الباب الأخرـ قصة: تاج الدين الموسى
" سأبصق في وجهه "
هكذا قررت، و مضيت وراءه..
ربما كان هذا القرار، هو القرار الوحيد الذي اتخذه في حياتي، وأمضي لتنفيذه، في ثوان معدودة، دون دراسة، وتمحيص، و تقليب للأمر على كافة الأوجه، مثلما اعتدت مؤخراً.. أي أنني أعد للألف لا للعشرة قبل اتخاذ أي قرار، ذلك بعد قرارات كثيرة ارتجلتها في بداية حياتي، كانت في الخطأ تماماً، سببت لي كوارث لا حصر لها، وأوقعتني في حفر عميقة لم أخرج من بعضها إلى هذه اللحظة..
لا أعرف إن كنت نطقت قراري بصوت مسموع، أو قلته في قلبي، فأنا لم أنتبه لنفسي.. كنت وسط المدينة في جمع من الناس أمام أحد الأكشاك أتصفح عناوين الجرائد والمجلات، وكان يقابلني على مسافة متر واحد، يتصفح العناوين، مثلي..
مر نظري على وجهه مرور الكرام في البداية، ثم عدت إليه بفضل قوة جاذبة دفينة لأحملق فيه، وأسأل نفسي : أين رأيت هذا الوجه يا أبا الشباب ؟ .. أين ؟ .. أين ؟ .. ولمعت الذاكرة.. إنه هو.. هذه الملامح لا يمكن لمخلوق سواه أن يحملها.. هذه الملامح حفظتها عن ظهر قلب.. انحفرت في ذاكرتي حفراً.. هذا الوجه لا يمكن أن أنساه.. أنسى وجه أمي.. وجه حبيبتي.. وجهي.. لكني لا يمكن أن أنسى هذا الوجه أبداً..
لم ينتبه إلى تعلق بصري بوجهه.. حاسب عن جريدة، ومشى، فتركت الكشك، والعناوين، ولحقته.. وقبل أن أدركه لأبصق في وجهه، دخل مسجداً على أطراف السوق، وكان المؤذن يعلن عن موعد صلاة الظهر، فوقفت قرب الباب..
استبعدت أول الأمر أن يكون دخوله إلى المسجد من أجل الصلاة.. قلت قد يكون قاصداً دورات المياه لقضاء حاجة.. فمثل هذا الكائن لا يمكن لعبادة في الدنيا أن تنظفه.. حتى و لو قام الليل، و صام الدهر، و وزع أرزاقه صدقات على الفقراء، و اليتامى، وأبناء السبيل، أو عمّر بها معابد يذكر فيها اسم الله.. هذا بحسابي، أما بحساب حضرته تعالى، فلا يعلم أحد بالغيب سواه..
قلت أنتظر قرب باب المسجد، ولكن عندما تجاوز الانتظار الدقائق الخمس، أيقنت أنه دخل ليصلي، فقلت أنتظر عشر دقائق أخرى .. و ماذا ورائي كيلا أنتظر ؟ إن البصقة في وجهه أهم من أي عمل ينتظرني . تقدمت صوب باب الجامع و أسندت ظهري لعمود جانبه الأيمن ، و علقت نظري بفراغ الباب خوفاً من أن يخرج دون أن أراه..
قلت لنفسي: عندما سيظهر خارجاً ، سأمسك بمعصمه، و أقول له :تفضل معي !
لن أبصق في وجهه، قبل أن يعرفني، ويعترف بفعلته.. سأباغته .. سيمشي ورائي دونما اعتراض.. سأبتعد به عن باب المسجد.. عن مركز السوق.. عن الزحام وأصوات الباعة.. التفاهم معه وإقناعه بما أريد يحتاج إلى هدوء.. إلى مكان يخلو من الناس.. أأبصق في وجهه أمام خلق الله جميعاً ؟ لن أضع نفسي في موقف كهذا .. في موقف قد يؤدي إلى احتمالات مفتوحة.. سآخذه إلى مدخل عمارة، وهناك أنفذ ما قررته، بعد أن أعرّفه بنفسي، إذ لا معنى لبصقتي دون أن يعرف من أنا..
