الكوابيس تأتي في حزيران
رواية
د . محمد أيوب
الفصل الأول
ـ 1 ـ
المواصي ...............
ذلك المكان الذي يشكل حاجزاً من النخيل والخضرة بين صحراء الماء ورمال الصحراء ، يفصل بين البحر بسحره وأسطوريته ، وبين تلك التلال الرملية التي تحتضن المدينة، وتداعبها برمالها بين الحين والآخر ، تستلقي تلك التلال الرملية هادئة وادعة ، يلفها سكون غامض ، وكأنها تخبئ سراً ما ، تصمت.. كأنها لا تريد البوح به ، والبحر يرسل وشوشاته ساحرةً خلابة.. تتسلل على جناح النسيم ، فتزرع النعاس في عيونٍ يفر منها النوم ، ولطالما كانت المواصي ملاذ أولئك الذين يبتغون الهدوء ، أو الفرار من هم الحياة اليومي بحثاً عن لحظة نسيان ، يبيتون الليالي الصيفية الجميلة متحررين من جدران البيوت وحرها ، مطلقين العنان لأفكارهم ؛ لتمتزج بوشوشات البحر ، وزرقة مائه التي تتصل بزرقة السماء في نقطةٍ ما عند الأفق ؛ يتصل ما هو سماوي بما هو أرضي ؛ ليمتزج الحلم بالواقع امتزاجاً يجعل للحياة طعماً آخر .
كانت المواصي عيناً خضراء ترنو دائماً إلى السماء ، كانت سلة طعام سكان المدينة، خصوصاً بعد انقضاء فصل الشتاء ، تأتي طيور السمان متعبةً مجهدةً فتستقبلها شباك الصيادين ؛ لتجد طريقها في اليوم التالي إلي الأسواق داخل أقفاصٍ خاصة . كانت طيور السمّن " الفر " حلماً صيفياً لذيذاً ، يمتزج دائماً بالملوخية الخضراء ، مكوناً وجبةً شهيةً ينتظرها الإنسان كل صيف . و أشجار النخيل تكاد تعانق السماء مكونة لوحة جميلة تمتزج فيها ألوان بلح عيوشة ، بالبلح الحياني ، تمتد جذور النخيل في الأرض ، فلا تجد كثير عناء في الحصول على بغيتها من الماء ، أما الخضار فحدث ولا حرج ، فالماء يقبع على بعد سنتيمترات ، يتفجر عيوناً أو آباراً ارتوازية تمنح الحياة والخضرة للمكان ، ينعق غراب من الشرق ، و يتكاثر البوم والغربان ، فيندفع الناس غرباً تاركين منازلهم ، ليتحول هدوء المواصي إلى حركة مفعمة بالصمت ، كان صمتاً ممزوجاً برهبة مرعبة ، حتى وشوشات البحر ، اكتسبت لحناً غريباً ، لم تعد تلك الوشوشة الحنون ، أصبحت كأنها تود هي الأخرى أن تفر من شيء يلاحقها ، يقمع رغبة الحياة فيها ، الناس يتماوجون هنا وهناك والشائعات تلاحقهم كوابيس مزعجة .. يفرون إلى الجنوب ، فتعترضهم الإشاعة .. إنهم يذبحون كل من يقابلونه .. ترتد الموجات البشرية إلى الشمال.. تعترضها إشاعة أخرى ، أنشبت الإشاعات مخالبها في عقول الناس ونفوسهم ، الطوفان البشري المرعوب يعيش حالة من الارتباك لا عهد لهم بها ، تلاحق الكبار منهم صورة ما جرى حين جاءت الغربان من الشرق و الغرب ، و حين قذف البحر من أحشائه رجالاً شكلهم غريب ، عيونهم زرقاء ، كأنها استلبت زرقتها من السماء الصافية ، كان الناس يحلمون و يحلمون .. سنلاحق الغربان من جميع الجهات ، سنشرق و نشمل ، سنفعل و نفعل ، و تمتلئ السماء بالغربان و البوم ، لتقذف بهم بيوتهم إلى المواصي ، حيث لا طعام سوى الماء و الخضار ، كان الموسم موسم الخيار ، ولا بد من عمل شيء أي شيء ؛ فكر البعض بالتسلل إلى المعسكر المجاور لجلب الأطعمة ، و فكر آخرون بالهرب جنوباً إلى مصر ، و لكن الصحراء و العطش ، سيناء يا سيناء ، يا ذلك المجهول الذي يفغر فاه غولاً يأكل كل من يضعف من البشر ، و الإذاعة تنعق ، أصبحت غراباً يشيع أنفاس الهزيمة في الجو ، حطت الغربان رحالها على ضفاف قناة السويس ، يا إلهي هكذا يتحطم الحلم ، كأساً من الزجاج كان ، سقط من يد طفل يلهو به ليتناثر أشلاء زجاجية هنا وهناك .
تحسس بندقيته محاذراً أن يخدشها ، لم تتكلمي كلمة واحدة ، هل هذا هو ما كنا نحلم به ، أن يخرس سلاحنا ، و أن تتكلم إذاعاتنا .. طائراتهم تتساقط كالذباب يا أخي، هنيئاً لك يا سمك البحر .. ادبح ادبح تربح .. ميراج راحت واختفت والميج فاقت واعتلت، وها نحن نتوه في مواصي خان يونس، نعيش عصر التيه العربي ، لم يعد الأطفال يستطيعون الصمود أكثر ، بدأت علامات سوء التغذية تظهر عليهم ، ولا بد من فعل شيء، لابد من إحضار الطعام ، ولو من أجل الأطفال ، صاح :
ـ من يمكنه الذهاب معي لإحضار بعض الأطعمة من المعسكر المجاور ؟
ساد صمت غريب ، توقفت الأنفاس أو كادت ، الخوف يطل من العيون ، يعكسه ضوء الشمس التي أخذت تميل نحو الغرب ، كرر نداءه مرة أخرى ، تحرك أحد أقاربه ، قال باقتضاب : أنا .
نظر إليه : أنت .. لم يتحرك أحد إلاك .. غامت الأفكار في رأسه .. صاح :
ـ لن تذهب معي .
أصر على الذهاب قائلاً : قلت سأذهب يعني سأذهب .. لن أتركك وحدك .
وأمام إصراره لم يجد مفراً من القبول و أخذا يتنقلان بين أشجار الجوافة و النخيل ، حتى أسلما نفسيهما إلى التلال الرملية ، تسارعت خطواتهما حتى وصلا إلى حدود المعسكر الغربي ، استلقيا فوق الرمال وأخذا يراقبان حركة مجموعة من الدبابات تسير على الشارع الرئيسي وسط المعسكر .
قال لرفيقه : سأنحدر زاحفاً إلى أسفل التل ، و بعد أن أصل إلى أول جدار اهبط خلفي .
ثم زحف بحذر حتى وصل إلى أسفل التل ، اندفع إلى أقرب جدار ، تبعه قريبه ، تقدما ببطء ، و قد أخذ الظلام يهبط على المكان عثرت قدماه بجثة ملقاة على الأرض ، شعر بقشعريرة باردة تسري في جسده ، ترى من هو ؟ و كيف مات ؟ هل أصيب برصاصة، أم أن شظية من دانة مورتر أصابته فقتلته ، تذكر لحظة خروجه من منزله ، كانت طلقات المورتر تلاحقه ، كان الرامي يقذف بها على شكل مشية الغراب مرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار ، وهي تنعف الموت شظايا في الشوارع تخترق البشر و تمنع الأنفاس من التردد . كان يجري بضع خطوات ثم ينبطح أرضاً ليتفادى طلقات المورتر ، حتى استطاع أن يخرج من المعسكر ليحتمي بالمواصي خوفاً من مجزرة جماعية كالتي نفذت في الغزو السابق ، وها هو يعود إلى المعسكر ؛ الجثث ملقاة في الشوارع ، و الحيوانات و الطيور تلهو بها ، تأكل بعضاً مما تناثر منها هنا و هناك . شعر بالقرف ، الناس يموتون و نحن نبحث عن الطعام ، و لكنهم الأطفال يعانون و يعانون ، و لابد من إسكاتهم فقد يرشد صوت صراخهم الأعداء إلى مكان وجود الناس .
أخرج موس الكباس ، أمسك بطةً تهيم على وجهها بين الجثث ، سحب حافة الموس الحادة على رقبتها ، ظل ممسكاً بها حتى لا تهرب في أزقة المخيم ، ولما تأكد أنها فقدت دماءها وفارقت الحياة ، أمسك بطةً أخرى ، وهكذا، مال إلى أحد المنازل المجاورة، وجد الباب مفتوحاً ، وعجوز تجلس قرب الباب :
ـ الله يمسيك بالخير يمة .
ـ الله يمسيك بالخير يا ولدي .
طلب من العجوز بعض الدقيق ، وبعض الشاي والسكر ، أرشدته العجوز إلى المطبخ :
ـ خذ ما تشاء يا ولدي .
حمل حوالي نصف كيس من الدقيق ، وأخذ بعض الشاي والسكر ، وضع البطات المذبوحة في كيس فارغ ، قرر العودة من حيث أتى .. إلى المواصي .
أخذا يصعدان التلال ويهبطان ، اقتربا من المواصي ، فوجئا بأن صمت المنطقة قد تحول إلى عويل ، ترى ما الذي جرى ؟ ولماذا يبكي الناس ؟ هل داهم الجنود المكان ؟ وهل قتلوا الشباب كما فعلوا عام ستة وخمسين وتسعمائة وألف ؟ سأل أول إنسانٍ صادفه:
ـ ماذا جرى ؟ لماذا يبكي الناس ؟
أجابه الرجل : استقال جمال عبد الناصر .
كاد يتمزق من الغيظ .. استقال عبد الناصر ؟ يريد أن يتهرب من تحمل مسئولية الهزيمة؟ يكون الشعب مجنوناً إذا قبل ذلك ببساطة .. لا بد وأن يتحمل مسئوليته كاملة ، وأن يصلح ما أفسده .
ترددت أنفاسه بصوتٍ مرتفع ؛ حتى أصبحت لهاثاً مسموعاً ، كان يعاني من شعورٍ غريب ، أبلهاً كان ، استقال عبد الناصر ؟ أصبحت الهزيمة مؤكدة إذن .. تبخرت الأحلام .. بل تسامت.. كم بنينا من قصورٍ في أوهامنا ؟ آه يا شوقي.. أين قصورنا من قصورك ؟ آه أيها الثرى الطاهر .. كم فرطنا في حقك ؟ أن نبني من حصاك أربعنا ، ثم نعود فنهدمها خيرٌ لنا ألف مرة من أن يهدمها غيرنا .. من أن يسرق حلمنا العزيز .. كم حلمنا ؟ ولكن كابوساً ثقيلاً أفسد لذة الحلم .. عبد الناصر يستقيل ويتحمل مسئولية الهزيمة كاملةً .. الجماهير تتدفق إلى شوارع القاهرة .. التاسع من يونيو .. الجثث ملقاة في الشوارع لا تجد من يواريها التراب .. قول الدبابات الذي يجوب الشارع الرئيسي .. المقاومة الشعبية .. الدفاع المدني .. الحلم .. الكابوس .. اليقظة .. البطات المذبوحات .. الشعب المذبوح .. الحلم المذبوح ....
هبت نسمة باردة، سرت قشعريرة في جسده .. هكذا ؟ بكل بساطة نتجرع كأس الهزيمة حتى الثمالة ؟ يا إلهي كأنك لا تريد أن تنصفنا .. أحدٌ جديدة تطل علينا بعيونٍ شامتة .. رائحة اللحم الناضج تملأ المكان ، تفتح الشهية .. لكن نفسه مصدودة .. كان منظر الجثث الملقاة في الشوارع ـ والبط يأكل منها ـ لا يفارقه .. تلح تلك الصورة على مخيلته .. يشعر بالغثيان .. كان يمكن أن أكون واحداً من أصحاب هذه الجثث الملقاة على الأرض في عفوية غريبةٍ .. رائحةٌ نتنة تزكم أنفاسه .. رغبة في القيء تلاحقه .. ومسرحية موتى بلا قبور تدق طبلتي أذنيه .. كأنهم كانوا يعرفون النتيجة سلفاً .. كانوا يحاولون الإيحاء لنا أننا سنكون موتى بلا قبور*، وها هي جثثنا ملقاة في الشوارع لا تجد من يواريها التراب .. ما أمر طعم الهزيمة .. وما أصعب أن تموت بلا ثمن .. بلا هدفٍ تحققه .. كيف ؟ ولماذا ؟ وهذه الجهود كيف ضاعت ؟ المقاومة الشعبية .. الدفاع المدني ؟ وهذه الرسالة الغريبة من وزارة الحربية تطلب منهم أن يعدوا أنفسهم للمقاومة السرية .. الآن فقط ، أدرك فداحة الأمر .. كانوا يتوقعون الهزيمة إذن ؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مسرحية قدمتها الإذاعة الإسرائيلية قبل حرب حزيران بأيام قليلة.
ويريدون منا أن نعد للمقاومة السرية داخل القطاع .. كانت حجتهم أن القطاع ساقطٌ عسكرياً .. وهاهي سيناء تسقط ، وهاهم يحطون رحالهم على الضفة الشرقية لقناة السويس .. ترى ، هل كان عبد الناصر يحلم بذلك .. نحن مستعدون لمواجهة إسرائيل ومن هم وراء إسرائيل .. طائراتهم تتساقط كالذباب يا أخي .. الباخرة ليبرتي .. الهزيمة .. الطيران المصري يقصف المواقع الإسرائيلية .. الله أكبر .. الله أكبر .. عرق غزير يتصبب من جسده .. طلقات من المدفع المضاد للطيران الموجود غرب المعسكر تندفع في الجو شرقاً.. الطائرات المغيرة ليست طائراتنا إذن ؟ أين طائراتنا ؟ اليهود في وسط المدينة .. أحرقوا محطة الوقود .. اسكت أيها الغبي .. أنت طابور خامس .. هل نسقط بهذه السهولة .. نحن الذين كنا نعد العدة لدخول تل أبيب .. للاستمتاع بالشقراوات والبيضاوات .. آه يا حلمنا الذليل ..
ـ ألا تريد أن تتناول الطعام ؟
ـ ليست لدي رغبة .
نكس بندقيته .. حاول أن ينام .. فر النعاس من بين الجفنين .. نظر نحو خطيبته .. حزينةً كانت .. نظراتها منكسرة .. كانا يحلمان بقضاء شهر العسل في مصر .. وهاهما يتشردان في مواصي خان يونس .. أكبر قوة عسكريةٍ في الشرق الأوسط تنهار كانهيار أحلامه .. غير معقول .. إنه كابوس .. هل يعقل أننا نعيش الحقيقة أم أن خاطراً مجنوناً يسلبنا إرادتنا ؟
احتضن بندقيته .. كانت فوهتها تتجه إلى أسفل .. استلقى فوق الرمال .. كان البشر ينتشرون في كل مكان .. الجنود الهاربون من المعركة يختلطون بالمدنيين ، يلاحقهم رعب قاتل ، ذكريات الهزيمة السابقة تلاحقهم .. نحن شعب مهزوم من الداخل ، لا تترسخ في أذهاننا سوى الهزائم ، أما الأمل فلا جذور له ، ولا تربة صالحة لنموه .
الظلام يلف المكان ، والهدوء أيضاً .. أصوات حركة السيارات تمزق الهدوء من فترةٍ إلى أخرى .. صوت انفجارٍ هائل يتبعه صوت انهيارٍ واضحٍ .. لا يوجد في المنطقة سوى الكازينو الرئيسي على الشاطئ ، لقد هدموه إذن ، وبعد ذلك سيتجهون إلينا، ولكن لماذا يتجهون إلى أناسٍ مهزومين ؟ لماذا يحاصرون القط في الزاوية ، قد يتركوننا وشأننا ، لاشك أنهم يدركون أننا هنا ، وأننا نعيش الهزيمة بكل أبعادها .. ما جدوى البقاء هنا ؟ وما نتيجته ؟ وإلى متى نظل نحتمي بهذه المواصي المنخفضة عن سطح البحر ؟ ثمار الخيار انتهت ، حتى ثمار الجوافة الفجة أكلها الناس ، لم يتبق سوى الماء وصوت نقيق الضفادع .. محظوظةٌ هذه الضفادع .. لا تدرك أبعاد الهزيمة التي نحياها ، ونقول إنها نكسة .. تنق ذكور الضفادع داعية إناثها إلى التزاوج ، ونحن تزوجنا الهزيمة زواجاً كاثوليكيا ، تذكر النقيب رمزي .. ذلك الشاب المتحمس .. كان يحلم بالنصر المعجل .. ترى أين أنت الآن يا رمزي .. يا ذلك الرجل من قرية الشجرة .. يا شقيق القسام .. خسرنا أنفسنا يا رمزي .. لم تجدنا المقاومة الشعبية ولا الدفاع المدني .. لم يجدنا التدريب الشعبي ولا الخنادق التي حفرناها على عجل ، وفي فوضى غريبة .. سيارة عسكرية تضل طريقها إلى إسرائيل .. كان يوجد بها خمسة ضباط .. قبل الحرب بأيامٍ معدودات .. هل هي الصدفة ؟ أم أن الأمر كان مدبراً .. ما أقسى أن تدرك الحقيقة دفعة واحدة ، بلا مقدمات .. الهزيمة هي الحقيقة الواحدة والوحيدة في حياتنا .. ابذل العرق توفر الدم .. يا خسارة العرق والدم .. يا خسارة التدريب والتعب .. خسارة وألف خسارة .. كنت مقتنعاً بضرورة التدريب .. لم يبذل الأخوة جهداً كبيراً في إقناعه بالانخراط في دورة تدريب عسكرية في مصر لتأهيل مدربي الفتوة في المدارس الثانوية .. كانوا يفكرون في تلك اللحظة ، وكأن عقلهم الباطن كان يدرك أن الهزيمة قادمةٌ ولا ريب .
