أشواق المدى البعيد
كانت فروع شجرة الجزورينة السامقة تتمايل ، مصدرة ما يشبه أزيز الأسلاك ، بينما الشمس تفترس أرض المكان ، مضمخة برائحة زكية ، حين حطت بي قدماى تحت المظلة الواقية ، لمحطة انتظار أتوبيس المرفق الداخلي . نقطة المرور نتوء يتوسط التقاطع كضريح ، وشريط الإسفلت ممتد كحد فاصل بين الموت .. والموت أيضا ، والبلدوزر المتهالك مدينة زالت عنها أمجادها ، يلتهم هيكل العربة الذي تحول إلى سكنى لعائلة من عائلات العاملين بشركة ( البرعى إخوان ) للطرق و الكباري ، الشركة الرابعة التي رسا عليها العطاء أخيرا بعد إفلاس الشركات الثلاث السالفة في غضون خمس و عشرين سنة لرصف هذا الطريق العصي المزود بالخرافات .. و الحكايات الغريبة ، ولحسن طالعها تمكنت من درأ فضائح الشركات الثلاث في الشهر الفائت بعد أن نقلت خرابها لهذا المكان الذي يبدو أنها لن تتخلى عنه ، ولو بحيل أكثر الحواة مهارة .
درتُ حول نفسي ، متساندا على أحد القائمين ، احتميت كي لا تخترق رأسي لزوجة الإسفلت المخادعة .. هاهي للمرة الثانية ، متربعة كانت على الأرض بعيدا عن ظل مستطيلة المحطة ، تهش بعصا رقيقة كخيال على كائنات كنت حسبتها كتاكيت و أفراخا ، لكنها كائنات لا وجود لها ، أمامها بعض الكتب المدرسية .. و الكراسات .. وبطاقة صحية تتصدر غلافها الداخلي صورة شمسية لها ملامح طفل في الثانية عشرة كما أوحت الكتب المنشرة !
كنت أحسب ابتلال هذه الأشياء هو ما دفعها إلى نشرها على هذا الوضع ، لكنني حين رحت أتقصى ، شممت رائحة محجر مختلطة بالقار تفضح سقم المكان . لم أستطع إكراه عيني للتخلي عن محاصرة : عينيها الغائرتين .. ملابسها السوداء المحملة بتراب في مثل عمرها الأربعيني .. الكائنات التي كانت بجدية تحاول دفعها بعيدا عن أشيائها الجافة تماما ...حركة شفتيها .. ردها الذي جاء مناقضا لكل هذا ، على إحدى موظفات الوحدة الصحية الريفيات ، حين سألتها بشكل متكرر ، عن اتجاه أتوبيس المرفق ، دون أن تكلف نفسها نظرة واحدة ، لهذا الكائن الضامر الرقيق المعنى بالإجابة .
بطريقة لا تبدو بها أية استقامة ، تعقبت تمتماتها ، ما قبضت غير ذرات البخار المنفلتة من بين أسنانها ، تنفست بقلق شاعرا بحرج ما ؛ بالأمس ظننتها مجرد سيدة تنتظر العربة ، فلم أعرها انتباها ، حومت حولها ، أصبحت قريبا من الأشياء ؛ داخل كردون العصا السحرية خطوت ، قاطعا عليها الفراغ الممتد ، كان بعرض عشرة أمتار ؛ حيث ينتصب سور الوحدة الصحية حائلا بلونه الباهت !
حانية سددت نظرتها الأولى . داخلي فأر مباغت بقطط شرسة .. بنفس النظرات الحالمة داومت النظر ، أرخت أهدابها تجاه البطاقة المصابة بضربة شمس ، التقطتها ، تفرست فيها بجمود ؛سرعان ما ارتعش فمها ، بينما حركة العصا في إطراد . كنت أقدر بيني و بين نفسي إلى أي مدى يكون انفجار بركان ، في حين هاجمتني رائحة دن من خمر معتق ، تصاعدت مع أنفاس أنثى ، ما ذاقت طعما لقبلة ، ورأسها المستثار يدوم عاليا .. أسفل .. شرقا .. غربا ..و إذا بكائنات دقيقة تحاصرني ، وتحول دون انفلاتي . رن صوتها لأول مرة حزينا أسيانا : أنت بتضحك عليه .. بتقول جاى .. وما بتيجى !".
