الدّموع /قصّة لـ : ألفونس آلّي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    الدّموع /قصّة لـ : ألفونس آلّي

    الدّموع


    قصّة لـ" ألفونس آلّي"

    تعريب : محمّد فطّومي



    يتوارى خلف اسم مستعار:"بالتزار".كان شابّا في مقتبل العمر،و شخصيّة ذات شهرة واسعة في الأوساط الجامعيّة الفرنسيّة آنذاك.بدافع ودّ و صداقة و عرفان،خصّني بعمل أنيق و ثريّ جدّا،كان قد انتهى من تأليفه و هو عبارة عن مادّة أدبيّة موضوعها الدّموع.
    نَشْرُ الأثر برمّته سيشوّه بداخلي ميلي الفطريّ للهزل و حتما سيخرج بي عن عالم الدّعابة الخفيف الذي أحبّه.لذا سأكتفي بتلخيصه محاولا قدر الإمكان الحفاظ على نكهته النّادرة و فرادة الإبداع الذي يحفّه.
    كان للسيّد بلتزار – لنحافظ له على هذا الاسم مادامت تلك رغبته - ،أستاذ فلسفة عملته الوحيدة :" لا تحصل الفائدة إلاّ بطرح الأسئلة ".و كان يطرح آلافا منها،لكن أبدا لم يكن يهتمّ بالبحث لها عن إجابة.كأنّ بثّ الحيرة في عرفه غاية في حدّ ذاته.
    قال لطلبته يوما في آخر المحاضرة:
    - هل فيكم من تساءل يوما و هو يبتلع دموعه :لم طعمها مالح؟
    و انتهى الوقت،و انصرف الأستاذ،و كان ذلك آخر عهد له بتلاميذه.
    و انطلق بلتزار الشابّ فورا يبحث عن تفسير مقنع للمعضلة،و اتّخذ منها قضيّة تحدّ و تسلية في آن،و أقسم أن يفكّ الّلغز مهما كلّف ذلك.تفرّغ بلتزار تماما و انكبّ يعمل.فتّش مكتبات بأسرها،قلبها رأسا على عقب،اطّلع على جميع مراجع "وونت" لفزيولوجيا النّفس،و دروس "بويزو" لميكانيكا جريان السّوائل،و قصائد "لؤلؤ و دمع" للشّاعر النّرويجيّ العبقريّ "بيجورسن" ،و انتبه في النّهاية أنّ رهانه خام و أنّ أحدا لم يتناوله بالدّرس من قبل لا من قريب و لا من بعيد.
    عقول سطحيّة مائعة أجابت بأسلوب رخو كسول:
    - و لكن ،عجبا،الدّموع مالحة لأنّها تحتوي بنسبة عالية على الأملاح القلويّة.."
    - نعلم ذلك أفضل منكم أيّتها الرّؤوس السّخيفة.القضيّة لا تكمن في كيمياء الدّموع و مقادير مكوّناتها.السّؤال الحقيقيّ أعمق من بذلك بكثير: لم منح نظام الطّبيعة المعقّد،المتقن المتفهّم لاحتياجات أعضائه و عناصره ،الدّموع مذاقا مالحا من دون المذاقات الأخرى؟هذا ما يجدر بنا السّعي للعثور عليه.
    اتّبع بلتزار منهجيّة إقصاء ما لا يتماسك به اليقين،بعدما اتّضح له هدفه بدقّة ،و حدّث نفسه:
    لنبرهن أوّلا على حتميّة أن يكون للدّموع مذاقا ما،ثمّ بالتّالي نبيّن أنّ كلّ مذاق خلاف المالح لن يقدّم سوى مساوىء تتخطّفها الرّداءة من يد الفظاعة.
    بالتّأكيد للدّموع طعم ما و إلاّ هل تتخيّل مثلا أمّا تذرف فوق جثّة ولدها دموعا سمجة كالماء لا حرقة فيها؟
    لا ،و ألف لا..ما رأيكم ؟هل يصحّ ذلك؟طبعا لا.
    إذن للدّموع طعم ،و هو بالضّرورة مالح،و هل بيدها أن تكون حامضة؟هل فكّرتم عندئذ مالّذي كان سيحلّ ببعض شخصيّات المجتمع الراقي من غيظ لو أنّ عشيقاتهم المشاغبات رششن على وجوههنّ ،تغنّجا، حامضا أزوتيّا أو حتّى حارقا ؟ بنيّة استمالة جيوبهم؟ثمّ إنّهن تعلمن جيّدا خطورة ذلك على غشائهنّ البصريّ الحسّاس.الخيانة الزّوجيّة ظاهرة طبيعيّة ثابتة،و من غير المعقول أن تقف الطّبيعة عقبة أمام سنّة شائعة.
    لن تكون الدّموع مرّة بأيّ شكل من الأشكال.فلقد استمدّ تراثنا الأدبيّ العظيم من الدّموع المرّة مادّة استعارة واسعة.لا سيّما أنّ المرارة التي ما انفكّ عباقرتنا يزخرفون بها كتاباتهم مجاز بحت.لن يكون هناك مجاز أو ما يذكّر ببلاغة لو أنّ الدّموع مرّة بالفعل،و سوف لن يتعدّى الأمر آنذاك مجرّد وصف بدائيّ للأشياء.و سيحرم رواتنا من كلّ مجد أو شهرة و سيخسرون صفة الفنّ و فرص إمتاعنا.و من يدري لعلّ صديقنا "أونيي" العظيم لا يدين بأروع صفحاته الأكثر تأثيرا على النّفوس إلاّ لاكتشافه المبكّر بأنّ مضغ المسائل و تكرارها الخاوي هو أكثر آفات البشريّة فتكا بالأدب على الإطلاق..فهل كان نظام الطّبيعة متقن الصّنع ليقف عثرة أمام الّلغة الفرنسيّة؟
    غير مقبول أيضا أن يكون للدّموع مذاق حلو.و إلاّ لما توقّف الأطفال عن البكاء ساعة.و سنكتفي بضرب الصّغير "إميل" عوضا عن مدّه بقطعة نقديّة لاقتناء الحلوى.بل سيكون ذلك ادّخارا مثاليّا على حسابهم..هل تصدّقون أنّ من الحكمة أن تسلب الطّبيعة من الآباء قدرتهم على التّربية؟
    و واصل السيّد بلتزار عمله على هذا النّحو المنطقيّ الصّارم.و شرح خطوة بعد أخرى بثقة و سلاسة عجيبة كيف أنّ مذاق الدّموع لا يحتمل أن يكون شبيها بطعم الجبن و لا الزّيت و لا الفلفل و لا التّبغ ...
    و كانت خلاصته بجدّ واحدة من أجمل ما حبّره كاتب فرنسيّ طيلة العشرين عاما المنقضية.