***
بعد أن تراجع عن تسجيل اسمه في دورة ضباط الاحتياط ، كان لا بد من بديل آخر ، التدريب الشعبي أو أي تدريب ، وفعلاً انخرط في التدريب الشعبي ، كانت الفترة ثلاثة أسابيع .. لم تكن كافية لتلقي مبادئ العمل العسكري .. يتذكر ذات مرةٍ ، حين أمسك بيديه الكارل جوستاف وصوب .. سرح قليلاً ، وفجأة استرده من سرحانه صوت الضابط يصرخ بغيظ على الشاويش الذي لم ينتبه إلى سرحانه ، كادت تقع كارثة لولا يقظة الضابط ، نادى الشاويش بأعلى صوته :
ـ إلى الأمام تقدم .
ولكنه بقي في مكانه .. لم يتقدم .. انتهبته الأفكار ، وقبل أن يصدر الشاويش أمره بإطلاق النار ، صرخ الضابط :
ـ ما تصحا يا شاويش يا نايم .. شوف الأستاذ بيعمل ايه .. أمسك الضابط به من كتفيه ودفعه إلى الأمام بمحاذاة زملائه ، سرح .. هذا الكارل جوستاف يطلق النار عند حدوث أية اهتزازة فيه.. نادى الشاويش :
ـ اضرب .
انطلقت صلية أصابت الهدف ، لم يشعر بالسعادة ، كان شعوره غامضاً ، هل هذه هي الأسلحة المناسبة ؟ وهل نتلقى التدريب المناسب ؟ الكارل جوستاف .. غريزة التوجيه .. التطهير .. لي أنفيلد .. تلتمية وتلاتة.. الميلز الروسي .. القذف .. الانبطاح الجري .. اجتياز الحواجز .. المطّخ .. الهدف .. كل هذا لا يكفي .. لا بد من تدريب آخر .. ابذل العرق توفر الدم .. هناك دورة لتخريج مدربي الفتوة .. لا بد من التسجيل لها .. قرر بسرعة ، لم يتردد ، لا بد وأن يصبح مدرباً للفتوة ، وحين تأتي اللحظة المناسبة يقوم بتدريب الشباب ، واللحظة قادمةٌ مهما طال الزمن .
***
تحرك القطار صوب الجنوب ، يقل مجموعة من المعلمين من مناطق القطاع المختلفة ، كان الدخان يتصاعد من مدخنة القاطرة ثم يميل محاذياً سطح العربات ، وصوت القطار نغمٌ رتيبٌ يسبب النعاس ويزرع الرغبة في النوم ، كانت المرة الأولى التي يعبر فيها سيناء متجهاً إلى مصر ، هذا البحر من الرمال ، ينافس البحر الحقيقي ، آه لو عمرها المصريون ، لو حولوا مياه النيل إليها ، لو قدموا الحوافز لخريجي الجامعات ، لأصبحت سيناء جنة ، ولأسكنوا فيها خمسة ملايين إنسان على الأقل .. هاهي العريش تربض نخيلاً على شاطئ البحر .. صوت القطار يأتي رتيباً مملاً .. ود لو يصل بسرعة ليبدأ العمل ، لكن سيناء تتمطى وكأنها تصحو من سبات عميق .. الشمس تطل من الشرق، والقطار يتجه من الشمال إلى الجنوب ، يميل إلى الغرب تدريجياً .. تختلط الاتجاهات .. يكاد لا يميز بين شرقٍ وغربٍ ، أو شمالٍ وجنوب ، صوت القطار يأتي مبحوحاً .. تشوك .. تشوك .. تشوك .. بحيرة البردويل على يمينك ، والتلال الرملية تتربص بها من اليسار، والقطار يفصل بينهما بفحيحه المستمر، والقضبان الحديدية تطوي الأرض باستمرار .. تنساب وسط الضجيج أنغام أغنية عبد الوهاب .. يا وابور قولي رايح على فين ..يذوب مع الأنغام .. يا وابور قولي .. يسرح .. حوّد مرة وبعدين دوغري .. يا وابور قولي .. تطلع وادي وتنزل كوبري .. يا وابور قولي .. هذه الرحلة يا وابور من أجل أن أصل مكاناً على مرمى حجر ، ولكن .. تفصله عني حواجز وسدود، قل أيها الوابور كيف السبيل إلى ذلك دون هذه الرحلة .. كيف ؟
من القنطرة تطل قناة السويس عروساً تتمايل بدلال .. يحق لك التباهي ، فقد أصبحت حرةً ، بينما تقتلنا عبوديتنا كل يوم .. تراءت أمامه صحيفة الجمهورية المصرية .. صوت بائع الصحف .. الجمهورية .. الأهرام .. الأخبار .. آخر ساعة .. المصور .. طلبات التطوع التي كانت تنشرها الصحف المصرية للدفاع عن القناة .. طفلاً كان .. عبأ أكثر من طلب من طلبات التطوع .. اقتحمته الرجولة مبكرة.. كان يريد أن يقاتل دفاعاً عن قناة السويس ، فالمعارك متداخلة ، ترتبط فيما بينها بخيط أشبه بحبات المسبحة .. إنهم يخوضون معركة تدجين هذا الوطن .. فهل ينجحون ؟ صوت المذياع يتدفق .. دع مياهي فمياهي مغرقة ، واحذر الأرض فأرضي صاعقة .. هذه أرضي أنا ، وأبي ضحى هنا .. يا إلهي كم كانت رائعةً أيام المقاومة، تشعر بالفخر والاعتزاز .. تتدفق في عروقك دماء الحياة كريمةً سخيةً .. لا تخشى الموت لأنه طريقٌ إلى حياةٍ أكثر كرامة .. ينتهي رجال الجمارك من فحص الأمتعة والتصاريح.. يعبر القطار فوق القناة ، يتلوى فوق الكوبري ، بينما ترتعش القناة بلذة ، كأنهما دودتان تتسافدان ، تعبران حاجز الشبق .. هنا يلتحم الشرق بالغرب .. آسيا بأفريقيا .. العدل بالظلم .. السخرة بالكرامة .. هنا مركز الكرة الأرضية .. هنا قلب العالم .. شريانه التاجي .. آه يا عرابي .. نجح عبد الناصر حيث أخفقت .. طوابير المسخرين تتهالك فوق الرمال .. يقطف ديليسبس حياتهم نجاحاً وشهرة .. آه يا عبد الناصر .. باسم الأمة .. رئيس الجمهورية يعلن تأميم شركة قناة السويس شركة مساهمة مصرية .. تقوم القيامة ، ويعقد مؤتمر الدول الثماني عشرة .. يبدأ العدوان الثلاثي ، وتسقط غزة .. تشهد خان يونس مجزرة رهيبة .. يا إلهي .. لا أعادها الله تلك الأيام .
طلقات رصاص تستعيده إلى الواقع .. ها قد عادت الأيام .. كتبوا قبل أن يغادروا القطاع عام ستة وخمسين ـ على جدار المسجد الكبير ـ " سنرجع مرةً أخرى " .. وهاهم عادوا .. ها نحن نفترش الرمال ونلتحف السماء .. القطار يصدر صفير الاستعداد .. يغادر القنطرة .. الإسماعيلية تقترب .. يتجاوز القطار الإسماعيلية بحدائقها الجميلة وشوارعها النظيفة ، لتستلقي تحت عجلاته أراضٍ بورٍ منبسطة ، تترامى هنا وهناك ، والطريق إلى القاهرة ما زال طويلاً ، بعض المواقع العسكرية تستلقي باسترخاء على جانب الطريق ، ومطار القاهرة الدولي يتلألأ من بعيد .. تتراقص أنواره بطريقةٍ تخطف الأبصار .. وأخيراً يستقر القطار في محطة باب الحديد .. أقلتهم السيارات إلى مدرسة بنات شبرا الإعدادية .
الفصل الثاني
ـ 2 ـ
كانوا حوالي أربعين معلماً، المدرسة خالية من الطالبات ، وقد أعدت الغرف لاستقبالهم ، المعلمون المصريون قدموا إلى مركز التدريب من مختلف محافظات الإقليم الجنوبي من الجمهورية العربية المتحدة ، تم التعارف بينهم بسرعة وكأنهم أصدقاء التأم شملهم من جديد ، دارت الأحاديث بينهم ، كانت لدى المعلمين المصريين أسئلة حائرة عن فلسطين ، تشوق إلى المعرفة .. معرفة كل شيء عن القضية من أهل القضية ، وبعد أن توطدت علاقاته بمجموعة من هؤلاء المعلمين المصريين سأله النقيب احتياط سمير حسين سؤالا ظن أنه سيجرح مشاعره، مهد لسؤاله بقوله :
ـ أنا عايز أسألك سؤال بس بدون زعل !
ابتسم : خد راحتك .
استطرد سمير متحرجاً : انتو بعتم أرضكم ليه ؟!
اتسعت ابتسامته : إذا لم أنس .. أعتقد أنك تحمل ليسانس في التاريخ ،وأعتقد أن من درس التاريخ ودرّسه يجب أن يعرف الحقيقة أكثر من الآخرين .
ـ إحنا قلنا ما فيش فينا من زعل .
ـ لم أزعل ، ولكني أشعر بالألم لأن من نحبهم يقبلون ما يدس ضدنا دون تمحيص ، الحقيقة يا عزيزي أن اليهود ، وحتى تاريخ 15 مايو سنة 1948 لم يكونوا يملكون من أرض فلسطين أكثر من اثنين ونصف بالمائة ، وقد امتلكوا هذه الاثنين والنصف عن طريق الإنجليز من الأراضي الأميرية ، وكذلك عن طريق بعض أغنياء الإقطاعيين من غير الفلسطينيين أمثال عائلة سرسق ، وهم يشبهون الباشاوات والبكوات عندكم . الحقيقة يا صديقي أن الفقراء لم يبيعوا شبراً واحداً من الأرض لليهود ، وإن كان الفقراء قد أخطئوا فإن خطأهم هو أنهم لم يسجلوا أراضيهم في دائرة تسجيل الأراضي (الطابو)، وهذا أمر فرض عليهم فرضاً بسبب الضرائب الباهظة والإجراءات المعقدة التي تواكب عملية تسجيل الأرض .
***
أجرى الأطباء الفحوص الطبية اللازمة بعد أن خلعوا ملابسهم ولم يبق عليهم سوى اللباس الداخلي الذي يستر العورة، تحسس الطبيب خصيتيه بيده اليمنى ، ثم كتب شيئاً باللغة الإنجليزية، طلب منهم الأطباء أن يلبسوا ملابسهم ، ثم توجهوا إلى قاعة المحاضرات ، قام أحد الضباط المسئولين عن التدريب بإلقاء محاضرة مطولة عن التدريبات المتوقعة وأن الهدف من هذه الدورة تخريج معلم فتوة ذي كفاءة عالية ، لأن التربية العسكرية ستكون مادة أساسية في مدارس الجمهورية العربية المتحدة وفلسطين ، بعد ذلك توجهوا إلى الطابور وبدأ المدرب يشرح لهم طريقة المشي وضرورة البدء بالقدم اليمنى على أن ترافقها اليد اليسرى في حركتها، طلب منهم المدرب الانتشار في ساحة المدرسة ، نادى بأعلى صوته :
ـ طابور اجمع .
***
في الساعة الخامسة من صباح اليوم التالي ، انطلقت صفارة الشاويش عبد الحميد، قفز من فراشه كالملسوع، كاد صوت الصفارة يثقب طبلة أذنه، صاح الشاويش :
ـ يللا يا إخواننا .. اصح أنت وهو..
غسل وجهه على عجل، لبس ملابسه العسكرية تمنطق بالحزام (القايش) ، انتعل حذاءه العسكري والجيتر الأبيض ، جرى بسرعة ليأخذ مكانه في الطابور.. صاح الشاويش :
ـ فصيلة صفا .. فصيلة انتباه .. صفا .. انتباه .. صفا ..انتباه .. لليمين در .. لليسار در .. على اليمين حزه.. حازي أنت وهو.. إلى الأمام معتاداً مارش ..
مد قدمه اليمنى بثقة ترافقها يده اليسرى.. امتد ساعده مشدوداً متوتراً ، كانت لديه فكرة جيدة عن المشي وعن حمل السلاح واستعماله .. كان دليل اليمين في طوابير التدريب الشعبي ، وكان الطابور يضبط مشيته على إيقاع قدميه .. دق الأرض بقدميه.. كان شاباً يافعاً طويلاً نحيلاً ممشوق القوام ، قمحي البشرة ، شرقي الملامح ، عيناه عسليتان ، شعره أسود ناعم طويل ، تتحرك خصلاته مع نسمات الصبح الباردة ، وعلى طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي انطلق الطابور يدق الأرض بثقة ، والشاويش يطلب المزيد :
ـ أشد .. طلع المية من الأرض .
وبعد مدة بدت طويلة نسبياً ، غطى العرق أجسادهم ، وبعد أن ازدادت أشعة الشمس اشتعالاً ، جاءهم صوت الشاويش :
ـ مكانك قف.. لليمين در .. لليسار در .. خلفاً در .. للأمام معتاداً مارش .
استمر الطابور أكثر من ساعة ، عاد المتدربون بعدها إلى مركز التدريب ، كان موعد الإفطار قد حان ، تحلق الشبان حول الموائد في قاعة الطعام.. تبخر الوقت بسرعة، صفارة الشاويش تطاردهم :
ـ طابور اجمع..
المتدربون يقفزون من أماكنهم ، الطابور ينتظم بسرعة ، الجميع متشوقون إلى المزيد من التدريب ، وزعت عليهم بنادق من طراز 303 ، تحسس كل منهم بندقيته بشوق ومحبة ، لطالما اشتاق إلى السلاح شوقه إلى فرحة العمر ، صوت الشاويش يرن في أذنيه: صفا .. انتباه .. صفا .. انتباه.. كتفاً سلاح .. جنباً سلاح .. كتفا سلاح .
قدم لهم الشاويش شرحا تفصيلياً عن الالتحام بالسلاح الأبيض وكيفية الطعن بالسونكي ، إطلاق صرخة النصر لإرباك العدو وإدخال الرعب إلى قلبه.. جرى الشاويش مصوباً السونكي نحو الشاخص.. السونكي تلمع ، انعكست عنها أشعة الشمس سهام حماسة وتحفز ، صرخ الشاويش بأعلى صوته: هــ ......... ــا طويلة مرعبة ، طعن الشاخص بالسونكي وأدار النصل يميناً ويساراً وسحب السونكي بسرعة كبيرة .
بدأ كل منهم يقلد حركات الشاويش.. الجري بسرعة .. صرخة النصر المرعبة.. السونكيات تلمع تحت أشعة شمس الصيف الحارقة.. والشاويش يصيح :
ـ ايه الصوت البناتي ده .. أجمد من كده .. عاوزك تسيب ركب العدو ، تخليه يحس انك وحش حيفترسه، يللا يا رجالة .. فين الوحوش ؟ أطلق صيحة النصر.. مرعبة كانت .. كأنه يريد أن يدفع خوفا مفاجئا ألم به ، مر في ذهنه خاطر مرعب.. ماذا لو تحول هذا الشاخص إنسانا حقيقيا بيده سونكي تلمع .. أيهما سيصل إلى عدوه قبل الآخر.. يقولون أن اليهودي يخشى المواجهة بالسلاح الأبيض .. لن أعطيه الفرصة لأن يكون الأسبق إلى توجيه الطعنة .. أسرع أكثر ..شد خطواته .. أطلق صيحة أشد ..وبكل قوته طعن ..يا إلهي .. هل قتلته ؟ هل أصبحت قاتلا؟ أنا الذي لم أذبح فرخة في حياتي .. أتحول إلى قاتل .. لكن القتل في ميادين القتال يختلف عن القتل في الظروف العادية.. القتل بدم بارد جبن ونذالة ، في الحرب ، الأمر يختلف .. صوت الشاويش ينبعث من واد سحيق :
ـ دور السونكي يا أفندي .. اسحب بسرعة.. اصرخ .. أعلى.. فين الرجالة ؟
***
الساعة الثانية بعد الظهر .. تسربت فترة الراحة بسرعة ، لم يكادوا يتناولون طعام الغداء ، الصفارة اللعينة تلاحقهم ، تقتنص لحظات الراحة اللذيذة ، يطاردهم الشاويش بصفارته ، طابور أنت وهو .. اجمع بسرعة .. رجالة ورق ! استمرت التدريبات حتى الخامسة ، شعر بالتعب ، صوت الشاويش يأتيه من مكان سحيق ، كأنه في حلم : انصراف يا عسكري أنت وهو .
