أينعت الجدران..!/بسمة الصيادي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بسمة الصيادي
    مشرفة ملتقى القصة
    • 09-02-2010
    • 3185

    أينعت الجدران..!/بسمة الصيادي



    حفظت عدد تلك الدوامات المربعة القابعة على الأرض .. الجدران قرأت كل تفاصيلها وثقوبها المستترة خلف القناع الأبيض .. كما عرفت عقدها النفسية ... !


    تحاصرني وحدتي من كل جانب، وتزحف تفاصيل قاتلة نحوي، كأسراب جراد تنهش أغصاني .. لتسقط روحي ثمرة لا حيلة لها سوى أن تهيم وسط الرمال باحثة عن فصل جديد يعيدها إلى موطنها ..!


    وتفتح المرايا قضبانها لتعبرها أسراب العصافير،التي احتوتها حدائق كفيّ طويلا ..وأطعمتها من أجزائي، مهاجرة نحو جنوب اللاعودة ..! وكلما هرعت للرحيل معهم ..أوصدت المرايا أبوابها ..!


    مزقت صوري .. نفتني من عالم الأشكال .. حتى نسيت ملامحي وما عدت أذكر شيئا من تلك اللوحة التي حملت يوما ما اسمي ..! حاولت رسمها من جديد لكن ..! هل كان وجهي مستديرا أم كان مليئا بالزوايا كغرفتي التي فضلت إحتواء خيوط العناكب في زواياها على احتوائي..؟ أيتسع وجهي لأركن فيه مظلتي المشردة ..والمطر ..! ماذا عن عيناي ؟ ما لونهما .. أخضر كلون ربيع لم يعد يزورني؟ أم أسود كظلام الليل الذي يستوطنني ...؟!


    وتسقط ريشتي عاجزة أمام تلك الاستفهامات .. وتنقض موجة شحوب على ألواني ..!


    .


    .


    انتفض الورق احتجاجا على كل هذا التعذيب .. وتمايل قلمها مترنحا بعد أن ثمل من الألم!


    تراجعت خطوة إلى الخلف .. هبّ نسيم الأنين، وإذا بخصل شعرها تتطاير ملافحة خدّها ..


    -نعم شعري ..شعري الطويل ..تذكرت ..! قالت بلهفة.. .. ثم حضنته ..شعرت أنها وجدت شيئا من نفسها ..اشتد الظلام .. فتقدم نحوها مقصّ حاد الأنياب وفي لحظة باردة ،غدرها وخطف ضفائرها الطويلة ... هوت أرضا مع تلك الشظايا .. حاولت أن تلملمها،فكانت تتبعثر أكثر .. بكت ، أرادت أن ترثيها، فما وجدت في جعبتها أية لغة شعرية، فالدمع سقط في المحبرة ولوثها ..!


    الجدران كانت تزداد لؤما يوما بعد يوم .. والستار يزعم أنه جدار خامس .. لم يعد الأمر يطاق ..وقفت متجمدة النظرات .. صرخت بأعلا صوتها : أينعت أيتها الجدران .. وقد حان موسم القطاف !


    ومن الضفة التي تفصل الشهقة عن الشهقة ..تناولت فأسا .. أمسكته بكل قوتها .. وقبل أن تخرج الحمم التي تأججت في داخلها .. سمعت صوتا يتودد إليها ..


    -لقد جمعتنا سنين ..حضنتك فيها ..ألا تذكرين ؟؟


    حميتك من الشتاء .. من العالم المخيف... حتى نفسك حميتك منها ... !


    التفتت باحثة عن مصدر الصوت ..دارت في المكان .. صرخت ..


    -بل أنت أسرتني .. وأحجبت عني كل الفصول لتخلق لي فصلا خاصا بي .. تمطر سحبه الوحدة والظلام ..


    لم أعد أريد هذا الأمان المزعوم ..حررني ..!


    السرير بدأ يتمتم .: اعتدت على أنفاسك فلا تحرميني منها .. أنا ماضيك ..فكيف تتخلين عني .. أنا مأوى راحتك ...أنا ..!


    قاطعته : ما أنت إلا قبر دفنني طويلا ... سأنبعث من جديد وأتخلص من نعشك .. !