    ****
    Les larmes
    من مجموعة
    Deux et deux font cinq
    ألفونس آلّي كاتب و صحفيّ نرمانديّ ساخر (1854-1905)
    يعتبر آلّي من أكبر الأدباء المهتميّن بنظريّات التّجريد بين معاصريه.
    أطلق آلّي آخر نكتة له حين أسرّ لصديق حميم أنّه سيموت غدا و كان يعاني فعلا من اضطرابات في رئتيه،قال:" غدا أموت،ستجدون ذلك مضحكا،لكنّي لن أضحك..غدا أموت ".
    و مات في اليوم الموالي.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة
  • سمية الألفي
    كتابة لا تُعيدني للحياة
    • 29-10-2009
    • 1948

    #2
    الأستاذ/ محمد

    عودا طيبا معطرا, لا عدمناك أبدا

    في صمت أضع أكليل الزهورعلى جميل ما تنقله لنا

    تقبل مني هديتي المتواضعة باقة ورد

    تعليق

    • محمد فطومي
      رئيس ملتقى فرعي
      • 05-06-2010
      • 2433

      #3
      الغالية سمية الألفي،لقلبك أحلى الورد.
      أتمنّى لك الصحّة و العافية أيّتها المشرقة أبدا.
      ألف ألف شكر لك.تتلعثم أصابعي حقيقة.
      دمت بخير يا رب.
      مدوّنة

      فلكُ القصّة القصيرة

      تعليق

      • إبراهيم كامل أحمد
        عضو أساسي
        • 23-10-2009
        • 1109

        #4
        [align=justify]
        الأستاذ الأديب المبدع محمد فطومي

        تحية ود خالص

        قلت لك من قبل حين طرحت فكرة ركن القصة الغربية إن من الجميل أن ننهل من ينابيع الأدب أينما كانت.. لقد قدمت لنا نبعاً فواراً من الأدب.. اختيار رائع لقصة " الدموع ".. أمتعتنا بتعريبك الرائع لعمل جدير بالقراءة والتأمل مع تعريفنا بكاتبه.. دمت بخير.
        [/align]
        [CENTER][IMG]http://www.almolltaqa.com/vb/picture.php?albumid=136&pictureid=807[/IMG][/CENTER]

        تعليق

        • محمد فطومي
          رئيس ملتقى فرعي
          • 05-06-2010
          • 2433

          #5
          الصّديق الرّائع:إبراهيم كامل.
          شكرا لك لأنّك بالقرب دائما.
          مودّتي الخالصة لك.
          نسأل الله التّوفيق.
          مدوّنة

          فلكُ القصّة القصيرة

          تعليق

          • حسن لختام
            أديب وكاتب
            • 26-08-2011
            • 2603

            #6
            أحييك على هذه الذرر المنثورة
            دمت مبدعا كفؤا أنيقا
            أنبل المشاعر والتقدير

            تعليق

            • خديجة راشدي
              أديبة وفنانة تشكيلية
              • 06-01-2009
              • 693

              #7
              السطحية لا تتناسب مع الفلسفة
              وبطلنا هنا
              أخذ سؤالا فلسفي يعني يتسم بالعمق الدلالي والنظرة الفلسفية
              وتناوله بأسلوب فج جدا .......

