عائدة إلى يافا..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • طه خضر
    عضو الملتقى
    • 30-10-2007
    • 176

    عائدة إلى يافا..

    انطلقت الحافلة من باب العامود في القدس، وانعطفت يسارا باتجاه شارع صلاح الدين، ومن هناك أخذت أول الطريق المتفرّع عن الشارع وتوجّهت إلى دير ياسين ومنها خرجت إلى الطريق الرئيس مرورا ببيت نتّيف أو ما تبقى منها. بقايا آليات جيوش الإنقاذ العربية التي خرجت تحمل هزيمتها المؤزّرة أبان النكبة مطليّة باللون البني الغامق ومصفوفة بعناية على جانبيّ الطريق بين الأشجار. القرى البسيطة التي كانت متناثرة هنا وهناك اختفت وظهرت مكانها أبنية شاهقة وتجمعات سكنية ضخمة أشبه بالصناديق . لم يمضي وقت طويل حتى وصلت الحافلة إلى تفرّع يافا تل أبيب حيث ينقسم الطريق باتجاهين. انحرفت الحافلة يسارا وأكملت طريقها ..بعد ربع ساعة مسير أطلّت من بعيد...يافا...مدينتي الحزينة، يالبهاءك وأنتي تعانقين الشروق وتتوسدين خاصرة البحر كأروع ما تكون الحورية الأسطورية. مراكب الصيادين تلمع على سطح الماء وتتحرك كنقطةٍ تائهةٍ في فراغ ٍ لا نهاية له...ثوان ٍ مرت وعيناي لا تكلان عن البحث والتحديق،...هذا ميدان الساعة، وهناك في الأفق مسجد حسن بيك الكبير وتلك مئذنته ما زالت ومنذ البدء تنتصب شامخة وتؤدي لها السلام،..ولما لا؟؟..فهذه يافا ومن لا يعرفها فليقرأ كتب التاريخ، ليقرأ عن حجارتها التي تقلدها كل العابرين بعد أن صنعوا منها أوسمة شرف، ليقرأ عن البحر الذي حط رحاله على أعتابها ذات يوم وأقسم أن لا يغادر بعدها أبداً، ليقرأ عن المنارة التي ترحل إليها الأمواج العاتية من أعالي البحار لتنال شرف التحطم على صخورها...، تقوقعت على نفسي وقد اجتاحتني الذكرى دفعة ً واحدة؛ فلم أسطع منها فكاكا. صحوت من أفكاري على صوت السائق يردد بالعبرية((حي أشكالوت))...آه يا ابن الكلب، بكل هذه البساطة؟!! من ((كرم الزيتون))إلى ((حي أشكالوت؟؟!!))..انتفضت واقفة وطلبت النزول وأنا أخفي رغبة عارمة تملكتني للقبض على ذلك السائق وإعطاءه درسا في التاريخ وعن أنه من العيب كل العيب أن نطمس أسما من الوجود تمتد جذوره لأكثر من ألف سنة و نستبدله ب((حي أشكالوت)) ولا أدري إن كان يلفظها صحيحة. كبتّ نفسي مرغمة وابتلعت ريقا كاد ينطلق في وجهه،..نزلت وأنا أتعثر بحبات الغبار الصغيرة وأردد في نفسي بقهر ٍ أخرسْ:- حي أشكالوت يا أولاد الكلاب وكل شيءٍ هنا ينطق بالعربية ويفوح برائحة فلسطين التي عرفناها من كتب المدارس وأحاديث الآباء والأمهات؟!!. تحركت أقدامي دون وعي ٍ منّي وقد فقدت السيطرة على كل جوارحي لدقائق ٍ عدة خلتني خلالها أتحرك بقوة لا إرادة لي عليها و لا أدري ما هي وكأنما هو شيء ما يجتذبني إلى الأمام ويشدني إليه شدا حتى رأيته يتألق رخامه الأبيض تحت شمس الظهيرة..إنه هو بيتنا أو ما كان يسمّى ببيتنا ذات يوم..وتلك هي غايتي..الزيتونات ...حضنتها بعيني وتمنيت لو أن بي قوة خرافية لأجتز السور العالي وأعانقها مجتمعة وأفنى بعد ذلك، تقدمت خطوتين، البوابة العالية نفسها لم تتغيرغير أن الطلاء تحول من أبيض نقي إلى رمادي ربما بفعل الزمن..هناك بعض الأعشاب البرية نبتت على الأرض أسفل السكة التي تنزلق عليها البوابة إذا ما دفعت، هذا يعني أنها لم تفتح منذ زمن .. هل البيت مهجور؟؟ تقدمت قليلا .. الحديقة المترامية الأطراف خالية من أي شيء وتبدو كأن لم تدسها قدم إنسان منذ أعوام؛ فالأعشاب الجافة منتشرة في كل أرجاء الحديقة، والممرات المؤدية إلى مدخل البيت الكبير تكاد تختفي تحت وطأة الأتربة وبقايا الأوراق المتحللة، خطوت وأنا أوهم نفسي أن الرجفة التي اعترتني مردّها التعب من طول السفر .. البيت مهجور بلا شك، هذا ما يبدو فالبيوت المهجورة هنا تحتفظ لنفسها بقدسية خاصة إذ توحي لكل من يراها أن القدم الغريبة لم تدسها وأنها ما فتأت تنتظر اليد التي أقفلتها قبل عشرين عاما..هل بدأت أهذي؟!ربما!...يا الله عشرون عاما مرت كأنها البارحة وما أشبه اليوم بالبارحة .. اليوم نعود إلى بلادنا ..نعود إليها سواحا وزوارا بعد أن كنا أصحاب حق وأصحاب أرض...!!! أي عدل ٍ هذا يا رب ..؟؟!!.أستغفر الله أستغفر الله .. اللهم أغفر لي زلّتي ،...