في الحـلقـات السـابـقـة كـانـت سـرد للأحـداث التـي مـرت بـهـا الـقـضـيـة الـفـلسـطـيـنـه, كالثـورة الـعـربيـة وطـرد الاتـراك وما تـرتـب عـنه مـن تـقسـيم الدول العـربـية وأحـتـلال فـلسـطـيـن ليليه وعـد بـلفـور الـمـشـؤوم وتصـبـح بـريـطـانـيـا مـن دولـة مـحـتـلة الى وصـيـة لتـفـتـح بـاب الـهـجـره لليـهـود مـمـا نـتـج عـنـه أنـتـزاع أكثـر مـن نـصـف أرض فلسطـيـن مـن أصـحـابـهـا مـن قـبـل دول أستعـمـاريـة أطـلقـت على نـفسـهـا هـيئـة أمـم لأهـداء الأرض للـصـهـايـنـة ومـهـاجـريـن جـدد رغـم مـعـارضـة أصـحـابـهـا.
ثـم تـطـرقنـا الى دخـول الجـيـوش الـعـربيـة بـعـد قـيـام الـدولـة الصـهـيـونـيـه ومـهـزلـة تـوقـيـع أتـفـاقـيـة الـهـدنـه عـام 1949 م وأنـسـحـاب الـجـيـوش الـعـربيـه مباشـرة مـمـا تـسـبب في أحـتـلال نـصـف مـا تـبقى للفـلسـطـيـنـيـيـن.
أمـا الـحـلقـة المـاضـيـه فـقـد تـطـرقـنـا الى رحـيـل عـائـلـه فـلسـطـيـنـيـه كـنـمـوذج لـمـا أصـاب الشـعـب الـفـلسـطـيـنـي جـراء قـيـام دولـة الـعـصـابات الصـهـيـونـيـة.
فـي هـذه الـحـلقـة مـتـابـعـة لـلأحـداث التـي جـرت أثـنـاء مـحـاولـة الـعـائـلـة الأبـتـعـاد عـن مـنـطـقـة الـخـطـر ظـنـا مـنـهـا ستـعـود بـعـد أيـام قـليـة.
أتـابـع هـنـا الحـديـث الـذي كـنـت أسـمـعـه في الصـغـر مـن الـوالـديـن والـجـدة رحـمـهـم الله والـمـعـانـات التي لاقـوهـا بـعـد أن ضـربـت الشاحنة وأشـتـعـلـت ليـواصلوا السـيـر على الأقـدام بعـشـرات الاطـفـال أصـغـرهـم لـم يـتـجـاوز الشـهـر وأكـبـرهـم الـعـشـرة سـنـيـن ثـم الجـدة الـمـاضـيـة في عـقـدهـا السـابـع. لـقـد كـانت رحـله عـذاب بـكـل مـا تـحـمـلـه هـذه الـكـلمـه.
كـمـى قـيـل بأن أخي الصـغـير أخــرالـعـنـقـود, كـاد أن يدفـن مـرتـيـن حيا, ولـكـن مشـيئة السمـاء وتدخل الـقـدر وتثـبـتـه في الـحيـاه كـان يـنـقــذ حـياتـه في أخـر لـحـظـه.
لـقـد أنـهـك المـرض الـكبـار قـبل الـصـغار بسـبـب الجـوع والـعـطـش والـتـعـب, وعـدم وجـود شـيئ لسـد الـرمـق وكـان الـصـغـار يلـهـون أحـيـانـا مـع الـمـطـر بـفـتـح أفـواهـهـم لأطـفـاء الـظـمـئ رافـعـيـن وجـوهـهـم الى السـماء لـغـسـلـهـا مـن الأوحـال التي غـطـت الـوجـوه وأصـبـحـت مـشـابـهـه لـطـين الأرض التي يـدوسـون عـلـيـهـا وفـي نـفـس الـوقـت كـان البـعـض يصرخ مـن الجـوع والـكـبار تـتـلوى أمـعـائهـم ولـم يـنـفع شـد الحـزام.
