عرس .. و لكن !!
1
عينت مشرفا من قبل الإدارة ،
حيث الاستعدادات لعمل مهرجان مسرحي على قدم و ساق
ورغم برمي ، بمثل هذه المهرجانات ، التى أفرغوها من
محتواها ، و أصبحت فقط لقمة عيش ، توزع فيها المنح
و المكافآت ببذخ ، إلا أنى كنت دائم التنقل ، و التواجد بصفة مستمرة ،
ومراقبة البروفات من المرحلة الأولى ، حتى الثانوية .
كثيرا ما أصابني الملل و الضيق لهزالة العروض ، و امكانات مخرجي التعليم ، الذين يأتون بهم ، لا أدري من أين .
بعد قليل وقت فقدت حماسي نهائيا ، و فى اليوم الذى قررت فيه التخلى عن هذه المهمة ، ضاربا بالمكافأة عرض الحائط ، استوقفني مشهد عجيب ، وديكور بسيط لكنه ملفت بشكل يستدعى الانتباه ، و هنا أرغمت على المتابعة !
2
فتحت الستارة بطيئا .. بطيئا
وترددت موسيقي متواترة ،
تتعانق فيها أصوات أجراس الكنائس و ترانيم المعابد
و المساجد .. لا صوت .. فقط موسيقي تتدفق
مع ظهور المشهد تخفت .. تخفت !
اندفع جندي مهرولا خلف صبي ، عبر ضاحية ممتدة ، وحمى شديدة تتنامى فى كيانه .
وبرغم آلية يحملها ، كانت معبأة ، وعلى استعداد تام للقنص ، إلا أنه رأى ذلك غير حسن ، و أصر على اللحاق بالصبي ، و الفتك به بطريقة مبتكرة ، مع الوضع فى الاعتبار ، أنه قد يكون هو نفسه صيدا لهؤلاء الثوار ، المنتشرين عبر الحارات و الميادين ، و أسطح المنازل .
3
كان والده ( بنيامين ) لا يفتأ يحكى ، عن مغامرات جده الأول ، عن بطولات مثيرة لا تنقطع ، إذ كان عضوا فى فرقة ثورية ، على حد زعمه ، قدمت الكثير للوطن المكتشف حديثا ، ويعود إليها الفضل فى إبادة قبيلة عن آخرها من الهنود ، و تشتيت أخرى .
حكي عن براعته فى الإيقاع بفريسته ، بنصب الفخاخ ، معلقة كانت أم غائرة بالأرض ، حيث كان ينزع فروة الرأس ، بعد العبث بجثة الضحية ، فإذا ما كانت حيوانا اكتفى بالذيل ، وعندما تفيض مخلاته أو خرجه ، يضعه فوق برذعة البغل ، و يطوى الفلاة لينال عن كل رأس خمسة دولارات ، وعن الذيل الواحد نصف دولار .. لكنه رأى ذلك غير كاف .. وغير حسن أيضا !!
4
أصاب الصبى الوهن ، ابتلت ثيابه بعرق غزير . كان جسده ينتفض ، ومصرانه تكركب فى فزع . صوت أنفاسه يتردد مختلطا ببكائه المرير .
هطلت الأمطار هذا الصباح ، ردغت البازلت وحلا زلقا . فاضت مجرى المصرف المنحدر عبر الجرف .
تمهل الصبي ملتقطا أنفاسا مجهدة ، اتكأ إلى جدار منبعج . عيناه تومضان وميضا غريبا ، بينما صاحب الرداء الزيتي يلاحقه ، وقهقهاته تمتد عبر دوامات البرك المنتشرة هنا و هناك ، وصوت والده بينامين يصك أذنيه :" رأى جدك مع زملائه ، أن هذا غير كاف ، و أن إرادة الله تقف دونهم ؛ فالأرض تنبت هنودا ، برغم نهر الدم المتدفق ، الذخيرة و الوقت لا يسمحان بهذا العمل البطىء . اتجهوا إلى نصب فخاخ جماعية ، ومن ثم دفن الضحايا أحياء ، لكن كبيرهم رأى ذلك غير حسن ، فأمرهم بالرحيل إلى الأرض الموعودة . الاستقرار بعد شتات طويل . بمجرد تسلله إليها اتسع نطاق عمله ، ثم مات آخر الأمر فى هجوم شنه الثوار أصحاب الأرض – على يد طفل فلسطيني لم يتعد الثانية عشرة – مخلفا وراءه ملايين الدولارات فى بنوك العالم ، وشركة للموز مع يانكي فى جواتيمالا بأمريكا اللاتينية .