تسمرت العصا على الفور منتصبة في مواجهة السماء ، شدت أصابع يدها في توتر واضح .. متحولة يدها إلى مذراة انتصبت . و الكائنات تتكاثر .. تتكاثر متسلقة عودي . وهى تؤنبني على طول الغياب ، ترجوني ، ووجهها يسدد إلى السماء نظرات لامعة .. : ألا أهرب ثانية .. إنها في انتظاري ، خاطت الفستان ، علقت الزينات ، وسوف تقيم الأفراح ثلاث ليال .
من شفتين رقيقتين غادرت بسمة طفولية ، فانتثرت فراشات متألقة ، هومت على رأسها الملفوف جيدا بالطرحة الجرداء .
مطأطئة راحت تحدق في بطنها التي كورتها أمامها .. تلاعبها بابتهاج ..راح يتسرب شيئا فشيئا متحولا إلى فزع . اعتدلت فاختفت البطن تماما ، حالمة تحسستها ؛ فأكل قلبها الفزع أيضا ، عندئذ مدت يدها أسفل إحدى ساقيها ، أخرجت قطعة كبيرة من الطين ، أدنتها من فمها ، تشممتها منتشية ، ودموع تتساقط في صمت عجيب من حدقتيها .. راحت تفتت قطعة الطين ، وتلقى بها في إهمال ، ولسانها يردد :" أخدتك بين ضلوعى .. جوايا .. حلم ". تسترسل فى مناجاتها ، وقد توجهت كلية إلى ، تحدثني – و أنا لا أقوى مطلقا على التراجع ، فبدون احتشام اخترقت أحشاءها .. تمرغنا في برج الحمام فوق سطح بيتنا ، والذرق ينقش جسدينا معا ، يحيطنا برعايته المباغتة !
كانت كتلة الطين قد تشكلت بين يديها إلى حصان أسمر ، يمتطيه فارس أسمر ، جعلت له العصا رمحا ، ثم حركت الحصان عدة خطوات ، وشكلت بباقي القطعة شيئا كان أكثر شبها بالبلدوزر الرابض عن قرب ، بأسى تحرك البلدوزر مهاجما الفارس الجسور ، ولم يتركه حتى أعاده إلى طبيعته الأولى ؛ دون أن تذرف دمعة واحدة ، بيد أنني رأيت جسدها يتلوى كأنها تعانى ثقل بلدوزر بالفعل .. تحدثت إلى صاحب صورة البطاقة ، أشارت بإصبعها تجاه الأشياء : بتاعك .. أنا عملت لك شنطة من فستانى .. اللى زفونى بيه لأبوك .. جوه هناك .. فى الصندوق ".
طرحت العصا أفقيا على صدرها ، أحاطته بذراعيها ، داعبت صدرها الضيق كأنها تلقمه ثديها : بس أنت فطرت .. ورحت المدرسة .. ومن يومها مارجعت ". أرضعته حد الملل ، وحين تركت العصا تتهاوى ، أنبته كثيرا ، وبعد لأي انتشلتها ثانية ، وهدهدته ، ألقمته ثديها ثانية !
كنت أحسبه شابا متوسط القامة .. ذا شارب أشقر .. سرعان ما تنهزم كل حساباتي .. هاهو طفل رضيع ينمو في المهد .. وهاهي كتبه و أشياؤه ؛ الشيء المؤكد هو أنه كان للاثنين نفس ملامح صورة البطاقة .
تراجعت داخلا نطاق مستطيلة المحطة حائرا ، و قد تخففت من كائناتها ، ومن الخفي أيضا في عينيها ؛فإذا بها تحدجنى قائلة :" بتروح زى ما بتيجى .. نفسى تيجى ياحبة عينى .. وما تمشى .. ".
ملتقطة العصا ، تبسطها على الأشياء ، وتطوح رأسها كأني بها تغنى : أنا قاعدة يا جرح عمري .. إياك تهوب نواحي هناك .. أوعى تروح للخية برجليك .. ياخدوك غدر .. يموتوك .. ولا ترجعشى .. وأنا عاوزاك .. عاوزاك .. ومصير الحي يتلاقى ".