سأعطيه اسمي الثلاثي.. وقد أعطيه اسم أمي.. في التحقيق لم يكتفي باسمي الثلاثي و اسم أمي.. في التحقيق طلب أسماء أخوتي، وأخواتي، وأقربائي، أصدقائي، وجيراني.. استدعاهم واحداً، واحداً.. والأمر لم ينته عند السؤال و الجواب،أنا متأكد من هذه المسألة . لا يمكن أن يمر مخلوق من تحت يديه دون أن ينال نصيبه.. صحيح لم ينبس أي منهم بكلمة واحدة.. من يجرؤ ؟ الدرس محفوظ .. أنا نفسي لم أنبس.. ومن هو المستعد لفضح نفسه بنفسه ؟
هو لن يعرفني من أسمي الثلاثي، و الخماسي، و شجرة العائلة.. قد يقول في داخله :" ومن تكون يعني ؟ " سأهون عليه الأمر أكثر ليعرف.. سأقول له كنت المحقق في قضيتنا قبل اثني عشر عاماً.. وسأذكر له اسم المجموعة.. الرأس.. جماعة القيادة.. لكن كيف سيذكر واحداً مثلي و هو الذي حقق مع الآلاف ؟ عندئذ، ولأنني لست مستعداً لأن أبقى معه دهراً في الشارع، سأفجر قنبلتي في حضرته ..
ـ أنا من بصقت في وجهه يا سيد..
هنا لا أستطيع تخمين ردة فعله.. فشخصية كهذه تنطوي على مكونات ثعلبية.. سيحاول الخروج من الزاوية التي سأحشره فيها.. قد يقول لي :
ـ أنت غلطان يا أخ .. يخلق من الشبه أربعين..
إنكاره لن يفيده في شيء.. لكن قد لا يتعرف علي بالفعل، وما أدراني أن يكون قد بصق في وجه كل من حقق معه ؟ قد يكون البصاق جزءاً رئيسياً من برنامجه مع الموقوفين..
لماذا ل أضحك منه ؟ لا أسلبها عليه ؟ أعني: أفتح يدي، وأصيح :
ـ أهلاً وسهلاً بأخي أبي العز !
وأحضنه ، وأقبله من الخدين..
سيرد على العناق بعناق.. وعلى القبلة بقبلة.. وهنا يكون قد وقع دون أن يدري..
وإذا كان أزكى من كل ما أتوقع، و قال :
ـ أنا لست أبا العز أنا أبو عباس..
سيعذبني كثيراً قبل أن يتعرفني، و يعترف.. و قد لا يتعرف، و يعترف.. في هذه الحالة سيان عندي.. أنا مقتنع أنه هو، و انتهى الأمر..
ها هم يخرجون من الجامع.. علي أن أستعد.. أن أركز.. لن أدعه يفلت مني.. إذا أفلت مني هذه المرة، فقد لا أصادفه ثانية.. و تضيع الفرصة دون ثمن..
إنه هذا .. لا .. لا هذا، و لا ذاك .. إنه قريب الشبه بهما.. قد يكون الذي بعدهما.. وقد يكون آخر الخارجين.. أيصلي السنّة، و الفرض، و التراويح، و الوتر، في وقت واحد؟! لكننا لسنا في شهر رمضان، وهذه صلاة الظهر، و ليست صلاة العشاء..
لم يبق أحد في الجامع .. أيأخذ رقدة ؟ أي يكون نسي نفسه ونام في الجامع؟ لكن هذا مسجد و ليس فندقاً.. حتى لو نام فإنه سيستيقظ، و يخرج.. من جهتي سأنتظره لو وصل صلاة الظهر بالعصر بالمغرب بالعشاء.. حتى لو كان يسكن في الجامع.. فإنه سيخرج في النهاية.. لا محال..
أما إذا اعترف، فإنه سيخلق مبررات كثيرة ..
