شرودها رنين الهاتف الخلوي يهتز معه بدن أبي محمود ويوصل دائرة الكهرباء المنقطعة في ذاكرته , حليمة تمسك بالهاتف وهي تجهش بالبكاء , يميل أبومحمود برأسه نحوها , يأخذ الهاتف من يدها ويقول كلمته الأولى بعد عشرين عاما نعم حضرة المدير أنا في الطريق لن أتأخر .
يقاطعه المتصل ( حفيده مازن ) شو حضرة المدير ,مين معي أعطيني جدتي , ماذا تريد من جدتك .قل لها لن أتمكن من زيارة جدي هذا اليوم ( عندي امتحان في الجامعة )
وقولي لأبي أن لا ينسى قسط الجامعة غدا آخر موعد .
أبومحمود يغلق الهاتف ويلقي به إلى جانبه
( ويتمتم أبوك لأبوالجامعة .. )
تعليق