هيهات .. يا أمّ الزولوف
تهامرت كلماتها عبر الهاتف مع دموعها، وهي تبثُّني كلمات حاولت أن تهرب منها، ولكنها لم تستطع، لابدّ أن تعلمني.. فهذا الركن العتيق الذي كان يؤويني، يضمني، يدثّرني تحوّل إلى ضبابٍ معتمٍ لا روح فيه.
إذن غادرني الحاجّ سالم دون أن يودّعني!! انتهز فرصة غيابي عنه في العاصمة، حتى لا تتعذّب روحه بمفارقتي، كأنّه كان مصرّاً على إبعاد الأحزان عني حتى اللّحظة الأخيرة.
استبقتُ المؤتمر الطبّي، الذي كنت أشارك فيه بالمغادرة، توجّهتُ إلى سيّارتي، وعندما أدرت مفتاح المحرّك، تذكّرت الأدعية التي كان يصرّ في كل مرة يرافقني فيها على ترديدها، قلتها مراراً..
ممعناً بذلك الوميض النورانيّ المنبعث في كلماتها، علّني أتماسك من بعده، كيف سأستطيع الاستمرار وسط صقيع العمر، بعد أن كان يمدّني بتلك الطّاقة الرّوحية الكبيرة التي تختصر الزمن والمواقف؟ وتحويل كل شيء صعبٍ إلى سهلٍ!
تذكّرت في هذه اللّحظة وأنا أغادر البيوت الأخيرة التي ترامت على أطراف العاصمة، في طريقي إلى البلدة الريفيّة التي تنام بدعةٍ على سفح القلمون كيف انتابني الفزع في شبابي الأول!!
عندما اضطررت بعد حصولي على شهادتي الطبيّة أن أتّجه إليها للخدمة، مُنتزَعاً من حضن أبي الدافئ ،إلى صقيعها الذي يأبى أن يفارقها، وكيف كانت الثّواني في طريقي إليها دهراً!! وأنا أصافح المجهول في أول تجربة لي أبعدتني عن جذوري وخطوات دروبٍ سلكتها بأمان وسط أهلي، وكيف تحوّلت هذه الثواني إلى رعبٍ حقيقيّ وأنا أُنزل حقائبي من الحافلة، أتلفَّتُ بقلقٍ بادٍ استشعره أهل البلدة من حولي، وقبل أن يسألني أحدهم عمّا بي، وقد همّوا بذلك، سارع هو إلى لقائي بوجهه الباشّ، صافحني بمودّةٍ بالغة، وكأنه ينتظرني بشوقٍ ملفتٍ بعد طول انتظار، فاتحاً ذراعيه لي، وكأني شممتُ بين يديه رائحة عباءة أبي الذي ما فارقني طيلة سفري، ليس من السّهل عليَّ الابتعاد عن حضنٍ نعمْتُ بدفئه كل عمري ولم يستطع أحد أن يقتلعني منه، وخاصة بعد رحيل أمي.
كنت أصغر إخوتي أُهرول إلى ذراعيه المفتوحتين دائماً لي هرباً منهم لماّ أستشعر الغيرة والمضايقة، فيبعدهم عني ضاحكاً مردداً: ابتعدوا عنه يا أخوة يوسف –لأن هذا اسمي- حتى استسلموا ورضوا بالواقع وروّضوا أنفسهم بإذعانٍ على محبتي، سيّما بعد أن أثبتُّ جدارة ملفتة بنجاحٍ. كان أبي يفخر به أمام الأهل والأصحاب.
والآن وأنا قرب هذا الحاج الطيّب حاولت أن أبدو متماسكاً، بعد أن بدّد توتّر اللّحظات الأولى باستقباله الحارّ، الذي أدخل بعض الطمأنينة الهاربة إلى قلبي.
حدثتُه عن وجهتي، ومقصدي، وأنا في أوّل امتحان لي بالحياة مع نفسي بعد نيل الشّهادة، وهو الامتحان الأصعب، حاولت أن أظهر بثوب الطبيب المنمّق المثقّف والذي يمشي خطوه بثقة العارف، ولكنه اخترقني بروحه، فقرأ كل صفيحات دمي وشواردها، أخذ بيدي إلى أماكن عدّة لأختار منها ما يناسبني سكناً وعيادة، ووجدت ضالّتي في سكن قريب منه، لست أدري إن كان عن قصدٍ أو غير قصد، ولكنّي ارتحت للموقع، وجدته يعانق تلّة أشجار توشوش السّفح المزدان بأنفاسٍ خضرٍ تتمطّى بهدوء بين صخره وتراباته، تتناثر حوله أزهارٌ حمرٌ كعقدٍ ياقوتيّ انفرطتْ حبّاته.