ـ يا أخي كنت موظفاً، وكنت أنفذ ما يطلب مني..
نفذ ما شئت.. دست علي رقبتي، وأريتني الموت، ثم كانت البصقة التي لم يكن لها أي مبرر.. و لماذا البصقة أصلاً بعد أن اعترفت قبل أن تنتهي الحفلة الأولى.. لم أكن أحتمل العذاب الجسدي، فاعترفت.. أنا، وبصراحة، لم أكن مثل أبطال الأفلام، و الروايات، لأصمد إلى النهاية دون أن أنبس.. هراء.. بطولات وهمية أنتجتها خيالات خصبة لفنانين، و كتاب.. الإنسان ليس حجراً ليصمد إلى النهاية.. إنه من لحم و دم..
قلت لك كل شيء منذ البداية.. منذ اليوم الأول، ودافعت عن موقفي.. و لماذا لا أعترف، أدافع، إذا كنت أعتقد أن ما أؤمن به صحيح ؟ لكنك لم تكتف بما اعترفت لك به.. بما كنت أعرفه.. أردتني أن أعترف بأشياء لا علاقة لي بها، ولا أعرف عنها شيئاً.. وعندما لم أعد أحتمل قلت لك :أكتب الذي تريده، لأوقع لك.. وإذا أردت أن أوقع لك على بياض، فأنا جاهز.. حتى لو طلبت مني أن أكون في جيش أبرهة الحبشي الذي قصد الكعبة قبل نحو أربعة عشر قرناً، فسأكون.. وكانت البصقة ..
لقد نسيت خلال السنوات التي مضت كل شيء، جرى لي عندكم، باستثناء البصقة.. اثنتا عشرة سنة مرت و هي تؤرقني، وتفسد علي حياتي.. في المنام أتحسسها.. في اليقظة .. لا أجرؤ على النظر في المرآة كيلا أرى أثرها.. كأنها قطعة نتنة علقت على وجهي، ولم تستطع كل منظفات العالم أن تزيلها.. سأقترب بوجهي منه.. سأريه..
ـ شُف بعينيك هذه الدائرة التي تغطي ثلاثة أرباع خدي الأيمن ؟
قد يبوس ذقني.. يبوس حذائي.. يعتذر.. يبكي.. يرجو..
ـ دخيل الله لا تؤاخذني.. كنت غلطاناً.. كنت مجنوناً.. مريضاً .. موظفاً .. آلة.. مخلوقاً يقاد برسن..
لن أقبل بأي مبرر.. حتى لو جاء من فوق، وهدد، فلن أغير موقفي..
ـ إذا كنت تعتقد أنني تقاعدت، وصرت كالمقطوع من شجرة، لم يعد لي أحد، فأنت غلطان.. أنا أستطيع أن أدفنك في سابع أرض، دون أن يحس بك أنس، أو جن..
ليهدد ما يهدد.. سأبصق في وجهه و ليخرب العالم بعدئذ.. لن أستطيع التخلص من هذا الخراء، العالق في وجهي, ما لم أبصق في وجهه..لأعد إلى السجن ثانية..لأعدم رمياً بالرصاص، أو على الخازوق، أو تحت عود المشنقة.. لا شيء يثنيني عن تنفيذ قراري..
قد يلعب الشيطان بعقله، ويدفعه لمعاركتي.. إن كان غبياً، فليعارك.. أنا، من جهتي، لا أحب العراك.. لكن عندما يفرض علي العراك فرضاً فيا مرحبا به..أنا لا أريد أكثر من ربع حقي.. سأبصق في وجهه، و أمشي، وكأن شيئاً لم يحدث.. أما إذا أحب أن يعارك، و هنا لا أنصحه بذلك.. لأن العراك لن يكون في صالحه، فأنا سأبطحه على الفور.. المنافسة، بيننا، معدومة.. واحد في الثلاثين من عمره، والآخر تجاوز الستين.. سأحترمه لسنه في البداية.. رغم كل ما جرى بيننا سأحترمه.. لن أمد يدي صوبه، ما لم يرفع يده أولاً.. طيب وإذا كان مسلحاً وأشهر مسدسه في وجهك يا ولد؟ سأنقض عليه، وأنزع المسدس من يده.. أنا لن أتراجع عن قراري حتى لو كان يمتطي برج دبابة..