    عطّلت حاسة سمعها، حتى لا تسمعهم ، تناولت الفأس مجددا .. راحت تضرب وتضرب .. لا تدري من أين أتتها تلك القوة .. كانت حالة من الجنون .. من الهيستيريا .. ثم بدأت براكين النزف تتفجر من كل ركن .. المرايا هلعت ، أعادت ارتداء ثوبها الأصليّ .. فعادت إليها الصور التي استوقفت تلك الثائرة، رأت نفسها أخيرا .. استعادت ذاكرة الملامح وشيئا من أنفاسها..تأملت ذلك الوجه .. حاولت أن تصافحه بابتسامة، ولكن الرماد الهارب من حرائق عينيها غطّى ثغرها ...ثم تشقق جسدها النحيل مع تشقق المرايا .. تدفق سائلا من شرايينها .. ليس دما بل ذلك الذي ينذر بقدوم المخاض .. عادت للفأس .. تضرب هنا وتضرب هناك ..!


    ووسط الركام .. كانت أشعة من النور تحط ترحالها .. تتهادى مع ألحان ذلك الناي ..!


    .


    .
    18/11/2010
    في انتظار ..هدية من السماء!!
  • محمد سلطان
    أديب وكاتب
    • 18-01-2009
    • 4442

    #2
    لن أبالغ إن قلت من أقوى وأجمل القصص التي قرأتها في تاريخ هذا الملتقى ...

    صدقيـــــ .. ــــــ وتحياااااااااتي ـــــــ .. ــــــــــني
    صفحتي على فيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

    تعليق

    • مختار عوض
      شاعر وقاص
      • 12-05-2010
      • 2175

      #3
      قصة جميلة تستحق التوقف أمامها واستكناه مناحي جمالها وقوتها..
      تقبلي مروري الأول للتحية مفسحًا المجال لغيري هنا..
      مودة تليق بإبداعك.

      تعليق

      • بسمة الصيادي
        مشرفة ملتقى القصة
        • 09-02-2010
        • 3185

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة محمد ابراهيم سلطان مشاهدة المشاركة
        لن أبالغ إن قلت من أقوى وأجمل القصص التي قرأتها في تاريخ هذا الملتقى ...

        صدقيـــــ .. ــــــ وتحياااااااااتي ـــــــ .. ــــــــــني
        غمرتني بلطفك يا أخي محمد
        كلامك أعتز به كثيرا ..
        كم تسرني عودتك إلى عالم القص الجميل ..إلى المكان الذي تنتمي إليه ..!
        شكرا لك من القلب
        مودتي
        في انتظار ..هدية من السماء!!

        تعليق

        • ركاد حسن خليل
          أديب وكاتب
          • 18-05-2008
          • 5145

          #5
          الأستاذة بسمة الصيادي
          أبحرت بين هذه الصور الكثيفة
          وارتشفت كلماتها عن آخرها
          رائعٌ محيطُ خيالك بما يحوي من دُر
          كل عام وأنتم بخير
          تقديري ومحبتي
          ركاد أبو الحسن

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            جميلة و أكثر
            أما قلت هناك
            عفويتها منحتها الجمال
            فكل الموجودات ترى و تتكلم و لها حضور
            لأن المحرك هنا حالة قمع تقابلها حالة رفض كامن
            و إحساس بالهوان و اللا معقول فى العلاقات
            و كان يجب أن يتوقف عند حد ، و إلا .....!!


            لن أكثر و لو كانت تستحق حديثا طويلا و متفحصا
            فللجمل الطويلة أيضا جمالها الخاص !!

            محبتي و تقديري
            sigpic

            تعليق

            • وفاء الدوسري
              عضو الملتقى
              • 04-09-2008
              • 6136

              #7
              سرد جميل أستاذة/بسمة
              باسلوب شعري راقي وسلس وكما ذكر الأستاذ/ربيع
              جمال خاص ليس إلا لقلمك المبدع
              تحية طيبة
              التعديل الأخير تم بواسطة وفاء الدوسري; الساعة 19-11-2010, 16:33.

              تعليق

              • بسمة الصيادي
                مشرفة ملتقى القصة
                • 09-02-2010
                • 3185

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة مختار عوض مشاهدة المشاركة
                قصة جميلة تستحق التوقف أمامها واستكناه مناحي جمالها وقوتها..
                تقبلي مروري الأول للتحية مفسحًا المجال لغيري هنا..
                مودة تليق بإبداعك.
                يسرني أستاذ مختار القدير أن القصة أعجبتك
                وفرحت كثيرا لأنك هنا .. سأنتظر مرورك العطر ثانية ..
                تحياتي
                وكل عام وانت بخير
                في انتظار ..هدية من السماء!!

