نَديمُنْ حتَّى آلجُّنون ! بقلم / د. نديم حسين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. محمد أحمد الأسطل
    عضو الملتقى
    • 20-09-2010
    • 3741

    نَديمُنْ حتَّى آلجُّنون ! بقلم / د. نديم حسين

    نَديمُنْ حتَّى آلجُنون!




    (زَفرَةٌ بَينَ قَصيدَتَين)
    د. نَديم حسين
    رَجُلٌ مَيِّتٌ يَسيرُ في رُواقِ حُزنِهِ إِلى غُرفَةِ آلإعدامِ . يَسيرُ ويورِثُني خَيطًا من آلهُدوءِ آلعاقِلِ آلذي يُناقِشُني في جَودَةِ آلحَبْـلِ آلذي ستَتدلَّى من آخِرِهِ راحَتُهُ ، هَـل يَحتَمِـلُ حَبْـلُ هذهِ آلمِشنَقَةِ أَثقالَ هُمومِهِ ؟ أَلا يَنقَطِعُ فَلا يَرى صاحِبُنا آلمحَطَّةَ آلتالِيَهْ ؟ هَـل ستُشَكَّـلُ لَجنَةُ تَحقيقٍ في حِرمانِهِ من حَقِّ آلإعدامِ آلمُريحْ ؟ إِنَّ آلمَوتَ يُعاني من فَشَلٍ كَلَوِيٍّ ! فلِماذا آستَثنَوا خَيطَ آلقِنَّبْ ؟ أَلأَنَّ آلقِنَّبَ صَديقُ طُفولَتِهِ ؟ هَـل خافوا من خَيطِ آلقِنَّبْ ؟!
    أَيُّها آلسادَةُ ، لقَد سَقَطتُ إِبَّانَ طُفولَتي عن شَجَرَةِ تينٍ فتَشَبَّثْتُ بغُصنٍ ، تَوقَّفتُ قَليلاً في آلهَواءِ ثُمَّ هَوَيتُ إِلى آلأَرضِ مُستَسلِمًا لسَيِّدَةِ آلجاذِبِيَّةِ ، وأَذكُرُ ما لَن أَنساهُ أَبَدًا –آلامَ آلتَشَبُّثِ . لقَد كانَتْ عَظيمَةً وعاشَتْ خَمسَ دَقائِق . وآلغَريبُ في آلأَمرِ أَنِّي لا أَذكُرُ لَحظَةَ آلإرتِطامِ بآلأَرضِ ! وهكذا كانَتْ حَياتي ، تَشَبُّثًا مؤلِمًا يَنتَهي بِهُبوطٍ لا أَذكُرُهُ . لقد عانَيتُ من بيئَةٍ عِدائِيَّةٍ في آلمدرسَةِ آلإبتدائيَّةِ ، تَشَبَّثتُ بَها حتَّى "هَبَطتُ" إِلى آلثانَوِيَّةِ ، فعانَيتُ من أَحاسيسِ آلغُربَةِ عن ذاتي وعن مُحيطي وعن قُدُراتي . وتشَبَّثتُ بإِحباطي حتى "هَبَطتُ" إِلى آلجامِعَةِ ، مُرتَطِمًا بمِصطَبَةٍ أَكاديميَّةٍ . وفي كلِّ مرَّةٍ كُنتُ أَذكُرُ آلامَ آلتَشَبُّثِ ولا أُحِسُّ بلَحظَةِ آلهُبوطِ . ولم يكُن لدَيَّ وَقْتٌ لأُِحِسَّ بآلسَّعادَةِ . فَقَد كَتَبتُ آلشِّعرَ دونَ أَن أَحتَرِفَهُ وعَزَفتُ على آلَةِ آلأعودِ دونَ آحتِرافِها ، ودرَستُ آلعُلومَ آللاهوتِيَّةَ لأَِبري رَصاصَ وُجداني ، ودَرَستُ آلطِّبَّ بتفَوُّقٍ لأُِقنِعَ آلسُفَهاءَ أَنني لستُ حَطَّابًا ولا سَقَّاءَ ماءٍ . لقد كانَ سَيري وسيرةُ حياتي سَعيًا حافِيَ آلقَدَمَينِ بين آلامِ آلتَشَبُّثِ ووسِرِّ آلبَقاءِ في آلإِرتِطامْ ! أَذهَبُ عَميقًأ في تُرابِ آلعَقلِ كجِذرِ سندِيانَةٍ ! ثمَّ تَشَبَّثتُ بوَطَني آلمُتَشَبِّثِ هو آلآخَرُ وتَشَبَّثتُ بديني وتَقاليدي وشَعبي طيلَةَ حَياتي . وكُنتُ قَد حفِظتُ آلقُرآنَ آلكَريمَ في فُتُوَّتي فَحَفِظَني طيلَةَ حَياتي . وتَشَبَّثتُ بِزَنبَقاتي آلأَربَعِ .. لكِنِّي ، لا أَدري متى سيَكونُ هُبوطي آلأَخيرُ .. ألنِهائِيُّ .. آلقاتِلُ لتَكتَمِلَ آلصُّورَةُ !! إِذًا ، دَورَةُ آلحَياةِ دائِرَةٌ تَعرِفُ مُحيطَها ولا تَعرِفُ نُقطَتَي بِدايَتِها ونِهايَتِها ، قِوامُها تَشَبُّثٌ مُؤلِمٌ يَنتهي بِهُبوطٍ قاتِلٍ . لقد كانت تتقاذفُني شُحناتُها آلكَهرُبائِيَّةُ كطابَةٍ صَغيرَةٍ تَرتَطِمُ هُنا وهُناكَ . وبين قَصيدَةٍ ومَعزوفَةٍ ودِراسَةٍ لَم يَكُن لَدَيَّ مُتَّسَعٌ لما يُسَمَّى بآلسَعادَةِ . هَـل تَغفِرينَ لي إِنطِفاءَ زِندي ورَمادِيَّةِ روحي وتَعاسَتي سَيِّدَتي ؟ وهل تَفهَمينَ لماذا أَتشَبَّثُ بكَفِّكِ آلنَّحيلَةِ طيلَةَ هذه آلمُدَّةِ ؟ إِنِّي أُفَضِّلُ آلأَلَمَ على آلمَوتْ !!