5
ذهلت من غرابة ما أرى . نعم . هذا ما كان يدور دون زيادة أو نقصان
و بشكل ملك على كل جوارحي . أخاف من إخفاقى ، وعدم قدرتي على نقل الصورة الدائرة أمامي ، و التعليمات الحازمة التى يلقى بها مخرج العرض .
6
حاصر الجندى الصبي مازن ، فى مربعة نائية عن الطريق . كان يدور مذعورا . الأشجار على امتداد الأفق تتمايل بعنف كأن بها مسا من جن ، تلتمع على أوراقها الخضراء حبات المطر ، و صوت والده بنيامين يطارده ، يرن فى صالة العرض ، وطيفه يتشكل من بين غبار ممطر ، كجزار يطارد كباش عنيدة : أجمل اللحظات لدى جدك ساعة كان الصبية من فرط خوفهم وهلعهم يتبولون فى سراويلهم ، ويسمع لاصطكاك أسنانهم اللبنية نغمات أرغول ، و لتأتآتهم المنداة باللعاب لهاث ناى محموم يدغدغ أوصاله ".
7
كانت عينا مازن المذعورتان تومضان ، تحصيان البيوت و الأشجار و حبات المطر ، تسددان إلى السماء لظي تحرُّقهما ، باحثتين عن منفذ فى رحابتها . وكان سرواله مبتلا ، و الماء يتساقط فى حذائه .
اصطدمت قدماه بعلبة ( بلوبيف ) فارغة ، التقطها ، أدناها من شفتيه الجافتين ، همس فى فراغها ، رأى من خلالها دروب الحيل التى ابتكرها هو ورفاقه ، هناك عند استواء القمر فى ليالي الصيف الطازجة : صفوان .. هل تسمعني .. صفوان .. أترى لي منفذا ؟ ها أنا ذا فى مأزق ، داخل مصيدة دبرها صهيوني معتوه .. ادع الله .. قل .. إن هذا غير حسن ".
8
تسلط الإضاءة بتركيز شديد ، تتلاعب كأنها ترسم الكلمات على شفتي مازن ، جاعلة من رأسه بؤرة ارتكازها ، ثم تروح دائرة بحيث لا نرى فى الكادر إلا الصبي و رفاقه فى الحارة .
لطالما اتصل برفاقه من الصبيان ، من خلال علبة صفيح كهذه ، مع الفارق ؛ فالعلب يتصل بعضها البعض بخيط رفيع ، يقصر أو يطول حسب المسافة بينهم ، أما ( حنان ) ابنة الجيران ، خاطبها دون خيط ، وقد أقسمت أنها سمعته ، وحددت مكانه تماما عندما كانت فى غزة فى زيارة لخالها ( غسان ) .
9
احتدم الغضب . خطا الجندى بإصرار صوب مازن .
راحت الإضاءة بتمكن تسلط على وجه الجندي ، تضخم من حالة الرعب و الغضب ، ثم استكملت دورانها شاملة خشبة المسرح بالكامل حيث المنطقة النائية و برك المطر ، و الجرف .