                تعليق

                • عائده محمد نادر
                  عضو الملتقى
                  • 18-10-2008
                  • 12843

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة بسمة الصيادي مشاهدة المشاركة


                  حفظت عدد تلك الدوامات المربعة القابعة على الأرض .. الجدران قرأت كل تفاصيلها وثقوبها المستترة خلف القناع الأبيض .. كما عرفت عقدها النفسية ... !


                  تحاصرني وحدتي من كل جانب، وتزحف تفاصيل قاتلة نحوي، كأسراب جراد تنهش أغصاني .. لتسقط روحي ثمرة لا حيلة لها سوى أن تهيم وسط الرمال باحثة عن فصل جديد يعيدها إلى موطنها ..!


                  وتفتح المرايا قضبانها لتعبرها أسراب العصافير،التي احتوتها حدائق كفيّ طويلا ..وأطعمتها من أجزائي، مهاجرة نحو جنوب اللاعودة ..! وكلما هرعت للرحيل معهم ا..أوصدت المرايا أبوابها ..!


                  مزقت صوري .. نفتني من عالم الأشكال .. حتى نسيت ملامحي وما عدت أذكر شيئا من تلك اللوحة التي حملت يوما ما اسمي ..! حاولت رسمها من جديد لكن ..! هل كان وجهي مستديرا أم كان مليئا بالزوايا كغرفتي التي فضلت إحتواء خيوط العناكب في زواياها على احتوائي..؟ أيتسع وجهي لأركن فيه مظلتي المشردة ..والمطر ..! ماذا عن عيناي ؟ ما لونهما .. أخضر كلون ربيع لم يعد يزورني؟ أم أسود كظلام الليل الذي يستوطنني ...؟!


                  وتسقط ريشتي عاجزة أمام تلك الاستفهامات .. وتنقض موجة شحوب على ألواني ..!


                  .


                  .


                  انتفض الورق احتجاجا على كل هذا التعذيب .. وتمايل قلمها مترنحا بعد أن ثمل من الألم!


                  تراجعت خطوة إلى الخلف .. هبّ نسيم الأنين، وإذا بخصل شعرها تتطاير ملافحة خدّها ..


                  -نعم شعري ..شعري الطويل ..تذكرت ..! قالت بلهفة.. .. ثم احضنته ..شعرت أنها وجدت شيئا من نفسها ..اشتد الظلام .. فتقدم نحوها مقصّ حاد الأنياب وفي لحظة باردة ،غدرها و خطف ضفائرها الطويلة ... هوت أرضا مع تلك الشظايا .. حاولت أن تلملمها،فكانت تتبعثر أكثر .. بكت ، أرادت أن ترثيها، فما وجدت في جعبتها أية لغة شعرية، فالدمع سقط في المحبرة ولوثها ..!


                  الجدران كانت تزداد لؤما يوما بعد يوم .. والستار يزعم أنه جدار خامس .. لم يعد الأمر يطاق ..وقفت متجمدة النظرات .. صرخت بأعلا بأعلى صوتها : أينعت أيتها الجدران .. وقد حان موسم القطاف !


                  ومن الضفة التي تفصل الشهقة عن الشهقة ..تناولت فأسا .. أمسكته بكل قوتها .. وقبل أن تخرج الحمم التي تأججت في داخلها .. سمعت صوتا يتودد إليها ..


                  -لقد جمعتنا سنين ..حضنتك فيها ..ألا تذكرين ؟؟


                  حميتك من الشتاء .. من العالم المخيف... حتى نفسك حميتك منها ... !


                  التفتت باحثة عن مصدر الصوت ..دارت في المكان .. صرخت ..


                  -بل أنت أسرتني .. وأحجبت عني كل الفصول لتخلق لي فصلا خاصا بي .. تمطر سحبه الوحدة والظلام ..


                  لم أعد أريد هذا الأمان المزعوم ..حررني ..!


                  السرير بدأ يتمتم .: اعتدت على أنفاسك فلا تحرميني منها .. أنا ماضيك ..فكيف تتخلين عني .. أنا مأوى راحتك ...أنا ..!


