متى يرحـــل الظلام ..؟ و متى ينبلج الصـبح ..؟
خرجت والصلوات على شفــاهي ..وعناقيد الدموع تتهدل على مهل .. نشنش دم دافئ بين فجوات أعصابي .. وارتعشت أنفاسي بين سنابل حقول أحـلامي ..
أسأل المارة ، يبتسمون .. وعلى لهفة السؤال ينحنون .. يزرعون أحلام الورود .. يشيرون إلى مكان غامض .. يعــبرون ، يهمسون ، يتكلمون .. قالوا بلسان واحد : ألم يعطك الله موطناً..؟ قلت : بلى .. ولكن وددت أن أقول كلمات تتلجلج خفية في صدري ..
كلماتي قصة وجود .. سنبلة خضراء تخجل أن ترقص بين المروج .. بركة ماء سائـــل يترقرق بين أعين الإنسانية .. أبحث وأبحث عن شمس قـد لا تشرق في الأفـق عـبر السنين .. ها أنا .. ومن أنا ..؟على ضوء شمعة لا تضيء إلا نفسها أتـلمس طريقي ....
ماذا تقول الأحلام ..؟
على صفحات قاموس قديم نامت أرض في رخاء .. تشتاق إلى ولادة جديدة .. تـود أن تستيقظ لتكتشف سر القلوب .. تطل برأسها بيـن أستار الأيام .. وهي تحمل بـوارق بيضاء .. الكل ينتظر خلف الشاطئ سـنا الله .. لكن عبر البحر أطلت جزر نـص مفقود .. من يدري..؟ قد ينبجس يوماً بين صفحاته ماء زلال يقص حكايات من دفاتـر الأمس البعــيد ..
أيها الظلام ما بالك.. ؟ غمست كل الشقق ، كل النوافذ ، كل الأزقة .. في حرب قذرة وغير عادلة .. فما عاد بريق يومض فوق الربى . . بيـن المروج .. ظهرت الكلمات في الصور.. في الشعر.. في الشعارات.. في الدماء.. في أودية الأوراق ..
أتجول طول النهار.. أقرأ نفسي بين أحلام الكلمات.. أطعم قلبي من نكهة السطور .. ولكن ما لقيت شيئاً..؟
لقيت صرخة شعب يتغذى بالدم المسفوح .. وعويل دمعه يترقرق بين الجفون .. يمتزج مع عبرات سيل جارف يخلف من ورائه أنقاضاً وخرائب سوداء .. والغول الوحشي يتجـول على أرقاب الأجسام ..وينط على البطون ، والحناجر تتقيأ سائلا أحمر يلون زوايــا الجدران. ابتلعـتني دروب ليال حالكة في مدينة تبيت وتنام ، بين أفـواه تأكل لـحوماً آدمية بالشوكة والسكين .. تنهش الأجسام وتخنق الأنفاس .. من يستطيع أن يقول أنا هـنا ..؟ أنـا موجود هنا ..؟ أنا في موطني هنا وهنـاك ..؟
غربة مرة المذاق تأكل مني .. وأنا هنا .. أنغامه بدون طعم .. أصواته جلبة وضوضاء .. لا ضياء يسيل بين الشوارع .. تحادثني الجدران وتقول : أما يسمع العالم تلك الأصوات ..؟ صوت رياح المنايـا الطائشة تتجسس على الأنفاس .. تقرأ شغاف القـلوب .. استغربت وقــلت : من أيـن يأتي كل هذا الموت ..؟ يوما ما ، يمحو صدى عمري في لحظة .. في ثانية.. ويصيـرني مائدة للديدان البيضاء قبل الآوان .. وأنا في وطني ..
حملت القلم وأنا أمضغ شفــتي .. غمست كلماتي في دواة من عبراتي .. قـلت : لــي موطن.. ولــكن الجهال لعبوا بالتراب ، بالأشجار ، بالأجساد ، فلم تعد السماء تمطــر خشوعاً .. ولم تعد الأرض تلامس ركعات الصباح .. خافــت السنابل في حواشي الجبال .. ونامت مختبئة بين حشائش غريبة .. كل ما استطعنا أن نفعله : تقاسمنا العيش مع أغـوال ضارية تدك حوافرها أركان البلاد..فعشنا بيـــن أشداق جائعة تمضغ ما تشاء مـن العظام ..
مع الزمان ،أخاف أن يجيء لــيل من الضباب .. وليل الضباب يطـول ويطـول .. فيـفصل بين أجسامنا .. ويباعد بين أرواحنا .. فنعود غرباء في وطننا .. فما علينا إلا أن نحمل الشمس في أكــفنا مدة من الزمن ...؟ ونبحث لها عن موطن جديد .. في عالـم ـ يومــاً ما ـ قد يصيبه الخبــل من أقصـاه إلى أقصــاه ..؟..
تعليق