حان وقت الراحة إذن، تجمع المتدربون في حلقات ، الابتسامات تعلو الشفاه رغم تعب ذلك النهار ، كانوا منهكي القوى، ومع ذلك تماسكوا، اقتربوا من بعضهم ، كانوا يودون التعرف على بعضهم أكثر .. أكثر من مجرد معرفة الأسماء ، وبعد تناول طعام العشاء طابت الأحاديث وطاب السهر.. كيف سيقضون أوقات ما بعد التدريب ؟ هل سيظلون أسرى معسكر التدريب كما تقول الأوامر.. محظور عليهم الخروج من المعسكر إلا بعد الساعة الثانية من بعد ظهر كل يوم خميس .. يحق لكل متدرب أن يبيت خارج المعسكر.. أن يقضي بقية يوم الخميس وطيلة يوم الجمعة في الخارج ، هل يعقل ذلك ؟! لابد من الخروج .. لابد من تذوق طعم القاهرة والتعرف عليها.. دور السينما .. المسارح .. حديقة الحيوان ، والأهم من ذلك كله ، التعرف عن قرب على الشعب المصري الطيب، كان يشعر بحنين خاص نحو مصر ، مع أنه لم يشرب من ماء النيل من قبل، لكنه يحس أن ماء النيل يجري في عروقه منذ قرون بعيدة .. تذكر الأستاذ حسين مدرس العلوم ، المصري الجنسية ، في مدرسة خان يونس الثانوية.. تذكر حديثه عن ماء النيل .. عن شرب الفلاحين منه مباشرة ، عن الأمراض التي تسببها المياه الملوثة.. لابد من رؤية مصر عن قرب .. لابد من رؤيتها على حقيقتها عارية دون رتوش ، لابد من خرق القانون دون الوقوع تحت طائلته ، اقترح أحد المتدربين أن يتفقوا مع العم نوح الغفير ، كان المكلف بتطبيق الأوامر وعدم الخروج من المعسكر أو الدخول إليه دون تصريح ، نعطيه عشرة صاغ وبعض السجاير فيغض الطرف عنا ، فكرة معقولة ، ظهرت أوراق اللعب فجأة فانخرط ضمن مجموعة من الزملاء المصريين الذين أصبحوا أصدقاء حميمين فيما بعد ، فتح قلبه لهم وفتحوا قلوبهم، كانت مصر في القلب وكان عبد الناصر بؤبؤ العين ، كان معبوده وحبيب قلبه ، البطل المعصوم إلى حد القداسة .." باسم الأمة رئيس الجمهورية يعلن تأميم شركة قناة السويس شركة مساهمة مصرية ".. " كنا نار أكلت جيوشهم نار تقول هل من مزيد ، انتصرنا ولسه عارهم ذكرى في تراب بور سعيد " ، هل ستستمر هذه النار في الاشتعال ؟ أم أنها ستنطفئ وينحسر بعد انطفائها ذلك المد القومي العربي ، هل ستظل شعلة عبد الناصر مضيئة تنير له الطريق ، كاد يضرب صديقه المصري عندما أطلق شتيمة قاسية ضد جمال عبد الناصر ، هذه الهالة المقدسة ، هناك من يحاول خدشها وتشويهها ، فوجئ وائل ، صديقه المصري، من ثورته ، حاول أن يشرح الموقف .. عبد الناصر ده ، اعتقل جميع أفراد أسرتي صغارا وكبارا ، نساء ورجالا، أنتم الفلسطينيون لم تروا إلا الوجه المشرق لعبد الناصر ، هدأت ثورته قليلا :
ـ لابد أنكم فعلتم ما تستحقون عليه السجن ، عبد الناصر إنسان ، وهو يعيش مرحلة بناء الوطن ، بناء مجتمع الكفاية والعدل ، وبالتالي لابد من وقوع أخطاء .
ـ وهل فعل الأطفال شيئا؟
ـ إنك تبالغ دون شك ! ولو فعل ذلك فلا بد أن لديه من الأسباب ما جعله يفعل ذلك.
حدثه عن اللواء يوسف صديق عضو مجلس قيادة الثورة ، وكيف أبعد عن مصر لأنه عارض تدخل السفير الأمريكي في شؤون مصر الداخلية ، وكيف اعتقل عبد الناصر الشيوعيين، قاطعه قائلا :
ـ ولكنه اعتقل الإخوان المسلمين أيضا ، أعتقد أنك لا تستطيع إنكار ذلك .
ابتسم صديقه المصري : لا أستطيع إقناع عاشق لعبد الناصر بسلبيات عبد الناصر . غلبتني في لعب الورق ، أما النقاش فلن ينتهي ، لابد من الحوار ، بالحوار فقط يمكن الوصول إلى بر الأمان ، لابد من وجود حرية الرأي ، الرأي والرأي الآخر يكملان بناء المجتمع على أسس سليمة ، دعنا من الحوار الآن ، فلا بد من النوم، اقترب الفجر ولا بد أن صفارة الشاويش عبد الحميد ستلاحقنا .
ـ فعلا لابد من النوم ولو لساعة واحدة.
كان النوم لذيذا ، له مذاق آخر ، لكن لذته لم تطل ، فر النوم من العيون الغافية مذعورا ًهرباً من صفارة الشاويش عبد الحميد ، استيقظوا على عجل ، لبسوا ملابسهم الخاكية بسرعة البرق ، انتظم الطابور في لمح البصر ، صوت الشاويش عبد الحميد يلعلع:
ـ صفا .. انتباه.. صفا انتباه.. كتفا سلاح .. جنبا سلاح .. إلى الأمام معتادا مارش .
وتتوالى الأوامر والتدريبات ، تتخللها فترات راحة قصيرة ، كانت التدريبات متعبة ، لكن التعب مع وجود الرغبة يكون له طعم آخر .
***
عم نوح رجل في الخمسين من عمره ، له وجه لوحته شمس مصر فأكسبته سمرة ثراها ، ضخم الجثة كأنه جبل ، تعكس ملامح وجهه هما أزليا ، وكأنه يحمل هموم مصر من عهد مينا ، لكنه يغطي ذلك بابتسامته العريضة الطيبة ، لم يره دون أن يرى بندقيته تطل من خلف كتفه الأيمن ، حزامه العريض يحاول الإحاطة ببطنه الضخمة ، شنبه الأسود يتمنع على الشيب الذي غزا معظم شعر الرأس ، عيناه لامعتان ، يبدو لمن يراه لأول وهلة أنه وحش مفترس ، لكن من يعرفه عن قرب يكتشف أنه يمتلك قلبا طيبا، قلب طفل بريء ، يغضب إذا اقترب أحد من ألعابه ، ويفرح من الكلمة الطيبة أو الابتسامة الحانية .
بعد انتهاء فترة التدريب في حوالي الساعة الخامسة، توجه مع أربعة من زملائه المصريين إلى العم نوح ، نظر إليهم نظرة مستريبة نبتت بذور الشك والتوجس في عينيه، بادره أحدهم :
ـ ازيك يا عم نوح ؟
ـ الله يسلمك يا ابني .
ـ سيجارة يا عم نوح ، ومد أحدهم علبة سجاير بلمنت إليه .
أرسل عم نوح نظرةً ثاقبة : يا ترى العيال دول عايزين ايه يا نوح .
اليد ممدودة بعلبة البلمنت ، السيجارة تطل منها في خفر ، الشك يطل من عيون عم نوح ، يده تتردد في تناول السيجارة ، فهو لا يدري ما يريدونه منه ، وبعد تردد امتدت يده وتناول السيجارة ، امتدت يد أخرى بالولاعة :
ـ ولعة يا عم نوح . ولم ينتظر ، أشعل الولاعة وقرب شعلتها من سيجارة العم نوح .
ـ متشكر يا ابني.
جلس خمستهم على الأرض ، اضطر العم نوح إلى الجلوس ، كان الضباط قد غادروا مركز التدريب ، ولا ضرر من الجلوس ، صحيح أن الشاويش عبد الحميد يهوش كثيرا ، لكنه طيب في كل الأحواال ، حاول أحدهم فتح باب الحوار مع العم نوح :
ـ بتشتغل هنا من زمان يا عم نوح ؟
ـ من زمان قوي ، كان عندي ييجي عشرين سنة ، عرفت المدرسة دي طوبة طوبة ، المدرسة دي حتة مني ، من زمان قوي قامت الثورة ، طلع الجيش للشوارع ، معرفتش وقتها ايه يعني ثورة ، كل اللي عرفته بعدها إن الملك غار في ستين داهية .
ـ طيب يا عم نوح . أنت بتاخدش أجازات ، بتروّحش البيت ؟
ـ الله لا يسيئك يا ابني ، دنا مقطوع من شجرة ، لا حرمة ولا عيّل، أنا ساكن هنا ، المدرسة بيتي ، وبنات المدرسة بناتي ، والمدرسين والمدرسات اخوتي وأهلي .
ـ تفضل علبة السجاير دي يا عم نوح .
مد يده مترددا وأخذ علبة السجاير: أيتها خدمة يا أخواننا ؟
ـ عم نوح أنت عارف إننا ممنوع نخرج بدون تصريح ، واحنا معظمنا من الأرياف ، والراجل ده فلسطيني عايزين نفسحه في مصر .
ـ ما كانش يتعز يا ابني ، من الباب ما اقدرش أخرجكم .
ـ والحل يا عم نوح ؟
ـ ممكن تخرجوا عن السور ، من حتة بعيدة عن عيني ، ولما ترجعوا تندهولي أدخلكم .
ـ استبينا (اتفقنا) يا عم نوح .
ناوله أحدهم عشرة قروش دسها في جيب سترته الداخلي ممتنا ، قفزوا عن السور واحدا بعد الآخر ، ولما صاروا في الشارع بدءوا يفكرون إلى أين يذهبون ، وأخيرا استقر رأيهم على الذهاب إلى المسرح العائم لحضور مسرحية للممثل الكوميدي أمين الهنيدي ، في المسرح التقى أحد زملاء الدراسة ، كان يعمل في الخليج ، وهو عائد إلى القطاع لقضاء إجازته الصيفية ، كان قد أصيب بعدة طلقات أثناء العدوان الثلاثي ، لكنه لم يمت ، كره قطاع غزة فقرر أن يغادره إلى الخليج وألا يعود إليه إلا زائرا . قضوا سهرتهم في ضحك متواصل ، خرجوا من المسرح في حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، كانت السيارات قد خفت حركتها ، مشوا مسافة طويلة قبل أن تلحق بهم سيارة تقلهم إلى حدائق شبراً . نادوا على العم نوح ؛ فانفتحت بوابة المدرسة ، دخلوا بحذر خشية أن يراهم أحد ، ابتسم العم نوح :
ـ ما تخافوش يا إخواننا ، كلهم نايمين، ما فيش صريخ ابن يومين صاحي .
أشعل أحدهم سيجارة وقدمها له ، دلفوا إلى غرف النوم دون جلبة ، تجاوز الوقت الثالثة ببضع دقائق ، لابد من النوم قبل أن تزعجهم صفارة الشاويش عبد الحميد في الساعة الخامسة كالعادة ، كان الرائد عاطف قد أبلغهم أنهم سيتوجهون إلى سينما قصر النيل في الساعة الرابعة من عصر اليوم التالي لمشاهدة فيلم عن الحرب النووية وكيفية التصرف في المواقف المشابهة ، طافت بذهنه أغنيات مجنحة لأم كلثوم ، سندخل سينما قصر النيل دون تذاكر ، وسنشاهد المكان الذي طالما وقفت فيه سيدة الغناء العربي ، كم حلم بذلك ، أن يشتري تذكرة وأن يستمع إليها ، وأن يراها عن قرب ، لكنه موظف ، والمرتب محدود ، وتحقيق مثل هذه الرغبة دونه قيود وقيود، التصريح ، وثمن التذكرة ، وأجرة الإقامة في الفندق، ونفقات الأكل والشرب ، ومصاريف الفسح ، سيضيع معاش عام كامل ، وهو الآن يقيم في مصر دون أية نفقات ، اللهم إلا نفقات الفسح وشمة الهوا، وسيدخل سينما قصر النيل بالمجان ، وسيرى مكان وقوفها على الأقل ، وسيتخيلها تعتصر منديلها وحنجرتها وأعصابها لتطرب الغلابا في كل مكان ، يجافي النوم عيونهم ، وتهجرهم مضاجعهم ، آه يا سيدتي أم كلثوم ، كان بكرا، لم يعرف الحب طريقه إلى قلبه ، مجرد تهويمات مع هذه الأغنية أو تلك ، كان يعشق الوطن ، ويحلم بالحرية ، الفرح الشخصي قضية مؤجلة بالنسبة إليه ، لابد من تكريس كافة الجهود من أجل الخلاص وتخليص أهم عروس في العالم من سبيها ، ما من سبي دام إلى الأبد ، حتى السبي البابلي لم يدم ، وليته دام ، كنت أرحتنا يا بخت نصر ، سينما قصر النيل تنتصب أمام عينيه بدلال ، كأنها تتيه باحتضانها لحفلات كوكب الشرق ، وقفت الحافلات أمام دار سينما قصر النيل ، نزل المتدربون ، اصطفوا في طابور فردي ، وبدءوا يدخلون إلى السينما واحدا بعد الآخر ، جلسوا على المقاعد بالترتيب ، الساعة تقترب من الرابعة ، شاشة السينما تضيء بعد إطفاء الأنوار ، الفيلم يتحدث عن الحرب الذرية والقنابل الذرية المحدودة التي يمكن أن يطلقها الجنود في ميادين القتال على تجمعات جيش العدو ، وكيف يغادر الجندي الذي يطلق القنبلة الصغيرة المكان مستعينا بحزام يقذفه بعيدا عن تأثير الإشعاع ، بعد انتهاء الفيلم ناقشهم الرائد عاطف حول القضايا الهامة في الفيلم وأجاب عن أسئلتهم ، وحين عادوا إلى مركز التدريب أبلغوا أن المتدربين الفلسطينيين سيشاركون في العرض العسكري الذي يقام كل عام احتفالا بالذكرى السنوية لثورة يوليو ، سأشارك في العرض إذن ، وسأظهر في التليفزيون ، سأكون دليل اليمين ، وسيراني الأهل ولأصدقاء والأخوة ، سيدركون أننا لم نكن نلعب ، وأننا بذلنا من الجهد ما جعلهم يفكرون في إشراكنا في العرض العسكري ، لو لم يكن مستوانا في التدريب مناسبا لما فكروا في ذلك، كان ذلك في الثلث الأول من شهر يوليو، كانت بينهم وبين العرض فترة أسبوعين تقريبا ، ضاعفوا جهودهم ، لكن خروجهم لم ينقطع ، كانوا يخرجون كل ليلة ، مرة إلى السينما ومرات إلى المسرح ، ذهبوا إلى مسرح البالون ، وفي إحدى دور السينما شاهدوا فلم "ذهب مع الريح " كان فيلما طويلا ، ومع ذلك نسوا أنفسهم ، اندمجوا في الفيلم ، وبعد خروجهم من قاعة السينما فوجئوا بطول مدة العرض ، كانوا شبابا يفورون صحة وعنفوانا ، السهر لم يضعف من عزيمتهم ، انتظروا يوم العرض بفارغ الصبر ، همس يدور هنا وهناك ، الهمس يعلو شيئا فشيئا ، لن يكون هناك عرض هذا العام ، لم يذكروا الأسباب ، العشرون من يوليو سنة خمس وستين وتسعمائة وألف ، الهمس يعلو والإشاعات تتحول إلى حقائق ، محاولة انقلابية فاشلة دبرها الإخوان المسلمون ، قوات الأمن تعتقل العشرات من قيادات الإخوان ، وتصادر كميات كبيرة من الأسلحة ، أسلحة من مختلف الأنواع ، أمريكا كانت وراء الحركة الانقلابية ، كان موعد تنفيذ الانقلاب ليلة الحادي والعشرين من يوليو ، لكن قوات الأمن كانت أسرع من الانقلابيين ، لم تكتمل فرحته ، كان يود أن يشارك في العرض العسكري ، حرمه الإخوان من المشاركة ، أيها القلب الحزين ، لا تكتمل لك فرحة ، لابد من منغصات ، وما أكثر المنغصات في هذه الحياة ، الشوق إلى القطاع يعصر خلايا جسده ، العودة إلى القطاع يقترب موعدها ، وخان يونس تتراءى لناظريه طيف حلم لذيذ ، ما أجملك يا خان يونس ، وما أبسط الحياة فوق رمالك ، لكن الحياة في يافا أجمل ، في يافا عاش طفولة مفعمة ، والده يكتنفه برعايته، وحيدا كان ، قدم له والده كل ما يمكن أن يحلم به طفل ، ألبسه بدلة جديدة أثارت غضب جدته :
ـ هل يساوي هذا المفعوص ثمن البدلة التي اشتريتها له ؟
يومها غضب والده من جدته ، قاطعها مدة طويلة ، تستكثر بدلة بستة جنيهات على ابنه الوحيد ، كان يحلم أن يعيش له ابن ويعطيه دمه وكل عواطفه وأحاسيسه ، وتأتي أمه مستنكرة شراء شيء تافه لابنه الوحيد ، ألم تكن أما ؟ ألم تحبه عندما كان صغيرا أكثر من حبها لنفسها ؟ ألم تحاول أن تفتديه بروحها ؟ أم أنها تكابر ؟ الصحف تتحدث عن محاكمات متوقعة وعن أحكام قاسية ستصدر ضد بعض قيادات الإخوان ، وبعد عودتهم من مصر إلى القطاع ، صدرت أحكام بالإعدام ضد كل من سيد قطب ومحمد قطب ، شعر بالغضب وقتها ، نحب عبد الناصر ، هذه حقيقة لا ننكرها ، لكننا بالمقابل نحب حرية الرأي ونعشقها ، لا يجوز أن يحاكم إنسان على فكر يحمله ويدافع عنه ، ولا يجوز أن تصادر كتبه مهما كان الفكر الذي تطرحه ، الفكر لا يمكن إعدامه ، يمكن مواجهته وتفنيده ، مقارعة الحجة بالحجة فقط هي التي يمكن أن تكشف زيف هذه الفكرة أو تلك ، خنق الأفكار لن يقتلها وإنما يجعلها تنمو بطريقة مشوهة .