يحـدثـنـا الـوالـد فـيـقـول: كــنـا نـقـضي الـنـهـار مخـتـبـئـين تحت الأشـجـار مـنتظـريـن حـلول الـظـلام لـمـتـابـعـة الـمـسيـر محـاولين قـتل الـوقت بالأستلـقـاء على الـوحـل مـلـتحـفـين الأرض وغـطـائـنـا الـسـمـاء الـتي كـانـت تـشـهـد عـلى الأحـوال الـتي وصـلـنـا اليــهـا بـعـد الـنـعـيــم الـذي كـنـا نحـياه ولـولـى تـدخـل الـقـدر الذي رعـانـا مـن أذى أبـنـاء صـهـيون الـذين كـانـوا يطـلـقـون الـنـارعـلى كـل شـيئ يـصـادفـونـه فـي طـريـقـم بـلا رحـمـة.
في هذه الأثناء كانت حالة أخي الصغـيـر تـزداد سـوءا يـوم بعـد يـوم. ولم تستطع الوالـده أرضاعـه لأن الخوف وقـلة الطعـام كان سببا في أن جـف الـحـليـب في صدرها فـلم تـجـد سـوى ورق الشجـر تـمـضـغـه وتـقـدمـه طـعـامـا لـطـفـل رضـيـع لـم يـتـجـاوز عـمـره شـهـور الى أن تـدهـورت حـالـتـه الصـحـيه لـيـقـطـع الـنـفـس ويفـقـد الــوعـي.
بـعـد أن أجـمـعـوا على أنـه فـارق الـحـياة, قـام والـدي وأخـوانـه بـحـفـر حـفـره بـأيـدهـم الـعـاريـه وبـعـد أن صـلوا عـلــيه وضـع فـي الـحـفـره وقـبل أن يـهـيـلوا عـليـه كـومـة الـطـين, لاحـظ والـدي أن تـقـاطـيع وجـهـه تــغـيـرت وكـأنـه يـريـد أن يـبـتـسـم. أخـذ والـدي يـنـظـر الـيه في دهـشـة مـن أمـره وأشـار الى أخـوانـه أن يـتـوقـفـوا, ثـم الـتـقـطـه مـن الـحـفـره وأخـذه الى صـدره وهـو يـفـرك جـسـمـه الذي كـان قـد أصـبـح قـطـعـة مـن الـثـلج, ثـم تـنـاولـته الـوالـده والـتي كـانت دمـوعـهـا مـا تـزال تـنـهـمـر وتـغــطـي وجـهـهـا السـمـح.
حـل المـساء وأظـلـمت الـدنـيا فـي وجـوههـم أكـثـر مـن ظـلامـهـا أثـنـاء اللـيـل وحـل السكـون وتـوقـفـت أغـصـان الأشـجـار عـن مـداعـبة الـرياح وبـدأت رحـلة الـعـذاب التي لـم تـنتـهي بـعـد.
تـقـول الـوالـدة: بـعـد أكـثـر مـن أسـبـوعـيـن مـن هـذا الـعـذاب وصـلـنـا الى مـشارف قـطـاع غـزه ومـع ذلـك كـانوا يـعـدون الخـطـى بـكـل حـظـر. ومـا أن طـلع الصـباح وأخـذوا مـكـان فـي زاويـة مـن الـبـيارة التي وصـلـنـا أليـهـا والـقــى كـل واحـد بـنـفـسـه عـلى الـوحـل للـراحـه كـانت حـالة أخي قـد وصلـت الى مـنـعـطـف إلا عـوده.
هـنـا بـحـث الـوالـد عـلى مــكـان تـحـت أحـدى الأشـجــار وأخـذ يـنـحـت فـي جـذع الـشـجـره لـيضـع عـلـيـهـا عـلامـة مـمـيزه, يـسـتطـيع الـتـعـرف عـلـيها مرة أخـرى وذلك كما قـال حـتى أسـتطـيع أن أنـقـله الى مـكـان يـلـيق بأصـحـاب الأخـره.