استجمعت قواي واستنهضت ما خدر منها وتقدمت متلصصة، لم أحفل بشيء، على كل حال هذه لحظة من لحظات الشجاعة التي نادرا جدا ما تأتي إلي بأرجلها ولن أفوتها.... كانت قفزات ثلاث وكنت بعدها في أرض الحديقة، وما أن وطئت الأرض حتى انهمرت عيناي فجأة... تلك القفزة الثلاثية وبنت الــ 15 ربيعا وسور الحديقة والهروب من المدرسة وواحد وعشرون عاما كلها انقضت عليّ فجأة كما تنقض الفجيعة على ثكلى .. فقدت الإحساس بكياني للحظات؛ فراوحت مكاني قليلا .. حاولت جاهدة لملمة ما تبقى منّي...بعد جهد استنزفني حتى الرمق جمعت أشلائي وخطوت الخطوة الأولى واقتربت... لمستها بحنين من فـُجع بكل أحبائه دفعة ً واحدة ..انحنى عليّ غصنان متجاوران...هل أحلم؟! هل جننت ؟! لا ما زلت احتفظ بشيء من عقلي.. أقسم على ذلك ...تدانى الغصن الأول حتى كاد يلامس خاصرتي والتف الثاني من حولي حتى حضنني تماما وابتدأ عناق طويل ارتميت على أثره أسفل شجرتي الحبيبة وأنا اشهق من شدة البكاء .....غفوت...أي أمان ٍ هذا الذي شعرت به حتى غلبني النعاس؟! لا أدر كم من الوقت مر!.. نهضت واعتدلت جالسة...الحديقة كما أعرفها لم يتغير فيها شيء ... ثلاثة أشجار كينا لم تفقد نضرتها .. خمسة أشجار سرو ٍ تكاد تطاول السماء، وعشرة زيتونات متجاورات بعدد أخواتي وإخواني كان أبي يغرسها واحدة لكل ٍ منّا في اليوم الأول بعد مولده أكبرها ميتة ومتيبسة تماماً... رحمك الله يا أخي ..ترى أما زالت أبراج قلعة الشقيف تذكر ذلك المغوار الذي كان يقف على قمة الدنيا وحيدا ويناجز العدو من أعلى برج ٍ فيها وقد شرع صدره للرياح والرماح..رحمك الله يا معلمي وأخي..!!.
    ...زيتونتي ...خضراء بلون عيناك، هادئة في طبعك ولها قلبٌ أبيض ككل القلوب الجميلة .. عبارات حفرتها فتاةٌ مراهقة على جذع الزيتونة((زيتونتها))وحفرت أسفلها قلبٌ اخترقه سهم بحرفيّ((هـ)) و((فـ))؛ أين أنت يا من أحببت؟! أي بلاد ٍ حملتك وأي بلاد ٍ حطتك؟ ترى أما زلت تذكر تلك الطفلة الصغيرة الكبيرة؟ أما زلت تذكر (هدوء) وجرأتها ؟ أنا ما زلت أتذكر ومحال أن أنسى، أتذكر الدهشة التي تعقد لسان الكبار عندما تقول طفلة في الثانية عشرة ...أنا أحب...أي مجنونة أنا ...؛؛ لكن أي عظيم ٍ أنت حين جننت بك؟؟!! قمة الروعة وأعظم ما في الوجود أن تجد الفتاة الطفلة العطف والحنان والإعجاب بها ينقلب إلى حب ٍ جارف...حباً بكل ما تحمل الكلمات من معان .. لا يبذله إلا عاشق عظيم لأجمل امرأة في الوجود، وهذا ما كان يا وطني ، هل تقولون عني مجنونة؟؟ .. لكم ذلك .. أما أنا فلا أر ذلك ألا العقل بتمامه وكماله!! .. وهل كتب على الفتاة ألا تعشق إلا الرجال ؟؟!! أنا عشقت وطنا وأراه بكل رجال الأرض !!.....نسمة برد خريفية تزلزل الكيان والمكان هبت فجأة وخطفتني من بحر ذكرياتي الحبيبة، كم من الوقت مرّ؟! لقد انقضى النهار بأكمله ولم أشعر به...إذا سيحل الليل..تلفّتُ حولي بحذر ٍ هذه المرة، هل سأترك المكان بعد كل هذا وأغادر؟؟ّ!!أيُ جاحدةٍ أنا؟!! أأترك أهلي وأخواتي وإخواني هنا وأذهب؟ أأترك نفسي هنا وأذهب؟ وإن تركت كل هؤلاء أيطاوعني قلبي على ترك وطني الذي أحب هنا مصلوبا على شجرة بانتظار ساعة تحرير لن تأت؟!! تراءى لي خاطرٌ مفزعٌ أرعبني أول الأمر، وبعد لحظة تفكير بدا لأمثالي منطقيا ! ماذا لو حفرتُ قبرا هنا وتمددت فيه حتى يوافيني الأجل؟ سأكون أسعد من على الأرض أن أحصل على موطئ قدم ٍ أوارى فيه وأين؟؟ بأرض ٍ كانت تسمى ذات يوم ٍ بلادي وتحت شجرتي التي تقاسمت معها صرخات الولادة !! الخاطر المجنون بدا في أول أمره شطحة رعناء اعتدت على مثلها كثيرا، ولكن ما لبث أن صار يبدو لي مقبولا ثم انقلب من منطقي ٍ إلى عادي وانتهى بأن لا بد منه ليكتمل عقد جنوني!! لا أعرف أي زلزال ٍ هذا الذي حل بي؟؟!!... كيف ينتقل العقل فجأة من بحثه الدائب عن أسباب للتعلق بالحياة إلى بحث لا يقل دأباً عن رغبة عارمة ٍ لإيجاد الموت؟؟!! ليس هروبا ً من الحياة بمعنى الانتحا، بل هروب إلى ذكريات لا فكاك منها ولا عودة إليها إلا بطريق ٍ واحد قد تكون هي الموت!! ولماذا لا يكون الموت هو الطريق إلى ما مضى من أيام؟؟!! قمت من فوري ورحت أحفر تحت الزيتونة بأظافري..كانت الأتربة تتباعد من تلقاء نفسها وكأنها تشكل قبراً لم يلبث أن اكتملت معالمه التي امتدت إلى ما تحت جذور الزيتونة تماما...!!!!! في ذلك المساء ابتدأ حديث أهل كرم الزيتون عن فتاة غريبة تسللت إلى حديقة بيت مهجور ودخلت بين مجموعة من أشجار الزيتون ولم تخرج بعدها أبداً!!