***
قبل بدء العام الدراسي استقر على رأي كان مقتنعا به ، لن يصبح معلما للفتوة ، لم يتلق تدريباته ليكون معلما للفتوة ، كان له هدف آخر، وإلى أن يحين الوقت سينتظر، سيعلم أبناء بلده ، المدرسة الإعدادية تشكل حلقة مهمة من حلقات التعليم ، ومن خلال المدرسة يمكن أن يكتسب الأنصار والأعضاء للحركة، التنظيم هو الطريق الصحيح إلى التحرير، الجيوش النظامية لن تستطيع تحريرنا ، لابد من حرب تتخذ شكلا آخر ، يتذكر وقت دخوله التنظيم ، كان ذلك عام ستين وتسعمائة وألف، أحد الزملاء لمس لديه حبه لعبد الناصر ، وذلك الشعور القومي الذي تنبض به عروقه ، زاره في البيت عدة مرات، تحدثوا في أمور شتى ، عن الوطن والتحرير ، الطريقة الأمثل لخلاص هذا الوطن ، زاره مع هذا الصديق مجموعة من الأصدقاء الجدد ، حوارات ونقاشات ، اختلاف واتفاق ، تباعد وتقارب في وجهات النظر ، كانت القناعات موجودة ، الوطن بحاجة إلى شكل آخر من أشكال الكفاح بعيدا عن الجيوش النظامية وتعقيداتها ، القرار السياسي والمتناقضات الدولية وموازين القوى، القوتين الأعظم، حرب العصابات والحرب الشعبية ، وافق على الانخراط في التنظيم ، وفي الجلسة التنظيمية الأولى ، فوجئ بالمسئول السياسي الذي كان يحمل حقيبة صغيرة في يده يخرج من حقيبته مجموعة أوراق كبيرة الحجم ، منسوخة بواسطة الكربون ، أخبره المسئول ، بعد أن عرفه على أعضاء الحلقة الذين سيعملون معه، أنه سيقرأ عليهم تعميما سياسيا ، خيبة أمل تلف كيانه ، كان يتوقع أن يحضر المسئول معه قطعة سلاح ليتدربوا عليها ، لم يكن يعرف أنه مجرد مرشح لعضوية الحركة ، وأن مدة الترشيح قد تمتد إلى ما يزيد عن سنة ، كانوا يعدون المرشح فكريا وسياسيا ، فإن أبدى كفاءةً عاليةً أصبح عضوا ًرسمياً في الحركة يعمل في خليةٍ تنظيميةٍ ويقود حلقةً مبتدئة ، تنبه المسئول إلى علائم عدم الرضا التي كست وجهه ، وحينما أدرك السبب بدأ يناقش أهمية التربية الفكرية ، وأن القضايا العظيمة تحتاج إلى مفكرين عظام للدفاع عنها ، لا نستطيع خوض أية معركة دون درع واقٍ من الأفكار والقناعات ، دور السلاح يأتي بعد التربية الفكرية .
بعد حوالي خمس سنوات من هذه الجلسة وجد فرصته للتدرب على السلاح بطريقة علنية ومشروعة ، لا تثير الشكوك عند كائن من كان ، فالحيطة واجبة رغم وجود حكم وطني في مصر ، قد نختلف مع نظام الحكم ، وما حدث للشيوعيين والإخوان المسلمين ليس بعيدا عن الذاكرة .
***
أثناء وجوده في مصر تعرف إلى خياط عن طريق زملائه المصريين ، يفصل بدلات أنيقة ، اختار قطعة من الصوف المصري ، لونها بني محروق ، بلون القهوة ، لم تكلفه كثيرا ، كانت الأشياء رخيصة في تلك الأيام ، رحمك الله يا عبد الناصر ، وفرت الغذاء والكساء والدواء لكل مواطن مصري ، وأكثر من ذلك وفرت التعليم الجامعي مجانا لكل فلسطيني ، سقا الله تلك الأيام ، كان يتوجه مساء كل يوم إلى المنطقة القريبة من دار القضاء العالي ، يشتري رغيف الحواوشي الساخن ، رغيفا مملوءا بالنقانق المحمرة بعشرة قروش فقط ، كان يحب اللون البني ، كانت لديه بدلة من الصوف الإنجليزي زيتية اللون ، فصلها في غزة عند الخياط أبو شهلا ، دله الزملاء عليه ففصل أول بدلة من ماله الخاص، لكنه كان يعتز بالبدلة من القماش المصري، البنية اللون ، أصبح يلبسها في المناسبات الهامة أو العزيزة إلى قلبه ، وفي زيارة لأحد أصدقائه ورفاقه في الحركة ، كان يود أن يحدد موعدا لجلسة تنظيمية ، لم يكن الأخ في البيت ، أنبأته شقيقة ذلك الصديق بأنه غير موجود ، وحين رآها تاهت منه الكلمات ، لونها خمري ، تكسوها مسحة من جمال هندي ، تردد قبل أن يغادر الباب ، وحين هم بالمغادرة حضر أحد تلاميذه جريا ، سلم عليه قائلا : تفضل يا أستاذ، ثم متوجها إليها :
ـ أستاذ العلوم والرياضيات ، الأستاذ أحمد الفايز.
ابتسمت ابتسامة لطيفة وقالت بدلال : تكسفش ابن أختي ، والله لتعدي .
شعر بالحرج ، كيف يدخل بيت صاحبه في غيابه ، من غير اللائق أن يفعل ذلك، غادر المكان على غير رغبة منه ، التفت وراءه عدة مرات ، كانت تشيعه بنظرات انغرست سهاما في قلبه ، لم يكن يفكر في الزواج، لكن قلبه أخذ يدق بطريقة مختلفة ، ماذا جرى لهذا القلب ، هل تعلق بها أم أنها نزوة سرعان ما تخبو نارها ويتلاشى تأثيرها، ثم إنها شقيقة صديقه وعضو الحركة ، فهل يجوز أن يقيم علاقة معها ، هل يريد أن يتزوجها أم أنه يريد أن يلهو بها ، أم أنها هي التي تريد أن تلهو به ، لم ينم تلك الليلة ، تلخبط كيانه ، صورتها لا تفارقه ، احتضن المخدّة ثم أبعدها ، تقلب ذات اليمين وذات الشمال، يفر النوم من العيون ، القلب يدق، سيتأخر عن المدرسة إذا بقي مستيقظا هكذا ، لابد أن ينام ، وكعادته التي اكتسبها أثناء إقامته في مصر ، جاءه النوم متأخرا ، طيفها زاره في المنام ، استيقظ متكاسلا متباطئا على غير العادة ، توجه إلى المدرسة متثاقلا ، وفي حصة الرياضيات ، ناوله ابن أختها كتابا داخل مغلف ، همس : هدي القصة من خالتي ، فتح المغلف بعد انتهاء الحصة ، وجد بداخل الكتاب وردة حمراء ورسالة مقتضبة: لم أنم الليلة الماضية يا ريت الزيارة تتكرر . نسمة .
كان لا بد للزيارة أن تتكرر ، فهو مكلف بالاتصال بشقيقها ، كان عضوا جديدا في الحركة ، ولا بد من ضمه إلى حلقة تنظيمية ليمر بفترة الاختبار التي يجب أن يمر فيها كل عضو جديد ، توجه إلى بيت صديقه في اليوم التالي ، وجده في انتظاره ، فاتحه في أمر التنظيم ، أوضح له أنه مكلف بالاتصال به ، حدد معه موعد الجلسة التنظيمية ، اتفقا على المكان وطريقة الوصول إليه ، أصبح لديه الآن من الأسباب ما يبرر زيارته لهم ، السؤال عن أخيها ، وإذا لم يجده دخل بمباركة أمها بحجة انتظاره ، كانت الأم تتعمد الخروج من الغرفة أكثر من مرة ، كانت أكثر جرأة منه ، كشفت له عن حبها له وتعلقها به :
ـ كنت وسيما بالبدلة البنية ، إله جمال كنت، هل قرأت عن الآلهة الإغريقية ؟
سرح : وتقرئين أيضا، تمارسين الثقافة على غير عادة بنات حواء ؟ ظننتك نموذجا للجمال الطبيعي. قالت له :
ـ هل أنت معي ؟
ـ أوه ، نعم . معك بكل تأكيد .
ـ سألتك إن كنت قرأت عن آلهة الإغريق ؟
ـ نعم .أحببتك ، قرأت عن آلهة الإغريق ، تقرئين الكتب ؟ أي نوع من الكتب تقرئين ؟ أنا أقرأ الكتب أيضا ، أجابته : أقرأ القصص العاطفية ، هل لديك قصص ؟ وما نوع الكتب التي تقرؤها ؟
ـ أقرأ في شتى المجالات ، في السياسة والأدب والاقتصاد . هل يمكن أن تعيرني بعض القصص ؟
ـ حباً وكرامة .
اتفقا على أن يزودها بالكتب باستمرار.. توطدت العلاقة بينه وبينها ، كل يوم يمر يقربه منها ، يزداد تعلقه بها ، نسي نفسه ، ونسي أن ابنة عمه ، ومنذ ولادتها سميت له ، سيزوجونها له عندما تكبر ، ولكن أمه تعجلت الأمور ، وكذلك والده ، كل يريد أن يزوجه على مزاجه ، كان والده يتقدم له بعرض جديد كل يوم ، عروس جديدة جاهزة تحت الطلب ، لا أريد أن أتزوج يا عالم ، هل شكوت لكم ؟ أريد أن أعيش أعزباً ، اتركوني وشأني ، ولكنا نريد أن نفرح بك قبل أن نموت نريد أن نرى أبناءك ونحن أحياء، تستطيع أن تختار من تشاء من بنات عمك ، بالنسبة للمهر لا تحمل هما، لن يثقلوا عليك، ابن العم بينزل بنت العم عن الفرس ، لا يدركون أن الدنيا تغيرت، وأنه لا توجد قوة تجبر الإنسان على اختيار شريك حياته رغما عنه ،أي ابن عم ؟ وأي فرس ؟ إذا كان القلب قد اختار ، فلا مجال لكسر ذلك الاختيار ، لا أريد الزواج . لا أريد الزواج ، عرضوا عليه أكثر من واحدة من بنات عمه فرفض ، بدءوا يعرضون عليه أخريات من بنات الجيران ، هذه تعمل معلمة ووالدها رجل طيب ، صديقي. قال والده ، ابتسم ، يظن أنني سأتزوج من صديقه ، ثم إلى والده :
ـ لا أريد الزواج من معلمة ، وإذا فكرت في الزواج فلن أتزوج من معلمة ، سأتزوج امرأةً عادية ، مثقفة نعم، تجلس في البيت وتربي الأولاد ، نعم . المرأة لها دور هام في بناء المجتمع ، تبني الأطفال اللبنة الأساسية في أي مجتمع ، ولكني لن أتزوج ، طفت إلى سطح الذاكرة تلك القصص التي كان يسمعها من الكبار عند الفوال أثناء شرائه لصحن الفول كل صباح ، أبو إبراهيم وضعت له زوجته السقية في الشاي ، شرب المسكين دون أن يشعر ، بدأ يذوي شيئا فشيئا حتى مات ، وفلان عملت له زوجته عملا عند الشيخ فدار كالمجنون في الشوارع ، وفلانة ضبطها زوجها مع عشيقها وهي عارية ، لبست ملابسها بسرعة وصاحت بأعلى صوتها : الحقوني .. حرامي .. حرامي ، قفز العشيق عن الجدار المنخفض واختفى في أزقة المخيم ، رآه بعض الجيران الذين استيقظوا وهو يفر بالملابس الداخلية ، همس بعضهم : أي نوع من اللصوص هذا ؟ ينزل ليسرق وهو شبه عار ، قال بعض المغفلين : ربما فعل ذلك حتى يستطيع الإفلات لو أمسك به أحد ، ولكن العالمين ببواطن الأمور التزموا الصمت وإن كان بعضهم قد أفلتت منه بعض الكلمات عن غير قصد : قال حرامي قال ، عجايب يا زمن ، في طفولته رأى في المرأة ملاكا طاهرا، تحيطها هالة من القدسية ، كان ينظر إلى المرأة بخشوع ، كأنه يقف أمام إلهة من آلهة الإغريق ، كان يحب أن يتأمل المرأة عن قرب ، يتعبد في محاريب ذلك الجسد الرائع ، سبحان من أبدع المرأة على هذه الصورة الرائعة ، لكن أحاديث الكبار التي كانوا يقذفون بها على مسامعه وهو يقف على أعتاب مرحلة المراهقة شوهت تلك الصورة الجميلة وحطمت هالة القدسية من حولها ، بدأ يكره المرأة ، تحولت إلى شيطان في نظره ، فقرر عدم الارتباط بأية امرأة ، خصوصا بعد أن تناقلت الألسن خبرا حول قيام أحد الأشخاص بقتل زوجته وذبح ابنيه لأنه يشك في صحة أبوته لهما ، يا لطيف! هل يصل جنون الغيرة بالإنسان إلى هذا الحد ؟ أن يقتل قبل أن يتأكد من صحة شكوكه ؟ لابد أنه فقد عقله ، وإلا لما أقدم على مثل هذه الفعلة الشنيعة ، يقطع رأسيهما ، وبهدوء يحمل الرأسين ويتجه إلى مركز الشرطة ليسلم نفسه ، كانت عيون الطفلين مفتوحة تطل منها براءة غريبة ، ورعب بشع ، ظن المسكين أنه بعمله هذا قد غسل العار الذي لحق به ، يغار الإنسان على زوجته فيثور ويقتل ، ويتناسى حرمة الوطن المنتهكة والتي تنتهك كل يوم ، حين بدأت غرائزه تتفتح لم يسمع عن المرأة ما يسر ،فليبتعد عن طريقها ، فلان استفزته زوجته ، قذفها بالقادوم فأصاب منها مقتلا ، كيف يخفي الرجل جريمته ؟ سكب فوقها صفيحة الكاز وكوّم فوقها ملابسها وأشعل فيها النار ، ثم أبلغ الشرطة أن حريقا شب في البيت راحت زوجته ضحية له ، كادت الشرطة أن تصدق الرواية لولا أن الطبيب الشرعي اكتشف أن الوفاة حدثت قبل اشتعال النار في جسد المرأة ، كما اكتشف وجود كسر في الجمجمة وتهتك في خلايا المخ ، دخل الرجل السجن وتشرد الأولاد ، ساهمت هذه الأحاديث والحوادث في ترسيخ قناعاته بأن الزواج شر يجب أن يتفاداه الإنسان العاقل ، وليشغل الإنسان نفسه بأشياء أكثر جدوى ، كرس معظم وقته من أجل الحركة واكتساب أعضاء جدد ، ازداد عدد أعضاء الحركة بشكل لافت للنظر ، تم ترفيعه بسرعة إلى مرتبة قيادية أعلى ، أصبح عضوا في قيادة المنطقة ، تطورت أفكاره وتوسعت مداركه ، كان يقرأ الكتب السياسية في البداية ويقوم بتلخيصها ليناقشها الأخوة في الحركة ، وكلما قرأ أكثر اكتشف ضبابية وعمومية أفكار الحركات القومية ، وحدة نعم ، تحرر .ألف نعم ، وخيرا فعلوا حين شطبوا شعار الثأر ورفعوا بدلا منه شعار استرداد فلسطين ، هذا الشعار يخلو من رائحة العنصرية والرجعية ، أما الاشتراكية ، فهذه ثالثة الأثافي ، تارة يقولون الاشتراكية العربية ، وأخرى يقولون الاشتراكية الإسلامية ، وثالثة يقولون الاشتراكية الأفريقية ، والأنكى من ذلك كله أن بعض الأدبيات الحزبية قد عرفت كلا من الاشتراكية والقومية على أنهما حب ، بدأ يشعر بتفاهة هذه الأفكار ، وكلما تعمق في قراءاته أكثر ، كلما اكتشف أن ثمة اشتراكية واحدة فقط ، هي الاشتراكية العلمية ، بدأ يناقش مسئوله التنظيمي في هذه القضايا ، ولما عجز هذا المسئول عن تقديم تفسير شاف له أبلغه أنه سيحضر له مسئولا من مرتبة تنظيمية أعلى ، وبالفعل حضر المسئول ، دار حوار هادئ وبناء في المرتبة القيادية ، استمر الحوار من الساعة الخامسة مساء حتى الساعة الثانية عشرة ليلا ، لم يكن يعلم أن حوارات أخرى مشابهة كانت تدور في مناطق عمل الحركة المختلفة وخصوصا في لبنان ، كلفه المسئول بقراءة الكتب عن الاشتراكية العلمية وعمل ملخصات ودراسات حولها ، وعده بأن يحضر له كتاب رأس المال من بيروت ، وقد وصل الجزء الأول من الكتاب بعد أقل من أسبوع ، كما قدموا له كتاب لينين ، الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية ، أخذ يعد الدراسات بشغف ، شعر أن له دورا هاما ، إنه يقوم بتوجيه دفة فكر الحركة ، لم يفاجأ حين تبنت قيادة الحركة الاشتراكية العلمية ، كما لم يفاجأ بالتغيير الذي طرأ على قيادة الحركة ، فالأفكار الجديدة تحتاج إلى قيادات جديدة ، بقي عليه أن يدفع باتجاه تبني فكرة الكفاح المسلح ، دءوباً كان ، لا يمل الدفاع عن قضية يؤمن بها ، وحين حضر الدكتور إلى خان يونس ، التقى الكوادر والعناصر الحركية ، تشعب الحوار ، طلب منهم الدكتور أن يكون كل منهم جهاز ترانزستور يبث أفكار الحركة، ابتسم ابتسامة واسعة ، يريدنا حضرة الدكتور أن نتحول إلى ببغاوات ، نردد الكلمات دون أن نفهمها ، هل يمكن للترانزستور أن يقنع السامعين وأن يحاورهم ، وعندما فتح باب النقاش رفع يده طالبا الإذن بالكلام ، أوضح للدكتور أنه يرفض أن يتحول إلى جهاز ترانزستور يردد الأفكار كالببغاء ، يجب أن يقتنع بالأفكار، أن يهضمها ، حتى يستطيع أن يقنع بها غيره ، ثم بدأ في عرض أفكاره عن العمل المسلح في مختلف مناطق الوطن العربي ، كان يؤمن أنه لا بد من إسقاط أنظمة الحكم الرجعية في المنطقة العربية ، وأن الوحدة العربية لن تتم بموافقة الحكام العرب ، لابد من تحقيق الوحدة العربية بالقوة ، اكتفى الدكتور وقتها بأن قال له : أنت واحد أزعر. لم يكن يعلم أن الدكتور سيتحول بعد أقل من ثلاثة أعوام إلى أكبر خاطف للطائرات في العالم ، وقتها لم ترق له فكرة خطف الطائرات ، رأى فيها خطرا يتهدد القضية الوطنية والثورة الفلسطينية ، كم يتغير البشر ، وكم تتبدل الأفكار ؟!