ولماّ فتحتُ نافذتي تغلغل عبق الأواخر من تشرين عبر أنفاسي، فاستنشقتها بعمقٍ أثار بي الحنين من جديدٍ إلى ديار من غادرتهم مرغماً. ارتحتُ لماّ وجدت دار الحاجّ سالم قبالتي مشرِّعة نوافذها.
اجتاحني الجّوع بعد هذا العناء، تذكّرت الأطباق الشهيّة التي تجيدها أختي، اختلطتْ الرّوائح التي عذّبتني ببعضها، ألقيت بجسدي على السّرير، يحار فكري بترتيبات كثيرة كانت مطلوبة مني، الجّوع سيطر على حواسي، شعرت بالدّوار هممْتُ بالخروج، نقرات خفيفة على الباب استوقفتني، فتحتُ الباب فاغر الفم وأنا ألمح الأطباق المكدّسة برائحتها النفّاذة فوق طبق قشٍ، مجلّلة ببعض أرغفة الخبز التنّوريّ، عرفت أنها منه، أكرم إنسانيتي لديه في السّويعات الأولى لوصولي. أخذني النّوم في أحضانه لبضع ساعات، أفقتُ على صوت غناءٍ ريفيٍّ شجيٍّ ترافقه ترنيمات العود،دققتُ السّمع والنّظر، رأيته هو.. مع ثلّة من رجالات البلدة وشبابها ، تحلّقوا حوله بحبٍ واندماجٍ بالغَين. كان على المصطبة الخارجيّة لمنزله، مع صوته تتعالى الآاااه، ممزوجة مع أبخرة الشاي المتصاعدة من الأباريق والأقداح، وثرثرة النّراجيل المزركشة الملوّنة.
لمحني... ناداني بصوته الحاني: هل ستطيل الوقوف على النافذة متفرّجاً..؟ تعال يا ولدي شاركنا السّهرة!!!
هربتُ من وحدتي إليه، خفتُ مواجهة ليلتي الأولى وحدي، صافحت الرجال بحرارةٍ متبادلة بعد أن عرّفهم الحاجّ بي كطبيبٍ وافدٍ إليهم، أكمل الغناء بصوته الجبليّ الذي يعلو ويهبط بمهارة فائقة مردّداً: هيهات.. يا أم الزولوف.. عيني يا مولايّا...
كادت الدموع تتوافد إلى عينيّ متأثراً.. متذكّراً.. مشتاقاً لحبيبتي التي ارتبطت معها بعشق متوّجٍ مشروعٍ.
بدّدَتْ حزني دبكة صغيرة، ارتجلها بعض الفتية اليافعين محاولين شدّ الأكبر منهم سنّاً، والذين كانوا يتملّصون بأيديهم، ومع الاعتذارات كانت التّعليقات الضّاحكة تدور بين جيلين.
في اليوم التالي وبعد صلاة الجّمعة، تجمّع النّاس حول الإمام، أعناقهم مشرئبّة إلى السّماء مع أكفّهم ،يتضرّعون متهجِّدين طلباً للسّقيا، التفتُّ وجدتُه أكثر الناس بكاءً ونشيجاً.. عرفت أن خيطاً من الصّوفية يجمع بين الفنّ وحبّ الإله، وتأكّدْتُ أنّ دموعه المخلصة هي التي تحوّلت إلى مطرٍ ، ورعدٍ، وبرقٍ، غمر كل الضّيعة بالبِشْر والرّجاء.
استُكملتْ العيادة بعد أيام قلائل، كالعادة كان معي منهمكاً في إعدادها بشكل ارتجاليّ فوضويّ يسير به الحماس اللاّمحدود.
ضحكتُ في سريّ وأنا أعيد ترتيب الأشياء بعد انصرافه، من خلال الملصقات والأجهزة الطبية المبسّطة التي أحملها، وبعض الأثاث الضّروريّ، وغادرتُ العيادة فرحاً، بعد أن قمْتُ بتثبيت ساترٍ قماشيّ فصل الغرفة إلى اثنتين واحدة للكشف الطبيّ ،و الأخرى للانتظار.
أتاني البعض بعد حينٍ في حالاتٍ متفرّقةٍ، يرافقهم أشخاص يملأ الفضول أعينهم ليروا العيادة والطّبيب الآتي من العاصمة، وكان يمرّ هو بين فينة وأخرى مسلّماً ،مطمئنّاً ،وضحكته لا تفارق مبسمه، مداعباً الكبير والصّغير، داعياً بالشّفاء لكلِّ من يصادفه.
********* ******** **********
لاحتْ لي بعض أعمدة الكهرباء القريبة من تخوم البلدة التي أقصدها، نبّهتني أبواق السّيارات ومزاحمتها بأني أسير بسرعةٍ جنونيّةٍ دون أن أدري، اعتصرتُ رأسي بيدي، أحسست أني بحاجة إلى ارتشاف قطرات من القهوة السّاخنة عند أقرب استراحة على الطريق، لأبدّد هذا الصّداع، ولكني آثرتُ الاستمرار، علني أحصّل بعض أنفاسه قبل أن يغيّبه الثرى.