سأبدأ الآن بتجميع البصقة.. سأمتص كل ذرة لعاب في جسدي، و أسحبها إلى فمي.. ستكون بصقة لائقة بمقامه.. ستغطي وجهه كاملاً..
لكن ماذا سيقول العباد إذا تعاركنا في عرض الشارع؟ ليقولوا ما يقال وما لا يقال.. القيل والقال ليسا في بالي.. ثم إن العراك في كل مكان، فلماذا لا نشارك ونضيف معركة أخرى؟ سنخلق فرجة للخلق... أية فرجة يا رجل؟ من هو الذي سيقف ويتفرج؟ سيلقون نظرة فحسب، ويتركوننا نتذابح، ويتابعون شؤونهم اليومية.. لم يعد أحد يبالي بأحد..
قد يخلق فجأة واحد من معارفي عند باب الجامع، ويسألني عن سبب العراك..
ـ لقد ثأرت لنفسي.. هو بصق في وجهي قبل اثني عشر عاماً، و ها قد رددتها له الآن..
ـ وبعد اثني عشر عاماً!؟
ـ نعم. بعد اثني عشر عاماً. البدوي يأخذ بثأره بعد أربعين عاماً ويقول استعجلت..
ـ وثقافتك يا متحضر؟!
ـ الثقافة والحضارة لا تقولان لك إذا بصق أحد ما على خدك الأيمن، أدر له الأيسر..
ـ بالفعل إنك جلف متخلف..
ـ الحق معك.. فأنا لست فلاحاً قدم من القرية و استوطن المدينة فحسب، وإنما تعيش في داخلي عشيرة من البدو. ثم من نحن؟ من أين قدمنا؟ من ينكر أصله، يا أستاذ، لا أصل له.. يا أخي، مرحباً.. أنا، هكذا، وسأبقى.. الطبع غلب التطبع..
ـ ولماذا سكت له عندما بصق عليك؟ ألم تكن رجلاً يومها؟
ـ لا، لم أكن رجلاً.. بل كنت ولداً، غراً، لا يجيد التصرف في مثل ذلك الموقف الذي وجدت نفسي فيه دون أن أدري.. كنت مثل الأطرش في الزفة.. مجرد ولد مراهق ابن ثمانية عشر عاماً يكتب شعراً مكسراً لابنة الجيران، وجد نفسه فجأة متهماً بقضايا كونية كبرى!
مضى وقت طويل وأنا عند الباب.. قدرتي على الصبر أخذت تتلاشى.. أيكون قد مات في الجامع؟ مستحيل! يجب ألا يموت قبل أن أثأر لنفسي.. أوقعتني فكرة موته في " حيص بيص " لكن لماذا لا أدخل الجامع، لأستطلع؟ قلت. أتأكد من وجوده في الداخل، وأعود لأنتظر من جديد..
خلعت حذائي، وضعته تحت إبطي، ودخلت.. من الباحة، إلى البهو، وأنا أبحث بعيني في طول المسجد وعرضه.. وكم كانت دهشتي كبيرة، عندما لم أجده لا ميتاً ولا حياً.. خرجت من البهو، إلى الباحة.. انتعلت الحذاء وهرعت صوب دورة المياه، فلم أجد أحداً أيضاً.. رجعت إلى الباحة، وهرولت صوب الجهة الأخرى المقابلة للجهة التي انتظرت عند باب بابها طويلاً.. وقتها، بالتحديد، تحجرت في مكاني، ذلك عندما اكتشفت وجود باب آخر للمسجد مشرعاً.. وبعد زمن لم أتمكن من تقديره، انتبهت لتحجري وحيداً في صحن الجامع، فتحركت ببطء نحو الباب الآخر، لأخرج منه، والبصقة تملأ فمي..