بـعـد أن فـرغ والـدي مـن نقـش أسـم أخـي عـلى جـذع الـشـجـره وأخـوانـه مـن الـحـفــر, حـاول أن يـقـنـع الـوالـده بـأن تـتـخـلى عـن طـفـلهـا الـتي أتـتـه الـمنـيـه ولا حـول ولا قـوة ألا بالله. لـكـنـهـا كـانـت تـرفـض وتـضـمـه الى صـدرهـا بـكـل حـنـان ودمـوعـهـا تـنـهـال عـلى جـسـده مـثـل زخـات المـطـر وشـعـرهـا قـد غـطـى جـسـمـه الـصـغـيـر وهـو مسـجـى بـين ذراعـيـهـا مـنذ يـومـين بلا حـراك. حـتى قـطـرات الـمـاء التي كانت تـعتصـرهـا مـن غـطـاء الـرأس لـتـبل بـهـا فـمـه لـم يـلتـقـطـهـا وبـعـد جـهـد أقـتـنـعـت وأسـلـمـت أمـرهــا الى الله الـعلي الـعـظـيم والـقـادر على كـل شـيئ.
أخـذت تـنـظـف وجـهـه وتـمـسح يـداه مـن الـوحـل الـذي ألـتـصـقـت عـلـيـهـا بـغـطـاء رأسـهـا الـمبـلل, ثـم تـلـفـه بـه وتـقـرأ عـلـيـه الـفاتـحـه.
أخـذه الـوالـد بـيــن ذراعـيه والـدمع يـقـطـر مـن عـينـيه, ثـم قـبـلـه قـبله الـوداع الأخـيره وصـلي عـلـيه للـمـرة الـثـانـيـه ثـم التـقـطـه عـن الأرض وسـار بــه الى الحـفـرة التى أعـدة لـه تـحـت شـجـرة الــبـرتـقـال والـجـمع مـن خـلـفـه يـعــد الـخـطـوات.
قـبل أن يــوضـعـه فـي الـحـفـره تـقــدم أخـواني وأخـواتي الـكـبار لألقـاء نـظـره عـلى الـجـسـد الـمـسـجـى ومـنهـم مـن أخـذه بـين ذراعـيه يقـبـلـه قـبـلة الـوداع الأخـيره.
أخـيرا الـتـقـطـه الـوالـده وكـشـفـت عـن وجـهـه وأخـذت تـقـبـله وتـضـمـه الى صـدرهـا الـذى أبـى أن يـقـدم لـه الـرضـعـة الأخـيـره. وفـي أثـنـاء مـحـاولـتهـا وضـعـه بـين ذراعـي الـوالـد لاحـظـت وكأنـه يـحـاول بـكـل مـا تـبـقى له مـن قـوى خـائـره أن يـفـتـح عـينـه لـتـغـيـر تقـاطـيع وجـهـه.
لـم تـصـدق عـيـنـيهـا وأخـذت تـنـظـرالـيـه بـكـل دهـشـه ثـم أخـذت تـنـفـخ فـي وجـهـه وتـلـصـق وجـنـتـيـهـا بـكـل حـنـان الى خـديـه والـدمـع يـنـهـمـر مـن الـعـيـون الـنـاعـسـه والـكـل يـنـظـر اليـهـا مـنـدهـش ومـنـهم مـن يـقـول لـهـا وحـدي الله يـا زيـنـب, لا مـفـر مـن قضـاء الله.
تـقــول الـوالـده كـنت مـتأكـده بـان الله سـوف يأخـذ بـيده ويـعـيده ألـي لـيـعـيش بـأذنـه تـعـالى. وفـعـلا حـاول ان يـفـتح عـينـيه الـصـغـيرتــين ولـكـنه لـم يـسـتطـع وهـنـا تـأكـد الـوالـد بـأنـه مـا زال حـي يـرزق, عـلـمـا بـأن عـمـي كـان يـصـرعـلى دفـنـه, حـيـث كـان يـقـول, بـأنـه مـات وكـفى الـتـثـبـت بـالـوهـم ولـكـن قـلـب الأم رفـض الـتـخـلي عـن صـغـيـرهـا ورفـضت أن تـسـلـمهـم أيـاه وتـدخـل الـوالـد, ليـقـول, سـبـحـان الله ولا أعـتـراض عـلى حـكـمـه, لا يـريـده أن يـدفــن بـهـذه الـطـريـقـه وهـا هـو يعـطـينـا أشـارة بـأنـه مـا زال حـي يـرزق. دفـنـه الأن يـعـتـبر قـتـل, ونـحـن لـسـنـا فـي الـجـاهـلـيه ولـسـنـا مـمـن يـغـضـبون الله. أبـقـوا هـنـا حـتـى تـغـيـب الشـمـس وأنـا سـوف أحـاول بـأيـة وسـيـله الـوصـول الى غـزه لمـعـالجـتـه.
