حفظت عدد تلك الدوامات المربعة القابعة على الأرض .. الجدران قرأت كل تفاصيلها وثقوبها المستترة خلف القناع الأبيض .. كما عرفت عقدها النفسية ... !
تحاصرني وحدتي من كل جانب، وتزحف تفاصيل قاتلة نحوي، كأسراب جراد تنهش أغصاني .. لتسقط روحي ثمرة لا حيلة لها سوى أن تهيم وسط الرمال باحثة عن فصل جديد يعيدها إلى موطنها ..!
وتفتح المرايا قضبانها لتعبرها أسراب العصافير،التي احتوتها حدائق كفيّ طويلا ..وأطعمتها من أجزائي، مهاجرة نحو جنوب اللاعودة ..! وكلما هرعت للرحيل معهم ..أوصدت المرايا أبوابها ..!
مزقت صوري .. نفتني من عالم الأشكال .. حتى نسيت ملامحي وما عدت أذكر شيئا من تلك اللوحة التي حملت يوما ما اسمي ..! حاولت رسمها من جديد لكن ..! هل كان وجهي مستديرا أم كان مليئا بالزوايا كغرفتي التي فضلت إحتواء خيوط العناكب في زواياها على احتوائي..؟ أيتسع وجهي لأركن فيه مظلتي المشردة ..والمطر ..! ماذا عن عيناي ؟ ما لونهما .. أخضر كلون ربيع لم يعد يزورني؟ أم أسود كظلام الليل الذي يستوطنني ...؟!
وتسقط ريشتي عاجزة أمام تلك الاستفهامات .. وتنقض موجة شحوب على ألواني ..!
.
.
انتفض الورق احتجاجا على كل هذا التعذيب .. وتمايل قلمها مترنحا بعد أن ثمل من الألم!
تراجعت خطوة إلى الخلف .. هبّ نسيم الأنين، وإذا بخصل شعرها تتطاير ملافحة خدّها ..
-نعم شعري ..شعري الطويل ..تذكرت ..! قالت بلهفة.. .. ثم حضنته ..شعرت أنها وجدت شيئا من نفسها ..اشتد الظلام .. فتقدم نحوها مقصّ حاد الأنياب وفي لحظة باردة ،غدرها وخطف ضفائرها الطويلة ... هوت أرضا مع تلك الشظايا .. حاولت أن تلملمها،فكانت تتبعثر أكثر .. بكت ، أرادت أن ترثيها، فما وجدت في جعبتها أية لغة شعرية، فالدمع سقط في المحبرة ولوثها ..!
الجدران كانت تزداد لؤما يوما بعد يوم .. والستار يزعم أنه جدار خامس .. لم يعد الأمر يطاق ..وقفت متجمدة النظرات .. صرخت بأعلا صوتها : أينعت أيتها الجدران .. وقد حان موسم القطاف !
ومن الضفة التي تفصل الشهقة عن الشهقة ..تناولت فأسا .. أمسكته بكل قوتها .. وقبل أن تخرج الحمم التي تأججت في داخلها .. سمعت صوتا يتودد إليها ..
-لقد جمعتنا سنين ..حضنتك فيها ..ألا تذكرين ؟؟
حميتك من الشتاء .. من العالم المخيف... حتى نفسك حميتك منها ... !
التفتت باحثة عن مصدر الصوت ..دارت في المكان .. صرخت ..
-بل أنت أسرتني .. وأحجبت عني كل الفصول لتخلق لي فصلا خاصا بي .. تمطر سحبه الوحدة والظلام ..
لم أعد أريد هذا الأمان المزعوم ..حررني ..!
السرير بدأ يتمتم .: اعتدت على أنفاسك فلا تحرميني منها .. أنا ماضيك ..فكيف تتخلين عني .. أنا مأوى راحتك ...أنا ..!
قاطعته : ما أنت إلا قبر دفنني طويلا ... سأنبعث من جديد وأتخلص من نعشك .. !
عطّلت حاسة سمعها، حتى لا تسمعهم ، تناولت الفأس مجددا .. راحت تضرب وتضرب .. لا تدري من أين أتتها تلك القوة .. كانت حالة من الجنون .. من الهيستيريا .. ثم بدأت براكين النزف تتفجر من كل ركن .. المرايا هلعت ، أعادت ارتداء ثوبها الأصليّ .. فعادت إليها الصور التي استوقفت تلك الثائرة، رأت نفسها أخيرا .. استعادت ذاكرة الملامح وشيئا من أنفاسها..تأملت ذلك الوجه .. حاولت أن تصافحه بابتسامة، ولكن الرماد الهارب من حرائق عينيها غطّى ثغرها ...ثم تشقق جسدها النحيل مع تشقق المرايا .. تدفق سائلا من شرايينها .. ليس دما بل ذلك الذي ينذر بقدوم المخاض .. عادت للفأس .. تضرب هنا وتضرب هناك ..!
ووسط الركام .. كانت أشعة من النور تحط ترحالها .. تتهادى مع ألحان ذلك الناي ..!
.
.
18/11/2010
تعليق