شيخ المازوت

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسن الحسين
    عضو الملتقى
    • 20-10-2010
    • 299

    شيخ المازوت

    شيخ المازوت

    جلس الشيخ محمود بعد عشائه الدسم قرب المدفأة، وهو يتدرأ بقايا فقاعات الدهن منتظراً أن تحمل زوجته كوب الشاي الذي يختتم به وجبته المسائية..
    كونه لا يدخن فقد تناول عوداً خشبياً وراح يمرره بين أسنانه ليقتلع منها قطع اللحم التي تمردت في الدخول إلى معدته، وآن له الآن أن ينتقم منها، فكان يسحبها بهدوء كما تسحب الفريسة بعد تلاشي حركتها وبكل ثقة بالنفس يضعها من جديد تحت عجلات أسنانه ويطحنها ظافراً منتصراً.
    في هذه الأثناء يمدد رجليه على السجادة الأنيقة، ويرخي أوصاله في راحة تامة، وبعد تثاؤب غير مهذب يبدأ بالعودة إلى أول النهار معيداً حساباته بكل ما جرى منذ أن نهض من سريره مبتعداً عن أم العيال" الوسادة الثالثة" التي تستلقي بجانبه مثل جابي الضرائب الذي تبتسم له وتلقاه ببشاشة وأنت تطمر حقدك وكراهيتك خلف ستار شفاف من الممالأة والمحاباة..
    يدع جانباً كل الحركات التقليدية فلا يشغل وقته في تذكرها ومراجعتها كصلاة الفجر، وتمشيط اللحية ومسح العمامة، ونفض العباءة.. ويستهل تذكره فوراً بالمبلغ الذي تركه عند المرآة قرب الباب لمصروف البيت وفاتورة الكهرباء، وثمن برميل الماوزت.. وهنا ارتفع جفناه وصرخ في سريرته:
    - لقد استهلكنا الكثير من المازوت هذا الاسبوع، حبذا لو أكثرنا من مغادرة البيت، وحللنا ضيوفاً أربع مرات في الأسبوع بدل ثلاث..
    أجل يجب ان نزور الحاج فتحي، صحيح إنه لا يقدم سوى الشاي ولمرة واحدة في السهرة، لكنه لن يحدس أن زيارتنا هي لتوفير مازوت المدفأة..
    يقلّب هذا الموضوع قياماً وقعوداً وعلى جنوبه حتى يستقر رأيه على هذا القرار ويذيله فوراً بقوله "إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين"..
    عندئذٍ يشعر بغبطة كبرى.. إذ ما أجمل أن يكسب المرء دنياه "مازوتاً" وآخرته بالعمل بما فرضه الله علينا...
    قطعت عليه أم العيال سفر أفكاره وهي تضع له صينية الشاي وهمت أن تجلس على الاريكة، إلا أن نظرة سريعة من شيخنا لسعتها، فنهضت هاربة قبل أن تجلدها لعناته.. إنه مشغول جداً بمراجعة يومياته..
    في طريقه هذا الصباح إلى المكتبة الوقفية التي هي في عهدته منذ ثلاثة أشهر، بعد أن سحب منه أحد زملائه وأبناء مهنته خطبة الجمعة في جامع الحارة حيث كان يتلقى منها كل أسبوع 250 ليرة..
    إنها وقفة ساعتين على المنبر، تكسب فيها هذا المبلغ، وتتقرب بضعة أمتار من عرش الرب.. لكن الشيخ مصعب تمكن من "تشليحه" إياها بعد زياراته المتكررة لمدير الأوقاف والسعي في تزويج ابنته من أحد الوجهاء "المرتاحين" مادياً على حد تعبيره..
    إذن التقى هذا الصباح بمتعهد المساكن الشعبية التي تشاد عند مدخل المدينة، واتفق معه على افتتاح فرع للمكتبة الوقفية في وسط هذا المشروع السكني.. وبدأ شيخنا محمود يهمس:

    - لماذا يريد افتتاح هذا الفرع.. هل كرمه وطيبته دفعاه إلى ذلك؟
    أم هناك أمر آخر يريد تغطيته بهذه الواجهة؟! لا بد من معرفة نواياه..
    وبدأ بطحن وعجن وخبز هذه الفكرة حتى احترقت أطرافها.. وقرر أن يماطل معه في الرد حتى يسبر ما وراء نواياه.. لأن المتعهدين وتجار الأراضي يدرسون الأرضية جيداً قبل أن يقيموا عليها مشاريعهم، ولا بد أنه يضمر أمراً ما.. ولكن آه.. ما الطريقة لمعرفة ذلك؟!
    لقد برد الشاي وما زال الشيخ محمود غارقاً في مئات الاحتمالات دون جدوى.. وتعكر مزاجه قليلاً فأراد أن ينتقل إلى موضوع آخر فقال: "ومكروا ومكرالله والله خير الماكرين".
    وتذكر أنه قبل فترة الغداء جاءه في المكتبة موظف التموين من أجل فتوى شرعية حول اكرامية من صاحب الفرن، وهي كيس طحين يقدمه له في كل أول شهر وكان الموظف في حيرة من أمره..
    لكن فتوى شيخنا أوجدت المخرج السليم والمشروع حيث أشار عليه بقوله:
    - ربما كان هناك بعض الغبار على قبولك الطحين، ولكن لدفع المكروه وإزالة هذا الغبار يتوجب عليك أن تخبز نصف الكيس من كل شهر وتقدمه إلى من هم على باب الله من مشايخ ومساكين ومحتاجين..
    وأنا سأساعدك في توزيعه لأن المشاركة في الخير هي حسنة عند رب العالمين..
    غطت ابتسامة الرضى والفوز ثغر الشيخ وهو يتذكر فتواه.. قائلاً في سريرته:
    "لحسن الحظ أنه جاء قبل فترة الغداء.. فالجوع ساعدني في الافتاء، ايه.."
    زفر من أعماقه مثل بركان كان خامداً لسنوات ثم اطلق كبته حمماً حارقة وقال بصوت مسموع.. لأن الهمس لن يعبّر عن الفرحة:
    - إن المازوت والخبز مصروف يومي مثل الصلاة.. مهما أخرتها تظل في رقبتك.. وها قد تمكنا بحمد الله وعونه من تخفيف هذه الجلدات اليومية التي تقصم الظهر، "لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها لها ما كسبت".. وهل هذا كسب؟!
    واستمر يحدث نفسه علانية:
    - خبز ومازوت... يا لك من قنوع.. ويا له من كسب! الناس ترفع العمارات، وتسكن الفيلات، وأنا غارق في الخبز والمازوت وليس من شيء مشترك سوى أننا نلتقي في صف واحد أثناء الصلاة في المسجد..
    لقد جمدني مدير الأوقاف في هذه المكتبة.. حيث لا دخول ولا خروج "والبركة في الحركة" إن معاملة الناس والخوض معهم في أحاديث مشاريعهم وتجاراتهم يولد الفتاوى "ولحس الأصابع".. ما دام الناس لا يخطون في أي مشروع أو عمل دون الرجوع إلينا.. نحن رجال الله ووكلاؤه في عمل الصالحين والطالحين من عباده..
    إن الآخرة قد ضمناها والحمد لله.. لكنها بعيدة الآن، فلماذا أجلس مثل غبار الكتب الذي يحاصرني.. "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم".. لأبدأ مع المتعهد بتحديد مردود المكتبة من الفرع الذي ينوي افتتاحه..
    برقت عيناه غبطة، ومد يده إلى كأس الشاي فوجدها باردة بادرة..
    تردد قليلاً.. هل يطلب من زوجته أن تسخنها من جديد، هذا يعني عود ثقاب وغاز ونور في المطبخ.. وجرعها بلا توقف منهياً تردده.. وقرر أن ينهض إلى فراشه بعد أن اختمرت في راسه فكرة "فرع المكتبة" التي تهيئ الاحتكاك مع المتعهد الذي بلا شك يحتاج إلى ظل ديني في مساكنه الشعبية..
    قفل حبل أفكاره عند هذا الحد. ورفع الجلسة الذاتية التي تعوّد عليها بعد العشاء وصلاة العشاء.
    تلفت حواليه.. وحين لم يجد أحداً في الغرفة، نقض وضوءه علناً وقال:
    - هذه تدفئ الغرفة أيضاً.. وليس المازوت فقط..
  • عبدالمنعم حسن محمود
    أديب وكاتب
    • 30-06-2010
    • 299

    #2
    الأستاذ القدير / حسن
    سلام مربع
    مؤسف جدا ومحزن
    أن ينفض اجتماع الشيخ محمود مع نفسه
    دون انجازات تذكر
    ربما بسبب
    محاور الاجتماع نفسه غير المرتبة، المربكة..الخ
    سرد جميل أخي
    وفي انتظار المزيد
    تقبل إعجابي
    التواصل الإنساني
    جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


    تعليق

    • حسن الحسين
      عضو الملتقى
      • 20-10-2010
      • 299

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة عبدالمنعم حسن محمود مشاهدة المشاركة
      الأستاذ القدير / حسن
      سلام مربع
      مؤسف جدا ومحزن
      أن ينفض اجتماع الشيخ محمود مع نفسه
      دون انجازات تذكر
      ربما بسبب
      محاور الاجتماع نفسه غير المرتبة، المربكة..الخ
      سرد جميل أخي
      وفي انتظار المزيد
      تقبل إعجابي
      أخي الكريم عبد المنعم..
      شكرا للطف مرورك
      لك مودتي

      تعليق

      • ميساء عباس
        رئيس ملتقى القصة
        • 21-09-2009
        • 4186

        #4
        صباح الخير
        وصباح البرد
        صباح الخبز والحلم
        وصباح له وجهان أحدهما بلون الشفق والآخر كالغسق
        أعجبتني القصة بسردها وإثارتها
        وتفاصيل الرجل المتقتة
        وتسليطك الضوء
        على تلك الفئة التي تستخدم الدين بشكل سلبي
        بحجة أنهم يسيرون عليه
        وماأكثر هذه الفئة
        يحرمون علنا
        ويحللون سرا
        شكرا لك ولروحك ولقصتك الدافئة الجميلة
        ميساء
        مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
        https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be

        تعليق

        • حسن الحسين
          عضو الملتقى
          • 20-10-2010
          • 299

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة ميساء عباس مشاهدة المشاركة
          صباح الخير
          وصباح البرد
          صباح الخبز والحلم
          وصباح له وجهان أحدهما بلون الشفق والآخر كالغسق
          أعجبتني القصة بسردها وإثارتها
          وتفاصيل الرجل المتقتة
          وتسليطك الضوء
          على تلك الفئة التي تستخدم الدين بشكل سلبي
          بحجة أنهم يسيرون عليه
          وماأكثر هذه الفئة
          يحرمون علنا
          ويحللون سرا
          شكرا لك ولروحك ولقصتك الدافئة الجميلة
          ميساء
          الرقيقة الأنيقة ميساء..
          شكرا للطف مرورك
          لك مودتي

          تعليق

          يعمل...
          X