فجأة تخلع الشمس عن وجهها خمار الغيوم ، تسوط البيوت و الكائنات بلهيبها الحارق . مازن يتابع الشعاع الساقط عليه ، كلما حرك العلبة أصدرت حزمة قوية من خيوط ، انعكست على وجه االصهيوني ، الذى اغتاظ تماما ، وتهيج كثور ، فرفع ذراعه أمام وجه المباغت ، و صوت يجلده :" تلك الرائحة الكريهة ، ظلت تلازم جدك كقصاب جسور ، النشوة تستخف به ، عندما يداهم الصبية ، و النساء الهنديات ، أن إحساسا ما بالتفوق ، ظل يحلق به ، عبر سموات الرب ، لم يخطىء هدفه مرة ، كل من شاركوه لا يختلفون فى أمر ضحيته ، فرصاصته إما فى العنق ، و إما فى الجانب الأيسر من البطن ، وكلها من خلف .. لكن الرب رأى ذلك غير حسن ، فتخلى عنه قرب مدينة خان يونس حيث كانت نهايته .
10
توترت أعصابي تماما ، أحسست بقشعريرة تطوى جسدي . تركيز المخرج ، وهو يحاصر أبطاله بالأوراق شديد ، و صوته رهيب ، كقائد فى ميدان قتال ، يحمل الفزع و الخوف إلى الضمائر .
كان مازن مايزال يحرك العلبة بسرعة عجيبة .. أعلى و أسفل ضاحكا ، برغم ما ينتابه . اشتط الجندى ، تحت تأثير اللعبة ، دبدب ، ضيق حول مازن الخناق ، تقدم :" فيتقدم جدك مطيحا برأس الصبي الأعزل ، يسحب سرواله ، وهو يضحك كشيطان آبق ، وبسخرية و عته يردد : ماذا لو قطعنا هذه الأشياء .. ألا يكون من الأنسب أن تموت ملاكا ؟".
11
التقط مازن حجرا ، فورا كانت اليد المرتعشة ، تداعب وجه الصهيوني بحجرها .
قهقه الجندى عاليا . التقط مازن حجرا آخر ، قذفه .
تجهم وجه الصهيوني ، انقض عليه . التقط حجرا ثالثا ، قذفه بقوة . صرخ الجندى . علت عقيرته :" هذا غير حسن ". أطبق على مازن بغل ، وبمؤخرة البندقية أطاح برأسه . هوى الصبي ، وصدى صرخته يدوى فى الجرف القريب .
يدوى فى أسماعنا ، فتتزلزل أجسادنا و تختلج عرقا و صراخا مكتوما .
فرفر جسد مازن كذبيحة . كلما حاول الاعتدال ، انهار قبل أن يكمل . الحجر حجر ، و إن كان وهما فى قدور الحساء . لملم مازن جسده محاولا الوقوف و الزحف ، عاجلته الضربة الثانية . هوى على الأرض كدودة ممزقة ، تلوى منسحقا فى دائرته الضيقة . اللعاب يبلل الحصى مختلطا بدمائه التى انبجست غزيرة . استدعى بنصف وعى كل أولاد الحارة .. الموتي و الأحياء و المواليد .
حُركت الإضاءة بتألق ، أظهرت الأولاد كطيوف الأحلام . راحت تستعرض جزءً ا من حياة مازن ، حين كان وليدا ثم صبيا فى الحارة .
صرخ بصوت ما تعدى جوفه ، على أمه .. على أبيه .. أخيه صفوان .. رفاقه :" بالأمس قتلوا جاسم الرشيد ، وحطموا ذراع عمر ياسر اليمني ، و ثقبوا خصية مروان مازن . قالت أمى : إنهم سوف يخلصونه من خصيته ، إنه أصبح كذكر التوت ، بلا ثمرة !
12
قهقه الصهيوني ، و مازن يصطدم بالأرض .
عاد صوت بنيامن قويا مدويا :" و بنصل سكينه يفصل الأعضاء ، و يأتي على الذراع اليمنى فيحطمها كثمرة الخيار ".