    طـــه خضــر!
    [SIZE="4"]العزم في الرووح حق ليس ينكره ... عزم السواعد شاء الناس أم نكروا[/SIZE]
  • هدى الجيوسي
    عضو الملتقى
    • 17-02-2008
    • 85

    #2
    الأديب والأخ المبدع طه خضر:

    براعة في وصف المحبوبة يافا....
    فبدت لي وكأن الكاتب عاش جل حياته فيها
    لا بد بأن يافا تسكن في قلبه حتى إستطاع أن يرسمها حلوة ، جميلة بأشجارها، ومسجدها، وبيوتها القديمة.
    هنيئآ لك هذه القصة الرائعة رغم نكئ الجراح فينا.
    تقديري وإحترامي.
    [font=System][size=5][color=#8B0000]ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين. [/color][/size][/font]

    تعليق

    • غفران طحّان
      عضو الملتقى
      • 25-01-2008
      • 112

      #3
      لكلماتك ألق خاص
      ولقصصك معاني الإخلاص والصدق والوفاء
      أخي طه
      نص مميّز كما العادة
      دمت متألقاً
      احترامي

      تعليق

      • طه خضر
        عضو الملتقى
        • 30-10-2007
        • 176

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة هدى الجيوسي مشاهدة المشاركة
        الأديب والأخ المبدع طه خضر:

        براعة في وصف المحبوبة يافا....
        فبدت لي وكأن الكاتب عاش جل حياته فيها
        لا بد بأن يافا تسكن في قلبه حتى إستطاع أن يرسمها حلوة ، جميلة بأشجارها، ومسجدها، وبيوتها القديمة.
        هنيئآ لك هذه القصة الرائعة رغم نكئ الجراح فينا.
        تقديري وإحترامي.
        الأديبة والأستاذة الفاضلة هدى الجيوسي ..

