"هيكل عظمي"
اختبئ إبراهيم الناطور في السقيفة, تكوّر جسمه حتى صار كقطعة من الخردوات المرمية على السقيفة منذ زمن طويل,سمع صوت الباب يقرع بشدة وخطوات زوجته المسرعة وهي تفتح الباب...سألها الطارق:
- أين زوجك يا امرأة.
تلعثمت وهي تجيب : لم يأتِ هذه الليلة إلى البيت.
دفعها ودلف إلى الداخل يبحث بين الغرف- لم يأتِ هذه الليلة ها , أين ينام إذاً ؟؟؟!!هل ينام مع الكلاب ؟؟وقهقه ضاحكاً.
- أنا شرطي
ردت الزوجة بجزع : لا أعرف يا سيدي صدقني وحتى إن نام مع الكلاب فهو لا يقول لي ذلك, رمقها الشرطي بنظرة صارمة قائلاً:
- حسناً.. أين سيذهب؟ هل سيختفي؟؟؟!
وأكمل مستهزأً:
- بالله عليك , إن كان يضع قبعة إخفاء أخبرينا, حتى نعرف كيف نتعامل معه!
وبدأ يعبث بمجموعة أوراق وكتب, كانت موزعة بين رفوف المكتبة, تذكر أنه لا يعرف عن ماذا يبحث , فهو يكره الكتب كثيراً ولا يحب حتى أن يلمسها , فتراجع موجهاً كلامه لزوجة إبراهيم :
_ قولي له أنه لن يفلت منّا , عاجلاً أم آجلاً سنمسك به وسيكون حسابه كبيراً جداً.
ثمَّ نادى على الآخرين الذين كانوا يعبثون بمحتويات الغرف الأخرى:
- هيا يا شباب.. اذا كان رجلأ ابن رجل يستطيع أن يهرب من أيدينا؟
وخرجوا...
شعر إبراهيم الناطور بالبرد والخوف, تقرفص حتى نسي نفسه ونام.
وخلال الليل أكلته الفئران ولم يبقَ سوى هيكله العظمي!!
وفي الصباح نزل عن السقيفة وخرج من البيت قبل ان تستيقظ زوجته, سار في الشارع وهو يبتسم
انتبه فجأة أن كل من التقاه يفر هارباً وكأنه رأى وحشاً ضارياً, تساءل عن السبب دون أن يتعمق بالجواب!
توقف أمام واجهة أحد المطاعم بعد أن شعر بالجوع....
إبراهيم الناطور شخصية جميلة و جذابة, شعره أشقر وعينيه بلون العشب البري وسهول بانياس . ترك قريته وذهب للدراسة في العاصمة, وتخرج بعد سنوات من الجامعة حاملاً إجازة باللغة العربية , وعند عودته إلى الضيعة أقنعته أمه بالزواج من ابنة خالته زهرة التي لم تتم الأبتدائية , ولكنها ست بيت وأخت الرجال كما وصفتها له أمه :
- زهرة ما شاء الله أصبحت صبية, وأختي أم جابر لا تتعرف أبدا على عمل البيت فزهرة تقوم بكل شيء.
تزوج إبراهيم من زهرة, وسافرا إلى العاصمة حتى يجد عملاً لأن الضيعة ليس فيها مدرسة ، في نهاية المطاف انتهى به الأمر حيث أراد، وغالباً ما كان يردد ( أحياناً لا تعرف كيف ستكون حياتك رغم أنك قد تكون خططت لذلك ..... الحياة مجرد حلم فلا تدعه يتحول إلى كابوس ) .
انتظر تعيينه سنوات, فاضطر خلالها العمل في مهن حرة كانت كافية لأن تسد حاجاته ويشتري منزلاً في أحدى الضواحي القريبة, وأنجبت له زهرة ثلاثة اولاد بنتان وصبي يشبهون والدهم كثيراً....
مدَّ ابراهيم يده إلى جيبه ليخرج نقوداً يشتري بها (سندويشة ) ولكنه لم يجد بنطاله!!
مدًّ يده إلى قميصه فلم يجده أيضاً!
نظر إلى نفسه في زجاج واجهة المحل فلم يجد نفسه, سوى هيكلاً عظميّاً,
هيكل عظمي لرجل, لا أكثر!
ظن الأمر خدعة بصرية!
أو تأثير الجوع الذي يقرص جوفه؟! أمسك بقطعة خبز يريد تذوقها, انتبه إليه صاحب المطعم فارتعدت فرائصه لما رآه وصرخ ,
تنبه الآخرون على صوت الرجل
ونظروا حيث يشير
إنه.. إنه.. ....
فر, إبراهيم يركض هارباً لحقه صاحب المطعم والآخرون, وهم يصيحون حرامي..حرامي....
يسكن إبراهيم الطابق الثاني, وأم سامر البدينة تسكن في الطابق الأوّل, تلاحقه بنظراتها كلما رأته , تتبسّم له وتتلوى, تغمز له وتمد طرف لسانها.
وابراهيم يتحاشاها مطرقا رأسه بالأرض, لكنها تستمر في انتظاره على عتبة دارها وتتنهد عنما تراه قائلة :
- يا ضيعان شبابك...
وباب ام سامر السري للدعارة مفتوح, أكثر من خمس فتيات يتناوبن على استقبال زبائنها وتقديم كل التسهيلات اللازمة لإمتاع الزبائن, وأم سامر معروفة على مستوى جيد ولديها زبائن من المسؤولين الذين لايبخلون بتأمين الحماية المباشرة لها ولأعمالها...
صارت أم سامر تضغط على ابراهيم وتحاصره بغية الرضوخ لها والامتثال لرغباتها .