امتدت يد الجندى بسكين حاد ، حط بجسده أرضا . الرعب ينهش قلب الصغير الذى تكشفت أمامه فى هذه اللحظة غيوم الرؤى . رأى صفوان داخلا خيمته ، وبيده فأسه ، على ملابسه آثار تعب و غضب ، و فى حرملته حمل من حطب . رآه يبحث عنه ، سائلا والدته ، يستدير إلى الصغار . نادى مازن بألم أحنق الصهيوني : صفوان .. أيها الحجر الصوان .. إننى هنا ، أسمع و أري ، فى محيط دائرة . اقصص خطاى .. اسرع . صفوان أمامه يحاول تحديد مصدر الصوت . يهرول هنا و هناك ز اعقا :" أين أنت .. أين .. أنت فى هذه الجهة .. بل أنت هنا .. أنت قريب من الجرف .. نعم أنت قريب ". انقطعت الصورة !
13
امتطي الجندى صدر الصغير ، و بسكينه يقترب من أعضائه الحساسة . تصاعد مازن طائرا كغلالة شفافة ، بجناحين ، يهدل ، ينفرط غلمانا كثيرين كملائكة تسعى ، وموسيقي رقراقة تنبعث مشيعة إياه كرقرقة النشيج فى الصدر ،، بين دهشة الجندي ، ومتابعته . تسلط عليه خوف مؤلم ، عيناه تفرزان المكان ، وقدماه تستعدان للتحليق ؛ لأول مرة يدرك كم أوغل ، و أن مجموعته بعيدة . دار حول نفسه ، وعنكبوتة الخوف تنسج على صدره خيوطا سميكة . انسحب ، وكلما تراجع ، دار ثانية تجاه الناحية الأولى ، ودائرة من الأطفال تتشكل ، و تحيط به ، و حجارة تهطل مدومة فى الهواء ، تهدل بقوة على وجهه . يصرخ ، يأتيه حجر فحجر فيختل توازنه . يفزع قائما ، و الدماء تتفجر أشجانا وضياعا .
صفوان بكوفيته يندفع دانيا من الجندي . كلما بغل أراد اختراق الدائرة ردته قذيفة جديدة إلى خلف . تهالك على الأرض ، محتميا بنفسه . تذكر بندقيته . لم تكن فى مكانها من كتفه . علت صرخاته . لم يعد بقادر على تمييز مصدر الحجارة . علت ذراع صفوان بفأسه ، هوى بها على جمجمة الصهيوني . تناثرت عظامها ، انفجرت سحب الدم تخضب المكان ، و تفرش كل فراغاته ، وتمتد مختلطة بمياه المجارى الراكدة .
14
لم أتمالك نفسي ، انطلقت صاعدا خشبة المسرح ، دنوت من الصبي ، حملته ، و شددت على ساعد الطالب الذى أدي دور الجندى . أستفسر عن اسم كاتب العمل .
عانقت المخرج مؤكدا فوزه بكأس الجمهورية .
و فى اليوم الأخير للمهرجان .
حان دور العرض
انقطعت الكهرباء .
بعد محاولات مضنية وفاشلة ، عدنا لنجد الصالة فارغة تماما .
علت صرخات المخرج . أصررت على تقديم العرض على ضوء الشموع . رفض المخرج / فما كان غير أبطاله و قاطم المساعدة و أنا
و سرعان ما أقبل السعاة و العمال ، يفضون الزينات ، و مكبرات الصوت ، و خيام الفراشة معلنين انتهاء المهرجان !
هامش :
- إننى لم أتوان عن نقل حقيقة العرض وروحه ؛ فالأشياء التى قد تجدها مجافية لقدرات المسرح كالدماء و اهتزازات الشجر و صعود مازن للسماء جسدتها الإضاءة و آلة عرض سينمائي بشكل خرافى لم يسبق له مثيل .
- تبينت أن الكهرباء كانت بصالة الأفراح الملاصقة للمسرح طول الوقت ودون انقطاع .
- تذكرت مشادة كلامية مع مدير المكان عندما رفعنا علم فلسطين المحتلة على ألأجناب ، وفى مواجهة الجمهور ، و رفضت إنزاله . كانت حجته أن هذا عمل سياسة و ليس فنا .
- أخيرا انتهى المهرجان الذى كان عرسا ، و لكن للضباع !!
