جدار في الجنة
جاء يوم القيامة في غفلة من الزمان..
وقف المدعو عبد التواب الزعفراني في طابور الحساب منتظرا دوره.. وبعد أن تكسرت معنوياته.. وتزعزع كيانه.. وانتكست خلقته.. "وتمرمط " نودي عليه:
- عبد التواب الزعفراني بن خديجة.
- حاضر.
فتح أمامه باب ضخم وسحبه ملاكان وسط الضباب الكثيف والدخان الملون فلم ير الى أين يسوقانه..ثم صعدا به عدة درجات على حد زعمه لتمتد اليه يدان قويتان وتحملانه كيفما اتفق وتضعانه في كفة ميزان كبيرة..
دوى صوت جهوري من الأعلى:
- ضعوا حسناته في الكفة الأخرى .
تأرجح عبد التواب في الكفة وكاد ينقلب وهو يهبط ويعلو فتمسك بحافة الكفة حتى دوى الصوت من جديد:
- أعماله مقبولة وإيمانه جيد وسيرته لابأس بها..حسناته تفوق سيئاته .. يتم فرزه إلى جنان النعيم.
امتدت اليه ذراعان لطيفتان على الفور وحملتاه بعناية وحنان .. وهمس في أذنه صوت رخيم مهنئا:
- مبروك أيها المؤمن تنعّم بجنة خلود عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين.
احتضنته غمامة طرية وطارت به برقة وسط الدخان المعطر بالمسك والاقحوان وحامت به بضع ثوان ثم نزلت به في بقعة خضراء كالجنان.. فيها سندس واستبرق وغابات من المرجان تجري من تحتها الأنهار في ينابيع رقراقة للعيان دافقة بالبر والاحسان .
الثمار تناديه كي يستمتع بحلاوتها.. وتحف به سواقي العسل والحليب ترجوه أن يبلل حلقه ويروي ظمأه .. وشنفت أذنيه أنغام البلابل وأصوات العصافير بسمفونيات تقوى ومقطوعات ورع تخلب السامعين.
أكل عبد التواب وشرب وأصغى وتنهد راضيا مرضيا..وتمدد تحت دغدغة الشمس فارتخت مفاصله وذبلت عيناه وداعبه نسيم عليل بأريج الخزامى فراح في "سابع نومة".
صحا من غفوته.. على أصوات أنثوية.. وضحكات مثيرة .. ولما فتح عينيه هالته رؤية أرتال من الحوريات في ملاءات شفافة يبرز من خلالها ماأردن اخفاءه .. تتمايلن نحوه برغبة وغنج وترنون إليه بعيون مؤطرة بكحل أسود تتدفق من خلاله نظرات سريالية تغوص فيها التأملات إلى مالانهاية.
تقدمن نحوه يتمسحن به من رأسه حتى قدميه ..إنهن كثيرات ويتزاحمن على ارضائه.. فهذه تحمل تينا وتلك عنبا وأخرى رمانا.. وليس للمؤمن عبد التواب سوى فم واحد.. فكيف يرضيهن جميعا..وحين داهمنه بشفاههن ونهودهن أدرك أنه لن يفي بالغرض.. لكنه حاول جهده بأن يقبل شفة ويلمس خصرا ويعصر نهدا ويغتال قفا..ومال إلى نهر الخمرة الذي يتدفق بقربه ونهل منه لذة للشاربين.
مرت ساعات وهو يتمرغ نشوة في مملكة النسوة حتى كلّ وملّ وبان عليه الشبع بل وصل إلى حد التخمة من الأجساد اللدنة والأجياد المرمرية والثغور المعتقة بالسكر..
طلب منهن أن يصحبنه في جولة للنزهة ليتفقد مكان اقامته في تلك البقاع الرائعة وليتمتع بحقه الذي وعده به الرحمن منذ أن كان في الحياة الدنيوية يتعبد ويشكر ويصلي ويدعو ويصوم ويستقيم ويتلو ويتهجد..
سار في الوديان وصعد على التلال واستظل بشجرة وتنشق نسيما وتلفح بشمس..حتى وصل إلى جدار ضخم المبنى.. موحش اللون.. خشن الحجارة.. أحمق الارتفاع..
سأل عبد التواب حورياته:
- ماهذا ؟
- الجدار العازل.
- وماذا يعزل؟
- الرجال عن النساء.