رواية
د . محمد أيوب
الفصل الأول
ـ 1 ـ
المواصي ...............
ذلك المكان الذي يشكل حاجزاً من النخيل والخضرة بين صحراء الماء ورمال الصحراء ، يفصل بين البحر بسحره وأسطوريته ، وبين تلك التلال الرملية التي تحتضن المدينة، وتداعبها برمالها بين الحين والآخر ، تستلقي تلك التلال الرملية هادئة وادعة ، يلفها سكون غامض ، وكأنها تخبئ سراً ما ، تصمت.. كأنها لا تريد البوح به ، والبحر يرسل وشوشاته ساحرةً خلابة.. تتسلل على جناح النسيم ، فتزرع النعاس في عيونٍ يفر منها النوم ، ولطالما كانت المواصي ملاذ أولئك الذين يبتغون الهدوء ، أو الفرار من هم الحياة اليومي بحثاً عن لحظة نسيان ، يبيتون الليالي الصيفية الجميلة متحررين من جدران البيوت وحرها ، مطلقين العنان لأفكارهم ؛ لتمتزج بوشوشات البحر ، وزرقة مائه التي تتصل بزرقة السماء في نقطةٍ ما عند الأفق ؛ يتصل ما هو سماوي بما هو أرضي ؛ ليمتزج الحلم بالواقع امتزاجاً يجعل للحياة طعماً آخر .
كانت المواصي عيناً خضراء ترنو دائماً إلى السماء ، كانت سلة طعام سكان المدينة، خصوصاً بعد انقضاء فصل الشتاء ، تأتي طيور السمان متعبةً مجهدةً فتستقبلها شباك الصيادين ؛ لتجد طريقها في اليوم التالي إلي الأسواق داخل أقفاصٍ خاصة . كانت طيور السمّن " الفر " حلماً صيفياً لذيذاً ، يمتزج دائماً بالملوخية الخضراء ، مكوناً وجبةً شهيةً ينتظرها الإنسان كل صيف . و أشجار النخيل تكاد تعانق السماء مكونة لوحة جميلة تمتزج فيها ألوان بلح عيوشة ، بالبلح الحياني ، تمتد جذور النخيل في الأرض ، فلا تجد كثير عناء في الحصول على بغيتها من الماء ، أما الخضار فحدث ولا حرج ، فالماء يقبع على بعد سنتيمترات ، يتفجر عيوناً أو آباراً ارتوازية تمنح الحياة والخضرة للمكان ، ينعق غراب من الشرق ، و يتكاثر البوم والغربان ، فيندفع الناس غرباً تاركين منازلهم ، ليتحول هدوء المواصي إلى حركة مفعمة بالصمت ، كان صمتاً ممزوجاً برهبة مرعبة ، حتى وشوشات البحر ، اكتسبت لحناً غريباً ، لم تعد تلك الوشوشة الحنون ، أصبحت كأنها تود هي الأخرى أن تفر من شيء يلاحقها ، يقمع رغبة الحياة فيها ، الناس يتماوجون هنا وهناك والشائعات تلاحقهم كوابيس مزعجة .. يفرون إلى الجنوب ، فتعترضهم الإشاعة .. إنهم يذبحون كل من يقابلونه .. ترتد الموجات البشرية إلى الشمال.. تعترضها إشاعة أخرى ، أنشبت الإشاعات مخالبها في عقول الناس ونفوسهم ، الطوفان البشري المرعوب يعيش حالة من الارتباك لا عهد لهم بها ، تلاحق الكبار منهم صورة ما جرى حين جاءت الغربان من الشرق و الغرب ، و حين قذف البحر من أحشائه رجالاً شكلهم غريب ، عيونهم زرقاء ، كأنها استلبت زرقتها من السماء الصافية ، كان الناس يحلمون و يحلمون .. سنلاحق الغربان من جميع الجهات ، سنشرق و نشمل ، سنفعل و نفعل ، و تمتلئ السماء بالغربان و البوم ، لتقذف بهم بيوتهم إلى المواصي ، حيث لا طعام سوى الماء و الخضار ، كان الموسم موسم الخيار ، ولا بد من عمل شيء أي شيء ؛ فكر البعض بالتسلل إلى المعسكر المجاور لجلب الأطعمة ، و فكر آخرون بالهرب جنوباً إلى مصر ، و لكن الصحراء و العطش ، سيناء يا سيناء ، يا ذلك المجهول الذي يفغر فاه غولاً يأكل كل من يضعف من البشر ، و الإذاعة تنعق ، أصبحت غراباً يشيع أنفاس الهزيمة في الجو ، حطت الغربان رحالها على ضفاف قناة السويس ، يا إلهي هكذا يتحطم الحلم ، كأساً من الزجاج كان ، سقط من يد طفل يلهو به ليتناثر أشلاء زجاجية هنا وهناك .
تحسس بندقيته محاذراً أن يخدشها ، لم تتكلمي كلمة واحدة ، هل هذا هو ما كنا نحلم به ، أن يخرس سلاحنا ، و أن تتكلم إذاعاتنا .. طائراتهم تتساقط كالذباب يا أخي، هنيئاً لك يا سمك البحر .. ادبح ادبح تربح .. ميراج راحت واختفت والميج فاقت واعتلت، وها نحن نتوه في مواصي خان يونس، نعيش عصر التيه العربي ، لم يعد الأطفال يستطيعون الصمود أكثر ، بدأت علامات سوء التغذية تظهر عليهم ، ولا بد من فعل شيء، لابد من إحضار الطعام ، ولو من أجل الأطفال ، صاح :
ـ من يمكنه الذهاب معي لإحضار بعض الأطعمة من المعسكر المجاور ؟
ساد صمت غريب ، توقفت الأنفاس أو كادت ، الخوف يطل من العيون ، يعكسه ضوء الشمس التي أخذت تميل نحو الغرب ، كرر نداءه مرة أخرى ، تحرك أحد أقاربه ، قال باقتضاب : أنا .
نظر إليه : أنت .. لم يتحرك أحد إلاك .. غامت الأفكار في رأسه .. صاح :
ـ لن تذهب معي .
أصر على الذهاب قائلاً : قلت سأذهب يعني سأذهب .. لن أتركك وحدك .
وأمام إصراره لم يجد مفراً من القبول و أخذا يتنقلان بين أشجار الجوافة و النخيل ، حتى أسلما نفسيهما إلى التلال الرملية ، تسارعت خطواتهما حتى وصلا إلى حدود المعسكر الغربي ، استلقيا فوق الرمال وأخذا يراقبان حركة مجموعة من الدبابات تسير على الشارع الرئيسي وسط المعسكر .
قال لرفيقه : سأنحدر زاحفاً إلى أسفل التل ، و بعد أن أصل إلى أول جدار اهبط خلفي .
ثم زحف بحذر حتى وصل إلى أسفل التل ، اندفع إلى أقرب جدار ، تبعه قريبه ، تقدما ببطء ، و قد أخذ الظلام يهبط على المكان عثرت قدماه بجثة ملقاة على الأرض ، شعر بقشعريرة باردة تسري في جسده ، ترى من هو ؟ و كيف مات ؟ هل أصيب برصاصة، أم أن شظية من دانة مورتر أصابته فقتلته ، تذكر لحظة خروجه من منزله ، كانت طلقات المورتر تلاحقه ، كان الرامي يقذف بها على شكل مشية الغراب مرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار ، وهي تنعف الموت شظايا في الشوارع تخترق البشر و تمنع الأنفاس من التردد . كان يجري بضع خطوات ثم ينبطح أرضاً ليتفادى طلقات المورتر ، حتى استطاع أن يخرج من المعسكر ليحتمي بالمواصي خوفاً من مجزرة جماعية كالتي نفذت في الغزو السابق ، وها هو يعود إلى المعسكر ؛ الجثث ملقاة في الشوارع ، و الحيوانات و الطيور تلهو بها ، تأكل بعضاً مما تناثر منها هنا و هناك . شعر بالقرف ، الناس يموتون و نحن نبحث عن الطعام ، و لكنهم الأطفال يعانون و يعانون ، و لابد من إسكاتهم فقد يرشد صوت صراخهم الأعداء إلى مكان وجود الناس .
أخرج موس الكباس ، أمسك بطةً تهيم على وجهها بين الجثث ، سحب حافة الموس الحادة على رقبتها ، ظل ممسكاً بها حتى لا تهرب في أزقة المخيم ، ولما تأكد أنها فقدت دماءها وفارقت الحياة ، أمسك بطةً أخرى ، وهكذا، مال إلى أحد المنازل المجاورة، وجد الباب مفتوحاً ، وعجوز تجلس قرب الباب :
ـ الله يمسيك بالخير يمة .
ـ الله يمسيك بالخير يا ولدي .
طلب من العجوز بعض الدقيق ، وبعض الشاي والسكر ، أرشدته العجوز إلى المطبخ :
ـ خذ ما تشاء يا ولدي .
حمل حوالي نصف كيس من الدقيق ، وأخذ بعض الشاي والسكر ، وضع البطات المذبوحة في كيس فارغ ، قرر العودة من حيث أتى .. إلى المواصي .
أخذا يصعدان التلال ويهبطان ، اقتربا من المواصي ، فوجئا بأن صمت المنطقة قد تحول إلى عويل ، ترى ما الذي جرى ؟ ولماذا يبكي الناس ؟ هل داهم الجنود المكان ؟ وهل قتلوا الشباب كما فعلوا عام ستة وخمسين وتسعمائة وألف ؟ سأل أول إنسانٍ صادفه:
ـ ماذا جرى ؟ لماذا يبكي الناس ؟
أجابه الرجل : استقال جمال عبد الناصر .
كاد يتمزق من الغيظ .. استقال عبد الناصر ؟ يريد أن يتهرب من تحمل مسئولية الهزيمة؟ يكون الشعب مجنوناً إذا قبل ذلك ببساطة .. لا بد وأن يتحمل مسئوليته كاملة ، وأن يصلح ما أفسده .
ترددت أنفاسه بصوتٍ مرتفع ؛ حتى أصبحت لهاثاً مسموعاً ، كان يعاني من شعورٍ غريب ، أبلهاً كان ، استقال عبد الناصر ؟ أصبحت الهزيمة مؤكدة إذن .. تبخرت الأحلام .. بل تسامت.. كم بنينا من قصورٍ في أوهامنا ؟ آه يا شوقي.. أين قصورنا من قصورك ؟ آه أيها الثرى الطاهر .. كم فرطنا في حقك ؟ أن نبني من حصاك أربعنا ، ثم نعود فنهدمها خيرٌ لنا ألف مرة من أن يهدمها غيرنا .. من أن يسرق حلمنا العزيز .. كم حلمنا ؟ ولكن كابوساً ثقيلاً أفسد لذة الحلم .. عبد الناصر يستقيل ويتحمل مسئولية الهزيمة كاملةً .. الجماهير تتدفق إلى شوارع القاهرة .. التاسع من يونيو .. الجثث ملقاة في الشوارع لا تجد من يواريها التراب .. قول الدبابات الذي يجوب الشارع الرئيسي .. المقاومة الشعبية .. الدفاع المدني .. الحلم .. الكابوس .. اليقظة .. البطات المذبوحات .. الشعب المذبوح .. الحلم المذبوح ....
هبت نسمة باردة، سرت قشعريرة في جسده .. هكذا ؟ بكل بساطة نتجرع كأس الهزيمة حتى الثمالة ؟ يا إلهي كأنك لا تريد أن تنصفنا .. أحدٌ جديدة تطل علينا بعيونٍ شامتة .. رائحة اللحم الناضج تملأ المكان ، تفتح الشهية .. لكن نفسه مصدودة .. كان منظر الجثث الملقاة في الشوارع ـ والبط يأكل منها ـ لا يفارقه .. تلح تلك الصورة على مخيلته .. يشعر بالغثيان .. كان يمكن أن أكون واحداً من أصحاب هذه الجثث الملقاة على الأرض في عفوية غريبةٍ .. رائحةٌ نتنة تزكم أنفاسه .. رغبة في القيء تلاحقه .. ومسرحية موتى بلا قبور تدق طبلتي أذنيه .. كأنهم كانوا يعرفون النتيجة سلفاً .. كانوا يحاولون الإيحاء لنا أننا سنكون موتى بلا قبور*، وها هي جثثنا ملقاة في الشوارع لا تجد من يواريها التراب .. ما أمر طعم الهزيمة .. وما أصعب أن تموت بلا ثمن .. بلا هدفٍ تحققه .. كيف ؟ ولماذا ؟ وهذه الجهود كيف ضاعت ؟ المقاومة الشعبية .. الدفاع المدني ؟ وهذه الرسالة الغريبة من وزارة الحربية تطلب منهم أن يعدوا أنفسهم للمقاومة السرية .. الآن فقط ، أدرك فداحة الأمر .. كانوا يتوقعون الهزيمة إذن ؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مسرحية قدمتها الإذاعة الإسرائيلية قبل حرب حزيران بأيام قليلة.
ويريدون منا أن نعد للمقاومة السرية داخل القطاع .. كانت حجتهم أن القطاع ساقطٌ عسكرياً .. وهاهي سيناء تسقط ، وهاهم يحطون رحالهم على الضفة الشرقية لقناة السويس .. ترى ، هل كان عبد الناصر يحلم بذلك .. نحن مستعدون لمواجهة إسرائيل ومن هم وراء إسرائيل .. طائراتهم تتساقط كالذباب يا أخي .. الباخرة ليبرتي .. الهزيمة .. الطيران المصري يقصف المواقع الإسرائيلية .. الله أكبر .. الله أكبر .. عرق غزير يتصبب من جسده .. طلقات من المدفع المضاد للطيران الموجود غرب المعسكر تندفع في الجو شرقاً.. الطائرات المغيرة ليست طائراتنا إذن ؟ أين طائراتنا ؟ اليهود في وسط المدينة .. أحرقوا محطة الوقود .. اسكت أيها الغبي .. أنت طابور خامس .. هل نسقط بهذه السهولة .. نحن الذين كنا نعد العدة لدخول تل أبيب .. للاستمتاع بالشقراوات والبيضاوات .. آه يا حلمنا الذليل ..
ـ ألا تريد أن تتناول الطعام ؟
ـ ليست لدي رغبة .
نكس بندقيته .. حاول أن ينام .. فر النعاس من بين الجفنين .. نظر نحو خطيبته .. حزينةً كانت .. نظراتها منكسرة .. كانا يحلمان بقضاء شهر العسل في مصر .. وهاهما يتشردان في مواصي خان يونس .. أكبر قوة عسكريةٍ في الشرق الأوسط تنهار كانهيار أحلامه .. غير معقول .. إنه كابوس .. هل يعقل أننا نعيش الحقيقة أم أن خاطراً مجنوناً يسلبنا إرادتنا ؟
احتضن بندقيته .. كانت فوهتها تتجه إلى أسفل .. استلقى فوق الرمال .. كان البشر ينتشرون في كل مكان .. الجنود الهاربون من المعركة يختلطون بالمدنيين ، يلاحقهم رعب قاتل ، ذكريات الهزيمة السابقة تلاحقهم .. نحن شعب مهزوم من الداخل ، لا تترسخ في أذهاننا سوى الهزائم ، أما الأمل فلا جذور له ، ولا تربة صالحة لنموه .
الظلام يلف المكان ، والهدوء أيضاً .. أصوات حركة السيارات تمزق الهدوء من فترةٍ إلى أخرى .. صوت انفجارٍ هائل يتبعه صوت انهيارٍ واضحٍ .. لا يوجد في المنطقة سوى الكازينو الرئيسي على الشاطئ ، لقد هدموه إذن ، وبعد ذلك سيتجهون إلينا، ولكن لماذا يتجهون إلى أناسٍ مهزومين ؟ لماذا يحاصرون القط في الزاوية ، قد يتركوننا وشأننا ، لاشك أنهم يدركون أننا هنا ، وأننا نعيش الهزيمة بكل أبعادها .. ما جدوى البقاء هنا ؟ وما نتيجته ؟ وإلى متى نظل نحتمي بهذه المواصي المنخفضة عن سطح البحر ؟ ثمار الخيار انتهت ، حتى ثمار الجوافة الفجة أكلها الناس ، لم يتبق سوى الماء وصوت نقيق الضفادع .. محظوظةٌ هذه الضفادع .. لا تدرك أبعاد الهزيمة التي نحياها ، ونقول إنها نكسة .. تنق ذكور الضفادع داعية إناثها إلى التزاوج ، ونحن تزوجنا الهزيمة زواجاً كاثوليكيا ، تذكر النقيب رمزي .. ذلك الشاب المتحمس .. كان يحلم بالنصر المعجل .. ترى أين أنت الآن يا رمزي .. يا ذلك الرجل من قرية الشجرة .. يا شقيق القسام .. خسرنا أنفسنا يا رمزي .. لم تجدنا المقاومة الشعبية ولا الدفاع المدني .. لم يجدنا التدريب الشعبي ولا الخنادق التي حفرناها على عجل ، وفي فوضى غريبة .. سيارة عسكرية تضل طريقها إلى إسرائيل .. كان يوجد بها خمسة ضباط .. قبل الحرب بأيامٍ معدودات .. هل هي الصدفة ؟ أم أن الأمر كان مدبراً .. ما أقسى أن تدرك الحقيقة دفعة واحدة ، بلا مقدمات .. الهزيمة هي الحقيقة الواحدة والوحيدة في حياتنا .. ابذل العرق توفر الدم .. يا خسارة العرق والدم .. يا خسارة التدريب والتعب .. خسارة وألف خسارة .. كنت مقتنعاً بضرورة التدريب .. لم يبذل الأخوة جهداً كبيراً في إقناعه بالانخراط في دورة تدريب عسكرية في مصر لتأهيل مدربي الفتوة في المدارس الثانوية .. كانوا يفكرون في تلك اللحظة ، وكأن عقلهم الباطن كان يدرك أن الهزيمة قادمةٌ ولا ريب .
