
صدر عن المجلس القومي للترجمة في مصر كتاب جديد بعنوان " تاريخ الفلسفة في الإسلام " للمستشرق الهولندي ت. ج. دي بور وترجمة د. محمد عبدالهادي أبو ريدة، ويرد فيه مؤلف الكتاب الفلسفة الإسلامية إلى اليونانية سالباً بذلك جميع الجهود والعطاءات الإسلامية التي تشكل نسيجاً خاصاً في الفلسفة الإنسانية ويقول في حكم لا يمكن وصفه إلا بالجائر : " نكاد لا نستطيع أن نقول إن هناك فلسفة إسلامية بالمعنى الحقيقي لهذه العبارة ولكن كان في الإسلام رجال كثيرون لم يستطيعوا أن يردوا أنفسهم عن التفلسف وهم وإن اتشحوا برداء اليونان فإن رداء اليونان لا يخفي ملامحهم الخاصة ومن اليسير علينا أن نستهين بشأنهم إذا أطللنا عليهم من ذروة إحدى المدارس الفلسفية الحديثة المزهوة بفلسفتها ".
ويرى دي بور أن السياسة نالت في الإمبراطورية الإسلامية من عناية الباحثين أكبر مما نالته المسائل الأخلاقية وكان الكفاح بين الأحزاب السياسية أول عامل أحدث اختلافاً في الآراء : " فنجد النزاع في مسألة الإمامة أعني رئاسة الجماعة الإسلامية يتمشى في التاريخ الإسلامي كله غير أن المسائل التي قام حولها النزاع كانت شخصية عملية أكثر مما كانت نظرية فلا حاجة لمؤرخ الفلسفة أن يتعمق فيها إذ يكاد لا يخرج منها شيء له قيمة فلسفية ".
لكن الملاحظات التي يمكن أن تؤخذ على الكتاب لا تنفي صواب بعض آرائه وذلك مثلاً حين يبين أن هم الجهد الفلسفي في الإسلام كان موجهاً إلى الناحية النظرية العقلية و " لم يهتم الفلاسفة بأن يعالجوا المسائل التي عرضتها لهم الحياة الواقعية من اجتماعية وسياسية إلا عند الضرورة ". وهكذا فإن الفن الإسلامي من وجهة نظر دي بور " وإن كان حظه من العبقرية أوفر من حظ العلم فإنه لم يعرف كيف يبعث الحياة في المادة غير المصورة وإنما كان يتلاعب بصور الزخرفة فالشعر العربي لم يبتدع " دراما " ولم تكن فلسفة العرب فلسفة علمية ".
ويشير دي بور إلى أن الفلسفة النظرية بعد أيام ابن سينا (980 ـ 1037 م. ) وأصحابه لم تلق كبير عناية في شرق الإمبراطورية الإسلامية واضطرت اللغة العربية إلى التخلي عن مكانها في الحياة وفي الأدب. رغم أن هذا لم يكن له الشأن الأول في تقليل العناية بالبحوث النظرية بل يرجع ذلك إلى أن أحوال الحضارة كانت قد تغيرت وتغيرت معها المسائل التي من شأنها أن تثير اهتمام الناس وأخذت المسائل الأخلاقية والسياسية تتبوأ المكان الأول شيئاً فشيئاً.
وعلى العكس من آراء الكثير من الدارسين المعاصرين الذين هاجموا الشيخ أبو حامد الغزالي في رؤيته وفلسفته أشاد دي بور بالغزالي ورأى أنه أعجب شخصية في تاريخ الإسلام وأن مذهبه صورة لشخصيته : " زهد الغزالي في محاولة تفهم هذا العالم أو حب الدنيا ولكنه أدرك المسألة الدينية أعمق مما أدركها فلاسفة عصره فقد كان هؤلاء الفلاسفة عقليين في نزعتهم شأن أسلافهم اليونان فاعتبروا أن مقررات الدين ثمرة للقوة المتخيلة أو الوهم من جانب الشارع بل ثمرة لهواه. ورأوا أن دين المتدينين إما انقياد وطاعة عمياء عند البعض أو هو ضرب من المعرفة فيه حقائق أدنى مرتبة من حقائق الفلسفة عند البعض الآخر، ويعارض الغزالي هذا الرأي بأن يبين أن الدين ذوق وتجربة من جانب القلب والروح وليس مجرد أحكام شرعية أو عقائد تلقى بل هو أكثر من ذلك فهو شيء يحسه المتدين بروحه إحساساً حياً ".
[/align]