أردت بعد استقراري أن أكمل مشروع حلمي القديم وإتمام مراسم عقد زفافي على من أحبّ، بعد أن تخرّجتْ هي الأخرى بذات التخصّص.
لنوحّد دربنا، ولكن ...عبثاً حاولت أن أقنعها، كأن صمماً أصابها، كأن قلبها قُدّ من حجر، استخفّت برأيي، مؤثرة ضباب العاصمة على نقاء الرّيف، قلت لها :
هناك أصابتهم التّخمة الطبيّة، ولكنهم هنا، بحاجة إلينا، أنا.. وأنت.. وآخرون...
والإمعان في الغطرسة، والرّفض القاطع ،كان جوابها الدّائم ..
فاجأتني بزيارةٍ خاطفةٍ علّها تزعزع كياني، وتشكّك في صواب رأيي، شمخت بأنفها وهي تنتقل بين بيوت الضيعة، كانت بالكاد تردُّ التحيّة ،حتى أنّها شاورت نفسها بتردّد قبل أن تسلّم أصابعها الباردة كالشّمع على قبضتيّ الحاجّ وزوجه قائلة: أهذا هو الفلاح العجوز الخرف الذي حدّثتني عنه؟؟!!.
وهي تبعد بيدها بعض الفطائر السّاخنة التي أصرَّت الحاجة على أن تتذوّقها.
وهنا طفح الكيل، هذه المساحة المقدّسة لا يجوز اختراقها، هذا المعبد النقيّ لا يجوز لأحد الاقتراب منه إلا بعد التطهّر التّام، عنّفتُها، سفّهتُها، صرختُ فيها وأنا أفتحُ الباب على مصراعيه لتخرج منه للأبد، وبلا عودة، رغم توسّل الحاج لي بالهدوء، وإبقاء فسحة خير للعودة.. انتهت إذن من حياتي ولن تعود.
استرعى انتباهي تلك الفتاة الممشوقة، الجّميلة، بجدائلها الفاحمة ورقّتها الملفتة، والخجل المرافق لقسماتها أينما حلّت.
سألتُ عنها الحاجّ، عرفت عنها الكثير، إنها سعاد المعلّمة في المدرسة المتواضعة القريبة من عيادتي، عرفت أنها ناضلت كثيراً حتى حصلت على شهادتها، كانت تسير راجلةً عبر ساعات كل يوم ذهاباً وإياباً إلى القرية المجاورة، بإصرارٍ عجيبٍ، وطموحٍ أكثر عجباً، حتى كان لها ما أرادتْ.
قانون التجاذب جمعنا في كثير من المواقف، جمعتنا النظرات الخاطفة ثم الممعنة، ثم الابتسام، ثم اللّقاء العابر تحت شجرة التوت، في تبادلٍ سريعٍ لبعض كلماتٍ سارعتْ في اندماجنا.
وأظهرتْ بوح قلوبنا، وقد انفلتَتْ بخجلٍ بادٍ عندما تعمّد الحاج السّعال لينبّهنا، وقد أحاطتنا عيناه بحبٍّ لا حدود له.
بعدها رافقني إلى بيتها، مع صفوةٍ من رجال البلدة، وعلى رأسهم المختار، تحدّث عني بافتخار الأب بابنه، وشدّ على يدي يقرّبها من يد أبيها عندما عُقد القران.
لم أنسَ ليلة زفافي، كيف حوّل الضيعة إلى ساحة عرس..!!
وكيف أخذ يشدو العتابا والميجانا!! بابتهاجٍ لا يوصف.. ما أجمل هيهات يا أم الزلووف من بين شفتيه!! عبقريّ هو في ترديدها، دمعت عيناي عندما أمسك بعكازه وراح يدور حولي بدبكةٍ مليئةٍ برجولةٍ لا ترحل، ولا تشيخ .