" سأبصق في وجهه "
هكذا قررت، و مضيت وراءه..
ربما كان هذا القرار، هو القرار الوحيد الذي اتخذه في حياتي، وأمضي لتنفيذه، في ثوان معدودة، دون دراسة، وتمحيص، و تقليب للأمر على كافة الأوجه، مثلما اعتدت مؤخراً.. أي أنني أعد للألف لا للعشرة قبل اتخاذ أي قرار، ذلك بعد قرارات كثيرة ارتجلتها في بداية حياتي، كانت في الخطأ تماماً، سببت لي كوارث لا حصر لها، وأوقعتني في حفر عميقة لم أخرج من بعضها إلى هذه اللحظة..
لا أعرف إن كنت نطقت قراري بصوت مسموع، أو قلته في قلبي، فأنا لم أنتبه لنفسي.. كنت وسط المدينة في جمع من الناس أمام أحد الأكشاك أتصفح عناوين الجرائد والمجلات، وكان يقابلني على مسافة متر واحد، يتصفح العناوين، مثلي..
مر نظري على وجهه مرور الكرام في البداية، ثم عدت إليه بفضل قوة جاذبة دفينة لأحملق فيه، وأسأل نفسي : أين رأيت هذا الوجه يا أبا الشباب ؟ .. أين ؟ .. أين ؟ .. ولمعت الذاكرة.. إنه هو.. هذه الملامح لا يمكن لمخلوق سواه أن يحملها.. هذه الملامح حفظتها عن ظهر قلب.. انحفرت في ذاكرتي حفراً.. هذا الوجه لا يمكن أن أنساه.. أنسى وجه أمي.. وجه حبيبتي.. وجهي.. لكني لا يمكن أن أنسى هذا الوجه أبداً..
لم ينتبه إلى تعلق بصري بوجهه.. حاسب عن جريدة، ومشى، فتركت الكشك، والعناوين، ولحقته.. وقبل أن أدركه لأبصق في وجهه، دخل مسجداً على أطراف السوق، وكان المؤذن يعلن عن موعد صلاة الظهر، فوقفت قرب الباب..
استبعدت أول الأمر أن يكون دخوله إلى المسجد من أجل الصلاة.. قلت قد يكون قاصداً دورات المياه لقضاء حاجة.. فمثل هذا الكائن لا يمكن لعبادة في الدنيا أن تنظفه.. حتى و لو قام الليل، و صام الدهر، و وزع أرزاقه صدقات على الفقراء، و اليتامى، وأبناء السبيل، أو عمّر بها معابد يذكر فيها اسم الله.. هذا بحسابي، أما بحساب حضرته تعالى، فلا يعلم أحد بالغيب سواه..
قلت أنتظر قرب باب المسجد، ولكن عندما تجاوز الانتظار الدقائق الخمس، أيقنت أنه دخل ليصلي، فقلت أنتظر عشر دقائق أخرى .. و ماذا ورائي كيلا أنتظر ؟ إن البصقة في وجهه أهم من أي عمل ينتظرني . تقدمت صوب باب الجامع و أسندت ظهري لعمود جانبه الأيمن ، و علقت نظري بفراغ الباب خوفاً من أن يخرج دون أن أراه..
قلت لنفسي: عندما سيظهر خارجاً ، سأمسك بمعصمه، و أقول له :تفضل معي !
لن أبصق في وجهه، قبل أن يعرفني، ويعترف بفعلته.. سأباغته .. سيمشي ورائي دونما اعتراض.. سأبتعد به عن باب المسجد.. عن مركز السوق.. عن الزحام وأصوات الباعة.. التفاهم معه وإقناعه بما أريد يحتاج إلى هدوء.. إلى مكان يخلو من الناس.. أأبصق في وجهه أمام خلق الله جميعاً ؟ لن أضع نفسي في موقف كهذا .. في موقف قد يؤدي إلى احتمالات مفتوحة.. سآخذه إلى مدخل عمارة، وهناك أنفذ ما قررته، بعد أن أعرّفه بنفسي، إذ لا معنى لبصقتي دون أن يعرف من أنا..