              قصة جيدة
              شكرا أخي فطومي

              تعليق

              • م.سليمان
                مستشار في الترجمة
                • 18-12-2010
                • 2080

                #8
                المترجم القدير محمد فطومي : استمتعت جدا بقراءة ترجمك الجميلة لهذه القصة الرائعة التي تكشف عن طبيعة الكاتب التجريدية وتهكمّه بالمنطق. شكرا لك أخي محمد على هذا المجهود الكبير.
                sigpic

                تعليق

                • ريما ريماوي
                  عضو الملتقى
                  • 07-05-2011
                  • 8501

                  #9
                  من حسن حظي انني واخيرا اقتحمت المترجم هنا
                  وتسنت لي هذه القراءة الجميلة لقص
                  مترجم بامتياز...

                  عوفيت الأستاذ محمد فطومي وبورك القلم...

                  تحيتي وتقديري.


                  أنين ناي
                  يبث الحنين لأصله
                  غصن مورّق صغير.

                  تعليق

                  • عباس العكري
                    أديب وكاتب
                    • 07-07-2016
                    • 139

                    #10
                    [aimg=borderSize=0,borderType=none,borderColor=blac k,imgAlign=none,imgWidth=,imgHeight=]https://3.bp.blogspot.com/-WaN2ClGeqBA/V49P2jz7KhI/AAAAAAAADhg/lGi-y1Zi6L8zuVoQHBGfXAiA4c8K8WQeQCLcB/s1600/%25D8%25B4%25D8%25B1%25D9%258A%25D8%25AD%25D8%25A9 1.PNG[/aimg]
                    التعديل الأخير تم بواسطة عباس العكري; الساعة 20-07-2016, 09:20.

                    تعليق

                    • عباس العكري
                      أديب وكاتب
                      • 07-07-2016
                      • 139

                      #11
                      [aimg=borderSize=0,borderType=none,borderColor=blac k,imgAlign=none,imgWidth=,imgHeight=]https://2.bp.blogspot.com/-MnvDWmPdiIg/V49P2iwoRmI/AAAAAAAADhY/6AZxPrVBaZobzXGv9IG6M-VbjGxIsIJhgCLcB/s1600/%25D8%25B4%25D8%25B1%25D9%258A%25D8%25AD%25D8%25A9 2.PNG[/aimg]

                      تعليق

                      • عباس العكري
                        أديب وكاتب
                        • 07-07-2016
                        • 139

                        #12
                        [aimg=borderSize=0,borderType=none,borderColor=blac k,imgAlign=none,imgWidth=,imgHeight=]https://4.bp.blogspot.com/-xtozw55SKL4/V49P2hmC1hI/AAAAAAAADhc/UArWYlB0ny8g1kTUj3YgVcjwrnII5GvyQCLcB/s1600/%25D8%25B4%25D8%25B1%25D9%258A%25D8%25AD%25D8%25A9 3.PNG[/aimg]

                        تعليق

                        • بسمة الصيادي
                          مشرفة ملتقى القصة
                          • 09-02-2010
                          • 3185

                          #13
                          فلسفة جميلة وقصة تحتاج إلى كثير من التأمّل
                          سلمت يداك
                          وشكرا على التعريب الرائع والانتقاء الجميل
                          مودتي
                          في انتظار ..هدية من السماء!!

                          تعليق

                          • ربيع عقب الباب
                            مستشار أدبي
                            طائر النورس
                            • 29-07-2008
                            • 25791

                            #14
                            ربما أرادها الله لي أخيرا
                            أن أرى فطومي زميل و رفيق الملتقى هنا .. و الكاتب القصصي الذي أحب
                            بارع أيضا في شأن أدبي آخر ألا وهو الترجمة و التعريب
                            و ليس ذلك فحسب فالنص هنا يفضح كم يبدو رائعا و مدققا في اختياراته و أيضا في نقل الكثير من روح النص
                            إلي اللغة العربية
                            جميل جدا نص الدموع أستاذي الجميل
                            لن أبتعد عن هنا لأقف على ما كان منك في حق الترجمة و مانالتها على يديك الفياضيتين
                            قبلاتي
                            sigpic

                            تعليق

                            • محمد فطومي
                              رئيس ملتقى فرعي
                              • 05-06-2010
                              • 2433

                              #15
                              أشعر بالخجل حيال الإخوة الأساتذة الذين تركوا تعليقا على أحد نصوصي و لم يسعفني أن أشكرهم على الأقلّ
                              الصديق حسن الختام . الصديقة ريما الريماوي و العزيز سليمان المهيوبي. الأخ العزيز عباس البكري أنا ممتن حقاّ و أعتذر ولو بعد سنين بعد سنين اعتذارا واجبا على ما صنعت.
                              لكم محبّتي جميعا.
                              مدوّنة

                              فلكُ القصّة القصيرة

                              تعليق

                              يعمل...
                              X