        كل ما رُسم هنا ووصِف هو تجسيد بسيط لكلام الآباء والكبار عن يافا وفلسطين التي نعشق ولم نر وما لنا بذلك من حيلة إلا أن نرسم من أحلامنا قصورا ونسكن فيها علّ صبرنا يورق ويثمر ذات يوم ..

        احترامي وتقديري ..
        [SIZE="4"]العزم في الرووح حق ليس ينكره ... عزم السواعد شاء الناس أم نكروا[/SIZE]

        تعليق

        • طارق عليان
          أديب وكاتب
          • 06-01-2008
          • 147

          #5
          استاذ طه خضر
          أتذر هذه الكلمات لسميح شقير
          "بحرك يافا يا حلم عيون الصيادة..بحرك يافا..بحرك"
          ليتنا جميعا نغوص في بحر الزيتون ولا نعود!!!!
          دمت سيدي دمت

          تعليق

          • طه خضر
            عضو الملتقى
            • 30-10-2007
            • 176

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة غفران طحّان مشاهدة المشاركة
            لكلماتك ألق خاص
            ولقصصك معاني الإخلاص والصدق والوفاء
            أخي طه
            نص مميّز كما العادة
            دمت متألقاً
            احترامي
            مروركم بحد ذاته وعلى قلة كلماته بعث رونقا لا تدري كنهه الكلمات!

            احترامي وتقديري ..
            [SIZE="4"]العزم في الرووح حق ليس ينكره ... عزم السواعد شاء الناس أم نكروا[/SIZE]

            تعليق

            • طه خضر
              عضو الملتقى
              • 30-10-2007
              • 176

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة طارق عليان مشاهدة المشاركة
              استاذ طه خضر
              أتذر هذه الكلمات لسميح شقير
              "بحرك يافا يا حلم عيون الصيادة..بحرك يافا..بحرك"
              ليتنا جميعا نغوص في بحر الزيتون ولا نعود!!!!
              دمت سيدي دمت
              الأستاذ القاص طارق عليان ..

              كلمات سميح شقير على قدمها تأتي في الذاكرة كإيماضة البرق وبمجرد ذكر يافا أو حتى المرور باسمها!

              لكن تأكد يا صاحبي أن الغوص هو دائما كالحلم الجميل الذي نتمنى أن لا نفيق منه!

              تحياتي الطيبات ..
              [SIZE="4"]العزم في الرووح حق ليس ينكره ... عزم السواعد شاء الناس أم نكروا[/SIZE]

              تعليق

              • الشربينى خطاب
                عضو أساسي
                • 16-05-2007
                • 824

                #8
                [align=center]الأستاذ الفاضل / طه خضر
                أسجل حضوري مع النص
                ولي عودة بإذن الله
                إن كان في العمر بقية
                خالص تحياتي
                [/align]

                تعليق

                • الشربينى خطاب
                  عضو أساسي
                  • 16-05-2007
                  • 824

