الحزب مولانا
اجتمعت نسوة القرية يستفسرن عن القادم من المدينة.. وهرع الأولاد الحفاة يحومون حول السيارة الرسمية التي توقفت في قريتهم المنسية وأمطرتهم على حين غرة بضيف الموسم.
كان المختار بكرشه المتدفق بفظاظة ينقل نظراته بين وجهاء الضيعة ويطمئن على ابتساماتهم المرصوفة فوق ثغورهم حسب الطلب تحية للزائر المهم.. دون أن يتمكنوا من إخفاء رائحة روث البقر المقيمة في ثيابهم.. وعبق التبغ الرخيص المستوطن في أفواههم.
دارت فناجين القهوة المرة على الحضور المتكئين كل أيام حياتهم على أرائك اللباد.. مستبشرين بعشاء دسم تبلل دهونه شفاههم ولحاهم.. الأمر الذي فتح شهيتهم للترحيب بالضيف المتصدر ببدلة رسمية وربطة عنق زائغة الألوان.. ونظارة رمادية كجدران المؤسسات الحكومية تضفي على الناظر اليها كمية كافية من الخشوع والرهبة .
افتتح المختار الحديث مرحبا:
ـ والله شرفت ضيعتنا ياحضرة المحترم.
ويرد الأستاذ مدحت باقتضاب مهيب:
ـ الله يشرف مقدارك يامختار.
وينزلق شيخ الجامع الذي يلي المختار في مرتبة الوجاهة للمشاركة في الحديث فيقول:
ـ نسأل المولى تعالى أن يجعل في عملك معنا مايطرح البركة والخير ويزيد من رضى العلي القدير ويديم نعمه.
فيرد الاستاذ مدحت بذات الرتم :
ـ ان شاء الله.
طوق الجالسون ضيفهم بالأسئلة والاستفسارات.. حتى رفع المختار يده موقفا سيل اللغط قبل أن يجرف في طميه أعصاب الاستاذ الذي جلس وحيدا أمام قطيع شارد يهاجمه بالكلام البليد والثرثرة الغبية بلا هوادة.
أوقفت يد المختار المرفوعة كعصا المايسترو الغوغاء وعم الصمت فقال ويده ماتزال معلقة فوق رأسه:
ـ الاستاذ تعبان من الطريق ومو لازم نزيد عليه.. فكل واحد عنده سؤال أو كلام يخليه لبعد مانتعشى.
استبشر القوم خيرا بسيرة العشاء ومسحوا بآمالهم على شواربهم وجدران أمعائهم .. ورددوا كجوقة عريقة الخبرة ، متمرسة في التدريب:
ـ على بركة الله.
واستغل المختار استسلامهم هذا فذكرهم بصلاة العشاء قبل طعام العشاء وصاح:
ـ اللي نقض وضوءه يتفضل ويتوضأ ويلحقنا الى الجامع لنصلي العشاء جماعة..
والتفت الى الاستاذ مدحت وسأله :
ـ متوضي ياأستاذ مدحت ؟
ورد مدحت بلا مبالاة:
ـ لا ..
ـ طيب اتفضل مع الاخوان على الوضوء.
ونادى بأعلى صوته على أهل البيت خارج المضافة:
ـ هاتوا منشفة نظيفة للأستاذ.
فرد الأستاذ ببرود:
ـ مافي لزوم.
ـ يعني .. معك منشفتك الخاصة مو هيك؟
ـ لا أنا لا أصلي.
وتدفقت العفاريت من وجه المختار وصرخ فيه:
ـ لا تصلي !! يعني كافر..
ـ كافر؟
ـ " بين الرجل والكفر ترك الصلاة " هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتروى الأستاذ مدحت قليلا في الرد عليه.. فترجم المختار ذلك الصمت اقرارا بالضعف والهزيمة فأغار عليه بعد أن أشهر سبابته في وجهه وعلا صوته :
ـ ألاتستحي من جلوسك بيننا كمشرك وسط مؤمنين .. وكيف عم تاخد وتعطي معنا وأنت عدو الله ؟
فلدغه الأستاذ مدحت بصوت واثق ومتمكن وهاديء قائلا:
ـ هذه أوامر الحزب يامختار.. ومادمت معترض عليها سأنقل كلامك إلى القيادة حتى يلغوا تعييني.. نزولا عند رغبتك ياأمير المؤمنين.
تأرجحت مفاصل المختار .. وركضت حبات السبحة بين أصابعه وابتلعت يده سبابته التي كان يهدد بها وتلمس جبينه الذي يضخ سواقي العرق الساخن فوق وجه تتناوب الألوان فيه هلعا ورعبا..واستند إلى جدار المضافة بعد أن اختل توازنه وتزاحمت كلمات التوبة والارتباك على لسانه فخرجت عباراته منكسرة ذليلة:
ـ أنا كل قصدي ياأستاذ ... يعني .. إن الله يهدي من يشاء .. وهو تواب رحيم.. ونحن عباد الله ومنا الخطاؤون ومنا التائبون .. وياسيدي المسامح كريم .. واعتبرها زلة لسان....
ورغب الأستاذ باسدال الستار على هذه المهزلة وتقصير الطريق على المختار فقال له:
ـ روح الحق صلاة العشاء يامختار..
تأتأ المختار بابتسامة صفراء معسولة وأجاب:
ـ ياسيدي وقت صلاة العشاء ممتد حتى الفجر .. خلينا نكسب وجودك معنا..
وتدخل أخيرا شيخ الجامع الذي كان قابعا في الظل يراقب تطور الأحداث مخلوع الفؤاد خشية أن تطاله شظية من هذه المعمعة التي أشعلها المختار بحماقته وقال:
ـ يلا اذاً نتعشى سوا.. ونتمالح مع بعضنا.. والله تعالى يقول في محكم أياته : " وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر .."وقيادة الحزب من أولي الأمر طبعا وطاعتها من طاعة الله..
وسار نحو المائدة يتلمط بشفتيه ويدمدم بدوام النعم ويدعو للحكومة وللحزب ولأولي الأمر .. حتى اختلطت عليه شعارات الحزب بآيات القرآن.. وتشابكت على لسانه أحاديث الرسول بخطب القيادة المصونة..
لكن فمه بقي محشوا بالطعام فلم يميز أحد ماكان يقول.
تعليق