"اللغة الاستعارية في التشكيل الصوري في ضوء النقد الحديث"
لا يخفى أن الاستعارة بلغت من الأهمية بحيث إنها تتصدر بنية الكلام الإنساني، في كونها عامل حفز، وحث، وأداة تعبير، ومصدراً للترادف وتعدد المعنى، ومتنفساً للعواطف والمشاعر الانفعالية الجادة، ووسيلة لملء الفراغات في المصطلحات والاستعارة باعتبارها نوعاً من التعبير الدلالي القائم على المشابهة تعد ملمحاً بارزاً من ملامح النشاط اللغوي، والذي يعمل على إخراج المعنى من نطاقه اللغوي حيث تتبدى الحياة في أوصاله ضمن إ طار من الانسجام، والتآلف، وتنبثق وظيفتها التحويلية – بمعنى أنها تعمل على قلب المعقول محسوسا ً- من تعريفها، فهي في عرف البلاغيين نوع من التعبير الدلالي القائم على المشابهة، مع قرينة ملفوظة أو ملحوظة تمنع إيراد المعنى الحقيقي.
وحدد التفكير البلاغي القديم مجال الاستعارة بنظرة تعتبر الاستعارة تجاوزاً للحقيقة، بما يتم للكلمة من نقل إلى غير مجالها المألوف، وفق أساس من المشابهة بين الطرفين، وهي بكونها أبرز أداة من أدوات الشاعر في تكوين صوره أمر حدا ببعض النقاد إلى استخدام مصطلح (الاستخدام الاستعاري) بديلاً من "الضروب المجازية"، فالصورة لا يمكن أن تستقل بحال عن الإدراك الاستعاري، فالاستعارة "تظل مبدءاً جوهرياً وبرهاناً جلياً على نبوغ الشاعر، وهذا أمر مسلم به حيث يتم من خلال استخدامها إعطاء النص القدر الأكبر من الشاعرية التي يمتلكها، فالشاعر وبمجرد أنه يحاول التجديد والكشف يضطر إلى التعامل مع الاستعارة والمجاز. فهما اللغة القادرة على التعبير عن مشاعر الإنسان وأحاسيسه وانفعالاته، حين تعجز اللغة العادية –برتابتها- عن التعبير عن ذلك، فتخرج بذلك الاستعارة عما يمكن أن توصف به أنها أداة تزيين وزخرف إلى أساس يقوم الشعر عليه، حيث لا غنى عنها، بما أن الشعر يستمد جزءاً كبيراً من شعريته من خلال الاستخدام الاستعاري.
والاستعارة في عمليتها الفنية تقوم على عنصرين؛ وهما ما يطلق عليهما الطرفان، وإن ظهر أحدهما وغاب الآخر فهذا لا يعني اسقاطه تماماً وعدم النظر إليه بعين الأهمية، بل إن حضوره يتجلى من خلال غيابه، فمقدار الحذف يعني تطوراً جديداً في تلك العلاقة القائمة بينهما، وذلك من خلال وحدة الاندماج، عندما تزول الحواجز بين الطرفين، في محاولة لاكتشاف تلك الوحدة الكامنة بين الموجودات، وهي بذلك تشكل وسيلة راقية من وسائل التشكيل الصوري، بحيث إنها تتفوق على التشبيه بكونه أساساً لها، من حيث إنها تربط بين الأشياء المتغايرة المتباينة، لتخرج بهيئة مركب جديد هو الصورة الفنية الناتجة عن اندماج العناصر المكونة لها، ناهيك عن قدرتها على تشخيص المعاني المجردة، وبث الحياة في الجمادات، فتظهرها صوراً لكائنات حية متحركة نابضة بالحياة.
نظرت البلاغة الحديثة إلى الاستعارة وصنفتها نظريات عدة كان من أبرزها:
النظرية الأولى: النظرية الإبدالية، وتقوم هذه النظرية على مبدأ المشابهة والتي تمثل العلاقة الجوهرية لها عند كثير من الدارسين، وقد اعتبرت هذه النظرية أن الاستعارة علاقة لغوية تقوم على المقارنة، وهي بذلك تماثل الاستعارة بالتشبيه، ولكن هذه النظرية أعطت الاستعارة ميزة اعتمادها على الاستبدال، أي أن المعنى لا يقدم من خلال هذه النظرية بطريقة مباشرة، بل يقارن ويستبدل بغيره على أساس من التشابه، وذلك بالنظر إلى أطراف الاستعارة، حيث يتوافر فيها طرف واحد يحل مكان الطرف الآخر، مستنداً إلى العلاقة التشاركية الشبيهة بالعلاقة التي يقوم عليها التشبيه.