1
عينت مشرفا من قبل الإدارة ،
حيث الاستعدادات لعمل مهرجان مسرحي على قدم و ساق
ورغم برمي ، بمثل هذه المهرجانات ، التى أفرغوها من
محتواها ، و أصبحت فقط لقمة عيش ، توزع فيها المنح
و المكافآت ببذخ ، إلا أنى كنت دائم التنقل ، و التواجد بصفة مستمرة ،
ومراقبة البروفات من المرحلة الأولى ، حتى الثانوية .
كثيرا ما أصابني الملل و الضيق لهزالة العروض ، و امكانات مخرجي التعليم ، الذين يأتون بهم ، لا أدري من أين .
بعد قليل وقت فقدت حماسي نهائيا ، و فى اليوم الذى قررت فيه التخلى عن هذه المهمة ، ضاربا بالمكافأة عرض الحائط ، استوقفني مشهد عجيب ، وديكور بسيط لكنه ملفت بشكل يستدعى الانتباه ، و هنا أرغمت على المتابعة !
2
فتحت الستارة بطيئا .. بطيئا
وترددت موسيقي متواترة ،
تتعانق فيها أصوات أجراس الكنائس و ترانيم المعابد
و المساجد .. لا صوت .. فقط موسيقي تتدفق
مع ظهور المشهد تخفت .. تخفت !
اندفع جندي مهرولا خلف صبي ، عبر ضاحية ممتدة ، وحمى شديدة تتنامى فى كيانه .
وبرغم آلية يحملها ، كانت معبأة ، وعلى استعداد تام للقنص ، إلا أنه رأى ذلك غير حسن ، و أصر على اللحاق بالصبي ، و الفتك به بطريقة مبتكرة ، مع الوضع فى الاعتبار ، أنه قد يكون هو نفسه صيدا لهؤلاء الثوار ، المنتشرين عبر الحارات و الميادين ، و أسطح المنازل .
3
كان والده ( بنيامين ) لا يفتأ يحكى ، عن مغامرات جده الأول ، عن بطولات مثيرة لا تنقطع ، إذ كان عضوا فى فرقة ثورية ، على حد زعمه ، قدمت الكثير للوطن المكتشف حديثا ، ويعود إليها الفضل فى إبادة قبيلة عن آخرها من الهنود ، و تشتيت أخرى .
حكي عن براعته فى الإيقاع بفريسته ، بنصب الفخاخ ، معلقة كانت أم غائرة بالأرض ، حيث كان ينزع فروة الرأس ، بعد العبث بجثة الضحية ، فإذا ما كانت حيوانا اكتفى بالذيل ، وعندما تفيض مخلاته أو خرجه ، يضعه فوق برذعة البغل ، و يطوى الفلاة لينال عن كل رأس خمسة دولارات ، وعن الذيل الواحد نصف دولار .. لكنه رأى ذلك غير كاف .. وغير حسن أيضا !!
4
أصاب الصبى الوهن ، ابتلت ثيابه بعرق غزير . كان جسده ينتفض ، ومصرانه تكركب فى فزع . صوت أنفاسه يتردد مختلطا ببكائه المرير .
هطلت الأمطار هذا الصباح ، ردغت البازلت وحلا زلقا . فاضت مجرى المصرف المنحدر عبر الجرف .
تمهل الصبي ملتقطا أنفاسا مجهدة ، اتكأ إلى جدار منبعج . عيناه تومضان وميضا غريبا ، بينما صاحب الرداء الزيتي يلاحقه ، وقهقهاته تمتد عبر دوامات البرك المنتشرة هنا و هناك ، وصوت والده بينامين يصك أذنيه :" رأى جدك مع زملائه ، أن هذا غير كاف ، و أن إرادة الله تقف دونهم ؛ فالأرض تنبت هنودا ، برغم نهر الدم المتدفق ، الذخيرة و الوقت لا يسمحان بهذا العمل البطىء . اتجهوا إلى نصب فخاخ جماعية ، ومن ثم دفن الضحايا أحياء ، لكن كبيرهم رأى ذلك غير حسن ، فأمرهم بالرحيل إلى الأرض الموعودة . الاستقرار بعد شتات طويل . بمجرد تسلله إليها اتسع نطاق عمله ، ثم مات آخر الأمر فى هجوم شنه الثوار أصحاب الأرض – على يد طفل فلسطيني لم يتعد الثانية عشرة – مخلفا وراءه ملايين الدولارات فى بنوك العالم ، وشركة للموز مع يانكي فى جواتيمالا بأمريكا اللاتينية .