خفتُ عليه عندما تصبّب العرق من جبينه لاهثاً، وقد أرحته على الكرسيّ الملاصق لي.
وزيَّنتْ حلوة الحلوات داري، وعمري، وعشت الجنّة على الأرض، نظّمتْ حياتي، وأوقاتي الفوضويّة، رسَّختْ خطواتي، قدّمتْ العون لكلّ من حولها بإنسانيتها الجمّة، ساندتْ الفقراء، وتقرّبت إليها النسوة حبّاً بها، وامتثلن لتوجيهاتها ونصائحها.
مساءً تكون في العيادة لا تبارحني، تحيطني بهذا الدفء الذي يبدّد تعبي ويستنزفني، أذكر في إحدى الأمسيات العاصفة، قُطعتْ أسلاك الكهرباء، وكنت أقوم بخياطة جرحٍ قطعيٍ في جبين الصبيّ الشقيّ مروان بعد سقوطه أثناء لعبه، أُسقط في يدي، واحترتُ ،وتصبّبتُ عرقاً، والطّفل يرتجف أمامي، سارعتْ بإشعال شمعة، غطّتها بيديها كيلا تنطفئ بعد دخول الرّياح العاتية عبر النافذة التي كُسِر زجاجها، ظلّت واقفة قربي حتى انتهيت من إسعافه، بكتْ بعدها، لآلام أصابعها المحروقة، وفرحاً بنجاة الطّفل الذي عاد لأحضان أمّه.
******** ******** ********
عندما وصلتُ البلدة انفجرت دموعي من براكين قلبي، لأني رأيت الأشجار التي كانت تتمايل طرباً تبكي، والينابيع والجبال ونوافذ البيوت وأدراجها كلها تبكي، والقلوب تئنّ.
وصلتُ داره، شاقّاً دربي بصعوبة بين الجّموع التي كانت تتقاطر إلى عتباته بعد تشييعه، بين مصدّقٍ ومشكّكٍ، وكأنّ الذين نحبُّهم عليهم ألاّ يموتوا وألاّ يرحلوا، أو هكذا نتوقّع منهم.
اعتراني شعور غامض وأنا ألقي بجسدي الباكي على الكرسيّ المستند إلى الجدار العتيق، أحسسْت بأمانٍ، وبيدٍ خفيّةٍ مسحتْ دموعي، هذا الذي أمامي ليس بسرادقٍ مُعدٍّ للعزاء، إنّه مشروع لإقامة حفل عرس، أجل.. رائحة القهوة السّاخنة، الكراسيّ التي كان أهل الدّار يوزعونها في الفناء، وحبال الأضواء التي تسابق الفتية في تعليقها، رائحة اللّحم والأرزّ المعدّ للطّهو.
يميناً أنني لا أهذي، سمعته يناديني من خلف شجرة الرمّان العتيقة، سمعته يوشوشني، يحضنني كما يفعل، يربِّتُ على كتفي، خفت على نفسي من الجّنون، خرجتُ وسط استغراب البعض- على أقدامي إلى الجِرد البعيد، أتبع ظلَّه، حيث يسير.
أقسم أنّه حدّثني قائلاً: أنا هنا.. لا تصدّق رحيل الأرواح بلا أوبة، أنا معك بجسمي الأثيريّ، أحباؤنا نلقاهم على المستويات الرّقيقة اللاّمرئية.
تحدّثْ عنّي.. وإليَّ.. ولا تسقطّني من ذاكرتك، حدّثني دائماً، لا تمتْني مرّتين.
وأقسم أني سمعته يدندن بصوته الشجي: هيهات يا أم الزلووف...، وأقسم أني سمعت صوت الكون كلّه حولي كان يردّد ما يقول بصوت غالبه الدّمع.
وأقسم أنني ما زلت أشكّك بعقلي حتى هذه اللحظة، أتساءل إلى الآن، كيف سيفارقني هذا الصّوت الذي يسكنني، وقد استوطن ذاكرتي بلا رحيل....
