مَـنْ يشـنقُ ظـلّي ؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبري رسول
    أديب وكاتب
    • 25-05-2009
    • 647

    مَـنْ يشـنقُ ظـلّي ؟

    مَـنْ يشـنقُ ظـلّي ؟


    أخذَتْني الفكرةُ إلى بلاهةٍ مشلولةٍ. أغلقُ الأبوابَ جيداً، أتأكَّدُ من سلامة النَّوافذ الزَّجاجية ومن القفص الخشبي خلفَها، حتى تيقنْتُ أنَّهُ لم يَعُدْ ثمَّةَ منفذٌ ليندلقَ منه الصَّمتُ إلى الدَّاخل، ثمّ أنامُ بعيداً عن حضنِ القلق .
    تجثَّمتْ عتمةُ القلقِ على هيكلي المُذابِ هناك. كلَّما أصحو فزعاً أرى قلباً متدلِّياً من السَّقف ينقّطُ دماً، أنظرُ إلى الأرض لأجدَ شيئاً، بلاطُ الغرفةِ لامعةٌ أنيقةٌ ، أتحسّس صدري فإذا به لا ينبض، أجوفٌ خاوٍ.

    لا أعرفُ كم ساعة أو ليلة قد مرّتْ على حالي وإذ بي أجدُ نفسي مضطرباً قلقاً، أنظر إلى قلبي المشنوقِ هناك والمتدلِّي من حبلٍ غير مرئيِّ وسط السَّقف، أراه ينقّط دماً، ألـماً، مطراً. ينظرُ إليّ كأنَّه يقرأُ أفكاري. أسرعْتُ إلى سكينٍ من المطبخِ لأطعنَه كي يثلجَ صدري. اقتربْتُ منه مازالَ ينقِّط على أرضية الغرفةِ دونَ أن يتركَ رسماً نازفاً للّون. قبل أنْ أُمطِرُهُ بطعناتي سمعتُ صوتاً أنثوياً ينادي: لم تنته المعركةُ بعد، بحثتُ عن الصَّوت في اتجاهاتٍ مختلفة. قلت لنفسي : معركة واحدة مع الأنثى تجلب نهايتك ، فكيف إذا كانت للمعركة جولات أخرى ؟

    كان الضَّوء كامداً في وجهِها، هكذا تخيلتُها، وجهٌ مطليٌّ بغروب موجعٍ. امرأةٌ تهطلُ على إحساسي، ظلُّها يتسعُ على مدىً أخضر، وعريشتُها تظلّلُ قلقِي.

    قلتُ لها: أينَ ينزفُ دمهُ؟ وكيفَ به يعيشُ؟ جاءَ الصَّوتُ برقّةِ ماءٍ: القلبُ هنا يعيشُ داخلَ هذا القلبِ النَّازفِ. ودمه يتجمَّع هنا، والقلبُ كالماءِ يتكسّر فيه الظِّلّ، يجفُّ فيتبخّر ثم يتلاشى.

    قلت: كيف نظلّلُ جداولَ الضَّوءِ في خريطةِ الدَّم؟ وكيف تكتبينَ ألماً على حافة غيمةٍ هاربةٍ؟ أنت تهندسينَ خوفَكِ باقتحامِك ظلّي وعَرينَتي، تهندسين خوفَك من قادمٍ يبتلعُ الظَّلام .

    قهقهَ الصَّوتُ: هندسةُ الخوفِ تلائمُ تكويناتِ القلق، وتعتقلُ القلبَ، ثمَّ تشنقُهُ بحبلٍ غير مرئيّ.

    في لحظاتٍ ساخنةٍ كنَّا نحنُ الثَّلاث: أنا والقلب المشنوق والأنثى المختفية وراءَ صوتها. نقطّرُ على بلاط الغرفة دونَ أن نتركَ أثراً، نشكّلُ معاً نقطةً سقطَتْ من القلبِ المتدلِّي دونَ أنْ تُحدِثَ ضجيجاً في الغرفةِ المغلقةِ. وصوتُها يتعلّقُ ببقايا خمودٍ وراءَ الأسوارِ.