    تَرَكَني آللَّقلَقُ في صُندوقِ بَريدِ قَريَةٍ ، وبين خصلَتَي زَعتَرٍ عثَرتُ على مَن أَحبَبتُها لأِمَدٍ بَعيدٍ دونَ أَن أَعرِفَ آسمَها . – ما آسمُكِ يا أَنتِ ؟ - هَبني واحِدًا لأِهِبَكَ روحي ! – كوني إِذًا "هِبَه" ! فَكانَتْ .
    حَبيبَتي يَندَلِقُ آلقَمحُ على جِلدِها ويُطِلُّ آلليلُ من عَينَيها ، وفي آلطَّريقِ من أَرنَبَةِ آلأَنفِ إِلى مَدْخَـلِ آلجَبينِ يَقومُ سَنامٌ صَغيرٌ يَكسِرُ آلمَلَلَ من آلخُطوطِ آلمُستَقيمَةِ ، ومَرجُ جَبينِها يَعلو ويَندَحِرُ إِلى آلوَراءِ حتَّى تُوَسِّدَهُ فَروَةُ شَعْرٍ يَعتَنِقُ آلبُنِّيَّ وآلأَسْوَدَ ، وآلمُؤَخَّرَةُ قِطَّانِ يَلهُوانِ تَحْتَ فُستانٍ نَظيفٍ ، حبيبتي بِصِحَّةٍ مُمتازَةٍ ! هي سِكِّينٌ يَذبَحُني من آلأُذُنِ حتَّى آلأُذُنِ . أَنظُرُ إِلَيها فيَركُضُ قَلبي في قَفَصِهِ ! – وما آسمُكَ أَنتَ ؟ - إِسمي "نديم" . – أتَعني ذلكَ آلَّذي يُجالِسُ آلمُلوكَ ويُسامِرُهُمْ ؟ - لا ، لقَد غَيَّرتُ هِوايَتي . فأَنا آليَومَ أَذبَحُهُم وهُم نِيامٌ !. وتَنطُقُ آسمي : "نَديمُنْ"
    وكأَنَّها تَقولُ :"فَعولُنْ" ! وعِنْدَ آلميْمِ تَرتَمي آلشَفَةُ آلعُليا على آلسُّفلى لتَنسَحِبَ زاوِيَتا آلفَمِ إِلى آلوَراءِ ، فتُطِـلُّ زَنبَقَةٌ من مُنتَصَفِهِ ! – أُحِبُّ آسمي حينَ تَنطُقينَهُ ! – يَبدو أَنَّكَ تُحِبُّني كَثيرًا ، وآلحُبُّ كما تَعْلَمُ أَعمى ! – لحُبِّي عَينانِ تَتسَلَّلينَ عَبرَهُما إِلى آلعَقْلِ . أَنتِ لَستِ أُسطُوانَةً من آللَّحْمِ في أَوسَطِها شِـقٌّ . أَنتِ لي ما بَعْدَ بَعْدَ بَعْدَ هذا !! "أُحِبُّكِ" ، تَعني أَن تَذهَبي معَ كُرَيَّاتِ دَمي في نُزهَةٍ عَبْرَ جَسَديْ . وتَعني أَن تَجلِسي إَلى جانِبي دونَ أَن أَراكِ ، وتَعني أَن أُحَمِّمَـكِ بِيَدي وأَن أُمشِّطَ شَعْرَكِ وأُخرِجَ آلقَمْـلَ مِنهُ لأِلقي بهِ في آلنارِ فيُصْدِرَ طَقْطَقَةً تُشبِهُ إِعلانَ حَطَبِ "آلكيْنا" عن نَفْسِهِ في مَوقِدِ جَدِّيْ . وتَعني أَن أُلبِسَـكِ ثِيابَـكِ آلدَّاخِلِيَّةَ وآلوُسطى وآلخارِجِيَّةَ . وأَن آكُلَ "أَلمْجَدَّرَه" من يَدَيكِ دونَ خَوفٍ من سُمٍّ مَدسوسٍ ! أُحِبُّكِ لأِني أَشعُرُ بآلأَمانِ وأَنتِ بِجانِبيْ ! أُحِبُّ آلهُدوءَ على مَلامِحِ وَجهِكِ عندَما يُرْفَعُ آلأَذانْ ! أُحِبُّكِ حينَ تَزفِرينَ : "أللـهْ !" بَعْدَ مَطْلَعٍ كُلثومِيٍّ ! وأُحِبُّكِ حينَ تَستَحسِنينَ صورَةً شِعْرِيَّةً آستَسلَمَتْ لي ! فتَجْزِمينَ : أَنتَ شاعِرٌ حتَّى آلجُنونْ ! فماذا سنأْكُلُ عِنْدَ آلعِشاءْ ؟ أُحِبُّكِ لأِنَّني شاعِرُكِ ومُعيلُكِ – بَعْدَ آلله- وأَميرُكِ وعَبْدُكِ ولأِنَّني نَديمُكِ أَنتِ آلذي يَحتَرِفُ ذَبْحَ آلمُلوكِ وهُم نِيامٌ ! – ولكنْ ماذا سيكونُ إِذا آستَيقَظوا ؟
    - لَن يَستَيقِظوا يا "أَنا" ، لأِنَّني سأَكونُ قَد "نادَمتُهُمْ" لَيْلاً !!
    - أَلَمْ أَقُلْ لَكَ يا أَيُّها آلفِلَسطينِيُّ آلمَريضُ بي ، يا دَوائيْ إِنَّكَ "نَديْمُنْ" حَتَّى آلجُنونْ !!..