هـنـا أعـترض أعـمـامي عـلى تـركـه الـتـوجـه وحـده والـشـمـس مـا زالـت تـضيئ الأرض والـخـطـر قـائـم بـأن يـعـتـرضـه الصـهـايـنـة ويـقـتـلـونـه. ولـكـن والـدي كــان مـصـمم عـلى ذلـك وفـعـلا واصـلـوا السـيـرووصـلـلـوا الى مـشـارف غـزه منـهـكـين مـن الـتعــب والـجـوع وأخـذ والـدي يبـحـث عـن مـصـحـه والأعـمـام عـن شـيـئ لـسـد رمـق الأطـفـال ثـم عـن مـكـان للأسـتـراحـة مـن عـنـاء الـطـريق.
ذهـب الـوالـد الى المـصـحـه ورافـقـتـه الـوالـده الـتي كانــت عـلى طـول الـطـريـق تـفـرك صـدر أخـي وأطـرافـه حـتى يتحـرك الـدم في عـروقه.
فـي الـمـصـحـه وبـعـد أن تـم الـكـشف عـليـه قـال لـهـم الطـبـيب بأن الأعـمـار بـيد الله, وأذا مـضى يـوم أو يـومـيـن ولـم تـسيـئ حـالـته, فـهـذا يعـنـي بـأنـه كـتـب لـه عـمـر جـديـد.
أنـقـضى أليوم وتـلاه أيـام وكـان أخـي مـا زال يـعـانـي مـن ضـعـف شـديـد ولـكـنـه كـان يـتـقـبل بـعـضـا مـن الـحـليـب. والـحـمد لله لـم يـمـر أسـبوعـان حـتى أسـترد بـعـض مـن عـافـيـته والـوالده مـع الـوقت الى حـلـيـب صـدرهــا لـتـرضـعـه ويـعـود أخي الى قـواه ويصـبح رجـل وهذا بـرعـاية الله ومـشـيـئـته.
شـكـرا على أهـتـمـامـكـم, لـعـلنـا نتـواصـل في الأسـابيـع المـقـبـلـة للمـتـابـعـة.
أخـوكـم في الله والـوطـن
ثـم تـطـرقنـا الى دخـول الجـيـوش الـعـربيـة بـعـد قـيـام الـدولـة الصـهـيـونـيـه ومـهـزلـة تـوقـيـع أتـفـاقـيـة الـهـدنـه عـام 1949 م وأنـسـحـاب الـجـيـوش الـعـربيـه مباشـرة مـمـا تـسـبب في أحـتـلال نـصـف مـا تـبقى للفـلسـطـيـنـيـيـن.
أمـا الـحـلقـة المـاضـيـه فـقـد تـطـرقـنـا الى رحـيـل عـائـلـه فـلسـطـيـنـيـه كـنـمـوذج لـمـا أصـاب الشـعـب الـفـلسـطـيـنـي جـراء قـيـام دولـة الـعـصـابات الصـهـيـونـيـة.
فـي هـذه الـحـلقـة مـتـابـعـة لـلأحـداث التـي جـرت أثـنـاء مـحـاولـة الـعـائـلـة الأبـتـعـاد عـن مـنـطـقـة الـخـطـر ظـنـا مـنـهـا ستـعـود بـعـد أيـام قـليـة.
أتـابـع هـنـا الحـديـث الـذي كـنـت أسـمـعـه في الصـغـر مـن الـوالـديـن والـجـدة رحـمـهـم الله والـمـعـانـات التي لاقـوهـا بـعـد أن ضـربـت الشاحنة وأشـتـعـلـت ليـواصلوا السـيـر على الأقـدام بعـشـرات الاطـفـال أصـغـرهـم لـم يـتـجـاوز الشـهـر وأكـبـرهـم الـعـشـرة سـنـيـن ثـم الجـدة الـمـاضـيـة في عـقـدهـا السـابـع. لـقـد كـانت رحـله عـذاب بـكـل مـا تـحـمـلـه هـذه الـكـلمـه.