بيد مدربة عادت تصنع من الطين طيورا وعرائس وفرسانا . وفى لحظة تحمل كل هذا ، و تعجنه ؛ لتنهار مدينتها ، ثم تأخذ من كتلة الطين قطعا تسحبها على جبهتها ، صدرها ، رجليها .
حين لملمت الأشياء داخلي باحثا عن هذا الكائن : الصورة .. الكتب .. الكراسات .. الفارس .. المعشوق .. الطفل ، تداخل كل شيء ، وإذا بي أحدق في البلدوزر الجاثم و هيكل العربة .. و أتوبيس المرفق يمر بجانبي .
باغتتني أصوات تسعى مع الريح ، كانت تدنو حثيثا كلما أرهفت السمع ، وأجد لها صدى فى ملامح هذه المرأة ، التى نهضت من قعدتها ، ململمة أشياءها ، بعد ما رشقت العصا فى براءة فياضة – فى نفس المكان – متقدمة تضرب فى المدى توتا مسهدا بأحلام لم أستطع سبر غورها .
لم أحاول تنبيهها لما خلفته وراءها ، بل تقدمت مسرعا ، انتشلت البطاقة ، حدقت فى صورتها ، دهشت ، كانت الملامح مألوفة .. علا صدري متهدجا ، تأملتها ثانية .. هممت بقراءة الحروف الأولى من الاسم ، وإذا بمخلب ينتزعها من بين أصابعي . ودون أن أفيق من المفاجأة كنت أتحسس نفسي ، وانطلق مغادرا بينما كانت فروع شجرة الجزورينه ما تزال تلسع الهواء ، وقرص الشمس ينحدر كسراب مضمخا أرض المكان برائحة عرس ، و البلدوزر ساكن كمدينة زالت عنها أمجادها ، و الأصوات تتراجع بعيدا ، ثم تعاود الظهور مجددا ، تتصاعد من نفس الاتجاه .. يالقوتها .. تكاد تصم أذني ، وفى الوقت الذي أخالنى سوف أرى شخوصها .. أدواتها .. تتراجع .. تتراجع عن هذه المدينة التي زالت عنها أمجادها !!
مجلة إبداع – ديسمبر 1990
كانت فروع شجرة الجزورينة السامقة تتمايل ، مصدرة ما يشبه أزيز الأسلاك ، بينما الشمس تفترس أرض المكان ، مضمخة برائحة زكية ، حين حطت بي قدماى تحت المظلة الواقية ، لمحطة انتظار أتوبيس المرفق الداخلي . نقطة المرور نتوء يتوسط التقاطع كضريح ، وشريط الإسفلت ممتد كحد فاصل بين الموت .. والموت أيضا ، والبلدوزر المتهالك مدينة زالت عنها أمجادها ، يلتهم هيكل العربة الذي تحول إلى سكنى لعائلة من عائلات العاملين بشركة ( البرعى إخوان ) للطرق و الكباري ، الشركة الرابعة التي رسا عليها العطاء أخيرا بعد إفلاس الشركات الثلاث السالفة في غضون خمس و عشرين سنة لرصف هذا الطريق العصي المزود بالخرافات .. و الحكايات الغريبة ، ولحسن طالعها تمكنت من درأ فضائح الشركات الثلاث في الشهر الفائت بعد أن نقلت خرابها لهذا المكان الذي يبدو أنها لن تتخلى عنه ، ولو بحيل أكثر الحواة مهارة .
درتُ حول نفسي ، متساندا على أحد القائمين ، احتميت كي لا تخترق رأسي لزوجة الإسفلت المخادعة .. هاهي للمرة الثانية ، متربعة كانت على الأرض بعيدا عن ظل مستطيلة المحطة ، تهش بعصا رقيقة كخيال على كائنات كنت حسبتها كتاكيت و أفراخا ، لكنها كائنات لا وجود لها ، أمامها بعض الكتب المدرسية .. و الكراسات .. وبطاقة صحية تتصدر غلافها الداخلي صورة شمسية لها ملامح طفل في الثانية عشرة كما أوحت الكتب المنشرة !