النظرية الثانية: النظرية التركيبية أو السياقية، وتتبدى الاستعارة من خلالها عملية خلق جديد في اللغة، من خلال ارتكازها على السياق والعلاقات اللغوية داخله، وفيها تنصهر العناصر اللغوية ليعاد تركيبها من جديد، ضمن إطار من التجانس، فتبث حياة داخل الحياة التي تعرف أنماطها التركيبية، وهذا النوع من الاستعارات ما سماه العرب الاستعارة التبعية، لكون المستعار فيها إما فعلاً أو اسماً مشتقاً أو حرفاً، حيث لا يدرك معنى هذه الألفاظ إلا في سياقاتها اللغوية.
النظرية الثالثة: النظرية التفاعلية، وكانت محط اهتمام العديد من النقاد الغربيين لإدراكهم أهمية هذه النظرية في التحليل اللغوي، فالاستعارة من خلال هذه النظرية تتجاوز الاقتصار على كلمة واحدة، فهي لا تتحصل إلا من خلال بؤر المجاز والإطار المحيط بها، وفي هذه النظرية تتبدى القيم الجمالية، والتشخيصية، والتجسيدية، والتخييلية، والعاطفية، للاستعارة.
ومهما يكن من أمر التنظير النقدي حول الاستعارة تبقى الاستعارة جوهرالعملية الشعرية، واللغة القادرة على التعبير عن المشاعر والانفعالات، حين تعجز اللغة العادية عن ذلك، فتشكل الاستعارة بذلك وسيلة كشف داخل المبدع، يبرز من خلالها نظرته إلى الكون والأشياء. وتبقى عنصراً أساسياً من عناصر تشكيل الصورة بكل تلويناتها.
د.ابراهيم الدلاهمة
لا يخفى أن الاستعارة بلغت من الأهمية بحيث إنها تتصدر بنية الكلام الإنساني، في كونها عامل حفز، وحث، وأداة تعبير، ومصدراً للترادف وتعدد المعنى، ومتنفساً للعواطف والمشاعر الانفعالية الجادة، ووسيلة لملء الفراغات في المصطلحات والاستعارة باعتبارها نوعاً من التعبير الدلالي القائم على المشابهة تعد ملمحاً بارزاً من ملامح النشاط اللغوي، والذي يعمل على إخراج المعنى من نطاقه اللغوي حيث تتبدى الحياة في أوصاله ضمن إ طار من الانسجام، والتآلف، وتنبثق وظيفتها التحويلية – بمعنى أنها تعمل على قلب المعقول محسوسا ً- من تعريفها، فهي في عرف البلاغيين نوع من التعبير الدلالي القائم على المشابهة، مع قرينة ملفوظة أو ملحوظة تمنع إيراد المعنى الحقيقي.
وحدد التفكير البلاغي القديم مجال الاستعارة بنظرة تعتبر الاستعارة تجاوزاً للحقيقة، بما يتم للكلمة من نقل إلى غير مجالها المألوف، وفق أساس من المشابهة بين الطرفين، وهي بكونها أبرز أداة من أدوات الشاعر في تكوين صوره أمر حدا ببعض النقاد إلى استخدام مصطلح (الاستخدام الاستعاري) بديلاً من "الضروب المجازية"، فالصورة لا يمكن أن تستقل بحال عن الإدراك الاستعاري، فالاستعارة "تظل مبدءاً جوهرياً وبرهاناً جلياً على نبوغ الشاعر، وهذا أمر مسلم به حيث يتم من خلال استخدامها إعطاء النص القدر الأكبر من الشاعرية التي يمتلكها، فالشاعر وبمجرد أنه يحاول التجديد والكشف يضطر إلى التعامل مع الاستعارة والمجاز. فهما اللغة القادرة على التعبير عن مشاعر الإنسان وأحاسيسه وانفعالاته، حين تعجز اللغة العادية –برتابتها- عن التعبير عن ذلك، فتخرج بذلك الاستعارة عما يمكن أن توصف به أنها أداة تزيين وزخرف إلى أساس يقوم الشعر عليه، حيث لا غنى عنها، بما أن الشعر يستمد جزءاً كبيراً من شعريته من خلال الاستخدام الاستعاري.