سأعطيه اسمي الثلاثي.. وقد أعطيه اسم أمي.. في التحقيق لم يكتفي باسمي الثلاثي و اسم أمي.. في التحقيق طلب أسماء أخوتي، وأخواتي، وأقربائي، أصدقائي، وجيراني.. استدعاهم واحداً، واحداً.. والأمر لم ينته عند السؤال و الجواب،أنا متأكد من هذه المسألة . لا يمكن أن يمر مخلوق من تحت يديه دون أن ينال نصيبه.. صحيح لم ينبس أي منهم بكلمة واحدة.. من يجرؤ ؟ الدرس محفوظ .. أنا نفسي لم أنبس.. ومن هو المستعد لفضح نفسه بنفسه ؟
هو لن يعرفني من أسمي الثلاثي، و الخماسي، و شجرة العائلة.. قد يقول في داخله :" ومن تكون يعني ؟ " سأهون عليه الأمر أكثر ليعرف.. سأقول له كنت المحقق في قضيتنا قبل اثني عشر عاماً.. وسأذكر له اسم المجموعة.. الرأس.. جماعة القيادة.. لكن كيف سيذكر واحداً مثلي و هو الذي حقق مع الآلاف ؟ عندئذ، ولأنني لست مستعداً لأن أبقى معه دهراً في الشارع، سأفجر قنبلتي في حضرته ..
ـ أنا من بصقت في وجهه يا سيد..
هنا لا أستطيع تخمين ردة فعله.. فشخصية كهذه تنطوي على مكونات ثعلبية.. سيحاول الخروج من الزاوية التي سأحشره فيها.. قد يقول لي :
ـ أنت غلطان يا أخ .. يخلق من الشبه أربعين..
إنكاره لن يفيده في شيء.. لكن قد لا يتعرف علي بالفعل، وما أدراني أن يكون قد بصق في وجه كل من حقق معه ؟ قد يكون البصاق جزءاً رئيسياً من برنامجه مع الموقوفين..
لماذا ل أضحك منه ؟ لا أسلبها عليه ؟ أعني: أفتح يدي، وأصيح :
ـ أهلاً وسهلاً بأخي أبي العز !
وأحضنه ، وأقبله من الخدين..
سيرد على العناق بعناق.. وعلى القبلة بقبلة.. وهنا يكون قد وقع دون أن يدري..
وإذا كان أزكى من كل ما أتوقع، و قال :
ـ أنا لست أبا العز أنا أبو عباس..
سيعذبني كثيراً قبل أن يتعرفني، و يعترف.. و قد لا يتعرف، و يعترف.. في هذه الحالة سيان عندي.. أنا مقتنع أنه هو، و انتهى الأمر..
ها هم يخرجون من الجامع.. علي أن أستعد.. أن أركز.. لن أدعه يفلت مني.. إذا أفلت مني هذه المرة، فقد لا أصادفه ثانية.. و تضيع الفرصة دون ثمن..
إنه هذا .. لا .. لا هذا، و لا ذاك .. إنه قريب الشبه بهما.. قد يكون الذي بعدهما.. وقد يكون آخر الخارجين.. أيصلي السنّة، و الفرض، و التراويح، و الوتر، في وقت واحد؟! لكننا لسنا في شهر رمضان، وهذه صلاة الظهر، و ليست صلاة العشاء..
لم يبق أحد في الجامع .. أيأخذ رقدة ؟ أي يكون نسي نفسه ونام في الجامع؟ لكن هذا مسجد و ليس فندقاً.. حتى لو نام فإنه سيستيقظ، و يخرج.. من جهتي سأنتظره لو وصل صلاة الظهر بالعصر بالمغرب بالعشاء.. حتى لو كان يسكن في الجامع.. فإنه سيخرج في النهاية.. لا محال..
أما إذا اعترف، فإنه سيخلق مبررات كثيرة ..