5
ذهلت من غرابة ما أرى . نعم . هذا ما كان يدور دون زيادة أو نقصان
و بشكل ملك على كل جوارحي . أخاف من إخفاقى ، وعدم قدرتي على نقل الصورة الدائرة أمامي ، و التعليمات الحازمة التى يلقى بها مخرج العرض .
6
حاصر الجندى الصبي مازن ، فى مربعة نائية عن الطريق . كان يدور مذعورا . الأشجار على امتداد الأفق تتمايل بعنف كأن بها مسا من جن ، تلتمع على أوراقها الخضراء حبات المطر ، و صوت والده بنيامين يطارده ، يرن فى صالة العرض ، وطيفه يتشكل من بين غبار ممطر ، كجزار يطارد كباش عنيدة : أجمل اللحظات لدى جدك ساعة كان الصبية من فرط خوفهم وهلعهم يتبولون فى سراويلهم ، ويسمع لاصطكاك أسنانهم اللبنية نغمات أرغول ، و لتأتآتهم المنداة باللعاب لهاث ناى محموم يدغدغ أوصاله ".
7
كانت عينا مازن المذعورتان تومضان ، تحصيان البيوت و الأشجار و حبات المطر ، تسددان إلى السماء لظي تحرُّقهما ، باحثتين عن منفذ فى رحابتها . وكان سرواله مبتلا ، و الماء يتساقط فى حذائه .
اصطدمت قدماه بعلبة ( بلوبيف ) فارغة ، التقطها ، أدناها من شفتيه الجافتين ، همس فى فراغها ، رأى من خلالها دروب الحيل التى ابتكرها هو ورفاقه ، هناك عند استواء القمر فى ليالي الصيف الطازجة : صفوان .. هل تسمعني .. صفوان .. أترى لي منفذا ؟ ها أنا ذا فى مأزق ، داخل مصيدة دبرها صهيوني معتوه .. ادع الله .. قل .. إن هذا غير حسن ".
8
تسلط الإضاءة بتركيز شديد ، تتلاعب كأنها ترسم الكلمات على شفتي مازن ، جاعلة من رأسه بؤرة ارتكازها ، ثم تروح دائرة بحيث لا نرى فى الكادر إلا الصبي و رفاقه فى الحارة .
لطالما اتصل برفاقه من الصبيان ، من خلال علبة صفيح كهذه ، مع الفارق ؛ فالعلب يتصل بعضها البعض بخيط رفيع ، يقصر أو يطول حسب المسافة بينهم ، أما ( حنان ) ابنة الجيران ، خاطبها دون خيط ، وقد أقسمت أنها سمعته ، وحددت مكانه تماما عندما كانت فى غزة فى زيارة لخالها ( غسان ) .
9
احتدم الغضب . خطا الجندى بإصرار صوب مازن .
راحت الإضاءة بتمكن تسلط على وجه الجندي ، تضخم من حالة الرعب و الغضب ، ثم استكملت دورانها شاملة خشبة المسرح بالكامل حيث المنطقة النائية و برك المطر ، و الجرف .