                  قاطعته : ما أنت إلا قبر دفنني طويلا ... سأنبعث من جديد وأتخلص من نعشك .. !


                  عطّلت حاسة سمعها، حتى لا تسمعهم ، تناولت الفأس مجددا .. راحت تضرب وتضرب .. لا تدري من أين أتتها تلك القوة .. كانت حالة من الجنون .. من الهيستيريا .. ثم بدأت براكين النزف تتفجر من كل ركن .. المرايا هلعت ، أعادت ارتداء ثوبها الأصليّ .. فعادت إليها الصور التي استوقفت تلك الثائرة، رأت نفسها أخيرا .. استعادت ذاكرة الملامح وشيئا من أنفاسها..تأملت ذلك الوجه .. حاولت أن تصافحه بابتسامة، ولكن الرماد الهارب من حرائق عينيها غطّى ثغرها ...ثم تشقق جسدها النحيل مع تشقق المرايا .. تدفق سائلا من شرايينها .. ليس دما بل ذلك الذي ينذر بقدوم المخاض .. عادت للفأس .. تضرب هنا وتضرب هناك ..!


                  ووسط الركام .. كانت أشعة من النور تحط ترحالها .. تتهادى مع ألحان ذلك الناي ..!


                  .


                  .
                  18/11/2010
                  بسمة الغالية
                  طوفان الوجع حين يتناثر لابد وأن يترك شظاياه
                  نص أفردت له مساحة من روحك حتى كدت ألامسها
                  وتلك الألوان التي تركتها لك إما لحرف فائض أو كلمة زائدة
                  فمعذرة منك فأنت تعرفينني أحب أن أعطي رؤيتي التي أراها
                  وليس مفروضا عليك أن تعملي بها
                  لكن
                  ربما أن تنظري بأمرها لعلها تعطيك مرآة أخرى
                  أوجاع الأوطان طابعها الصدق
                  ودي ومحبتي لك
                  الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                  تعليق

                  • إيمان الدرع
                    نائب ملتقى القصة
                    • 09-02-2010
                    • 3576

                    #10
                    مدهشة يا بسمة ...
                    بعدد حبّات تراب الوطن ...
                    هذا المارد الطّاغي بين سطورك...
                    سأصفّق لك طويلاً وأقول ...
                    أبدعتِ ...على امتداد الحروف ...
                    هنيئاً لنا بك بسمتي الحلوة ..
                    لك أعذب أمنياتي ....تحيّاتي ...

                    تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                    تعليق

                    • بسمة الصيادي
                      مشرفة ملتقى القصة
                      • 09-02-2010
                      • 3185

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة ركاد حسن خليل مشاهدة المشاركة
                      الأستاذة بسمة الصيادي

                      أبحرت بين هذه الصور الكثيفة
                      وارتشفت كلماتها عن آخرها
                      رائعٌ محيطُ خيالك بما يحوي من دُر
                      كل عام وأنتم بخير
                      تقديري ومحبتي

                      ركاد أبو الحسن
                      مساء النور والسحر
                      أهلا بالأستاذ العزيز ركاد
                      كم سرني وجودك سيدي
                      شكرا لك على العطر الذي نثرته هنا
                      تحياتي
                      في انتظار ..هدية من السماء!!

                      تعليق

                      • بسمة الصيادي
                        مشرفة ملتقى القصة
                        • 09-02-2010
                        • 3185

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                        جميلة و أكثر
                        أما قلت هناك
                        عفويتها منحتها الجمال
                        فكل الموجودات ترى و تتكلم و لها حضور
                        لأن المحرك هنا حالة قمع تقابلها حالة رفض كامن
                        و إحساس بالهوان و اللا معقول فى العلاقات
                        و كان يجب أن يتوقف عند حد ، و إلا .....!!


                        لن أكثر و لو كانت تستحق حديثا طويلا و متفحصا
                        فللجمل الطويلة أيضا جمالها الخاص !!

                        محبتي و تقديري
                        أستاذي العزيز
                        أفرح لما أجد أن الكلمات المتواضعة قد استحوذت على إعجابك
                        شكرا لوجودك بالقرب، تسقينا من نبع عطائك وتسمح لنا بالتحليق فوق أجنحتك ..
                        لا حرمناك أبدا ..
                        أطيب التحيات
                        في انتظار ..هدية من السماء!!

                        تعليق

                        يعمل...
                        X