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة طه خضر مشاهدة المشاركة
                  انطلقت الحافلة من باب العامود في القدس، وانعطفت يسارا باتجاه شارع صلاح الدين، ومن هناك أخذت أول الطريق المتفرّع عن الشارع وتوجّهت إلى دير ياسين ومنها خرجت إلى الطريق الرئيس مرورا ببيت نتّيف أو ما تبقى منها. بقايا آليات جيوش الإنقاذ العربية التي خرجت تحمل هزيمتها المؤزّرة أبان النكبة مطليّة باللون البني الغامق ومصفوفة بعناية على جانبيّ الطريق بين الأشجار. القرى البسيطة التي كانت متناثرة هنا وهناك اختفت وظهرت مكانها أبنية شاهقة وتجمعات سكنية ضخمة أشبه بالصناديق . لم يمضي وقت طويل حتى وصلت الحافلة إلى تفرّع يافا تل أبيب حيث ينقسم الطريق باتجاهين. انحرفت الحافلة يسارا وأكملت طريقها ..بعد ربع ساعة مسير أطلّت من بعيد...يافا...مدينتي الحزينة، يالبهاءك وأنتي تعانقين الشروق وتتوسدين خاصرة البحر كأروع ما تكون الحورية الأسطورية. مراكب الصيادين تلمع على سطح الماء وتتحرك كنقطةٍ تائهةٍ في فراغ ٍ لا نهاية له...ثوان ٍ مرت وعيناي لا تكلان عن البحث والتحديق،...هذا ميدان الساعة، وهناك في الأفق مسجد حسن بيك الكبير وتلك مئذنته ما زالت ومنذ البدء تنتصب شامخة وتؤدي لها السلام،..ولما لا؟؟..فهذه يافا ومن لا يعرفها فليقرأ كتب التاريخ، ليقرأ عن حجارتها التي تقلدها كل العابرين بعد أن صنعوا منها أوسمة شرف، ليقرأ عن البحر الذي حط رحاله على أعتابها ذات يوم وأقسم أن لا يغادر بعدها أبداً، ليقرأ عن المنارة التي ترحل إليها الأمواج العاتية من أعالي البحار لتنال شرف التحطم على صخورها...، تقوقعت على نفسي وقد اجتاحتني الذكرى دفعة ً واحدة؛ فلم أسطع منها فكاكا. صحوت من أفكاري على صوت السائق يردد بالعبرية((حي أشكالوت))...آه يا ابن الكلب، بكل هذه البساطة؟!! من ((كرم الزيتون))إلى ((حي أشكالوت؟؟!!))..انتفضت واقفة وطلبت النزول وأنا أخفي رغبة عارمة تملكتني للقبض على ذلك السائق وإعطاءه درسا في التاريخ وعن أنه من العيب كل العيب أن نطمس أسما من الوجود تمتد جذوره لأكثر من ألف سنة و نستبدله ب((حي أشكالوت)) ولا أدري إن كان يلفظها صحيحة. كبتّ نفسي مرغمة وابتلعت ريقا كاد ينطلق في وجهه،..نزلت وأنا أتعثر بحبات الغبار الصغيرة وأردد في نفسي بقهر ٍ أخرسْ:- حي أشكالوت يا أولاد الكلاب وكل شيءٍ هنا ينطق بالعربية ويفوح برائحة فلسطين التي عرفناها من كتب المدارس وأحاديث الآباء والأمهات؟!!. تحركت أقدامي دون وعي ٍ منّي وقد فقدت السيطرة على كل جوارحي لدقائق ٍ عدة خلتني خلالها أتحرك بقوة لا إرادة لي عليها و لا أدري ما هي وكأنما هو شيء ما يجتذبني إلى الأمام ويشدني إليه شدا حتى رأيته يتألق رخامه الأبيض تحت شمس الظهيرة..إنه هو بيتنا أو ما كان يسمّى ببيتنا ذات يوم..وتلك هي غايتي..الزيتونات ...حضنتها بعيني وتمنيت لو أن بي قوة خرافية لأجتز السور العالي وأعانقها مجتمعة وأفنى بعد ذلك، تقدمت خطوتين، البوابة العالية نفسها لم تتغيرغير أن الطلاء تحول من أبيض نقي إلى رمادي ربما بفعل الزمن..هناك بعض الأعشاب البرية نبتت على الأرض أسفل السكة التي تنزلق عليها البوابة إذا ما دفعت، هذا يعني أنها لم تفتح منذ زمن .. هل البيت مهجور؟؟ تقدمت قليلا .. الحديقة المترامية الأطراف خالية من أي شيء وتبدو كأن لم تدسها قدم إنسان منذ أعوام؛ فالأعشاب الجافة منتشرة في كل أرجاء الحديقة، والممرات المؤدية إلى مدخل البيت الكبير تكاد تختفي تحت وطأة الأتربة وبقايا الأوراق المتحللة، خطوت وأنا أوهم نفسي أن الرجفة التي اعترتني مردّها التعب من طول السفر .. البيت مهجور بلا شك، هذا ما يبدو فالبيوت المهجورة هنا تحتفظ لنفسها بقدسية خاصة إذ توحي لكل من يراها أن القدم الغريبة لم تدسها وأنها ما فتأت تنتظر اليد التي أقفلتها قبل عشرين عاما..هل بدأت أهذي؟!ربما!...يا الله عشرون عاما مرت كأنها البارحة وما أشبه اليوم بالبارحة .. اليوم نعود إلى بلادنا ..نعود إليها سواحا وزوارا بعد أن كنا أصحاب حق وأصحاب أرض...!!! أي عدل ٍ هذا يا رب ..؟؟!!.أستغفر الله أستغفر الله .. اللهم أغفر لي زلّتي ،...استجمعت قواي واستنهضت ما خدر منها وتقدمت متلصصة، لم أحفل بشيء، على كل حال هذه لحظة من لحظات الشجاعة التي نادرا جدا ما تأتي إلي بأرجلها ولن أفوتها.... كانت قفزات ثلاث وكنت بعدها في أرض الحديقة، وما أن وطئت الأرض حتى انهمرت عيناي فجأة... تلك القفزة الثلاثية وبنت الــ 15 ربيعا وسور الحديقة والهروب من المدرسة وواحد وعشرون عاما كلها انقضت عليّ فجأة كما تنقض الفجيعة على ثكلى .. فقدت الإحساس بكياني للحظات؛ فراوحت مكاني قليلا .. حاولت جاهدة لملمة ما تبقى منّي...بعد جهد استنزفني حتى الرمق جمعت أشلائي وخطوت الخطوة الأولى واقتربت... لمستها بحنين من فـُجع بكل أحبائه دفعة ً واحدة ..انحنى عليّ غصنان متجاوران...هل أحلم؟! هل جننت ؟! لا ما زلت احتفظ بشيء من عقلي.. أقسم على ذلك ...تدانى الغصن الأول حتى كاد يلامس خاصرتي والتف الثاني من حولي حتى حضنني تماما وابتدأ عناق طويل ارتميت على أثره أسفل شجرتي الحبيبة وأنا اشهق من شدة البكاء .....غفوت...أي أمان ٍ هذا الذي شعرت به حتى غلبني النعاس؟! لا أدر كم من الوقت مر!.. نهضت واعتدلت جالسة...الحديقة كما أعرفها لم يتغير فيها شيء ... ثلاثة أشجار كينا لم تفقد نضرتها .. خمسة أشجار سرو ٍ تكاد تطاول السماء، وعشرة زيتونات متجاورات بعدد أخواتي وإخواني كان أبي يغرسها واحدة لكل ٍ منّا في اليوم الأول بعد مولده أكبرها ميتة ومتيبسة تماماً... رحمك الله يا أخي ..ترى أما زالت أبراج قلعة الشقيف تذكر ذلك المغوار الذي كان يقف على قمة الدنيا وحيدا ويناجز العدو من أعلى برج ٍ فيها وقد شرع صدره للرياح والرماح..رحمك الله يا معلمي وأخي..!!.
                  ...زيتونتي ...خضراء بلون عيناك، هادئة في طبعك ولها قلبٌ أبيض ككل القلوب الجميلة .. عبارات حفرتها فتاةٌ مراهقة على جذع الزيتونة((زيتونتها))وحفرت أسفلها قلبٌ اخترقه سهم بحرفيّ((هـ)) و((فـ))؛ أين أنت يا من أحببت؟! أي بلاد ٍ حملتك وأي بلاد ٍ حطتك؟ ترى أما زلت تذكر تلك الطفلة الصغيرة الكبيرة؟ أما زلت تذكر (هدوء) وجرأتها ؟ أنا ما زلت أتذكر ومحال أن أنسى، أتذكر الدهشة التي تعقد لسان الكبار عندما تقول طفلة في الثانية عشرة ...أنا أحب...أي مجنونة أنا ...؛؛ لكن أي عظيم ٍ أنت حين جننت بك؟؟!! قمة الروعة وأعظم ما في الوجود أن تجد الفتاة الطفلة العطف والحنان والإعجاب بها ينقلب إلى حب ٍ جارف...حباً بكل ما تحمل الكلمات من معان .. لا يبذله إلا عاشق عظيم لأجمل امرأة في الوجود، وهذا ما كان يا وطني ، هل تقولون عني مجنونة؟؟ .. لكم ذلك .. أما أنا فلا أر ذلك ألا العقل بتمامه وكماله!! .. وهل كتب على الفتاة ألا تعشق إلا الرجال ؟؟!! أنا عشقت وطنا وأراه بكل رجال الأرض !!.....نسمة برد خريفية تزلزل الكيان والمكان هبت فجأة وخطفتني من بحر ذكرياتي الحبيبة، كم من الوقت مرّ؟! لقد انقضى النهار بأكمله ولم أشعر به...إذا سيحل الليل..تلفّتُ حولي بحذر ٍ هذه المرة، هل سأترك المكان بعد كل هذا وأغادر؟؟ّ!!أيُ جاحدةٍ أنا؟!! أأترك أهلي وأخواتي وإخواني هنا وأذهب؟ أأترك نفسي هنا وأذهب؟ وإن تركت كل هؤلاء أيطاوعني قلبي على ترك وطني الذي أحب هنا مصلوبا على شجرة بانتظار ساعة تحرير لن تأت؟!! تراءى لي خاطرٌ مفزعٌ أرعبني أول الأمر، وبعد لحظة تفكير بدا لأمثالي منطقيا ! ماذا لو حفرتُ قبرا هنا وتمددت فيه حتى يوافيني الأجل؟ سأكون أسعد من على الأرض أن أحصل على موطئ قدم ٍ أوارى فيه وأين؟؟ بأرض ٍ كانت تسمى ذات يوم ٍ بلادي وتحت شجرتي التي تقاسمت معها صرخات الولادة !! الخاطر المجنون بدا في أول أمره شطحة رعناء اعتدت على مثلها كثيرا، ولكن ما لبث أن صار يبدو لي مقبولا ثم انقلب من منطقي ٍ إلى عادي وانتهى بأن لا بد منه ليكتمل عقد جنوني!! لا أعرف أي زلزال ٍ هذا الذي حل بي؟؟!!... كيف ينتقل العقل فجأة من بحثه الدائب عن أسباب للتعلق بالحياة إلى بحث لا يقل دأباً عن رغبة عارمة ٍ لإيجاد الموت؟؟!! ليس هروبا ً من الحياة بمعنى الانتحا، بل هروب إلى ذكريات لا فكاك منها ولا عودة إليها إلا بطريق ٍ واحد قد تكون هي الموت!! ولماذا لا يكون الموت هو الطريق إلى ما مضى من أيام؟؟!! قمت من فوري ورحت أحفر تحت الزيتونة بأظافري..كانت الأتربة تتباعد من تلقاء نفسها وكأنها تشكل قبراً لم يلبث أن اكتملت معالمه التي امتدت إلى ما تحت جذور الزيتونة تماما...!!!!! في ذلك المساء ابتدأ حديث أهل كرم الزيتون عن فتاة غريبة تسللت إلى حديقة بيت مهجور ودخلت بين مجموعة من أشجار الزيتون ولم تخرج بعدها أبداً!!
                  !
                  [align=center]الأستاذ الفاضل / طه خضر [/align]