    جـدة في ... / 2 / 2004 م
  • ميساء عباس
    رئيس ملتقى القصة
    • 21-09-2009
    • 4186

    #2
    أخذَتْني الفكرةُ إلى بلاهةٍ مشلولةٍ. أغلقُ الأبوابَ جيداً، أتأكَّدُ من سلامة النَّوافذ الزَّجاجية ومن القفص الخشبي خلفَها، حتى تيقنْتُ أنَّهُ لم يَعُدْ ثمَّةَ منفذٌ ليندلقَ منه الصَّمتُ إلى الدَّاخل، ثمّ أنامُ بعيداً عن حضنِ القلق
    صبري الجميل نعم ونعم
    جميلة جدا تلك الكائنات الخيالية التي تلاعبت بروحنا
    عنوان راقي شاعري جميل
    وقصة ممتعة جدا حد القلق
    فيها الكثر من الصور الفنية
    لوحات ماهرة بريشة فنان متذوق جيد للألم والجمال
    فقط رأيت هذه الجملة كانت مباشرة
    قلت لنفسي : معركة واحدة مع الأنثى تجلب نهايتك ، فكيف إذا كانت للمعركة جولات أخرى ؟

    قصة ماتعة جدا
    وغريبة الظنون والظلال
    نعم للتجديد والغرابة والجمال

    كل الود والتقدير أيها الرائع
    ميساء
    التعديل الأخير تم بواسطة صبري رسول; الساعة 04-12-2010, 12:53. سبب آخر: خطأ في الرد
    مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
    https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be

    تعليق

    • إيمان الدرع
      نائب ملتقى القصة
      • 09-02-2010
      • 3576

      #3
      حوارٌ نابضٌ بين القلب النّازف ...وهو ..وهي ...
      عناصر ثلاث تقف على جرف جرحٍ ...ضمّدته لحظة حبّ صادق ، جاء في الوقت المناسب ليلتقط النّزف...
      متفرّد في بصمتك أستاذ صبري دائماً ...فلا عجب من إبداعك ...
      مع أعذب أمنياتي .....تحيّاتي ....

      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

      تعليق

      • محمد الصاوى السيد حسين
        أديب وكاتب
        • 25-09-2008
        • 2803

        #4
        تحياتى البيضاء
        كمتلق أجد انى أمام نص سردى جميل يقوم بنيانه على تخييل ذكى باهر يكنز دفقة قوية من الدهشة وتحفيز المتلقى ، هذا التخييل الذى يقوم على هذا السياق (أنظر إلى قلبي المشنوقِ هناك والمتدلِّي من حبلٍ غير مرئيِّ وسط السَّقف، أراهينقّط دماً، ألـماً، مطراً. ينظرُ إليّ كأنَّه يقرأُ أفكاري.) نحن هنا أمام تخييل ذكى قادر على أن يؤثر فى المتلقى عبر هذه الصورة التى رسمها للقلب والتى تعادل دلاليا شعور بطل النص بانكساره العاطفى وتجرعه مرارات لا يطيقها وجدانه حتى أنها تنسرب إلى الحياة فتتراءى له جهارا قلبا منتحرا يائسا ينزف فكأنه الذى استبق بهزيمته وانكساره ما يعتمل فى نفس بطل النص ، تخييل ذكى ورهيف ويحمل مدى كثيفا من الإيحاء واستدعاء خبرات التلقى ، لكن هذا لن يستمر على مدى النص للأسف بل ينفلت خيط التخييل ليدخل المشهد المؤثر الموحى فى خيوط عديدة تشوش على بكارة التخييل الأول وطزاجة تأثيره ، مثلا مشهد القلب المعلق الذى ينزف ستزاحمه أيضا هذه الصورة (امرأةٌ تهطلُ على إحساسي، ) وهذه الصورة ستكون مفتتحا يدخل السرد منه فى حوار حول نقطة لا تبدو فى رأيى ذات تأثير كبير هى مكان النزف وأين ينزف القلب ، إن المؤثر العميق فى الصورة هو ذاته مشهد القلب المشنوق نازفا ، لا يعنى المتلقى هنا هذا الالتفات لمكان النزف ، ثم نجد أن الحوار يتحدث عن قلب آخر يعيش داخل القلب النازف وهو تخييل يؤثر فى رأيى سلبا على خبرة التعاطف الرئيسة التى تكونت لدى المتلقى من جراء تلقى الصورة الأولى للقلب المشنوق النازف
        - نقطة أخرى هامة فى لغة النص هى دخله فى لغة مصطلحية دقيقة مثل ( هندسة الخوف ، تكوينات القلق ) وهى اللغة التى يراد بها تفسير مشهد القلب المعلق نازفا ، بينما هى صورة لا تحتاج إلى مثل هذه اللغة المصطلحية الصورة جلية رهيفة وحدها ومؤثرة بلغتها الأدبية الشفيفة فما كان أن تزاحمها لغة مصطلحية تعيق سلاسة الصورة فى رأيى

        تعليق

        • محمد محضار
          أديب وكاتب
          • 19-01-2010
          • 1270

          #5
          نص يتميز بلغته الجميلة ن ونفسه الشاعري ، أسلوب راقي ، وسرد يتميز بقدرات كبيرة في التحكم في الأدوات السردية
          sigpicلك المجد أيها الفرح المشرق في ذاتي، لك السؤدد أيها الوهج المومض في جوانحي...