***
بعد أن تراجع عن تسجيل اسمه في دورة ضباط الاحتياط ، كان لا بد من بديل آخر ، التدريب الشعبي أو أي تدريب ، وفعلاً انخرط في التدريب الشعبي ، كانت الفترة ثلاثة أسابيع .. لم تكن كافية لتلقي مبادئ العمل العسكري .. يتذكر ذات مرةٍ ، حين أمسك بيديه الكارل جوستاف وصوب .. سرح قليلاً ، وفجأة استرده من سرحانه صوت الضابط يصرخ بغيظ على الشاويش الذي لم ينتبه إلى سرحانه ، كادت تقع كارثة لولا يقظة الضابط ، نادى الشاويش بأعلى صوته :
ـ إلى الأمام تقدم .
ولكنه بقي في مكانه .. لم يتقدم .. انتهبته الأفكار ، وقبل أن يصدر الشاويش أمره بإطلاق النار ، صرخ الضابط :
ـ ما تصحا يا شاويش يا نايم .. شوف الأستاذ بيعمل ايه .. أمسك الضابط به من كتفيه ودفعه إلى الأمام بمحاذاة زملائه ، سرح .. هذا الكارل جوستاف يطلق النار عند حدوث أية اهتزازة فيه.. نادى الشاويش :
ـ اضرب .
انطلقت صلية أصابت الهدف ، لم يشعر بالسعادة ، كان شعوره غامضاً ، هل هذه هي الأسلحة المناسبة ؟ وهل نتلقى التدريب المناسب ؟ الكارل جوستاف .. غريزة التوجيه .. التطهير .. لي أنفيلد .. تلتمية وتلاتة.. الميلز الروسي .. القذف .. الانبطاح الجري .. اجتياز الحواجز .. المطّخ .. الهدف .. كل هذا لا يكفي .. لا بد من تدريب آخر .. ابذل العرق توفر الدم .. هناك دورة لتخريج مدربي الفتوة .. لا بد من التسجيل لها .. قرر بسرعة ، لم يتردد ، لا بد وأن يصبح مدرباً للفتوة ، وحين تأتي اللحظة المناسبة يقوم بتدريب الشباب ، واللحظة قادمةٌ مهما طال الزمن .
***
تحرك القطار صوب الجنوب ، يقل مجموعة من المعلمين من مناطق القطاع المختلفة ، كان الدخان يتصاعد من مدخنة القاطرة ثم يميل محاذياً سطح العربات ، وصوت القطار نغمٌ رتيبٌ يسبب النعاس ويزرع الرغبة في النوم ، كانت المرة الأولى التي يعبر فيها سيناء متجهاً إلى مصر ، هذا البحر من الرمال ، ينافس البحر الحقيقي ، آه لو عمرها المصريون ، لو حولوا مياه النيل إليها ، لو قدموا الحوافز لخريجي الجامعات ، لأصبحت سيناء جنة ، ولأسكنوا فيها خمسة ملايين إنسان على الأقل .. هاهي العريش تربض نخيلاً على شاطئ البحر .. صوت القطار يأتي رتيباً مملاً .. ود لو يصل بسرعة ليبدأ العمل ، لكن سيناء تتمطى وكأنها تصحو من سبات عميق .. الشمس تطل من الشرق، والقطار يتجه من الشمال إلى الجنوب ، يميل إلى الغرب تدريجياً .. تختلط الاتجاهات .. يكاد لا يميز بين شرقٍ وغربٍ ، أو شمالٍ وجنوب ، صوت القطار يأتي مبحوحاً .. تشوك .. تشوك .. تشوك .. بحيرة البردويل على يمينك ، والتلال الرملية تتربص بها من اليسار، والقطار يفصل بينهما بفحيحه المستمر، والقضبان الحديدية تطوي الأرض باستمرار .. تنساب وسط الضجيج أنغام أغنية عبد الوهاب .. يا وابور قولي رايح على فين ..يذوب مع الأنغام .. يا وابور قولي .. يسرح .. حوّد مرة وبعدين دوغري .. يا وابور قولي .. تطلع وادي وتنزل كوبري .. يا وابور قولي .. هذه الرحلة يا وابور من أجل أن أصل مكاناً على مرمى حجر ، ولكن .. تفصله عني حواجز وسدود، قل أيها الوابور كيف السبيل إلى ذلك دون هذه الرحلة .. كيف ؟
من القنطرة تطل قناة السويس عروساً تتمايل بدلال .. يحق لك التباهي ، فقد أصبحت حرةً ، بينما تقتلنا عبوديتنا كل يوم .. تراءت أمامه صحيفة الجمهورية المصرية .. صوت بائع الصحف .. الجمهورية .. الأهرام .. الأخبار .. آخر ساعة .. المصور .. طلبات التطوع التي كانت تنشرها الصحف المصرية للدفاع عن القناة .. طفلاً كان .. عبأ أكثر من طلب من طلبات التطوع .. اقتحمته الرجولة مبكرة.. كان يريد أن يقاتل دفاعاً عن قناة السويس ، فالمعارك متداخلة ، ترتبط فيما بينها بخيط أشبه بحبات المسبحة .. إنهم يخوضون معركة تدجين هذا الوطن .. فهل ينجحون ؟ صوت المذياع يتدفق .. دع مياهي فمياهي مغرقة ، واحذر الأرض فأرضي صاعقة .. هذه أرضي أنا ، وأبي ضحى هنا .. يا إلهي كم كانت رائعةً أيام المقاومة، تشعر بالفخر والاعتزاز .. تتدفق في عروقك دماء الحياة كريمةً سخيةً .. لا تخشى الموت لأنه طريقٌ إلى حياةٍ أكثر كرامة .. ينتهي رجال الجمارك من فحص الأمتعة والتصاريح.. يعبر القطار فوق القناة ، يتلوى فوق الكوبري ، بينما ترتعش القناة بلذة ، كأنهما دودتان تتسافدان ، تعبران حاجز الشبق .. هنا يلتحم الشرق بالغرب .. آسيا بأفريقيا .. العدل بالظلم .. السخرة بالكرامة .. هنا مركز الكرة الأرضية .. هنا قلب العالم .. شريانه التاجي .. آه يا عرابي .. نجح عبد الناصر حيث أخفقت .. طوابير المسخرين تتهالك فوق الرمال .. يقطف ديليسبس حياتهم نجاحاً وشهرة .. آه يا عبد الناصر .. باسم الأمة .. رئيس الجمهورية يعلن تأميم شركة قناة السويس شركة مساهمة مصرية .. تقوم القيامة ، ويعقد مؤتمر الدول الثماني عشرة .. يبدأ العدوان الثلاثي ، وتسقط غزة .. تشهد خان يونس مجزرة رهيبة .. يا إلهي .. لا أعادها الله تلك الأيام .
طلقات رصاص تستعيده إلى الواقع .. ها قد عادت الأيام .. كتبوا قبل أن يغادروا القطاع عام ستة وخمسين ـ على جدار المسجد الكبير ـ " سنرجع مرةً أخرى " .. وهاهم عادوا .. ها نحن نفترش الرمال ونلتحف السماء .. القطار يصدر صفير الاستعداد .. يغادر القنطرة .. الإسماعيلية تقترب .. يتجاوز القطار الإسماعيلية بحدائقها الجميلة وشوارعها النظيفة ، لتستلقي تحت عجلاته أراضٍ بورٍ منبسطة ، تترامى هنا وهناك ، والطريق إلى القاهرة ما زال طويلاً ، بعض المواقع العسكرية تستلقي باسترخاء على جانب الطريق ، ومطار القاهرة الدولي يتلألأ من بعيد .. تتراقص أنواره بطريقةٍ تخطف الأبصار .. وأخيراً يستقر القطار في محطة باب الحديد .. أقلتهم السيارات إلى مدرسة بنات شبرا الإعدادية .
الفصل الثاني
ـ 2 ـ
كانوا حوالي أربعين معلماً، المدرسة خالية من الطالبات ، وقد أعدت الغرف لاستقبالهم ، المعلمون المصريون قدموا إلى مركز التدريب من مختلف محافظات الإقليم الجنوبي من الجمهورية العربية المتحدة ، تم التعارف بينهم بسرعة وكأنهم أصدقاء التأم شملهم من جديد ، دارت الأحاديث بينهم ، كانت لدى المعلمين المصريين أسئلة حائرة عن فلسطين ، تشوق إلى المعرفة .. معرفة كل شيء عن القضية من أهل القضية ، وبعد أن توطدت علاقاته بمجموعة من هؤلاء المعلمين المصريين سأله النقيب احتياط سمير حسين سؤالا ظن أنه سيجرح مشاعره، مهد لسؤاله بقوله :
ـ أنا عايز أسألك سؤال بس بدون زعل !
ابتسم : خد راحتك .
استطرد سمير متحرجاً : انتو بعتم أرضكم ليه ؟!
اتسعت ابتسامته : إذا لم أنس .. أعتقد أنك تحمل ليسانس في التاريخ ،وأعتقد أن من درس التاريخ ودرّسه يجب أن يعرف الحقيقة أكثر من الآخرين .
ـ إحنا قلنا ما فيش فينا من زعل .
ـ لم أزعل ، ولكني أشعر بالألم لأن من نحبهم يقبلون ما يدس ضدنا دون تمحيص ، الحقيقة يا عزيزي أن اليهود ، وحتى تاريخ 15 مايو سنة 1948 لم يكونوا يملكون من أرض فلسطين أكثر من اثنين ونصف بالمائة ، وقد امتلكوا هذه الاثنين والنصف عن طريق الإنجليز من الأراضي الأميرية ، وكذلك عن طريق بعض أغنياء الإقطاعيين من غير الفلسطينيين أمثال عائلة سرسق ، وهم يشبهون الباشاوات والبكوات عندكم . الحقيقة يا صديقي أن الفقراء لم يبيعوا شبراً واحداً من الأرض لليهود ، وإن كان الفقراء قد أخطئوا فإن خطأهم هو أنهم لم يسجلوا أراضيهم في دائرة تسجيل الأراضي (الطابو)، وهذا أمر فرض عليهم فرضاً بسبب الضرائب الباهظة والإجراءات المعقدة التي تواكب عملية تسجيل الأرض .
***
أجرى الأطباء الفحوص الطبية اللازمة بعد أن خلعوا ملابسهم ولم يبق عليهم سوى اللباس الداخلي الذي يستر العورة، تحسس الطبيب خصيتيه بيده اليمنى ، ثم كتب شيئاً باللغة الإنجليزية، طلب منهم الأطباء أن يلبسوا ملابسهم ، ثم توجهوا إلى قاعة المحاضرات ، قام أحد الضباط المسئولين عن التدريب بإلقاء محاضرة مطولة عن التدريبات المتوقعة وأن الهدف من هذه الدورة تخريج معلم فتوة ذي كفاءة عالية ، لأن التربية العسكرية ستكون مادة أساسية في مدارس الجمهورية العربية المتحدة وفلسطين ، بعد ذلك توجهوا إلى الطابور وبدأ المدرب يشرح لهم طريقة المشي وضرورة البدء بالقدم اليمنى على أن ترافقها اليد اليسرى في حركتها، طلب منهم المدرب الانتشار في ساحة المدرسة ، نادى بأعلى صوته :
ـ طابور اجمع .
***
في الساعة الخامسة من صباح اليوم التالي ، انطلقت صفارة الشاويش عبد الحميد، قفز من فراشه كالملسوع، كاد صوت الصفارة يثقب طبلة أذنه، صاح الشاويش :
ـ يللا يا إخواننا .. اصح أنت وهو..
غسل وجهه على عجل، لبس ملابسه العسكرية تمنطق بالحزام (القايش) ، انتعل حذاءه العسكري والجيتر الأبيض ، جرى بسرعة ليأخذ مكانه في الطابور.. صاح الشاويش :
ـ فصيلة صفا .. فصيلة انتباه .. صفا .. انتباه .. صفا ..انتباه .. لليمين در .. لليسار در .. على اليمين حزه.. حازي أنت وهو.. إلى الأمام معتاداً مارش ..
مد قدمه اليمنى بثقة ترافقها يده اليسرى.. امتد ساعده مشدوداً متوتراً ، كانت لديه فكرة جيدة عن المشي وعن حمل السلاح واستعماله .. كان دليل اليمين في طوابير التدريب الشعبي ، وكان الطابور يضبط مشيته على إيقاع قدميه .. دق الأرض بقدميه.. كان شاباً يافعاً طويلاً نحيلاً ممشوق القوام ، قمحي البشرة ، شرقي الملامح ، عيناه عسليتان ، شعره أسود ناعم طويل ، تتحرك خصلاته مع نسمات الصبح الباردة ، وعلى طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي انطلق الطابور يدق الأرض بثقة ، والشاويش يطلب المزيد :
ـ أشد .. طلع المية من الأرض .
وبعد مدة بدت طويلة نسبياً ، غطى العرق أجسادهم ، وبعد أن ازدادت أشعة الشمس اشتعالاً ، جاءهم صوت الشاويش :
ـ مكانك قف.. لليمين در .. لليسار در .. خلفاً در .. للأمام معتاداً مارش .
استمر الطابور أكثر من ساعة ، عاد المتدربون بعدها إلى مركز التدريب ، كان موعد الإفطار قد حان ، تحلق الشبان حول الموائد في قاعة الطعام.. تبخر الوقت بسرعة، صفارة الشاويش تطاردهم :
ـ طابور اجمع..
المتدربون يقفزون من أماكنهم ، الطابور ينتظم بسرعة ، الجميع متشوقون إلى المزيد من التدريب ، وزعت عليهم بنادق من طراز 303 ، تحسس كل منهم بندقيته بشوق ومحبة ، لطالما اشتاق إلى السلاح شوقه إلى فرحة العمر ، صوت الشاويش يرن في أذنيه: صفا .. انتباه .. صفا .. انتباه.. كتفاً سلاح .. جنباً سلاح .. كتفا سلاح .
قدم لهم الشاويش شرحا تفصيلياً عن الالتحام بالسلاح الأبيض وكيفية الطعن بالسونكي ، إطلاق صرخة النصر لإرباك العدو وإدخال الرعب إلى قلبه.. جرى الشاويش مصوباً السونكي نحو الشاخص.. السونكي تلمع ، انعكست عنها أشعة الشمس سهام حماسة وتحفز ، صرخ الشاويش بأعلى صوته: هــ ......... ــا طويلة مرعبة ، طعن الشاخص بالسونكي وأدار النصل يميناً ويساراً وسحب السونكي بسرعة كبيرة .
بدأ كل منهم يقلد حركات الشاويش.. الجري بسرعة .. صرخة النصر المرعبة.. السونكيات تلمع تحت أشعة شمس الصيف الحارقة.. والشاويش يصيح :
ـ ايه الصوت البناتي ده .. أجمد من كده .. عاوزك تسيب ركب العدو ، تخليه يحس انك وحش حيفترسه، يللا يا رجالة .. فين الوحوش ؟ أطلق صيحة النصر.. مرعبة كانت .. كأنه يريد أن يدفع خوفا مفاجئا ألم به ، مر في ذهنه خاطر مرعب.. ماذا لو تحول هذا الشاخص إنسانا حقيقيا بيده سونكي تلمع .. أيهما سيصل إلى عدوه قبل الآخر.. يقولون أن اليهودي يخشى المواجهة بالسلاح الأبيض .. لن أعطيه الفرصة لأن يكون الأسبق إلى توجيه الطعنة .. أسرع أكثر ..شد خطواته .. أطلق صيحة أشد ..وبكل قوته طعن ..يا إلهي .. هل قتلته ؟ هل أصبحت قاتلا؟ أنا الذي لم أذبح فرخة في حياتي .. أتحول إلى قاتل .. لكن القتل في ميادين القتال يختلف عن القتل في الظروف العادية.. القتل بدم بارد جبن ونذالة ، في الحرب ، الأمر يختلف .. صوت الشاويش ينبعث من واد سحيق :
ـ دور السونكي يا أفندي .. اسحب بسرعة.. اصرخ .. أعلى.. فين الرجالة ؟
***
الساعة الثانية بعد الظهر .. تسربت فترة الراحة بسرعة ، لم يكادوا يتناولون طعام الغداء ، الصفارة اللعينة تلاحقهم ، تقتنص لحظات الراحة اللذيذة ، يطاردهم الشاويش بصفارته ، طابور أنت وهو .. اجمع بسرعة .. رجالة ورق ! استمرت التدريبات حتى الخامسة ، شعر بالتعب ، صوت الشاويش يأتيه من مكان سحيق ، كأنه في حلم : انصراف يا عسكري أنت وهو .