                  عندما تأتي المبدع فكرة ما أو يتناولها من مشاهداته الحياتية ، تملك عليه حواسه وتؤرقه بعد اختمارها بداخله، فتلح عليه للخروج ، فيبحث لها عن شكل أدبي يخرجها فيه ، إمَّا شعراً أو نثراً ، فإن كانت تجربة حقيقية جاءت عند كتابتها بدرجة عالية من الصدق الفني ، وسوف نتناول في قراءتنا التأويلية أفكار قصة " عائدة إلي يافا " للمبدع طه خضر وقبل أن ندخل دهاليز النص ، أود أن نلقي الضوء علي بعض خصائص القصة القصيرة وبعض المفاهيم النقدية المتعارف عليها ونعرضها علي ما جاء بالقصة 000
                  عندما وصل لنا فن القصة من الغرب والشرق استفدنا من طريقة كتاباتها ومنهجية علما النقدي وطوعناها لتلائم مجتمعنا الذي ننهل منه أفكار قصصنا ، فهي من مجتمعنا وإليه ، لأن القص في جوهره وجه نظر ذاتية ، أي فن شخصي وخاص لكنه في الوقت نفسه تعبير عن شعور إنساني عام ، ينقل إلي الوعي صور خيالية بالإيحاء السردي الذي يجعل كل متلقي يتخيل الصورة بمدركاته ، ووسيلة التوصيل للمتلقي هي اللغة ، ووحدة اللغة في أي مجتمع ، هي العامل الأساسي لتوصيل الأفكار التي تترك الأثر المنشود في المتلقي ، ومن المفارقة أن كل متلقي يتخيل صورة ربما تكون مختلفة عن الصورة التي تخيلها متلقي آخر لذات القصة وربما أيضا تختلف عن الصورة التي كانت في بال المؤلف لحظة الكتابة ، وطالما أن الهدف من القص نقل تعبير أو إحساس إنساني من خلال حدث يوحي بفكرة للكاتب ، يجسدها في معادل موضوعي لإحساسه ، تتوقف درجة نجاحه في توصيل هذا الإحساس للمتلقي علي أسلوبه الغير مباشر ، باستخدام أسلوب موحي وهذا ما نادي به كتاب الشرق والغرب الذين ينسب إليهم الفضل في تطوير فن القصة إلي أن ظهرت الصحافة ومتطلباتها في الإيجاز والتكثيف فبدأت القصة القصيرة والقصيرة جداً تبرز علي صفحات المطبوعات 000
                  وعندما تطالع عتبة نص
                  " عائدة إلي يافا "
                  { انطلقت الحافلة من باب العامود في القدس 00}
                  وهي جملة قد تبدوا مشوقة لمعرفة ماذا سيحدث بعد ذلك باعتبار ان الأحداث في زمن القص " في الماضي "وتحدد أيضاً المكان " في القدس " الأمر الذي يؤدي إلي تداعي ما يف الذاكرة من أحداث عن فلسطين وتتهيأ المشاعر لقبول جرعة جديدة من شحنات الغضب ضد المحتلين ، ونعطف مع الكاتب الذي يخاطب العاطفة بسرد تقرير المشاهدة الوصفية للمكان علي لسان بطلته بضمير الأنا ، مستخدماً اسلوب السيرة الذاتية ، فنكتشف أن القصة خالية من الحكاية التقليدية ، وهذا الأسلوب في الكتابة القصصية يستغني عن عنصر التشويق فثما لا توجد حبكة درامية تستوجب علي الكاتب أن يضيف إلي حدث البداية احداث جديده يدير بها الصراع بين الشخوص ، والنص خالي من الشخوص والصراع الدرامي ، فالبطلة تخرج حالتها الوجدانية وتصف سيرتها الذاتية ولكن الكاتب يطل برأسه أحياناً في النص ويبدي راي في الأحداث المروية ، فالنص ليس باسلوب الراوي العليم أو الراوي المشارك في الأحداث أو محركها ولكن كما اسلفنا باسلوب السيرة الذاتية لبطلة النص التي تحكي بضمير الأنا لتعرفنا علي ملامح الفكرة التي يريد توصيلها الكاتب إلي المتلقي لا من خلال لحظة كشف في النهاية فالنص لا تحكمه خاتمة لأنها معروفة سلفاً للكاتب ومجهولة وستظل بالنسبة للمتلقي "