كنت أحسب ابتلال هذه الأشياء هو ما دفعها إلى نشرها على هذا الوضع ، لكنني حين رحت أتقصى ، شممت رائحة محجر مختلطة بالقار تفضح سقم المكان . لم أستطع إكراه عيني للتخلي عن محاصرة : عينيها الغائرتين .. ملابسها السوداء المحملة بتراب في مثل عمرها الأربعيني .. الكائنات التي كانت بجدية تحاول دفعها بعيدا عن أشيائها الجافة تماما ...حركة شفتيها .. ردها الذي جاء مناقضا لكل هذا ، على إحدى موظفات الوحدة الصحية الريفيات ، حين سألتها بشكل متكرر ، عن اتجاه أتوبيس المرفق ، دون أن تكلف نفسها نظرة واحدة ، لهذا الكائن الضامر الرقيق المعنى بالإجابة .
بطريقة لا تبدو بها أية استقامة ، تعقبت تمتماتها ، ما قبضت غير ذرات البخار المنفلتة من بين أسنانها ، تنفست بقلق شاعرا بحرج ما ؛ بالأمس ظننتها مجرد سيدة تنتظر العربة ، فلم أعرها انتباها ، حومت حولها ، أصبحت قريبا من الأشياء ؛ داخل كردون العصا السحرية خطوت ، قاطعا عليها الفراغ الممتد ، كان بعرض عشرة أمتار ؛ حيث ينتصب سور الوحدة الصحية حائلا بلونه الباهت !
حانية سددت نظرتها الأولى . داخلي فأر مباغت بقطط شرسة .. بنفس النظرات الحالمة داومت النظر ، أرخت أهدابها تجاه البطاقة المصابة بضربة شمس ، التقطتها ، تفرست فيها بجمود ؛سرعان ما ارتعش فمها ، بينما حركة العصا في إطراد . كنت أقدر بيني و بين نفسي إلى أي مدى يكون انفجار بركان ، في حين هاجمتني رائحة دن من خمر معتق ، تصاعدت مع أنفاس أنثى ، ما ذاقت طعما لقبلة ، ورأسها المستثار يدوم عاليا .. أسفل .. شرقا .. غربا ..و إذا بكائنات دقيقة تحاصرني ، وتحول دون انفلاتي . رن صوتها لأول مرة حزينا أسيانا : أنت بتضحك عليه .. بتقول جاى .. وما بتيجى !".
تسمرت العصا على الفور منتصبة في مواجهة السماء ، شدت أصابع يدها في توتر واضح .. متحولة يدها إلى مذراة انتصبت . و الكائنات تتكاثر .. تتكاثر متسلقة عودي . وهى تؤنبني على طول الغياب ، ترجوني ، ووجهها يسدد إلى السماء نظرات لامعة .. : ألا أهرب ثانية .. إنها في انتظاري ، خاطت الفستان ، علقت الزينات ، وسوف تقيم الأفراح ثلاث ليال .
من شفتين رقيقتين غادرت بسمة طفولية ، فانتثرت فراشات متألقة ، هومت على رأسها الملفوف جيدا بالطرحة الجرداء .
مطأطئة راحت تحدق في بطنها التي كورتها أمامها .. تلاعبها بابتهاج ..راح يتسرب شيئا فشيئا متحولا إلى فزع . اعتدلت فاختفت البطن تماما ، حالمة تحسستها ؛ فأكل قلبها الفزع أيضا ، عندئذ مدت يدها أسفل إحدى ساقيها ، أخرجت قطعة كبيرة من الطين ، أدنتها من فمها ، تشممتها منتشية ، ودموع تتساقط في صمت عجيب من حدقتيها .. راحت تفتت قطعة الطين ، وتلقى بها في إهمال ، ولسانها يردد :" أخدتك بين ضلوعى .. جوايا .. حلم ". تسترسل فى مناجاتها ، وقد توجهت كلية إلى ، تحدثني – و أنا لا أقوى مطلقا على التراجع ، فبدون احتشام اخترقت أحشاءها .. تمرغنا في برج الحمام فوق سطح بيتنا ، والذرق ينقش جسدينا معا ، يحيطنا برعايته المباغتة !