          تعليق

          • صادق حمزة منذر
            الأخطل الأخير
            مدير لجنة التنظيم والإدارة
            • 12-11-2009
            • 2944

            #6
            [align=center]

            نص يقترب من القصيدة قربه من القصة حيث تزاحمت فيه الصور المكثفة
            وتداخل فيه التوتر المشهدي حتى أن الحوار كان مجرد متن حمل الصور
            الشعرية المبتكرة المتعددة لخلق تأثيرات منفصلة متلاحقة تكاد تخفي معالم
            السرد الحكائي وهذا ما يتيح مجالا أرحب لتدخل المتلقي في محاولات
            متعددة لإعادة تكوين المشاهد ورسم القصة .. وهذا في منتهى الروعة

            تحيتي وتقديري لك
            [/align]




            تعليق

            • صبري رسول
              أديب وكاتب
              • 25-05-2009
              • 647

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
              حوارٌ نابضٌ بين القلب النّازف ...وهو ..وهي ...
              عناصر ثلاث تقف على جرف جرحٍ ...ضمّدته لحظة حبّ صادق ، جاء في الوقت المناسب ليلتقط النّزف...
              متفرّد في بصمتك أستاذ صبري دائماً ...فلا عجب من إبداعك ...
              مع أعذب أمنياتي .....تحيّاتي ....


              العزيزة إيمان
              تحية لك
              أشكرك على المرور المطري
              سعيد بقراءتك للنّص
              وأعتزّ برأيك الشاعري
              كوني بخير
              التعديل الأخير تم بواسطة صبري رسول; الساعة 04-12-2010, 12:59.

              تعليق

              • صبري رسول
                أديب وكاتب
                • 25-05-2009
                • 647

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة ميساء عباس مشاهدة المشاركة
                أخذَتْني الفكرةُ إلى بلاهةٍ مشلولةٍ. أغلقُ الأبوابَ جيداً، أتأكَّدُ من سلامة النَّوافذ الزَّجاجية ومن القفص الخشبي خلفَها، حتى تيقنْتُ أنَّهُ لم يَعُدْ ثمَّةَ منفذٌ ليندلقَ منه الصَّمتُ إلى الدَّاخل، ثمّ أنامُ بعيداً عن حضنِ القلق
                صبري الجميل نعم ونعم
                جميلة جدا تلك الكائنات الخيالية التي تلاعبت بروحنا
                عنوان راقي شاعري جميل
                وقصة ممتعة جدا حد القلق
                فيها الكثر من الصور الفنية
                لوحات ماهرة بريشة فنان متذوق جيد للألم والجمال
                فقط رأيت هذه الجملة كانت مباشرة
                قلت لنفسي : معركة واحدة مع الأنثى تجلب نهايتك ، فكيف إذا كانت للمعركة جولات أخرى ؟

                قصة ماتعة جدا
                وغريبة الظنون والظلال
                نعم للتجديد والغرابة والجمال

                كل الود والتقدير أيها الرائع
                ميساء

                العزيزة ميس
                سباقة في قراءة النصوص
                أحيي نشاطك وعطاءك الكثير
                وأشكرك على الحضور البهي
                قراءتك صائبة وعميقة
                كوني بخير

                تعليق

                • مها راجح
                  حرف عميق من فم الصمت
                  • 22-10-2008
                  • 10970

                  #9
                  ماأجمل هذا القلب وهو يعزف لنا موسيقى ناييحتضنه حتى الضياع

                  تحيتي وتقديري استاذ صبري رسول
                  رحمك الله يا أمي الغالية

                  تعليق

                  • صبري رسول
                    أديب وكاتب
                    • 25-05-2009
                    • 647

