إليـهِ يعــود..!!
عبر بتثاقلٍ باباً حديدياً عريضاً ثم التفت إلى الواجهة الرخامية للمبنى الذي ابتلعه قبل أكثر من عشرين سنة ..
بدا المكان أكثر شبابا وهو يلفظ.. كموجٍ.. بقايا السفن المحطمة ..
كان الصباح البارد يغمر مدينة تستيقظ.. والطريق فارغاً إلا من شجيرات تقف على ضفته بانضباط مدهش ..فقد تدرجت حسب أطوالها وهي تقترب من مدخل البناء الرخامي..مقصوصة الأغصان..مرتبة الأوراق..
دار بجسده يساراً ..شابكاً كفيه خلف انحناءة مرهقة...سائرا بين سور رخامي أيضاً و شجيرات تتطاول..
ثمة أبنية أنيقة على الضفة الأخرى من الشارع..تسير معه..
وقف أمامها وهو يتذكر الفضاء العاري الذي كان يغلف البناء القديم الذي دخله قبل زمن بعيد..
أبنية..مكسية بالحجارة جدرانها..وتسورها بارتفاع عال ..أسوار مكسية بالحجارة أيضا..
• (كم هي مدهشة وجميلة)..همس وهو يحدق فيها ..
تابع سيره قبل أن يقف مسكوناً بالذهول ..
أعاد نظره مرة أخرى إلى تلك الأبنية ..
• النوافذ !! أبنية بلا نوافذ تطل علينا!! تدير ظهرها لنا!! تحدق بلا اكتراث إلى الاتجاه الآخر..
كان يصرخ بصمت وقد أرعبه المشهد لأبنية وأسوار متلاصقة ..بدت خط دفاع ثانٍ يسور البناء الرخامي الذي ابتلعه ذات مساء..
كانت ملفوفة بالسواد..بعينين دامعتين .. وهي تقف أمامه بانكسار وحزن بالغين..وحين مضى وقت طويل دون أن تعود إليه مرة أخرى..أدرك بأنه سيمضي بقية حياته وحيداً ..
لكنه أحس وهو يقف أمام أبنية عمياء بأنه يقف على حافة صحراء .. لا سراب يظلل وحشته ..وحيداً أكثر من أي وقت مضى..
كان الوقت فجراً ...حين صحت عائلته الغافية بأمان ..على رنين لا يهدأ ...
وجد نفسه أمام باب غرفته المطلة على صالون واسع وباب مفتوح وفاه يسأل عنه..
كانت أمه تصرخ بذعرٍ:
ماذا تريدون منه ..!!؟
أما والده فكانت آثار الدهشة بادية على وجهه وهو ينظر نحوه برعبٍ ...
اقترب منهم قائلاً بثقة ممزوجة بالخوف:
عفواً ..ماذا تريدون مني ..!!؟؟
تساؤله دلَّ على أنه الشخص المطلوب وكان ذلك كافياً..
دار بجسده المرهق والرصيف يحمل خطاه المتعبة..
لكن صوتا مكبراً أتاه من خلف بناء كبير ..أوقفه..التفت إلى جداره الواسع وأسواره العالية جداً ..جدار مصمت لا نوافذ تخترقه.. كان الصوت يأمرهم بالاستعداد ثم الاستراحة ثم الاستعداد ..أنصت والدمع يغادر عينيه ..إلى نشيد وطني تردده أفواه الأطفال..
بكى بمرارة وهو يردد معهم كلمات نشيد يأتيه من خلف الجدران العالية..
كان مساءاً ماطراً..حين جروه من جوف السيارة ورموه جسدا محطماً ...في مكعب أسمنتي بلا نوافذ في قبو هذا البناء الرخامي الأنيق .. وكان قد اقنع نفسه بأنه لكل شيء ثمن يعادله ..فكيف إذا كنت تطلب انعتاق شعب من أي ظلم يقيده.. كان هذا الشعور يخفف من وطأة آلامه الشخصية..كما أن للشعوب ذاكرة حية ..أليس كذلك!!؟؟
كان يبكي أمام جدران تواجهه ..وهو يرى ذاكرة الشعب المثقوبة ..!!!
دار بروح حزينة ليتابع سيره..
كان القدر يجلده بقسوة.. بدا كمن نزف سنين عمره.. وهو يخط أحلامه على رمل الشاطئ .. ملأه شعور بالندم والغضب والقهر ..
وجد نفسه يعود مرة أخرى إلى الباب الحديدي الذي غادره قبل ساعة ..
الباب الحديدي لبناء رخامي تسوره جدران عمياء .. بدا كجزيرة معزولة وسط مدينة باردة..
التفت نحو الباب ثم إلى الشارع المواجه الذي يمتد إلى جوف المدينة كحبل سري يربط بين مكانين متشابهين..!!