لقد مزّق الألم قلبي فمن سيمسح الحزن الذي يسكنني من بعده..؟
أذكر أني عندما فقدتُ أبي، انسلختُ عن هذا العالم، انفصلتُ عن ذاتي، أغلقتُ العيادة، اعتكفتُ باكياً في غرفتي، طالتْ ذقني ، وتشوّش شعري، فالحضن الآمن قد رحل، واعترتني برودة عجزتْ حتى الشّمس أن تبدّدها ، فداهمتني عتمة باردة، استطاع بروحانيّته المعتادة أن يقشع تلك الغيمة عني، حاصرني كما العادة بحبّه الكبير، قال لي: يا ولدي (وهو يمسح شعري وجبيني السّاخن بيده النديّة الحانية)
لا تصدّق أنّ الإنسان يرحل، إنّك بشفافيّتك وحبّك له ، تلتقي بروحه عبر الأثير، على المستويات الرقيقة، يا ولدي: تحدَّث إليه بسرّك وكأنه أمامك، أخبره خلسةً عن أخبارك، تذكّر معه الصّور الحلوة التي كانت تجمعك به، تحدّث عن ذكرياته السّابقة ،والضّاحكة منها ، وكأنه عائشٌ فيك، لا تسقطْه من أحاديثك، لا تغيّبه عن ذاكرتك، لا تمتْه مرّتين، ثق تماماً أنه معك، تطوف روحه حولك، بعالم أوسع وأرحب، لا قيود له، تواصل معه بخيوط النور والتوحّد الكونيّ، أبوك يا ولدي لم يبعد عنك، إنه في نقطةٍ ما أمامك، فالعمر ممتدٌ بروحه التي بقيت، وما غادرك هو الجّسد الأثيريّ الفاني، تمشّى معه بين الوديان، وحدّث روحه بما أنجزتَ، فالأرواح الطيّبة المرتاحة تلتقي، والكون يسع كلّ الأرواح المحجوبة منها، والمرئيّة، يا ولدي: أنت ذخر له على المدى ،هو الآن في غفوةٍ هانئةٍ في عالمه الجديد، أكثر سعادة منا ،وأكثر راحة وانطلاقاً.
معجزة كانت خروجي من عزلتي وحصاري، شيئاً فشيئاً تمثّلت بروحي ما قاله ،واستشعرت الدّفء المفقود وسط عباءته التي أحبّ.
أجلسني أمامه، يعزف لي، يغنّي، وتصدح حنجرته الذهبيّة الموّال إثر الموّال.. حتى لأخال أنّ الأشجار تترنّح على صوته فتتمايل طرباً ونشوةً.
تذكّرْتُ الميراث الذي خلّفه أبي، حين أثار نزعة أخوة يوسف القديمة، سمع حوارنا المشحون المتصاعد عبر النافذة، وقد شحذ كل منهم مخالبه ليفوز بالغنيمة الأكبر، أحسَّ بحيرتي وألمي وهم يضيّقون الخناق عليّ لأتنازل، وصَعُبتْ عليّ ذاتي التي استباحوها حبّاً بالمال.
قال لي: يا ولدي هوّن عليك، لا تحزن، دعهم يلههم الأمل، واخرج بروحك النقيّة ظافراً، قل لهم خذوا ما شئتم، واتركوا لي ما شئتم بنصيبي الشّرعي.. لا تدخل في التفاصيل، فالخير والبركة ستكون فيما بقي لك، وأخذني من يدي، انظر إلى هذه التلّة العالية، لقد رفضها إخوتي لأنّها بنظرهم بعيدة عن السّكن ولا راغب لها، وكادت القلوب تتمزّق بلا عودة، لولا أن رضيت بها حسماً للخلاف، وتحجيماً للفرقة، أتدري يا ولدي: هي اليوم الأرض الأغلى ولا تقدّر بثمن.
وهذا ما كان بعْتُ حصّتي التي أبقوها لي، وتوسّعتُ في داري وعيادتي واستقرّيت في البلدة حبّاً بالقرب منه.
لقد كنا نكمل بعضنا بعضاً، كنت الابن الذي لا أب له في الحياة، وهو الأب الذي رحل عنه أولاده إلى بلاد الغربة، بعد أن أعيتهم الحيلة في إقناعه بالبعد عن بلدته ومرافقتهم.
آثر أن يبقى كشجر الحور واقفاً يغذّي شرايين بلدته بالحبّ والسّعي لنهضتها، وإيقاظها، وتخديمها، وتطويرها رويداً.... رويداً.
******** ********** ***********
يُتبع في الجّزء الثّاني .......
تعليق