كـمـى قـيـل بأن أخي الصـغـير أخــرالـعـنـقـود, كـاد أن يدفـن مـرتـيـن حيا, ولـكـن مشـيئة السمـاء وتدخل الـقـدر وتثـبـتـه في الـحيـاه كـان يـنـقــذ حـياتـه في أخـر لـحـظـه.
لـقـد أنـهـك المـرض الـكبـار قـبل الـصـغار بسـبـب الجـوع والـعـطـش والـتـعـب, وعـدم وجـود شـيئ لسـد الـرمـق وكـان الـصـغـار يلـهـون أحـيـانـا مـع الـمـطـر بـفـتـح أفـواهـهـم لأطـفـاء الـظـمـئ رافـعـيـن وجـوهـهـم الى السـماء لـغـسـلـهـا مـن الأوحـال التي غـطـت الـوجـوه وأصـبـحـت مـشـابـهـه لـطـين الأرض التي يـدوسـون عـلـيـهـا وفـي نـفـس الـوقـت كـان البـعـض يصرخ مـن الجـوع والـكـبار تـتـلوى أمـعـائهـم ولـم يـنـفع شـد الحـزام.
يحـدثـنـا الـوالـد فـيـقـول: كــنـا نـقـضي الـنـهـار مخـتـبـئـين تحت الأشـجـار مـنتظـريـن حـلول الـظـلام لـمـتـابـعـة الـمـسيـر محـاولين قـتل الـوقت بالأستلـقـاء على الـوحـل مـلـتحـفـين الأرض وغـطـائـنـا الـسـمـاء الـتي كـانـت تـشـهـد عـلى الأحـوال الـتي وصـلـنـا اليــهـا بـعـد الـنـعـيــم الـذي كـنـا نحـياه ولـولـى تـدخـل الـقـدر الذي رعـانـا مـن أذى أبـنـاء صـهـيون الـذين كـانـوا يطـلـقـون الـنـارعـلى كـل شـيئ يـصـادفـونـه فـي طـريـقـم بـلا رحـمـة.
في هذه الأثناء كانت حالة أخي الصغـيـر تـزداد سـوءا يـوم بعـد يـوم. ولم تستطع الوالـده أرضاعـه لأن الخوف وقـلة الطعـام كان سببا في أن جـف الـحـليـب في صدرها فـلم تـجـد سـوى ورق الشجـر تـمـضـغـه وتـقـدمـه طـعـامـا لـطـفـل رضـيـع لـم يـتـجـاوز عـمـره شـهـور الى أن تـدهـورت حـالـتـه الصـحـيه لـيـقـطـع الـنـفـس ويفـقـد الــوعـي.
بـعـد أن أجـمـعـوا على أنـه فـارق الـحـياة, قـام والـدي وأخـوانـه بـحـفـر حـفـره بـأيـدهـم الـعـاريـه وبـعـد أن صـلوا عـلــيه وضـع فـي الـحـفـره وقـبل أن يـهـيـلوا عـليـه كـومـة الـطـين, لاحـظ والـدي أن تـقـاطـيع وجـهـه تــغـيـرت وكـأنـه يـريـد أن يـبـتـسـم. أخـذ والـدي يـنـظـر الـيه في دهـشـة مـن أمـره وأشـار الى أخـوانـه أن يـتـوقـفـوا, ثـم الـتـقـطـه مـن الـحـفـره وأخـذه الى صـدره وهـو يـفـرك جـسـمـه الذي كـان قـد أصـبـح قـطـعـة مـن الـثـلج, ثـم تـنـاولـته الـوالـده والـتي كـانت دمـوعـهـا مـا تـزال تـنـهـمـر وتـغــطـي وجـهـهـا السـمـح.
حـل المـساء وأظـلـمت الـدنـيا فـي وجـوههـم أكـثـر مـن ظـلامـهـا أثـنـاء اللـيـل وحـل السكـون وتـوقـفـت أغـصـان الأشـجـار عـن مـداعـبة الـرياح وبـدأت رحـلة الـعـذاب التي لـم تـنتـهي بـعـد.