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة محمد الصاوى السيد حسين مشاهدة المشاركة
                    تحياتى البيضاء
                    كمتلق أجد انى أمام نص سردى جميل يقوم بنيانه على تخييل ذكى باهر يكنز دفقة قوية من الدهشة وتحفيز المتلقى ، هذا التخييل الذى يقوم على هذا السياق (أنظر إلى قلبي المشنوقِ هناك والمتدلِّي من حبلٍ غير مرئيِّ وسط السَّقف، أراهينقّط دماً، ألـماً، مطراً. ينظرُ إليّ كأنَّه يقرأُ أفكاري.) نحن هنا أمام تخييل ذكى قادر على أن يؤثر فى المتلقى عبر هذه الصورة التى رسمها للقلب والتى تعادل دلاليا شعور بطل النص بانكساره العاطفى وتجرعه مرارات لا يطيقها وجدانه حتى أنها تنسرب إلى الحياة فتتراءى له جهارا قلبا منتحرا يائسا ينزف فكأنه الذى استبق بهزيمته وانكساره ما يعتمل فى نفس بطل النص ، تخييل ذكى ورهيف ويحمل مدى كثيفا من الإيحاء واستدعاء خبرات التلقى ، لكن هذا لن يستمر على مدى النص للأسف بل ينفلت خيط التخييل ليدخل المشهد المؤثر الموحى فى خيوط عديدة تشوش على بكارة التخييل الأول وطزاجة تأثيره ، مثلا مشهد القلب المعلق الذى ينزف ستزاحمه أيضا هذه الصورة (امرأةٌ تهطلُ على إحساسي، ) وهذه الصورة ستكون مفتتحا يدخل السرد منه فى حوار حول نقطة لا تبدو فى رأيى ذات تأثير كبير هى مكان النزف وأين ينزف القلب ، إن المؤثر العميق فى الصورة هو ذاته مشهد القلب المشنوق نازفا ، لا يعنى المتلقى هنا هذا الالتفات لمكان النزف ، ثم نجد أن الحوار يتحدث عن قلب آخر يعيش داخل القلب النازف وهو تخييل يؤثر فى رأيى سلبا على خبرة التعاطف الرئيسة التى تكونت لدى المتلقى من جراء تلقى الصورة الأولى للقلب المشنوق النازف
                    - نقطة أخرى هامة فى لغة النص هى دخله فى لغة مصطلحية دقيقة مثل ( هندسة الخوف ، تكوينات القلق ) وهى اللغة التى يراد بها تفسير مشهد القلب المعلق نازفا ، بينما هى صورة لا تحتاج إلى مثل هذه اللغة المصطلحية الصورة جلية رهيفة وحدها ومؤثرة بلغتها الأدبية الشفيفة فما كان أن تزاحمها لغة مصطلحية تعيق سلاسة الصورة فى رأيى
                    العزيز محمد الصاوي
                    شكراً لك على الحضور وعلى هذا النقد الجميل
                    تمتلك من أدوات نقدية تعينك على التحليل والتشريح لأي نص أدبي
                    كل سعادة بتعليقك
                    كن بخير

                    تعليق

                    • عائشة بن دلة
                      عضو الملتقى
                      • 05-03-2011
                      • 136

                      #11
                      جميل ذلك الغموض الذي داهمني في زوايا نصك

                      أعجبني السرد الرائع هنا

                      أستاذ صبري مزيدا من الإبداع

                      تعليق

                      • صبري رسول
                        أديب وكاتب
                        • 25-05-2009
                        • 647

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة محمد محضار مشاهدة المشاركة
                        نص يتميز بلغته الجميلة ن ونفسه الشاعري ، أسلوب راقي ، وسرد يتميز بقدرات كبيرة في التحكم في الأدوات السردية

                        العزيز محمد محضار
                        تحية لك
                        شكراً لمرورك البهي
                        بكم يجد النص ارتقاءه وبهاءه
                        كن بخير

                        تعليق

                        • إيمان عبد الغني سوار
                          إليزابيث
                          • 28-01-2011
                          • 1340

                          #13
                          [align=center]
                          صبري رسول

                          إنك قوي وشفاف في نفس الوقت
                          لأن صوّر لك ما بداخلك كل تلك القسوة تلوذ بك
                          إلا إنك تعلم جيداً كل شيء كان لا مرئي وتحت السيطرة
                          وإنك لاتخشى التكرار مادامت النقطة ستسقط حتماً ..دون ضجيج
                          سلمت أيها الفاضل وسلم قلمك المبدع دائماً.


                          تحياتي:



                          [/align]
                          التعديل الأخير تم بواسطة إيمان عبد الغني سوار; الساعة 28-03-2011, 17:36.
                          " الحرية هي حقك أن تكون مختلفاً"
                          أنا الهذيان وبعـض الوهم حقيقة!

                          تعليق

                          يعمل...
                          X