- أي رجال وأي نساء؟
- المؤمنون من الرجال والمؤمنات من النساء.
- أتعنين أن المؤمنات في الدنيا خلف هذا الجدار؟
- نعم إنهن في الطرف الآخر من الجنة.
- هل يمكنني أن أستفسر عن شخص يخصني؟
- بالطبع فهنا في الجنة لاوجود للمحظورات.. وكل شيء مجاب باذن الله.. اذ يكفي المؤمن تقواه وورعه وكبحه لرغباته وشهواته في الدنيا..
- صحيح؟
- نعم هنا ينال المرء تعويضه من الحرمان الدنيوي .. في حياته المؤقتة.
- كانت لي في الدنيا زوجة هي الحاجة زهرة الدباس بنت الحاجة أمينة.. فهل لي أن أعرف ماحل بها بعد أن تركتها تبكي على قبري ؟
نادت الحوريات على ملائكة الأرشيف وطلبن منهن أن يكشفن عن " فيش " زهرة الدباس زوجة عبد التواب.. وماهي إلا لحظات حتى جئن بالخبر اليقين:
- السيدة زهرة موجودة.. إن ورعها وحسن سيرتها وعباداتها أهّلتها لدخول الجنة ..
صاح عبد التواب مغتبطا:
- الحمد لله رب العالمين .. ومتى ستأتي إلى هنا ؟
- إنها هنا ياسيدي..
- أين؟
- مع المؤمنات خلف هذا الجدار.
- ألن أجتمع بها؟
- طبعا لا.. إنها تستمتع بثوابها وبحياتها الأزلية تماما مثلك أنت.
- مثلي تماما ؟
- نعم.
- وهل هناك رجال معها؟
- أجل معها الحوريون .. كما نحن معك الآن.
- حوريون ؟!!
- نعم أربعون حوريا من أجمل خلق الله .
- وهي معهم كما أنا معكن؟
- طبعا.. ثوابها الموعود..
- كيف هذا ؟! إنها حرمتي أنا ..عرضي أنا.. شرفي أنا..
- كان هذا يامولاي في الحياة الأرضية.. هذه المفاهيم والمعايير والتقاليد الدنيوية لاقيمة لها هنا.. ولايتعامل بها في هذه البقعة الطاهرة .. هنا الآخرة حياة الخلود والنعيم..
- لايهمني .. أريد زوجتي .. عرضي .. لن أسمح لأحد بأن يمسها مهما كان .
ركض عبد التواب بكل سرعته نحو الجدار وراح يتسلقه بعزيمة واصرار مهتاجا منفعلا ليلحق بزوجته قبل أن يلمسها أحد .. ووصل الى قمة الجدار ورمى بنفسه الى الطرف الآخر ليلحق بزوجته قبل أن تقع الفاس في الراس.. وقفز من أعلى السور .. وسقط..
نعم لقد سقط ..
سقط من فوق سريره واصطدم رأسه بحافة الخزانة.. فأفاق ..
صحت زوجته الحاجة زهرة الدباس بنت الحاجة أمينة على وقع ارتطامه.. فصاحت به :
- خير ياعبد التواب ؟
- خير .. خير..
- مابك يارجل؟
- كابوس يازهرة كابوس.. حلم غريب .
- صلي على النبي واشرب ماء واقرأ المعوذتين..
- لم أر كابوسا بهذه الفظاعة يازهرة..
- خير بالصلاة على النبي..
- رأيت يازهرة أربعين...
- أربعين ماذا يا عبد التواب؟
- أربعين.. أربعين..... أربعين عفريت...
- يبدو أن طعام العشاء الدسم أربكك..
- ربما..
شرب ماء وصلى على النبي.. تيمنا بما أوعزته زوجته.. وراح يحدث نفسه:
- حوريون يازهرة ؟!..أربعون حوريا يابنت الناس ؟! أربعون يازهرة يابنت الدباس..
- مابك ياعبد التواب ؟.. بماذا تهلوس؟
- نامي ياحرمة نامي..
نهض عبد التواب إلى البلكونة.. وأشعل سيكارة.. وراح ينفث دخانها بحنق وغيرة ويكلم نفسه :
- أربعون يازهرة أربعون !! كيف ستكونين مع أربعين رجلا ؟ كيف ؟
لا لن أدعك تذهبين الى الجنة....
تعليق