    ------------------------------------------------------------------

    ساعة نقل الموضوع المميز من القسم العام لصيد الخاطر كان عدد الردود عليه 18 وعدد مشاهداته 291
    التعديل الأخير تم بواسطة د. محمد أحمد الأسطل; الساعة 18-12-2010, 19:34.
    قد أكونُ احتمالاتٍ رطبة
    موقعي على الفيس بوك https://www.facebook.com/doctorastal
    موقع قصيدة النثر العربية https://www.facebook.com/groups/doctorastal/
    Green Moon-مجلة فنون https://www.facebook.com/green.moon.artline
  • د. محمد أحمد الأسطل
    عضو الملتقى
    • 20-09-2010
    • 3741

    #2
    الأخ الأديب والشاعر/ د. نديم حسين
    تحية الصفصاف وأكثر
    خاطرتك البليغة حلقت بنا في مشهد جميل وفصيح إزدان ببلاغة الكلمات والمفردات والمعاني ,
    العنوان بالفعل لا مس جسد الموضوع بشكل رائع , وأبدعت في ملامسة الروح والجسد
    واللغة مُختارة بشكل محكم بليغ , الصور المتقنة والمحسنات البديعية أضفت الرونق على الموقف ,
    وأبدعت في تجسيد المشهد عبر مرأة الحروف والصروف الرائعة .
    طابت أوقاتك أجمل وأهلا بك هنا أيها المبدع

    إحترامي وتقديري لك ولقلمك الأكثر من رائع ومميز
    قد أكونُ احتمالاتٍ رطبة
    موقعي على الفيس بوك https://www.facebook.com/doctorastal
    موقع قصيدة النثر العربية https://www.facebook.com/groups/doctorastal/
    Green Moon-مجلة فنون https://www.facebook.com/green.moon.artline

    تعليق

    • د. نديم حسين
      شاعر وناقد
      رئيس ملتقى الديوان
      • 17-11-2009
      • 1298

      #3
      أخي د. محمد أحمد الأسطل
      أسعدني أن ارتقت هذه الخاطرة إلى ذائقتكم العالية .
      أشكركم وأعدكم بتواصلٍ مثمرٍ وجميلٍ بإذن الله تعالى .

      تعليق

      يعمل...
      X