ـ يا أخي كنت موظفاً، وكنت أنفذ ما يطلب مني..
نفذ ما شئت.. دست علي رقبتي، وأريتني الموت، ثم كانت البصقة التي لم يكن لها أي مبرر.. و لماذا البصقة أصلاً بعد أن اعترفت قبل أن تنتهي الحفلة الأولى.. لم أكن أحتمل العذاب الجسدي، فاعترفت.. أنا، وبصراحة، لم أكن مثل أبطال الأفلام، و الروايات، لأصمد إلى النهاية دون أن أنبس.. هراء.. بطولات وهمية أنتجتها خيالات خصبة لفنانين، و كتاب.. الإنسان ليس حجراً ليصمد إلى النهاية.. إنه من لحم و دم..
قلت لك كل شيء منذ البداية.. منذ اليوم الأول، ودافعت عن موقفي.. و لماذا لا أعترف، أدافع، إذا كنت أعتقد أن ما أؤمن به صحيح ؟ لكنك لم تكتف بما اعترفت لك به.. بما كنت أعرفه.. أردتني أن أعترف بأشياء لا علاقة لي بها، ولا أعرف عنها شيئاً.. وعندما لم أعد أحتمل قلت لك :أكتب الذي تريده، لأوقع لك.. وإذا أردت أن أوقع لك على بياض، فأنا جاهز.. حتى لو طلبت مني أن أكون في جيش أبرهة الحبشي الذي قصد الكعبة قبل نحو أربعة عشر قرناً، فسأكون.. وكانت البصقة ..
لقد نسيت خلال السنوات التي مضت كل شيء، جرى لي عندكم، باستثناء البصقة.. اثنتا عشرة سنة مرت و هي تؤرقني، وتفسد علي حياتي.. في المنام أتحسسها.. في اليقظة .. لا أجرؤ على النظر في المرآة كيلا أرى أثرها.. كأنها قطعة نتنة علقت على وجهي، ولم تستطع كل منظفات العالم أن تزيلها.. سأقترب بوجهي منه.. سأريه..
ـ شُف بعينيك هذه الدائرة التي تغطي ثلاثة أرباع خدي الأيمن ؟
قد يبوس ذقني.. يبوس حذائي.. يعتذر.. يبكي.. يرجو..
ـ دخيل الله لا تؤاخذني.. كنت غلطاناً.. كنت مجنوناً.. مريضاً .. موظفاً .. آلة.. مخلوقاً يقاد برسن..
لن أقبل بأي مبرر.. حتى لو جاء من فوق، وهدد، فلن أغير موقفي..
ـ إذا كنت تعتقد أنني تقاعدت، وصرت كالمقطوع من شجرة، لم يعد لي أحد، فأنت غلطان.. أنا أستطيع أن أدفنك في سابع أرض، دون أن يحس بك أنس، أو جن..
ليهدد ما يهدد.. سأبصق في وجهه و ليخرب العالم بعدئذ.. لن أستطيع التخلص من هذا الخراء، العالق في وجهي, ما لم أبصق في وجهه..لأعد إلى السجن ثانية..لأعدم رمياً بالرصاص، أو على الخازوق، أو تحت عود المشنقة.. لا شيء يثنيني عن تنفيذ قراري..
قد يلعب الشيطان بعقله، ويدفعه لمعاركتي.. إن كان غبياً، فليعارك.. أنا، من جهتي، لا أحب العراك.. لكن عندما يفرض علي العراك فرضاً فيا مرحبا به..أنا لا أريد أكثر من ربع حقي.. سأبصق في وجهه، و أمشي، وكأن شيئاً لم يحدث.. أما إذا أحب أن يعارك، و هنا لا أنصحه بذلك.. لأن العراك لن يكون في صالحه، فأنا سأبطحه على الفور.. المنافسة، بيننا، معدومة.. واحد في الثلاثين من عمره، والآخر تجاوز الستين.. سأحترمه لسنه في البداية.. رغم كل ما جرى بيننا سأحترمه.. لن أمد يدي صوبه، ما لم يرفع يده أولاً.. طيب وإذا كان مسلحاً وأشهر مسدسه في وجهك يا ولد؟ سأنقض عليه، وأنزع المسدس من يده.. أنا لن أتراجع عن قراري حتى لو كان يمتطي برج دبابة..