فجأة تخلع الشمس عن وجهها خمار الغيوم ، تسوط البيوت و الكائنات بلهيبها الحارق . مازن يتابع الشعاع الساقط عليه ، كلما حرك العلبة أصدرت حزمة قوية من خيوط ، انعكست على وجه االصهيوني ، الذى اغتاظ تماما ، وتهيج كثور ، فرفع ذراعه أمام وجه المباغت ، و صوت يجلده :" تلك الرائحة الكريهة ، ظلت تلازم جدك كقصاب جسور ، النشوة تستخف به ، عندما يداهم الصبية ، و النساء الهنديات ، أن إحساسا ما بالتفوق ، ظل يحلق به ، عبر سموات الرب ، لم يخطىء هدفه مرة ، كل من شاركوه لا يختلفون فى أمر ضحيته ، فرصاصته إما فى العنق ، و إما فى الجانب الأيسر من البطن ، وكلها من خلف .. لكن الرب رأى ذلك غير حسن ، فتخلى عنه قرب مدينة خان يونس حيث كانت نهايته .
10
توترت أعصابي تماما ، أحسست بقشعريرة تطوى جسدي . تركيز المخرج ، وهو يحاصر أبطاله بالأوراق شديد ، و صوته رهيب ، كقائد فى ميدان قتال ، يحمل الفزع و الخوف إلى الضمائر .
كان مازن مايزال يحرك العلبة بسرعة عجيبة .. أعلى و أسفل ضاحكا ، برغم ما ينتابه . اشتط الجندى ، تحت تأثير اللعبة ، دبدب ، ضيق حول مازن الخناق ، تقدم :" فيتقدم جدك مطيحا برأس الصبي الأعزل ، يسحب سرواله ، وهو يضحك كشيطان آبق ، وبسخرية و عته يردد : ماذا لو قطعنا هذه الأشياء .. ألا يكون من الأنسب أن تموت ملاكا ؟".
11
التقط مازن حجرا ، فورا كانت اليد المرتعشة ، تداعب وجه الصهيوني بحجرها .
قهقه الجندى عاليا . التقط مازن حجرا آخر ، قذفه .
تجهم وجه الصهيوني ، انقض عليه . التقط حجرا ثالثا ، قذفه بقوة . صرخ الجندى . علت عقيرته :" هذا غير حسن ". أطبق على مازن بغل ، وبمؤخرة البندقية أطاح برأسه . هوى الصبي ، وصدى صرخته يدوى فى الجرف القريب .
يدوى فى أسماعنا ، فتتزلزل أجسادنا و تختلج عرقا و صراخا مكتوما .
فرفر جسد مازن كذبيحة . كلما حاول الاعتدال ، انهار قبل أن يكمل . الحجر حجر ، و إن كان وهما فى قدور الحساء . لملم مازن جسده محاولا الوقوف و الزحف ، عاجلته الضربة الثانية . هوى على الأرض كدودة ممزقة ، تلوى منسحقا فى دائرته الضيقة . اللعاب يبلل الحصى مختلطا بدمائه التى انبجست غزيرة . استدعى بنصف وعى كل أولاد الحارة .. الموتي و الأحياء و المواليد .
حُركت الإضاءة بتألق ، أظهرت الأولاد كطيوف الأحلام . راحت تستعرض جزءً ا من حياة مازن ، حين كان وليدا ثم صبيا فى الحارة .
صرخ بصوت ما تعدى جوفه ، على أمه .. على أبيه .. أخيه صفوان .. رفاقه :" بالأمس قتلوا جاسم الرشيد ، وحطموا ذراع عمر ياسر اليمني ، و ثقبوا خصية مروان مازن . قالت أمى : إنهم سوف يخلصونه من خصيته ، إنه أصبح كذكر التوت ، بلا ثمرة !
12
قهقه الصهيوني ، و مازن يصطدم بالأرض .
عاد صوت بنيامن قويا مدويا :" و بنصل سكينه يفصل الأعضاء ، و يأتي على الذراع اليمنى فيحطمها كثمرة الخيار ".