حان وقت الراحة إذن، تجمع المتدربون في حلقات ، الابتسامات تعلو الشفاه رغم تعب ذلك النهار ، كانوا منهكي القوى، ومع ذلك تماسكوا، اقتربوا من بعضهم ، كانوا يودون التعرف على بعضهم أكثر .. أكثر من مجرد معرفة الأسماء ، وبعد تناول طعام العشاء طابت الأحاديث وطاب السهر.. كيف سيقضون أوقات ما بعد التدريب ؟ هل سيظلون أسرى معسكر التدريب كما تقول الأوامر.. محظور عليهم الخروج من المعسكر إلا بعد الساعة الثانية من بعد ظهر كل يوم خميس .. يحق لكل متدرب أن يبيت خارج المعسكر.. أن يقضي بقية يوم الخميس وطيلة يوم الجمعة في الخارج ، هل يعقل ذلك ؟! لابد من الخروج .. لابد من تذوق طعم القاهرة والتعرف عليها.. دور السينما .. المسارح .. حديقة الحيوان ، والأهم من ذلك كله ، التعرف عن قرب على الشعب المصري الطيب، كان يشعر بحنين خاص نحو مصر ، مع أنه لم يشرب من ماء النيل من قبل، لكنه يحس أن ماء النيل يجري في عروقه منذ قرون بعيدة .. تذكر الأستاذ حسين مدرس العلوم ، المصري الجنسية ، في مدرسة خان يونس الثانوية.. تذكر حديثه عن ماء النيل .. عن شرب الفلاحين منه مباشرة ، عن الأمراض التي تسببها المياه الملوثة.. لابد من رؤية مصر عن قرب .. لابد من رؤيتها على حقيقتها عارية دون رتوش ، لابد من خرق القانون دون الوقوع تحت طائلته ، اقترح أحد المتدربين أن يتفقوا مع العم نوح الغفير ، كان المكلف بتطبيق الأوامر وعدم الخروج من المعسكر أو الدخول إليه دون تصريح ، نعطيه عشرة صاغ وبعض السجاير فيغض الطرف عنا ، فكرة معقولة ، ظهرت أوراق اللعب فجأة فانخرط ضمن مجموعة من الزملاء المصريين الذين أصبحوا أصدقاء حميمين فيما بعد ، فتح قلبه لهم وفتحوا قلوبهم، كانت مصر في القلب وكان عبد الناصر بؤبؤ العين ، كان معبوده وحبيب قلبه ، البطل المعصوم إلى حد القداسة .." باسم الأمة رئيس الجمهورية يعلن تأميم شركة قناة السويس شركة مساهمة مصرية ".. " كنا نار أكلت جيوشهم نار تقول هل من مزيد ، انتصرنا ولسه عارهم ذكرى في تراب بور سعيد " ، هل ستستمر هذه النار في الاشتعال ؟ أم أنها ستنطفئ وينحسر بعد انطفائها ذلك المد القومي العربي ، هل ستظل شعلة عبد الناصر مضيئة تنير له الطريق ، كاد يضرب صديقه المصري عندما أطلق شتيمة قاسية ضد جمال عبد الناصر ، هذه الهالة المقدسة ، هناك من يحاول خدشها وتشويهها ، فوجئ وائل ، صديقه المصري، من ثورته ، حاول أن يشرح الموقف .. عبد الناصر ده ، اعتقل جميع أفراد أسرتي صغارا وكبارا ، نساء ورجالا، أنتم الفلسطينيون لم تروا إلا الوجه المشرق لعبد الناصر ، هدأت ثورته قليلا :
ـ لابد أنكم فعلتم ما تستحقون عليه السجن ، عبد الناصر إنسان ، وهو يعيش مرحلة بناء الوطن ، بناء مجتمع الكفاية والعدل ، وبالتالي لابد من وقوع أخطاء .
ـ وهل فعل الأطفال شيئا؟
ـ إنك تبالغ دون شك ! ولو فعل ذلك فلا بد أن لديه من الأسباب ما جعله يفعل ذلك.
حدثه عن اللواء يوسف صديق عضو مجلس قيادة الثورة ، وكيف أبعد عن مصر لأنه عارض تدخل السفير الأمريكي في شؤون مصر الداخلية ، وكيف اعتقل عبد الناصر الشيوعيين، قاطعه قائلا :
ـ ولكنه اعتقل الإخوان المسلمين أيضا ، أعتقد أنك لا تستطيع إنكار ذلك .
ابتسم صديقه المصري : لا أستطيع إقناع عاشق لعبد الناصر بسلبيات عبد الناصر . غلبتني في لعب الورق ، أما النقاش فلن ينتهي ، لابد من الحوار ، بالحوار فقط يمكن الوصول إلى بر الأمان ، لابد من وجود حرية الرأي ، الرأي والرأي الآخر يكملان بناء المجتمع على أسس سليمة ، دعنا من الحوار الآن ، فلا بد من النوم، اقترب الفجر ولا بد أن صفارة الشاويش عبد الحميد ستلاحقنا .
ـ فعلا لابد من النوم ولو لساعة واحدة.
كان النوم لذيذا ، له مذاق آخر ، لكن لذته لم تطل ، فر النوم من العيون الغافية مذعورا ًهرباً من صفارة الشاويش عبد الحميد ، استيقظوا على عجل ، لبسوا ملابسهم الخاكية بسرعة البرق ، انتظم الطابور في لمح البصر ، صوت الشاويش عبد الحميد يلعلع:
ـ صفا .. انتباه.. صفا انتباه.. كتفا سلاح .. جنبا سلاح .. إلى الأمام معتادا مارش .
وتتوالى الأوامر والتدريبات ، تتخللها فترات راحة قصيرة ، كانت التدريبات متعبة ، لكن التعب مع وجود الرغبة يكون له طعم آخر .
***
عم نوح رجل في الخمسين من عمره ، له وجه لوحته شمس مصر فأكسبته سمرة ثراها ، ضخم الجثة كأنه جبل ، تعكس ملامح وجهه هما أزليا ، وكأنه يحمل هموم مصر من عهد مينا ، لكنه يغطي ذلك بابتسامته العريضة الطيبة ، لم يره دون أن يرى بندقيته تطل من خلف كتفه الأيمن ، حزامه العريض يحاول الإحاطة ببطنه الضخمة ، شنبه الأسود يتمنع على الشيب الذي غزا معظم شعر الرأس ، عيناه لامعتان ، يبدو لمن يراه لأول وهلة أنه وحش مفترس ، لكن من يعرفه عن قرب يكتشف أنه يمتلك قلبا طيبا، قلب طفل بريء ، يغضب إذا اقترب أحد من ألعابه ، ويفرح من الكلمة الطيبة أو الابتسامة الحانية .
بعد انتهاء فترة التدريب في حوالي الساعة الخامسة، توجه مع أربعة من زملائه المصريين إلى العم نوح ، نظر إليهم نظرة مستريبة نبتت بذور الشك والتوجس في عينيه، بادره أحدهم :
ـ ازيك يا عم نوح ؟
ـ الله يسلمك يا ابني .
ـ سيجارة يا عم نوح ، ومد أحدهم علبة سجاير بلمنت إليه .
أرسل عم نوح نظرةً ثاقبة : يا ترى العيال دول عايزين ايه يا نوح .
اليد ممدودة بعلبة البلمنت ، السيجارة تطل منها في خفر ، الشك يطل من عيون عم نوح ، يده تتردد في تناول السيجارة ، فهو لا يدري ما يريدونه منه ، وبعد تردد امتدت يده وتناول السيجارة ، امتدت يد أخرى بالولاعة :
ـ ولعة يا عم نوح . ولم ينتظر ، أشعل الولاعة وقرب شعلتها من سيجارة العم نوح .
ـ متشكر يا ابني.
جلس خمستهم على الأرض ، اضطر العم نوح إلى الجلوس ، كان الضباط قد غادروا مركز التدريب ، ولا ضرر من الجلوس ، صحيح أن الشاويش عبد الحميد يهوش كثيرا ، لكنه طيب في كل الأحواال ، حاول أحدهم فتح باب الحوار مع العم نوح :
ـ بتشتغل هنا من زمان يا عم نوح ؟
ـ من زمان قوي ، كان عندي ييجي عشرين سنة ، عرفت المدرسة دي طوبة طوبة ، المدرسة دي حتة مني ، من زمان قوي قامت الثورة ، طلع الجيش للشوارع ، معرفتش وقتها ايه يعني ثورة ، كل اللي عرفته بعدها إن الملك غار في ستين داهية .
ـ طيب يا عم نوح . أنت بتاخدش أجازات ، بتروّحش البيت ؟
ـ الله لا يسيئك يا ابني ، دنا مقطوع من شجرة ، لا حرمة ولا عيّل، أنا ساكن هنا ، المدرسة بيتي ، وبنات المدرسة بناتي ، والمدرسين والمدرسات اخوتي وأهلي .
ـ تفضل علبة السجاير دي يا عم نوح .
مد يده مترددا وأخذ علبة السجاير: أيتها خدمة يا أخواننا ؟
ـ عم نوح أنت عارف إننا ممنوع نخرج بدون تصريح ، واحنا معظمنا من الأرياف ، والراجل ده فلسطيني عايزين نفسحه في مصر .
ـ ما كانش يتعز يا ابني ، من الباب ما اقدرش أخرجكم .
ـ والحل يا عم نوح ؟
ـ ممكن تخرجوا عن السور ، من حتة بعيدة عن عيني ، ولما ترجعوا تندهولي أدخلكم .
ـ استبينا (اتفقنا) يا عم نوح .
ناوله أحدهم عشرة قروش دسها في جيب سترته الداخلي ممتنا ، قفزوا عن السور واحدا بعد الآخر ، ولما صاروا في الشارع بدءوا يفكرون إلى أين يذهبون ، وأخيرا استقر رأيهم على الذهاب إلى المسرح العائم لحضور مسرحية للممثل الكوميدي أمين الهنيدي ، في المسرح التقى أحد زملاء الدراسة ، كان يعمل في الخليج ، وهو عائد إلى القطاع لقضاء إجازته الصيفية ، كان قد أصيب بعدة طلقات أثناء العدوان الثلاثي ، لكنه لم يمت ، كره قطاع غزة فقرر أن يغادره إلى الخليج وألا يعود إليه إلا زائرا . قضوا سهرتهم في ضحك متواصل ، خرجوا من المسرح في حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، كانت السيارات قد خفت حركتها ، مشوا مسافة طويلة قبل أن تلحق بهم سيارة تقلهم إلى حدائق شبراً . نادوا على العم نوح ؛ فانفتحت بوابة المدرسة ، دخلوا بحذر خشية أن يراهم أحد ، ابتسم العم نوح :
ـ ما تخافوش يا إخواننا ، كلهم نايمين، ما فيش صريخ ابن يومين صاحي .
أشعل أحدهم سيجارة وقدمها له ، دلفوا إلى غرف النوم دون جلبة ، تجاوز الوقت الثالثة ببضع دقائق ، لابد من النوم قبل أن تزعجهم صفارة الشاويش عبد الحميد في الساعة الخامسة كالعادة ، كان الرائد عاطف قد أبلغهم أنهم سيتوجهون إلى سينما قصر النيل في الساعة الرابعة من عصر اليوم التالي لمشاهدة فيلم عن الحرب النووية وكيفية التصرف في المواقف المشابهة ، طافت بذهنه أغنيات مجنحة لأم كلثوم ، سندخل سينما قصر النيل دون تذاكر ، وسنشاهد المكان الذي طالما وقفت فيه سيدة الغناء العربي ، كم حلم بذلك ، أن يشتري تذكرة وأن يستمع إليها ، وأن يراها عن قرب ، لكنه موظف ، والمرتب محدود ، وتحقيق مثل هذه الرغبة دونه قيود وقيود، التصريح ، وثمن التذكرة ، وأجرة الإقامة في الفندق، ونفقات الأكل والشرب ، ومصاريف الفسح ، سيضيع معاش عام كامل ، وهو الآن يقيم في مصر دون أية نفقات ، اللهم إلا نفقات الفسح وشمة الهوا، وسيدخل سينما قصر النيل بالمجان ، وسيرى مكان وقوفها على الأقل ، وسيتخيلها تعتصر منديلها وحنجرتها وأعصابها لتطرب الغلابا في كل مكان ، يجافي النوم عيونهم ، وتهجرهم مضاجعهم ، آه يا سيدتي أم كلثوم ، كان بكرا، لم يعرف الحب طريقه إلى قلبه ، مجرد تهويمات مع هذه الأغنية أو تلك ، كان يعشق الوطن ، ويحلم بالحرية ، الفرح الشخصي قضية مؤجلة بالنسبة إليه ، لابد من تكريس كافة الجهود من أجل الخلاص وتخليص أهم عروس في العالم من سبيها ، ما من سبي دام إلى الأبد ، حتى السبي البابلي لم يدم ، وليته دام ، كنت أرحتنا يا بخت نصر ، سينما قصر النيل تنتصب أمام عينيه بدلال ، كأنها تتيه باحتضانها لحفلات كوكب الشرق ، وقفت الحافلات أمام دار سينما قصر النيل ، نزل المتدربون ، اصطفوا في طابور فردي ، وبدءوا يدخلون إلى السينما واحدا بعد الآخر ، جلسوا على المقاعد بالترتيب ، الساعة تقترب من الرابعة ، شاشة السينما تضيء بعد إطفاء الأنوار ، الفيلم يتحدث عن الحرب الذرية والقنابل الذرية المحدودة التي يمكن أن يطلقها الجنود في ميادين القتال على تجمعات جيش العدو ، وكيف يغادر الجندي الذي يطلق القنبلة الصغيرة المكان مستعينا بحزام يقذفه بعيدا عن تأثير الإشعاع ، بعد انتهاء الفيلم ناقشهم الرائد عاطف حول القضايا الهامة في الفيلم وأجاب عن أسئلتهم ، وحين عادوا إلى مركز التدريب أبلغوا أن المتدربين الفلسطينيين سيشاركون في العرض العسكري الذي يقام كل عام احتفالا بالذكرى السنوية لثورة يوليو ، سأشارك في العرض إذن ، وسأظهر في التليفزيون ، سأكون دليل اليمين ، وسيراني الأهل ولأصدقاء والأخوة ، سيدركون أننا لم نكن نلعب ، وأننا بذلنا من الجهد ما جعلهم يفكرون في إشراكنا في العرض العسكري ، لو لم يكن مستوانا في التدريب مناسبا لما فكروا في ذلك، كان ذلك في الثلث الأول من شهر يوليو، كانت بينهم وبين العرض فترة أسبوعين تقريبا ، ضاعفوا جهودهم ، لكن خروجهم لم ينقطع ، كانوا يخرجون كل ليلة ، مرة إلى السينما ومرات إلى المسرح ، ذهبوا إلى مسرح البالون ، وفي إحدى دور السينما شاهدوا فلم "ذهب مع الريح " كان فيلما طويلا ، ومع ذلك نسوا أنفسهم ، اندمجوا في الفيلم ، وبعد خروجهم من قاعة السينما فوجئوا بطول مدة العرض ، كانوا شبابا يفورون صحة وعنفوانا ، السهر لم يضعف من عزيمتهم ، انتظروا يوم العرض بفارغ الصبر ، همس يدور هنا وهناك ، الهمس يعلو شيئا فشيئا ، لن يكون هناك عرض هذا العام ، لم يذكروا الأسباب ، العشرون من يوليو سنة خمس وستين وتسعمائة وألف ، الهمس يعلو والإشاعات تتحول إلى حقائق ، محاولة انقلابية فاشلة دبرها الإخوان المسلمون ، قوات الأمن تعتقل العشرات من قيادات الإخوان ، وتصادر كميات كبيرة من الأسلحة ، أسلحة من مختلف الأنواع ، أمريكا كانت وراء الحركة الانقلابية ، كان موعد تنفيذ الانقلاب ليلة الحادي والعشرين من يوليو ، لكن قوات الأمن كانت أسرع من الانقلابيين ، لم تكتمل فرحته ، كان يود أن يشارك في العرض العسكري ، حرمه الإخوان من المشاركة ، أيها القلب الحزين ، لا تكتمل لك فرحة ، لابد من منغصات ، وما أكثر المنغصات في هذه الحياة ، الشوق إلى القطاع يعصر خلايا جسده ، العودة إلى القطاع يقترب موعدها ، وخان يونس تتراءى لناظريه طيف حلم لذيذ ، ما أجملك يا خان يونس ، وما أبسط الحياة فوق رمالك ، لكن الحياة في يافا أجمل ، في يافا عاش طفولة مفعمة ، والده يكتنفه برعايته، وحيدا كان ، قدم له والده كل ما يمكن أن يحلم به طفل ، ألبسه بدلة جديدة أثارت غضب جدته :
ـ هل يساوي هذا المفعوص ثمن البدلة التي اشتريتها له ؟
يومها غضب والده من جدته ، قاطعها مدة طويلة ، تستكثر بدلة بستة جنيهات على ابنه الوحيد ، كان يحلم أن يعيش له ابن ويعطيه دمه وكل عواطفه وأحاسيسه ، وتأتي أمه مستنكرة شراء شيء تافه لابنه الوحيد ، ألم تكن أما ؟ ألم تحبه عندما كان صغيرا أكثر من حبها لنفسها ؟ ألم تحاول أن تفتديه بروحها ؟ أم أنها تكابر ؟ الصحف تتحدث عن محاكمات متوقعة وعن أحكام قاسية ستصدر ضد بعض قيادات الإخوان ، وبعد عودتهم من مصر إلى القطاع ، صدرت أحكام بالإعدام ضد كل من سيد قطب ومحمد قطب ، شعر بالغضب وقتها ، نحب عبد الناصر ، هذه حقيقة لا ننكرها ، لكننا بالمقابل نحب حرية الرأي ونعشقها ، لا يجوز أن يحاكم إنسان على فكر يحمله ويدافع عنه ، ولا يجوز أن تصادر كتبه مهما كان الفكر الذي تطرحه ، الفكر لا يمكن إعدامه ، يمكن مواجهته وتفنيده ، مقارعة الحجة بالحجة فقط هي التي يمكن أن تكشف زيف هذه الفكرة أو تلك ، خنق الأفكار لن يقتلها وإنما يجعلها تنمو بطريقة مشوهة .