                  { ومن هناك أخذت أول الطريق المتفرّع عن الشارع وتوجّهت إلى دير ياسين ومنها خرجت إلى الطريق الرئيس مرورا ببيت نتّيف أو ما تبقى منها. بقايا آليات جيوش الإنقاذ العربية التي خرجت تحمل هزيمتها المؤزّرة أبان النكبة مطليّة باللون البني الغامق ومصفوفة بعناية على جانبيّ الطريق بين الأشجار}
                  مرارة في حلق البطلة وهي تري بلدتها التي أحبتها بل تعشقها بجنون فهي تصفها بعد فترة غياب وتقارن بين ما رأته وبين المخزون في الذاكرة ـ قصة مكان ـ
                  ويطل الكاتب مرة أخري من بين السطور ليبدي رأياً آخر بأسلوب خطابي وعظي عن الحق التاريخي ليافا كرمز لضياع الوطن ويرمي مسؤلية ضياعها وضياعه علي الجيوش العربية، وعلاقة التاريخ بالقصة مبني علي فكرة ان إسرائيل قامت علي اساس الحق التاريخي كما جاء في إعلان قيامها
                  { فهذه يافا ومن لا يعرفها فليقرأ كتب التاريخ، ليقرأ عن حجارتها التي تقلدها كل العابرين بعد أن صنعوا منها أوسمة شرف }
                  وتبدأ المشاعر الوجدانية عند بطلة النص في الظهور { تقوقعت على نفسي وقد اجتاحتني الذكرى دفعة ً واحدة؛ فلم أسطع منها فكاكا. صحوت من أفكاري على صوت السائق يردد بالعبرية
                  ((حي أشكالوت))...
                  آه يا ابن الكلب، بكل هذه البساطة؟!!
                  من (( كرم الزيتون))إلى [/color]((حي أشكالوت؟؟!!))..
                  انتفضت واقفة وطلبت النزول وأنا أخفي رغبة عارمة تملكتني للقبض على ذلك السائق وإعطاءه درسا في التاريخ وعن أنه من العيب كل العيب أن نطمس أسما من الوجود تمتد جذوره لأكثر من ألف سنة و نستبدله ب((حي أشكالوت))