ومضى عائداً ..!!!!
http://www.shurofat.blogspot.com
عبر بتثاقلٍ باباً حديدياً عريضاً ثم التفت إلى الواجهة الرخامية للمبنى الذي ابتلعه قبل أكثر من عشرين سنة ..
بدا المكان أكثر شبابا وهو يلفظ.. كموجٍ.. بقايا السفن المحطمة ..
كان الصباح البارد يغمر مدينة تستيقظ.. والطريق فارغاً إلا من شجيرات تقف على ضفته بانضباط مدهش ..فقد تدرجت حسب أطوالها وهي تقترب من مدخل البناء الرخامي..مقصوصة الأغصان..مرتبة الأوراق..
دار بجسده يساراً ..شابكاً كفيه خلف انحناءة مرهقة...سائرا بين سور رخامي أيضاً و شجيرات تتطاول..
ثمة أبنية أنيقة على الضفة الأخرى من الشارع..تسير معه..
وقف أمامها وهو يتذكر الفضاء العاري الذي كان يغلف البناء القديم الذي دخله قبل زمن بعيد..
أبنية..مكسية بالحجارة جدرانها..وتسورها بارتفاع عال ..أسوار مكسية بالحجارة أيضا..
• (كم هي مدهشة وجميلة)..همس وهو يحدق فيها ..
تابع سيره قبل أن يقف مسكوناً بالذهول ..
أعاد نظره مرة أخرى إلى تلك الأبنية ..
• النوافذ !! أبنية بلا نوافذ تطل علينا!! تدير ظهرها لنا!! تحدق بلا اكتراث إلى الاتجاه الآخر..
كان يصرخ بصمت وقد أرعبه المشهد لأبنية وأسوار متلاصقة ..بدت خط دفاع ثانٍ يسور البناء الرخامي الذي ابتلعه ذات مساء..
كانت ملفوفة بالسواد..بعينين دامعتين .. وهي تقف أمامه بانكسار وحزن بالغين..وحين مضى وقت طويل دون أن تعود إليه مرة أخرى..أدرك بأنه سيمضي بقية حياته وحيداً ..
لكنه أحس وهو يقف أمام أبنية عمياء بأنه يقف على حافة صحراء .. لا سراب يظلل وحشته ..وحيداً أكثر من أي وقت مضى..
كان الوقت فجراً ...حين صحت عائلته الغافية بأمان ..على رنين لا يهدأ ...
وجد نفسه أمام باب غرفته المطلة على صالون واسع وباب مفتوح وفاه يسأل عنه..
كانت أمه تصرخ بذعرٍ:
ماذا تريدون منه ..!!؟
أما والده فكانت آثار الدهشة بادية على وجهه وهو ينظر نحوه برعبٍ ...
اقترب منهم قائلاً بثقة ممزوجة بالخوف:
عفواً ..ماذا تريدون مني ..!!؟؟
تساؤله دلَّ على أنه الشخص المطلوب وكان ذلك كافياً..
دار بجسده المرهق والرصيف يحمل خطاه المتعبة..
لكن صوتا مكبراً أتاه من خلف بناء كبير ..أوقفه..التفت إلى جداره الواسع وأسواره العالية جداً ..جدار مصمت لا نوافذ تخترقه.. كان الصوت يأمرهم بالاستعداد ثم الاستراحة ثم الاستعداد ..أنصت والدمع يغادر عينيه ..إلى نشيد وطني تردده أفواه الأطفال..
بكى بمرارة وهو يردد معهم كلمات نشيد يأتيه من خلف الجدران العالية..
كان مساءاً ماطراً..حين جروه من جوف السيارة ورموه جسدا محطماً ...في مكعب أسمنتي بلا نوافذ في قبو هذا البناء الرخامي الأنيق .. وكان قد اقنع نفسه بأنه لكل شيء ثمن يعادله ..فكيف إذا كنت تطلب انعتاق شعب من أي ظلم يقيده.. كان هذا الشعور يخفف من وطأة آلامه الشخصية..كما أن للشعوب ذاكرة حية ..أليس كذلك!!؟؟
كان يبكي أمام جدران تواجهه ..وهو يرى ذاكرة الشعب المثقوبة ..!!!
دار بروح حزينة ليتابع سيره..
كان القدر يجلده بقسوة.. بدا كمن نزف سنين عمره.. وهو يخط أحلامه على رمل الشاطئ .. ملأه شعور بالندم والغضب والقهر ..
وجد نفسه يعود مرة أخرى إلى الباب الحديدي الذي غادره قبل ساعة ..
الباب الحديدي لبناء رخامي تسوره جدران عمياء .. بدا كجزيرة معزولة وسط مدينة باردة..
التفت نحو الباب ثم إلى الشارع المواجه الذي يمتد إلى جوف المدينة كحبل سري يربط بين مكانين متشابهين..!!
ومضى عائداً ..!!!!
http://www.shurofat.blogspot.com
تعليق