ومرة عاد من العمل وصراخ زوجته وهي تتشاجر مع أم سامر وتقول لها:
- اخرسي يا ساقطة أنت من سدّ المجاري حتى طافت عندنا
تعمدت أم سامر أن تسد التمديدات الصحية بحيث طافت المياه المالحة والأوساخ في المرحاض والحمّام والمطبخ ، وعندما نزل إبراهيم إلى أم سامر ليناقشها بالأمر استقبلته بابتسامة لئيمة قائلة: وأخيراً شرّفتنا برجليك يا بطل!؟
فرد إبراهيم والخجل على وجهه :
- هذا لا يجوز يا أم سامر لقد اتسخ كل شيء عندنا والروائح الكريهة ملأت المنزل .
أجابته أم سامر بدلع :
- أقسم........أقسم لك بشرفي أنه خطأ غير مقصود
واجتمعت الفتيات حول معلمتهن يحملقن بإبراهيم ، أحس أنه أصبح عارياً فسارع بالصعود إلى منزله كي يستر عورته.
مازال ابراهيم يركض في الشارع ومازال صاحب المطعم وأهل الحارة وأصحاب السيارات ورجال الشرطة وزوجته وأم سامر وفتياتها يطاردونه.
ذات يوم وعند عودته إلى البيت بعد الظهر وجد أم سامر تنتظر على عتبة دارها وتدعوه إلى منزلها, ولكنه اعتذر
ألحّت أم سامر بل دفعته إلى داخل منزلها وحاولت أن تخلعه ملابسه, تهمهم:
- هذه المرة لن تفلت مني يا إبراهيم لقد انتظرتك كثيراً.
حاول التخلّص منها ولكنها كانت تشدّه إلى صدرها تضغط بقوة وتزأر كلبوة هائجة :
- لا ....لن ادعك تذهب قبل أن تدخل غرفة نومي.
توسّل إليها:
- أرجوك أنا رجل متزوج ولا أستطيع خيانة زوجتي.......كما أنني لا أحب الحرام .
استمرت بتقبيله مصرة:
- أنت لاتحب زوجتك, فهي لا تلبي حاجاتك.
- هل تقرأين الأفكار ... وما أدراك أن زوجتي لاتلبي حاجتي؟!
أراد أن يحتضنها بين يديه وينزع عنها آخر قطعتين تستران جسدها الأبيض الممتلئ
ويطفئ ناره فيها ، ولتكن نزوة عابرة ، شم رائحة غير عادية لم يشمها من جسد زوجته ، تذكّر كلام أبيه ( الرجل لا يجب أن يكون ضعيفاً في السرير ... وأغلب مشاكل العالم سببها اختلاف موازين القوى فوق السرير ) انتابته أعراض ما قبل الصمت وأحس أن هذه المرأة تنذر بالمشاكل .
وعندما شعر أنها فقدت رشدها وأصبحت في حالة هستيرية تقريباً وأنها على وشك أن تسحقه وهي تضغط عليه بصدرها وقد نزعت عنه نصف ملابسه، دفعها عنه بعيداً وخرج راكضاً إلى بيته ، وكانت مصيبته أكبر عندما رأته زوجته بتلك الحالة وبدأت بطرح الأسئلة التي لا تنتهي.
كيف!! ومن فعل هذا بك؟؟هل تعرّضت للضرب؟؟ يا الله ماأغباني...لا أرى أثر لأي كدمات...بل إنه أحمر الشفاه ، مع من كنت ؟؟ ومن هي؟؟ الله يلعنك يا إبراهيم
ولم يقو على الرد ،فخرج هارباً من المنزل.
اشتكت عليه أم سامر إلى رئيس المخفر وكذلك فعلت زوجته , أم سامر ادعت أنه تهجّم عليها وهو في حالة هستيرية وحاول الإعتداء عليها بعد أن فتحت له الباب عندما جاء إليها في ذلك اليوم مدعياً أن بعض ثيابه الداخلية وجواربه سقطت من حبل الغسيل على شرفتها، وادعت بأن الحالة التي كان فيها تدل على أنه مدمن على المخدرات. وأثناء البحث في منزله عثروا على كيس فيه مادة بيضاء كتب عليه(ملح مكرر) وبعد التحليل في المعمل الجنائي أكدوا أنه (هيروين)ومن النوع الغالي جداً، بعد توصية بهذا الخصوص.
أفادت زوجته في شكواها:
- أنها كانت تغار كثيراً ، فهو يخرج كثيراً ولا يعلمها أين يذهب ، وفي البيت يجلس أكثر الأحيان وهو يطالع في كتبه المرمية هنا وهناك، وفي آخر مرة دخل فيها كانت حالته مريبة ، وكأنه فعل فعلة شنيعة ، ولم يجبني على أسئلتي وخرج هارباً.
- ألم يعد بعدها إلى المنزل
- لا فقد مضى يومان على غيابه ولم يرجع حتى الآن
- اتصلي بنا فور عودته حتى نقبض عليه
عاد إبراهيم إلى منزله ليلاً حتى يرى أطفاله ، فقد اشتاق لهم كثيراً، كانت زوجته نائمة، قبلّ أطفاله النائمين وتناول قليلاً من الطعام البارد، وأراد أن يجمع بعض حاجياته, لكنه فوجئ بضرب شديد على الباب ، وصوت الشرطة من الخارج :
- افتح يا إبراهيم....نحن نعلم أنك هنا
وصعد فوراً إلى السقيفة ، وبعد فترة نام.
استمر إبرهيم يركض هاربا, من الجمع الغفير الذي يطارده, يدير رأسه ليرى الحشود التي وراءه, فلم ينتبه للحفرة!!
ولم يره عمال البلدية وهيكله العظمي يهوى في الحفرة السحيقة!
والماكنة العملاقة تردم الحفرة!!
تعليق