                  حتي البطلة لم تستطع تفريغ شحنة الغضب التي تملكتها وسيطرت علي كيانها تجاه عدوها الذي لا يفصله عنها سوي طول زراعها ، وكأن فكرة النص هي إعادة شحن المتلقي بالغضب تجاة العدو الغاصب فقط دون فعل إيجابي والبطل في لحظة صدق مع نفسه يجيب علي تسائل القارئ

                  { الخاطر المجنون بدا في أول أمره شطحة رعناء اعتدت على مثلها كثيرا، ولكن ما لبث أن صار يبدو لي مقبولا ثم انقلب من منطقي ٍ إلى عادي وانتهى بأن لا بد منه ليكتمل عقد جنوني!! لا أعرف أي زلزال ٍ هذا الذي حل بي؟؟!!... كيف ينتقل العقل فجأة من بحثه الدائب عن أسباب للتعلق بالحياة إلى بحث لا يقل دأباً عن رغبة عارمة ٍ لإيجاد الموت؟؟!! }
                  تصوير حالة اليأس التي آلت إليها البطلة وربطها بموت أشبه بإنتحار لا موت بحزام ناسف جاءت عالية الجودة
                  { قمت من فوري ورحت أحفر تحت الزيتونة بأظافري..كانت الأتربة تتباعد من تلقاء نفسها وكأنها تشكل قبراً لم يلبث أن اكتملت معالمه التي امتدت إلى ما تحت جذور الزيتونة تماما...!!!!! في ذلك المساء ابتدأ حديث أهل كرم الزيتون عن فتاة غريبة تسللت إلى حديقة بيت مهجور ودخلت بين مجموعة من أشجار الزيتون ولم تخرج بعدها أبداً!! }

                  كل قراءة احتمال
                  خالص تقديري واحترامي

                  تعليق

                  يعمل...
                  X