**************** *************************** ******************************
يتبع في الجّزء الثّالث
لنوحّد دربنا، ولكن ...عبثاً حاولت أن أقنعها، كأن صمماً أصابها، كأن قلبها قُدّ من حجر، استخفّت برأيي، مؤثرة ضباب العاصمة على نقاء الرّيف، قلت لها :
هناك أصابتهم التّخمة الطبيّة، ولكنهم هنا، بحاجة إلينا، أنا.. وأنت.. وآخرون...
والإمعان في الغطرسة، والرّفض القاطع ،كان جوابها الدّائم ..
فاجأتني بزيارةٍ خاطفةٍ علّها تزعزع كياني، وتشكّك في صواب رأيي، شمخت بأنفها وهي تنتقل بين بيوت الضيعة، كانت بالكاد تردُّ التحيّة ،حتى أنّها شاورت نفسها بتردّد قبل أن تسلّم أصابعها الباردة كالشّمع على قبضتيّ الحاجّ وزوجه قائلة: أهذا هو الفلاح العجوز الخرف الذي حدّثتني عنه؟؟!!.
وهي تبعد بيدها بعض الفطائر السّاخنة التي أصرَّت الحاجة على أن تتذوّقها.
وهنا طفح الكيل، هذه المساحة المقدّسة لا يجوز اختراقها، هذا المعبد النقيّ لا يجوز لأحد الاقتراب منه إلا بعد التطهّر التّام، عنّفتُها، سفّهتُها، صرختُ فيها وأنا أفتحُ الباب على مصراعيه لتخرج منه للأبد، وبلا عودة، رغم توسّل الحاج لي بالهدوء، وإبقاء فسحة خير للعودة.. انتهت إذن من حياتي ولن تعود.
استرعى انتباهي تلك الفتاة الممشوقة، الجّميلة، بجدائلها الفاحمة ورقّتها الملفتة، والخجل المرافق لقسماتها أينما حلّت.
سألتُ عنها الحاجّ، عرفت عنها الكثير، إنها سعاد المعلّمة في المدرسة المتواضعة القريبة من عيادتي، عرفت أنها ناضلت كثيراً حتى حصلت على شهادتها، كانت تسير راجلةً عبر ساعات كل يوم ذهاباً وإياباً إلى القرية المجاورة، بإصرارٍ عجيبٍ، وطموحٍ أكثر عجباً، حتى كان لها ما أرادتْ.
قانون التجاذب جمعنا في كثير من المواقف، جمعتنا النظرات الخاطفة ثم الممعنة، ثم الابتسام، ثم اللّقاء العابر تحت شجرة التوت، في تبادلٍ سريعٍ لبعض كلماتٍ سارعتْ في اندماجنا.
وأظهرتْ بوح قلوبنا، وقد انفلتَتْ بخجلٍ بادٍ عندما تعمّد الحاج السّعال لينبّهنا، وقد أحاطتنا عيناه بحبٍّ لا حدود له.
بعدها رافقني إلى بيتها، مع صفوةٍ من رجال البلدة، وعلى رأسهم المختار، تحدّث عني بافتخار الأب بابنه، وشدّ على يدي يقرّبها من يد أبيها عندما عُقد القران.
لم أنسَ ليلة زفافي، كيف حوّل الضيعة إلى ساحة عرس..!!
وكيف أخذ يشدو العتابا والميجانا!! بابتهاجٍ لا يوصف.. ما أجمل هيهات يا أم الزلووف من بين شفتيه!! عبقريّ هو في ترديدها، دمعت عيناي عندما أمسك بعكازه وراح يدور حولي بدبكةٍ مليئةٍ برجولةٍ لا ترحل، ولا تشيخ .
خفتُ عليه عندما تصبّب العرق من جبينه لاهثاً، وقد أرحته على الكرسيّ الملاصق لي.