تـقـول الـوالـدة: بـعـد أكـثـر مـن أسـبـوعـيـن مـن هـذا الـعـذاب وصـلـنـا الى مـشارف قـطـاع غـزه ومـع ذلـك كـانوا يـعـدون الخـطـى بـكـل حـظـر. ومـا أن طـلع الصـباح وأخـذوا مـكـان فـي زاويـة مـن الـبـيارة التي وصـلـنـا أليـهـا والـقــى كـل واحـد بـنـفـسـه عـلى الـوحـل للـراحـه كـانت حـالة أخي قـد وصلـت الى مـنـعـطـف إلا عـوده.
هـنـا بـحـث الـوالـد عـلى مــكـان تـحـت أحـدى الأشـجــار وأخـذ يـنـحـت فـي جـذع الـشـجـره لـيضـع عـلـيـهـا عـلامـة مـمـيزه, يـسـتطـيع الـتـعـرف عـلـيها مرة أخـرى وذلك كما قـال حـتى أسـتطـيع أن أنـقـله الى مـكـان يـلـيق بأصـحـاب الأخـره.
بـعـد أن فـرغ والـدي مـن نقـش أسـم أخـي عـلى جـذع الـشـجـره وأخـوانـه مـن الـحـفــر, حـاول أن يـقـنـع الـوالـده بـأن تـتـخـلى عـن طـفـلهـا الـتي أتـتـه الـمنـيـه ولا حـول ولا قـوة ألا بالله. لـكـنـهـا كـانـت تـرفـض وتـضـمـه الى صـدرهـا بـكـل حـنـان ودمـوعـهـا تـنـهـال عـلى جـسـده مـثـل زخـات المـطـر وشـعـرهـا قـد غـطـى جـسـمـه الـصـغـيـر وهـو مسـجـى بـين ذراعـيـهـا مـنذ يـومـين بلا حـراك. حـتى قـطـرات الـمـاء التي كانت تـعتصـرهـا مـن غـطـاء الـرأس لـتـبل بـهـا فـمـه لـم يـلتـقـطـهـا وبـعـد جـهـد أقـتـنـعـت وأسـلـمـت أمـرهــا الى الله الـعلي الـعـظـيم والـقـادر على كـل شـيئ.
أخـذت تـنـظـف وجـهـه وتـمـسح يـداه مـن الـوحـل الـذي ألـتـصـقـت عـلـيـهـا بـغـطـاء رأسـهـا الـمبـلل, ثـم تـلـفـه بـه وتـقـرأ عـلـيـه الـفاتـحـه.
أخـذه الـوالـد بـيــن ذراعـيه والـدمع يـقـطـر مـن عـينـيه, ثـم قـبـلـه قـبله الـوداع الأخـيره وصـلي عـلـيه للـمـرة الـثـانـيـه ثـم التـقـطـه عـن الأرض وسـار بــه الى الحـفـرة التى أعـدة لـه تـحـت شـجـرة الــبـرتـقـال والـجـمع مـن خـلـفـه يـعــد الـخـطـوات.
قـبل أن يــوضـعـه فـي الـحـفـره تـقــدم أخـواني وأخـواتي الـكـبار لألقـاء نـظـره عـلى الـجـسـد الـمـسـجـى ومـنهـم مـن أخـذه بـين ذراعـيه يقـبـلـه قـبـلة الـوداع الأخـيره.
أخـيرا الـتـقـطـه الـوالـده وكـشـفـت عـن وجـهـه وأخـذت تـقـبـله وتـضـمـه الى صـدرهـا الـذى أبـى أن يـقـدم لـه الـرضـعـة الأخـيـره. وفـي أثـنـاء مـحـاولـتهـا وضـعـه بـين ذراعـي الـوالـد لاحـظـت وكأنـه يـحـاول بـكـل مـا تـبـقى له مـن قـوى خـائـره أن يـفـتـح عـينـه لـتـغـيـر تقـاطـيع وجـهـه.
