مَـنْ يشـنقُ ظـلّي ؟
أخذَتْني الفكرةُ إلى بلاهةٍ مشلولةٍ. أغلقُ الأبوابَ جيداً، أتأكَّدُ من سلامة النَّوافذ الزَّجاجية ومن القفص الخشبي خلفَها، حتى تيقنْتُ أنَّهُ لم يَعُدْ ثمَّةَ منفذٌ ليندلقَ منه الصَّمتُ إلى الدَّاخل، ثمّ أنامُ بعيداً عن حضنِ القلق .
تجثَّمتْ عتمةُ القلقِ على هيكلي المُذابِ هناك. كلَّما أصحو فزعاً أرى قلباً متدلِّياً من السَّقف ينقّطُ دماً، أنظرُ إلى الأرض لأجدَ شيئاً، بلاطُ الغرفةِ لامعةٌ أنيقةٌ ، أتحسّس صدري فإذا به لا ينبض، أجوفٌ خاوٍ.
لا أعرفُ كم ساعة أو ليلة قد مرّتْ على حالي وإذ بي أجدُ نفسي مضطرباً قلقاً، أنظر إلى قلبي المشنوقِ هناك والمتدلِّي من حبلٍ غير مرئيِّ وسط السَّقف، أراه ينقّط دماً، ألـماً، مطراً. ينظرُ إليّ كأنَّه يقرأُ أفكاري. أسرعْتُ إلى سكينٍ من المطبخِ لأطعنَه كي يثلجَ صدري. اقتربْتُ منه مازالَ ينقِّط على أرضية الغرفةِ دونَ أن يتركَ رسماً نازفاً للّون. قبل أنْ أُمطِرُهُ بطعناتي سمعتُ صوتاً أنثوياً ينادي: لم تنته المعركةُ بعد، بحثتُ عن الصَّوت في اتجاهاتٍ مختلفة. قلت لنفسي : معركة واحدة مع الأنثى تجلب نهايتك ، فكيف إذا كانت للمعركة جولات أخرى ؟
كان الضَّوء كامداً في وجهِها، هكذا تخيلتُها، وجهٌ مطليٌّ بغروب موجعٍ. امرأةٌ تهطلُ على إحساسي، ظلُّها يتسعُ على مدىً أخضر، وعريشتُها تظلّلُ قلقِي.
قلتُ لها: أينَ ينزفُ دمهُ؟ وكيفَ به يعيشُ؟ جاءَ الصَّوتُ برقّةِ ماءٍ: القلبُ هنا يعيشُ داخلَ هذا القلبِ النَّازفِ. ودمه يتجمَّع هنا، والقلبُ كالماءِ يتكسّر فيه الظِّلّ، يجفُّ فيتبخّر ثم يتلاشى.
قلت: كيف نظلّلُ جداولَ الضَّوءِ في خريطةِ الدَّم؟ وكيف تكتبينَ ألماً على حافة غيمةٍ هاربةٍ؟ أنت تهندسينَ خوفَكِ باقتحامِك ظلّي وعَرينَتي، تهندسين خوفَك من قادمٍ يبتلعُ الظَّلام .
قهقهَ الصَّوتُ: هندسةُ الخوفِ تلائمُ تكويناتِ القلق، وتعتقلُ القلبَ، ثمَّ تشنقُهُ بحبلٍ غير مرئيّ.
في لحظاتٍ ساخنةٍ كنَّا نحنُ الثَّلاث: أنا والقلب المشنوق والأنثى المختفية وراءَ صوتها. نقطّرُ على بلاط الغرفة دونَ أن نتركَ أثراً، نشكّلُ معاً نقطةً سقطَتْ من القلبِ المتدلِّي دونَ أنْ تُحدِثَ ضجيجاً في الغرفةِ المغلقةِ. وصوتُها يتعلّقُ ببقايا خمودٍ وراءَ الأسوارِ.
جـدة في ... / 2 / 2004 م
تعليق