خرســاء
انبجس الدم فغطّى الدرجات الثلاث أمام باب المضافة وجزءً من كتبي و أوراقي التي تناثرت من المصطبة إلى أسـفل الدرج كزينة ملونة تراقصها الريح ،في يوم عيد .
أخوتي الخمسـة كانوا هناك بانتظاري ، عبدالاله وحسـين وهلال وعدنان حتى الصغير اليافع هارون كان يقف معهم ذاهلاً مدهوشـاً ، أبي كان هناك أيضاً ، يقف أمام الباب نافخاً صدره كقيصرٍ يشـهد انتزاع الأسود لقلب أمرأةٍ مربوطة إلى وتد ٍفي وسـط سـاحة قصره ..
صاحت أمي من الداخل .. وَلوَلت .. كمّ أبي فاهها .. وصرخ بها : أن اسـكتي .. " إنه غســلٌ للعار .. ابنتك عابت يا رضية .. !!"
و كر شـريط ذاكرتي متسـارعاً ابحث عن ذلك العيب الذي جعل أمي تخرس خلف عباءة أبي .. عبثاً اسـتطعت اسـترجاعه ..
عينا أختي أميرة ذات السـنوات الخمس، تحجرتا في النافذة أمامي ، مازال طعم قبلتها الصباحية على شـفتي .. ممزوجاً برائحة الحليب الذي كان يملئ فمها .. تعلقت عيناي بعينيها .. حاولت اسـتصراخ بسـمة ٍصباحية على وجهي أردت أن أقول لها : " لا تجزعي " .. لكن النصل كان أسرع . تماهى الصراخ ..و بكاء أختي الصغيرة .. وصوت عبدالاله الذي مزق سـكينه الغروب .. فطارت القبرة التي كنت أراقبها قبل أن أصعد الدرجات الثلاث إلى الجمع المنتَظِر .
هدأت العاصفة حتى تلاشـى صوتها تماماً ... وساد صمت أعمى
غابت شـمس ذلك اليوم .. وحل ظلام لم اعرفه من قبل .
* * *
اليوم أقف في نفس المكان، على قرص الدرج ، كلهم ماتوا .. أبي وأمي وعبدالإله وحسـين وهلال وعدنان .. كلٌ مات على طريقته ، ودفن كما يحب . بقي هارون، ضمني إلى صدره وقال لي :
ـ سـيأتي يومٌ يا أميرة وتنطقين، ولو كلفني ذلك كل ما أملك ..
مسـكين هارون لم يكن يعلم أن أميرة خرسـت ومات قلبها وهي في الخامسـة من عمرها وإني أنا فقط التي تتكلم في داخلها ، دون نطق ، منذ اليوم الذي دقوا فيه الوتد في صدري.
نبيل حاتم/شباط 2006
من مجموعة ( لا ثلج في الشام)
تعليق