امتدت يد الجندى بسكين حاد ، حط بجسده أرضا . الرعب ينهش قلب الصغير الذى تكشفت أمامه فى هذه اللحظة غيوم الرؤى . رأى صفوان داخلا خيمته ، وبيده فأسه ، على ملابسه آثار تعب و غضب ، و فى حرملته حمل من حطب . رآه يبحث عنه ، سائلا والدته ، يستدير إلى الصغار . نادى مازن بألم أحنق الصهيوني : صفوان .. أيها الحجر الصوان .. إننى هنا ، أسمع و أري ، فى محيط دائرة . اقصص خطاى .. اسرع . صفوان أمامه يحاول تحديد مصدر الصوت . يهرول هنا و هناك ز اعقا :" أين أنت .. أين .. أنت فى هذه الجهة .. بل أنت هنا .. أنت قريب من الجرف .. نعم أنت قريب ". انقطعت الصورة !
13
امتطي الجندى صدر الصغير ، و بسكينه يقترب من أعضائه الحساسة . تصاعد مازن طائرا كغلالة شفافة ، بجناحين ، يهدل ، ينفرط غلمانا كثيرين كملائكة تسعى ، وموسيقي رقراقة تنبعث مشيعة إياه كرقرقة النشيج فى الصدر ،، بين دهشة الجندي ، ومتابعته . تسلط عليه خوف مؤلم ، عيناه تفرزان المكان ، وقدماه تستعدان للتحليق ؛ لأول مرة يدرك كم أوغل ، و أن مجموعته بعيدة . دار حول نفسه ، وعنكبوتة الخوف تنسج على صدره خيوطا سميكة . انسحب ، وكلما تراجع ، دار ثانية تجاه الناحية الأولى ، ودائرة من الأطفال تتشكل ، و تحيط به ، و حجارة تهطل مدومة فى الهواء ، تهدل بقوة على وجهه . يصرخ ، يأتيه حجر فحجر فيختل توازنه . يفزع قائما ، و الدماء تتفجر أشجانا وضياعا .
صفوان بكوفيته يندفع دانيا من الجندي . كلما بغل أراد اختراق الدائرة ردته قذيفة جديدة إلى خلف . تهالك على الأرض ، محتميا بنفسه . تذكر بندقيته . لم تكن فى مكانها من كتفه . علت صرخاته . لم يعد بقادر على تمييز مصدر الحجارة . علت ذراع صفوان بفأسه ، هوى بها على جمجمة الصهيوني . تناثرت عظامها ، انفجرت سحب الدم تخضب المكان ، و تفرش كل فراغاته ، وتمتد مختلطة بمياه المجارى الراكدة .
14
لم أتمالك نفسي ، انطلقت صاعدا خشبة المسرح ، دنوت من الصبي ، حملته ، و شددت على ساعد الطالب الذى أدي دور الجندى . أستفسر عن اسم كاتب العمل .
عانقت المخرج مؤكدا فوزه بكأس الجمهورية .
و فى اليوم الأخير للمهرجان .
حان دور العرض
انقطعت الكهرباء .
بعد محاولات مضنية وفاشلة ، عدنا لنجد الصالة فارغة تماما .
علت صرخات المخرج . أصررت على تقديم العرض على ضوء الشموع . رفض المخرج / فما كان غير أبطاله و قاطم المساعدة و أنا
و سرعان ما أقبل السعاة و العمال ، يفضون الزينات ، و مكبرات الصوت ، و خيام الفراشة معلنين انتهاء المهرجان !
هامش :
- إننى لم أتوان عن نقل حقيقة العرض وروحه ؛ فالأشياء التى قد تجدها مجافية لقدرات المسرح كالدماء و اهتزازات الشجر و صعود مازن للسماء جسدتها الإضاءة و آلة عرض سينمائي بشكل خرافى لم يسبق له مثيل .
- تبينت أن الكهرباء كانت بصالة الأفراح الملاصقة للمسرح طول الوقت ودون انقطاع .
- تذكرت مشادة كلامية مع مدير المكان عندما رفعنا علم فلسطين المحتلة على ألأجناب ، وفى مواجهة الجمهور ، و رفضت إنزاله . كانت حجته أن هذا عمل سياسة و ليس فنا .
- أخيرا انتهى المهرجان الذى كان عرسا ، و لكن للضباع !!
تعليق