لـم تـصـدق عـيـنـيهـا وأخـذت تـنـظـرالـيـه بـكـل دهـشـه ثـم أخـذت تـنـفـخ فـي وجـهـه وتـلـصـق وجـنـتـيـهـا بـكـل حـنـان الى خـديـه والـدمـع يـنـهـمـر مـن الـعـيـون الـنـاعـسـه والـكـل يـنـظـر اليـهـا مـنـدهـش ومـنـهم مـن يـقـول لـهـا وحـدي الله يـا زيـنـب, لا مـفـر مـن قضـاء الله.
تـقــول الـوالـده كـنت مـتأكـده بـان الله سـوف يأخـذ بـيده ويـعـيده ألـي لـيـعـيش بـأذنـه تـعـالى. وفـعـلا حـاول ان يـفـتح عـينـيه الـصـغـيرتــين ولـكـنه لـم يـسـتطـع وهـنـا تـأكـد الـوالـد بـأنـه مـا زال حـي يـرزق, عـلـمـا بـأن عـمـي كـان يـصـرعـلى دفـنـه, حـيـث كـان يـقـول, بـأنـه مـات وكـفى الـتـثـبـت بـالـوهـم ولـكـن قـلـب الأم رفـض الـتـخـلي عـن صـغـيـرهـا ورفـضت أن تـسـلـمهـم أيـاه وتـدخـل الـوالـد, ليـقـول, سـبـحـان الله ولا أعـتـراض عـلى حـكـمـه, لا يـريـده أن يـدفــن بـهـذه الـطـريـقـه وهـا هـو يعـطـينـا أشـارة بـأنـه مـا زال حـي يـرزق. دفـنـه الأن يـعـتـبر قـتـل, ونـحـن لـسـنـا فـي الـجـاهـلـيه ولـسـنـا مـمـن يـغـضـبون الله. أبـقـوا هـنـا حـتـى تـغـيـب الشـمـس وأنـا سـوف أحـاول بـأيـة وسـيـله الـوصـول الى غـزه لمـعـالجـتـه.
هـنـا أعـترض أعـمـامي عـلى تـركـه الـتـوجـه وحـده والـشـمـس مـا زالـت تـضيئ الأرض والـخـطـر قـائـم بـأن يـعـتـرضـه الصـهـايـنـة ويـقـتـلـونـه. ولـكـن والـدي كــان مـصـمم عـلى ذلـك وفـعـلا واصـلـوا السـيـرووصـلـلـوا الى مـشـارف غـزه منـهـكـين مـن الـتعــب والـجـوع وأخـذ والـدي يبـحـث عـن مـصـحـه والأعـمـام عـن شـيـئ لـسـد رمـق الأطـفـال ثـم عـن مـكـان للأسـتـراحـة مـن عـنـاء الـطـريق.
ذهـب الـوالـد الى المـصـحـه ورافـقـتـه الـوالـده الـتي كانــت عـلى طـول الـطـريـق تـفـرك صـدر أخـي وأطـرافـه حـتى يتحـرك الـدم في عـروقه.
فـي الـمـصـحـه وبـعـد أن تـم الـكـشف عـليـه قـال لـهـم الطـبـيب بأن الأعـمـار بـيد الله, وأذا مـضى يـوم أو يـومـيـن ولـم تـسيـئ حـالـته, فـهـذا يعـنـي بـأنـه كـتـب لـه عـمـر جـديـد.
أنـقـضى أليوم وتـلاه أيـام وكـان أخـي مـا زال يـعـانـي مـن ضـعـف شـديـد ولـكـنـه كـان يـتـقـبل بـعـضـا مـن الـحـليـب. والـحـمد لله لـم يـمـر أسـبوعـان حـتى أسـترد بـعـض مـن عـافـيـته والـوالده مـع الـوقت الى حـلـيـب صـدرهــا لـتـرضـعـه ويـعـود أخي الى قـواه ويصـبح رجـل وهذا بـرعـاية الله ومـشـيـئـته.
شـكـرا على أهـتـمـامـكـم, لـعـلنـا نتـواصـل في الأسـابيـع المـقـبـلـة للمـتـابـعـة.
أخـوكـم في الله والـوطـن
تعليق