وزيَّنتْ حلوة الحلوات داري، وعمري، وعشت الجنّة على الأرض، نظّمتْ حياتي، وأوقاتي الفوضويّة، رسَّختْ خطواتي، قدّمتْ العون لكلّ من حولها بإنسانيتها الجمّة، ساندتْ الفقراء، وتقرّبت إليها النسوة حبّاً بها، وامتثلن لتوجيهاتها ونصائحها.
مساءً تكون في العيادة لا تبارحني، تحيطني بهذا الدفء الذي يبدّد تعبي ويستنزفني، أذكر في إحدى الأمسيات العاصفة، قُطعتْ أسلاك الكهرباء، وكنت أقوم بخياطة جرحٍ قطعيٍ في جبين الصبيّ الشقيّ مروان بعد سقوطه أثناء لعبه، أُسقط في يدي، واحترتُ ،وتصبّبتُ عرقاً، والطّفل يرتجف أمامي، سارعتْ بإشعال شمعة، غطّتها بيديها كيلا تنطفئ بعد دخول الرّياح العاتية عبر النافذة التي كُسِر زجاجها، ظلّت واقفة قربي حتى انتهيت من إسعافه، بكتْ بعدها، لآلام أصابعها المحروقة، وفرحاً بنجاة الطّفل الذي عاد لأحضان أمّه.
******** ******** ********
عندما وصلتُ البلدة انفجرت دموعي من براكين قلبي، لأني رأيت الأشجار التي كانت تتمايل طرباً تبكي، والينابيع والجبال ونوافذ البيوت وأدراجها كلها تبكي، والقلوب تئنّ.
وصلتُ داره، شاقّاً دربي بصعوبة بين الجّموع التي كانت تتقاطر إلى عتباته بعد تشييعه، بين مصدّقٍ ومشكّكٍ، وكأنّ الذين نحبُّهم عليهم ألاّ يموتوا وألاّ يرحلوا، أو هكذا نتوقّع منهم.
اعتراني شعور غامض وأنا ألقي بجسدي الباكي على الكرسيّ المستند إلى الجدار العتيق، أحسسْت بأمانٍ، وبيدٍ خفيّةٍ مسحتْ دموعي، هذا الذي أمامي ليس بسرادقٍ مُعدٍّ للعزاء، إنّه مشروع لإقامة حفل عرس، أجل.. رائحة القهوة السّاخنة، الكراسيّ التي كان أهل الدّار يوزعونها في الفناء، وحبال الأضواء التي تسابق الفتية في تعليقها، رائحة اللّحم والأرزّ المعدّ للطّهو.
يميناً أنني لا أهذي، سمعته يناديني من خلف شجرة الرمّان العتيقة، سمعته يوشوشني، يحضنني كما يفعل، يربِّتُ على كتفي، خفت على نفسي من الجّنون، خرجتُ وسط استغراب البعض- على أقدامي إلى الجِرد البعيد، أتبع ظلَّه، حيث يسير.
أقسم أنّه حدّثني قائلاً: أنا هنا.. لا تصدّق رحيل الأرواح بلا أوبة، أنا معك بجسمي الأثيريّ، أحباؤنا نلقاهم على المستويات الرّقيقة اللاّمرئية.
تحدّثْ عنّي.. وإليَّ.. ولا تسقطّني من ذاكرتك، حدّثني دائماً، لا تمتْني مرّتين.
وأقسم أني سمعته يدندن بصوته الشجي: هيهات يا أم الزلووف...، وأقسم أني سمعت صوت الكون كلّه حولي كان يردّد ما يقول بصوت غالبه الدّمع.
وأقسم أنني ما زلت أشكّك بعقلي حتى هذه اللحظة، أتساءل إلى الآن، كيف سيفارقني هذا الصّوت الذي يسكنني، وقد استوطن ذاكرتي بلا رحيل....
**************** *************************** ******************************
يتبع في الجّزء الثّالث
تعليق