***
قبل بدء العام الدراسي استقر على رأي كان مقتنعا به ، لن يصبح معلما للفتوة ، لم يتلق تدريباته ليكون معلما للفتوة ، كان له هدف آخر، وإلى أن يحين الوقت سينتظر، سيعلم أبناء بلده ، المدرسة الإعدادية تشكل حلقة مهمة من حلقات التعليم ، ومن خلال المدرسة يمكن أن يكتسب الأنصار والأعضاء للحركة، التنظيم هو الطريق الصحيح إلى التحرير، الجيوش النظامية لن تستطيع تحريرنا ، لابد من حرب تتخذ شكلا آخر ، يتذكر وقت دخوله التنظيم ، كان ذلك عام ستين وتسعمائة وألف، أحد الزملاء لمس لديه حبه لعبد الناصر ، وذلك الشعور القومي الذي تنبض به عروقه ، زاره في البيت عدة مرات، تحدثوا في أمور شتى ، عن الوطن والتحرير ، الطريقة الأمثل لخلاص هذا الوطن ، زاره مع هذا الصديق مجموعة من الأصدقاء الجدد ، حوارات ونقاشات ، اختلاف واتفاق ، تباعد وتقارب في وجهات النظر ، كانت القناعات موجودة ، الوطن بحاجة إلى شكل آخر من أشكال الكفاح بعيدا عن الجيوش النظامية وتعقيداتها ، القرار السياسي والمتناقضات الدولية وموازين القوى، القوتين الأعظم، حرب العصابات والحرب الشعبية ، وافق على الانخراط في التنظيم ، وفي الجلسة التنظيمية الأولى ، فوجئ بالمسئول السياسي الذي كان يحمل حقيبة صغيرة في يده يخرج من حقيبته مجموعة أوراق كبيرة الحجم ، منسوخة بواسطة الكربون ، أخبره المسئول ، بعد أن عرفه على أعضاء الحلقة الذين سيعملون معه، أنه سيقرأ عليهم تعميما سياسيا ، خيبة أمل تلف كيانه ، كان يتوقع أن يحضر المسئول معه قطعة سلاح ليتدربوا عليها ، لم يكن يعرف أنه مجرد مرشح لعضوية الحركة ، وأن مدة الترشيح قد تمتد إلى ما يزيد عن سنة ، كانوا يعدون المرشح فكريا وسياسيا ، فإن أبدى كفاءةً عاليةً أصبح عضوا ًرسمياً في الحركة يعمل في خليةٍ تنظيميةٍ ويقود حلقةً مبتدئة ، تنبه المسئول إلى علائم عدم الرضا التي كست وجهه ، وحينما أدرك السبب بدأ يناقش أهمية التربية الفكرية ، وأن القضايا العظيمة تحتاج إلى مفكرين عظام للدفاع عنها ، لا نستطيع خوض أية معركة دون درع واقٍ من الأفكار والقناعات ، دور السلاح يأتي بعد التربية الفكرية .
بعد حوالي خمس سنوات من هذه الجلسة وجد فرصته للتدرب على السلاح بطريقة علنية ومشروعة ، لا تثير الشكوك عند كائن من كان ، فالحيطة واجبة رغم وجود حكم وطني في مصر ، قد نختلف مع نظام الحكم ، وما حدث للشيوعيين والإخوان المسلمين ليس بعيدا عن الذاكرة .
***
أثناء وجوده في مصر تعرف إلى خياط عن طريق زملائه المصريين ، يفصل بدلات أنيقة ، اختار قطعة من الصوف المصري ، لونها بني محروق ، بلون القهوة ، لم تكلفه كثيرا ، كانت الأشياء رخيصة في تلك الأيام ، رحمك الله يا عبد الناصر ، وفرت الغذاء والكساء والدواء لكل مواطن مصري ، وأكثر من ذلك وفرت التعليم الجامعي مجانا لكل فلسطيني ، سقا الله تلك الأيام ، كان يتوجه مساء كل يوم إلى المنطقة القريبة من دار القضاء العالي ، يشتري رغيف الحواوشي الساخن ، رغيفا مملوءا بالنقانق المحمرة بعشرة قروش فقط ، كان يحب اللون البني ، كانت لديه بدلة من الصوف الإنجليزي زيتية اللون ، فصلها في غزة عند الخياط أبو شهلا ، دله الزملاء عليه ففصل أول بدلة من ماله الخاص، لكنه كان يعتز بالبدلة من القماش المصري، البنية اللون ، أصبح يلبسها في المناسبات الهامة أو العزيزة إلى قلبه ، وفي زيارة لأحد أصدقائه ورفاقه في الحركة ، كان يود أن يحدد موعدا لجلسة تنظيمية ، لم يكن الأخ في البيت ، أنبأته شقيقة ذلك الصديق بأنه غير موجود ، وحين رآها تاهت منه الكلمات ، لونها خمري ، تكسوها مسحة من جمال هندي ، تردد قبل أن يغادر الباب ، وحين هم بالمغادرة حضر أحد تلاميذه جريا ، سلم عليه قائلا : تفضل يا أستاذ، ثم متوجها إليها :
ـ أستاذ العلوم والرياضيات ، الأستاذ أحمد الفايز.
ابتسمت ابتسامة لطيفة وقالت بدلال : تكسفش ابن أختي ، والله لتعدي .
شعر بالحرج ، كيف يدخل بيت صاحبه في غيابه ، من غير اللائق أن يفعل ذلك، غادر المكان على غير رغبة منه ، التفت وراءه عدة مرات ، كانت تشيعه بنظرات انغرست سهاما في قلبه ، لم يكن يفكر في الزواج، لكن قلبه أخذ يدق بطريقة مختلفة ، ماذا جرى لهذا القلب ، هل تعلق بها أم أنها نزوة سرعان ما تخبو نارها ويتلاشى تأثيرها، ثم إنها شقيقة صديقه وعضو الحركة ، فهل يجوز أن يقيم علاقة معها ، هل يريد أن يتزوجها أم أنه يريد أن يلهو بها ، أم أنها هي التي تريد أن تلهو به ، لم ينم تلك الليلة ، تلخبط كيانه ، صورتها لا تفارقه ، احتضن المخدّة ثم أبعدها ، تقلب ذات اليمين وذات الشمال، يفر النوم من العيون ، القلب يدق، سيتأخر عن المدرسة إذا بقي مستيقظا هكذا ، لابد أن ينام ، وكعادته التي اكتسبها أثناء إقامته في مصر ، جاءه النوم متأخرا ، طيفها زاره في المنام ، استيقظ متكاسلا متباطئا على غير العادة ، توجه إلى المدرسة متثاقلا ، وفي حصة الرياضيات ، ناوله ابن أختها كتابا داخل مغلف ، همس : هدي القصة من خالتي ، فتح المغلف بعد انتهاء الحصة ، وجد بداخل الكتاب وردة حمراء ورسالة مقتضبة: لم أنم الليلة الماضية يا ريت الزيارة تتكرر . نسمة .
كان لا بد للزيارة أن تتكرر ، فهو مكلف بالاتصال بشقيقها ، كان عضوا جديدا في الحركة ، ولا بد من ضمه إلى حلقة تنظيمية ليمر بفترة الاختبار التي يجب أن يمر فيها كل عضو جديد ، توجه إلى بيت صديقه في اليوم التالي ، وجده في انتظاره ، فاتحه في أمر التنظيم ، أوضح له أنه مكلف بالاتصال به ، حدد معه موعد الجلسة التنظيمية ، اتفقا على المكان وطريقة الوصول إليه ، أصبح لديه الآن من الأسباب ما يبرر زيارته لهم ، السؤال عن أخيها ، وإذا لم يجده دخل بمباركة أمها بحجة انتظاره ، كانت الأم تتعمد الخروج من الغرفة أكثر من مرة ، كانت أكثر جرأة منه ، كشفت له عن حبها له وتعلقها به :
ـ كنت وسيما بالبدلة البنية ، إله جمال كنت، هل قرأت عن الآلهة الإغريقية ؟
سرح : وتقرئين أيضا، تمارسين الثقافة على غير عادة بنات حواء ؟ ظننتك نموذجا للجمال الطبيعي. قالت له :
ـ هل أنت معي ؟
ـ أوه ، نعم . معك بكل تأكيد .
ـ سألتك إن كنت قرأت عن آلهة الإغريق ؟
ـ نعم .أحببتك ، قرأت عن آلهة الإغريق ، تقرئين الكتب ؟ أي نوع من الكتب تقرئين ؟ أنا أقرأ الكتب أيضا ، أجابته : أقرأ القصص العاطفية ، هل لديك قصص ؟ وما نوع الكتب التي تقرؤها ؟
ـ أقرأ في شتى المجالات ، في السياسة والأدب والاقتصاد . هل يمكن أن تعيرني بعض القصص ؟
ـ حباً وكرامة .
اتفقا على أن يزودها بالكتب باستمرار.. توطدت العلاقة بينه وبينها ، كل يوم يمر يقربه منها ، يزداد تعلقه بها ، نسي نفسه ، ونسي أن ابنة عمه ، ومنذ ولادتها سميت له ، سيزوجونها له عندما تكبر ، ولكن أمه تعجلت الأمور ، وكذلك والده ، كل يريد أن يزوجه على مزاجه ، كان والده يتقدم له بعرض جديد كل يوم ، عروس جديدة جاهزة تحت الطلب ، لا أريد أن أتزوج يا عالم ، هل شكوت لكم ؟ أريد أن أعيش أعزباً ، اتركوني وشأني ، ولكنا نريد أن نفرح بك قبل أن نموت نريد أن نرى أبناءك ونحن أحياء، تستطيع أن تختار من تشاء من بنات عمك ، بالنسبة للمهر لا تحمل هما، لن يثقلوا عليك، ابن العم بينزل بنت العم عن الفرس ، لا يدركون أن الدنيا تغيرت، وأنه لا توجد قوة تجبر الإنسان على اختيار شريك حياته رغما عنه ،أي ابن عم ؟ وأي فرس ؟ إذا كان القلب قد اختار ، فلا مجال لكسر ذلك الاختيار ، لا أريد الزواج . لا أريد الزواج ، عرضوا عليه أكثر من واحدة من بنات عمه فرفض ، بدءوا يعرضون عليه أخريات من بنات الجيران ، هذه تعمل معلمة ووالدها رجل طيب ، صديقي. قال والده ، ابتسم ، يظن أنني سأتزوج من صديقه ، ثم إلى والده :
ـ لا أريد الزواج من معلمة ، وإذا فكرت في الزواج فلن أتزوج من معلمة ، سأتزوج امرأةً عادية ، مثقفة نعم، تجلس في البيت وتربي الأولاد ، نعم . المرأة لها دور هام في بناء المجتمع ، تبني الأطفال اللبنة الأساسية في أي مجتمع ، ولكني لن أتزوج ، طفت إلى سطح الذاكرة تلك القصص التي كان يسمعها من الكبار عند الفوال أثناء شرائه لصحن الفول كل صباح ، أبو إبراهيم وضعت له زوجته السقية في الشاي ، شرب المسكين دون أن يشعر ، بدأ يذوي شيئا فشيئا حتى مات ، وفلان عملت له زوجته عملا عند الشيخ فدار كالمجنون في الشوارع ، وفلانة ضبطها زوجها مع عشيقها وهي عارية ، لبست ملابسها بسرعة وصاحت بأعلى صوتها : الحقوني .. حرامي .. حرامي ، قفز العشيق عن الجدار المنخفض واختفى في أزقة المخيم ، رآه بعض الجيران الذين استيقظوا وهو يفر بالملابس الداخلية ، همس بعضهم : أي نوع من اللصوص هذا ؟ ينزل ليسرق وهو شبه عار ، قال بعض المغفلين : ربما فعل ذلك حتى يستطيع الإفلات لو أمسك به أحد ، ولكن العالمين ببواطن الأمور التزموا الصمت وإن كان بعضهم قد أفلتت منه بعض الكلمات عن غير قصد : قال حرامي قال ، عجايب يا زمن ، في طفولته رأى في المرأة ملاكا طاهرا، تحيطها هالة من القدسية ، كان ينظر إلى المرأة بخشوع ، كأنه يقف أمام إلهة من آلهة الإغريق ، كان يحب أن يتأمل المرأة عن قرب ، يتعبد في محاريب ذلك الجسد الرائع ، سبحان من أبدع المرأة على هذه الصورة الرائعة ، لكن أحاديث الكبار التي كانوا يقذفون بها على مسامعه وهو يقف على أعتاب مرحلة المراهقة شوهت تلك الصورة الجميلة وحطمت هالة القدسية من حولها ، بدأ يكره المرأة ، تحولت إلى شيطان في نظره ، فقرر عدم الارتباط بأية امرأة ، خصوصا بعد أن تناقلت الألسن خبرا حول قيام أحد الأشخاص بقتل زوجته وذبح ابنيه لأنه يشك في صحة أبوته لهما ، يا لطيف! هل يصل جنون الغيرة بالإنسان إلى هذا الحد ؟ أن يقتل قبل أن يتأكد من صحة شكوكه ؟ لابد أنه فقد عقله ، وإلا لما أقدم على مثل هذه الفعلة الشنيعة ، يقطع رأسيهما ، وبهدوء يحمل الرأسين ويتجه إلى مركز الشرطة ليسلم نفسه ، كانت عيون الطفلين مفتوحة تطل منها براءة غريبة ، ورعب بشع ، ظن المسكين أنه بعمله هذا قد غسل العار الذي لحق به ، يغار الإنسان على زوجته فيثور ويقتل ، ويتناسى حرمة الوطن المنتهكة والتي تنتهك كل يوم ، حين بدأت غرائزه تتفتح لم يسمع عن المرأة ما يسر ،فليبتعد عن طريقها ، فلان استفزته زوجته ، قذفها بالقادوم فأصاب منها مقتلا ، كيف يخفي الرجل جريمته ؟ سكب فوقها صفيحة الكاز وكوّم فوقها ملابسها وأشعل فيها النار ، ثم أبلغ الشرطة أن حريقا شب في البيت راحت زوجته ضحية له ، كادت الشرطة أن تصدق الرواية لولا أن الطبيب الشرعي اكتشف أن الوفاة حدثت قبل اشتعال النار في جسد المرأة ، كما اكتشف وجود كسر في الجمجمة وتهتك في خلايا المخ ، دخل الرجل السجن وتشرد الأولاد ، ساهمت هذه الأحاديث والحوادث في ترسيخ قناعاته بأن الزواج شر يجب أن يتفاداه الإنسان العاقل ، وليشغل الإنسان نفسه بأشياء أكثر جدوى ، كرس معظم وقته من أجل الحركة واكتساب أعضاء جدد ، ازداد عدد أعضاء الحركة بشكل لافت للنظر ، تم ترفيعه بسرعة إلى مرتبة قيادية أعلى ، أصبح عضوا في قيادة المنطقة ، تطورت أفكاره وتوسعت مداركه ، كان يقرأ الكتب السياسية في البداية ويقوم بتلخيصها ليناقشها الأخوة في الحركة ، وكلما قرأ أكثر اكتشف ضبابية وعمومية أفكار الحركات القومية ، وحدة نعم ، تحرر .ألف نعم ، وخيرا فعلوا حين شطبوا شعار الثأر ورفعوا بدلا منه شعار استرداد فلسطين ، هذا الشعار يخلو من رائحة العنصرية والرجعية ، أما الاشتراكية ، فهذه ثالثة الأثافي ، تارة يقولون الاشتراكية العربية ، وأخرى يقولون الاشتراكية الإسلامية ، وثالثة يقولون الاشتراكية الأفريقية ، والأنكى من ذلك كله أن بعض الأدبيات الحزبية قد عرفت كلا من الاشتراكية والقومية على أنهما حب ، بدأ يشعر بتفاهة هذه الأفكار ، وكلما تعمق في قراءاته أكثر ، كلما اكتشف أن ثمة اشتراكية واحدة فقط ، هي الاشتراكية العلمية ، بدأ يناقش مسئوله التنظيمي في هذه القضايا ، ولما عجز هذا المسئول عن تقديم تفسير شاف له أبلغه أنه سيحضر له مسئولا من مرتبة تنظيمية أعلى ، وبالفعل حضر المسئول ، دار حوار هادئ وبناء في المرتبة القيادية ، استمر الحوار من الساعة الخامسة مساء حتى الساعة الثانية عشرة ليلا ، لم يكن يعلم أن حوارات أخرى مشابهة كانت تدور في مناطق عمل الحركة المختلفة وخصوصا في لبنان ، كلفه المسئول بقراءة الكتب عن الاشتراكية العلمية وعمل ملخصات ودراسات حولها ، وعده بأن يحضر له كتاب رأس المال من بيروت ، وقد وصل الجزء الأول من الكتاب بعد أقل من أسبوع ، كما قدموا له كتاب لينين ، الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية ، أخذ يعد الدراسات بشغف ، شعر أن له دورا هاما ، إنه يقوم بتوجيه دفة فكر الحركة ، لم يفاجأ حين تبنت قيادة الحركة الاشتراكية العلمية ، كما لم يفاجأ بالتغيير الذي طرأ على قيادة الحركة ، فالأفكار الجديدة تحتاج إلى قيادات جديدة ، بقي عليه أن يدفع باتجاه تبني فكرة الكفاح المسلح ، دءوباً كان ، لا يمل الدفاع عن قضية يؤمن بها ، وحين حضر الدكتور إلى خان يونس ، التقى الكوادر والعناصر الحركية ، تشعب الحوار ، طلب منهم الدكتور أن يكون كل منهم جهاز ترانزستور يبث أفكار الحركة، ابتسم ابتسامة واسعة ، يريدنا حضرة الدكتور أن نتحول إلى ببغاوات ، نردد الكلمات دون أن نفهمها ، هل يمكن للترانزستور أن يقنع السامعين وأن يحاورهم ، وعندما فتح باب النقاش رفع يده طالبا الإذن بالكلام ، أوضح للدكتور أنه يرفض أن يتحول إلى جهاز ترانزستور يردد الأفكار كالببغاء ، يجب أن يقتنع بالأفكار، أن يهضمها ، حتى يستطيع أن يقنع بها غيره ، ثم بدأ في عرض أفكاره عن العمل المسلح في مختلف مناطق الوطن العربي ، كان يؤمن أنه لا بد من إسقاط أنظمة الحكم الرجعية في المنطقة العربية ، وأن الوحدة العربية لن تتم بموافقة الحكام العرب ، لابد من تحقيق الوحدة العربية بالقوة ، اكتفى الدكتور وقتها بأن قال له : أنت واحد أزعر. لم يكن يعلم أن الدكتور سيتحول بعد أقل من ثلاثة أعوام إلى أكبر خاطف للطائرات في العالم ، وقتها لم ترق له فكرة خطف الطائرات ، رأى فيها خطرا يتهدد القضية الوطنية والثورة الفلسطينية ، كم يتغير البشر ، وكم تتبدل الأفكار ؟!
تعليق