والاستعارة في عمليتها الفنية تقوم على عنصرين؛ وهما ما يطلق عليهما الطرفان، وإن ظهر أحدهما وغاب الآخر فهذا لا يعني اسقاطه تماماً وعدم النظر إليه بعين الأهمية، بل إن حضوره يتجلى من خلال غيابه، فمقدار الحذف يعني تطوراً جديداً في تلك العلاقة القائمة بينهما، وذلك من خلال وحدة الاندماج، عندما تزول الحواجز بين الطرفين، في محاولة لاكتشاف تلك الوحدة الكامنة بين الموجودات، وهي بذلك تشكل وسيلة راقية من وسائل التشكيل الصوري، بحيث إنها تتفوق على التشبيه بكونه أساساً لها، من حيث إنها تربط بين الأشياء المتغايرة المتباينة، لتخرج بهيئة مركب جديد هو الصورة الفنية الناتجة عن اندماج العناصر المكونة لها، ناهيك عن قدرتها على تشخيص المعاني المجردة، وبث الحياة في الجمادات، فتظهرها صوراً لكائنات حية متحركة نابضة بالحياة.
نظرت البلاغة الحديثة إلى الاستعارة وصنفتها نظريات عدة كان من أبرزها:
النظرية الأولى: النظرية الإبدالية، وتقوم هذه النظرية على مبدأ المشابهة والتي تمثل العلاقة الجوهرية لها عند كثير من الدارسين، وقد اعتبرت هذه النظرية أن الاستعارة علاقة لغوية تقوم على المقارنة، وهي بذلك تماثل الاستعارة بالتشبيه، ولكن هذه النظرية أعطت الاستعارة ميزة اعتمادها على الاستبدال، أي أن المعنى لا يقدم من خلال هذه النظرية بطريقة مباشرة، بل يقارن ويستبدل بغيره على أساس من التشابه، وذلك بالنظر إلى أطراف الاستعارة، حيث يتوافر فيها طرف واحد يحل مكان الطرف الآخر، مستنداً إلى العلاقة التشاركية الشبيهة بالعلاقة التي يقوم عليها التشبيه.
النظرية الثانية: النظرية التركيبية أو السياقية، وتتبدى الاستعارة من خلالها عملية خلق جديد في اللغة، من خلال ارتكازها على السياق والعلاقات اللغوية داخله، وفيها تنصهر العناصر اللغوية ليعاد تركيبها من جديد، ضمن إطار من التجانس، فتبث حياة داخل الحياة التي تعرف أنماطها التركيبية، وهذا النوع من الاستعارات ما سماه العرب الاستعارة التبعية، لكون المستعار فيها إما فعلاً أو اسماً مشتقاً أو حرفاً، حيث لا يدرك معنى هذه الألفاظ إلا في سياقاتها اللغوية.
النظرية الثالثة: النظرية التفاعلية، وكانت محط اهتمام العديد من النقاد الغربيين لإدراكهم أهمية هذه النظرية في التحليل اللغوي، فالاستعارة من خلال هذه النظرية تتجاوز الاقتصار على كلمة واحدة، فهي لا تتحصل إلا من خلال بؤر المجاز والإطار المحيط بها، وفي هذه النظرية تتبدى القيم الجمالية، والتشخيصية، والتجسيدية، والتخييلية، والعاطفية، للاستعارة.
ومهما يكن من أمر التنظير النقدي حول الاستعارة تبقى الاستعارة جوهرالعملية الشعرية، واللغة القادرة على التعبير عن المشاعر والانفعالات، حين تعجز اللغة العادية عن ذلك، فتشكل الاستعارة بذلك وسيلة كشف داخل المبدع، يبرز من خلالها نظرته إلى الكون والأشياء. وتبقى عنصراً أساسياً من عناصر تشكيل الصورة بكل تلويناتها.
تعليق