كانت كتلة الطين قد تشكلت بين يديها إلى حصان أسمر ، يمتطيه فارس أسمر ، جعلت له العصا رمحا ، ثم حركت الحصان عدة خطوات ، وشكلت بباقي القطعة شيئا كان أكثر شبها بالبلدوزر الرابض عن قرب ، بأسى تحرك البلدوزر مهاجما الفارس الجسور ، ولم يتركه حتى أعاده إلى طبيعته الأولى ؛ دون أن تذرف دمعة واحدة ، بيد أنني رأيت جسدها يتلوى كأنها تعانى ثقل بلدوزر بالفعل .. تحدثت إلى صاحب صورة البطاقة ، أشارت بإصبعها تجاه الأشياء : بتاعك .. أنا عملت لك شنطة من فستانى .. اللى زفونى بيه لأبوك .. جوه هناك .. فى الصندوق ".
طرحت العصا أفقيا على صدرها ، أحاطته بذراعيها ، داعبت صدرها الضيق كأنها تلقمه ثديها : بس أنت فطرت .. ورحت المدرسة .. ومن يومها مارجعت ". أرضعته حد الملل ، وحين تركت العصا تتهاوى ، أنبته كثيرا ، وبعد لأي انتشلتها ثانية ، وهدهدته ، ألقمته ثديها ثانية !
كنت أحسبه شابا متوسط القامة .. ذا شارب أشقر .. سرعان ما تنهزم كل حساباتي .. هاهو طفل رضيع ينمو في المهد .. وهاهي كتبه و أشياؤه ؛ الشيء المؤكد هو أنه كان للاثنين نفس ملامح صورة البطاقة .
تراجعت داخلا نطاق مستطيلة المحطة حائرا ، و قد تخففت من كائناتها ، ومن الخفي أيضا في عينيها ؛فإذا بها تحدجنى قائلة :" بتروح زى ما بتيجى .. نفسى تيجى ياحبة عينى .. وما تمشى .. ".
ملتقطة العصا ، تبسطها على الأشياء ، وتطوح رأسها كأني بها تغنى : أنا قاعدة يا جرح عمري .. إياك تهوب نواحي هناك .. أوعى تروح للخية برجليك .. ياخدوك غدر .. يموتوك .. ولا ترجعشى .. وأنا عاوزاك .. عاوزاك .. ومصير الحي يتلاقى ".
بيد مدربة عادت تصنع من الطين طيورا وعرائس وفرسانا . وفى لحظة تحمل كل هذا ، و تعجنه ؛ لتنهار مدينتها ، ثم تأخذ من كتلة الطين قطعا تسحبها على جبهتها ، صدرها ، رجليها .
حين لملمت الأشياء داخلي باحثا عن هذا الكائن : الصورة .. الكتب .. الكراسات .. الفارس .. المعشوق .. الطفل ، تداخل كل شيء ، وإذا بي أحدق في البلدوزر الجاثم و هيكل العربة .. و أتوبيس المرفق يمر بجانبي .
باغتتني أصوات تسعى مع الريح ، كانت تدنو حثيثا كلما أرهفت السمع ، وأجد لها صدى فى ملامح هذه المرأة ، التى نهضت من قعدتها ، ململمة أشياءها ، بعد ما رشقت العصا فى براءة فياضة – فى نفس المكان – متقدمة تضرب فى المدى توتا مسهدا بأحلام لم أستطع سبر غورها .
لم أحاول تنبيهها لما خلفته وراءها ، بل تقدمت مسرعا ، انتشلت البطاقة ، حدقت فى صورتها ، دهشت ، كانت الملامح مألوفة .. علا صدري متهدجا ، تأملتها ثانية .. هممت بقراءة الحروف الأولى من الاسم ، وإذا بمخلب ينتزعها من بين أصابعي . ودون أن أفيق من المفاجأة كنت أتحسس نفسي ، وانطلق مغادرا بينما كانت فروع شجرة الجزورينه ما تزال تلسع الهواء ، وقرص الشمس ينحدر كسراب مضمخا أرض المكان برائحة عرس ، و البلدوزر ساكن كمدينة زالت عنها أمجادها ، و الأصوات تتراجع بعيدا ، ثم تعاود الظهور مجددا ، تتصاعد من نفس الاتجاه .. يالقوتها .. تكاد تصم أذني ، وفى الوقت الذي أخالنى سوف أرى شخوصها .. أدواتها .. تتراجع .. تتراجع عن هذه المدينة التي زالت عنها أمجادها !!
مجلة إبداع – ديسمبر 1990
تعليق