سأبدأ الآن بتجميع البصقة.. سأمتص كل ذرة لعاب في جسدي، و أسحبها إلى فمي.. ستكون بصقة لائقة بمقامه.. ستغطي وجهه كاملاً..
لكن ماذا سيقول العباد إذا تعاركنا في عرض الشارع؟ ليقولوا ما يقال وما لا يقال.. القيل والقال ليسا في بالي.. ثم إن العراك في كل مكان، فلماذا لا نشارك ونضيف معركة أخرى؟ سنخلق فرجة للخلق... أية فرجة يا رجل؟ من هو الذي سيقف ويتفرج؟ سيلقون نظرة فحسب، ويتركوننا نتذابح، ويتابعون شؤونهم اليومية.. لم يعد أحد يبالي بأحد..
قد يخلق فجأة واحد من معارفي عند باب الجامع، ويسألني عن سبب العراك..
ـ لقد ثأرت لنفسي.. هو بصق في وجهي قبل اثني عشر عاماً، و ها قد رددتها له الآن..
ـ وبعد اثني عشر عاماً!؟
ـ نعم. بعد اثني عشر عاماً. البدوي يأخذ بثأره بعد أربعين عاماً ويقول استعجلت..
ـ وثقافتك يا متحضر؟!
ـ الثقافة والحضارة لا تقولان لك إذا بصق أحد ما على خدك الأيمن، أدر له الأيسر..
ـ بالفعل إنك جلف متخلف..
ـ الحق معك.. فأنا لست فلاحاً قدم من القرية و استوطن المدينة فحسب، وإنما تعيش في داخلي عشيرة من البدو. ثم من نحن؟ من أين قدمنا؟ من ينكر أصله، يا أستاذ، لا أصل له.. يا أخي، مرحباً.. أنا، هكذا، وسأبقى.. الطبع غلب التطبع..
ـ ولماذا سكت له عندما بصق عليك؟ ألم تكن رجلاً يومها؟
ـ لا، لم أكن رجلاً.. بل كنت ولداً، غراً، لا يجيد التصرف في مثل ذلك الموقف الذي وجدت نفسي فيه دون أن أدري.. كنت مثل الأطرش في الزفة.. مجرد ولد مراهق ابن ثمانية عشر عاماً يكتب شعراً مكسراً لابنة الجيران، وجد نفسه فجأة متهماً بقضايا كونية كبرى!
مضى وقت طويل وأنا عند الباب.. قدرتي على الصبر أخذت تتلاشى.. أيكون قد مات في الجامع؟ مستحيل! يجب ألا يموت قبل أن أثأر لنفسي.. أوقعتني فكرة موته في " حيص بيص " لكن لماذا لا أدخل الجامع، لأستطلع؟ قلت. أتأكد من وجوده في الداخل، وأعود لأنتظر من جديد..
خلعت حذائي، وضعته تحت إبطي، ودخلت.. من الباحة، إلى البهو، وأنا أبحث بعيني في طول المسجد وعرضه.. وكم كانت دهشتي كبيرة، عندما لم أجده لا ميتاً ولا حياً.. خرجت من البهو، إلى الباحة.. انتعلت الحذاء وهرعت صوب دورة المياه، فلم أجد أحداً أيضاً.. رجعت إلى الباحة، وهرولت صوب الجهة الأخرى المقابلة للجهة التي انتظرت عند باب بابها طويلاً.. وقتها، بالتحديد، تحجرت في مكاني، ذلك عندما اكتشفت وجود باب آخر للمسجد مشرعاً.. وبعد زمن لم أتمكن من تقديره، انتبهت لتحجري وحيداً في صحن الجامع، فتحركت ببطء نحو الباب الآخر، لأخرج منه، والبصقة تملأ فمي..
تعليق