يوتوبيا.. يخْت.. يانكي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد زعل السلوم
    عضو الملتقى
    • 10-10-2009
    • 2967

    يوتوبيا.. يخْت.. يانكي

    «نانوبيديا» -الحلقة-(30)
    يوتوبيا.. يخْت.. يانكي
    بقلم :محمد الخولي



    يوتوبيا: ومنها في لغتنا الطوبى والطوباوية وتشير كلتاهما إلى الجزاء الأوفى من ناحية والى الفكر القائم على أساس الخيال والتصور واستشراف المثل الأعلى من ناحية أخرى. في أمهات لغات الغرب تشير كلمة يوتوبيا إلى «المكان الطيب» وأحيانا يطلقون عليها وعلى مواقع الخير والأخلاق التي يطمح اليها الفؤاد البشري - لفظة أطلانطس وهي إشارة إلى القارة المفقودة.. أو مملكة الإغريق الغائبة أو الموقع الكوني المنتظر على وزن المهدي المنتظر.


    ولقد ربطت الثقافات المختلفة بين «يوتوبيا» وبين كل هذه الأفكار.. التصورات والتداعيات التي تهفو إلى مكان أمثل، وترنو إلى استشراف مواقع تتصف بالسمو وتعلو بالارتقاء ولكنها غير موجودة على خريطة الواقع.


    وربما فعلت ذلك لأن كلمة «يوتوبيا» في اصلها اليوناني تعني في مقطعها الأول «يو» وفي مقطعها الثاني «أوبوس».. الأول يفيد النفي والثاني يفيد المكان ومن ثم فهي ببساطة «اللامكان» ولأنها كذلك.. فقد ظلت المثابة التي يودعها المفكرون والمتفلسفون والأخلاقيون والشعراء والحالمون.. كل ما راودهم من رؤى وكل ما زارهم من أحلام وكل ما خالط نفوسهم من أمانيّ الحق وطموحات الخير وأشواق الجمال الأسمى..


    كان أول هذه الكوكبة من مفكري البشرية هو الفيلسوف اليوناني أفلاطون (ت عام 348 قبل الميلاد) وخاصة في رسالته الشهيرة بعنوان «الجمهورية» وفيها أطلق العنان لحلمه الأثير يرنو فيه إلى نظام حكم يقوم على أمره الفلاسفة ويجسد عالم المثل العليا ويبسط سلطانه بالفكر والنموذج على المدينة وهي وحدة السلطة عند اليونان..


    ومن ثم فقد كان أفلاطون هو أول من نادى بما اصطلحت البشرية على وصفه بأنه (المدينة الفاضلة). لكن الفضل في إدخال لفظة يوتوبيا لتؤدي معنى المدينة الفاضلة أو المجتمع الأمثل يرجع إلى الفيلسوف الانجليزي سير توماس مور (1478 - 1535) الذي أصدر كتابه الأشهر باللاتينية بعنوان «يوتوبيا» عام 1516 وشرح مضمونه في عنوانه الفرعي الذي يقول:


    ـ عن أرقى أحوال الجمهورية وجزيرة يوتوبيا الجديدة.


    وفي الكتاب يتخيل توماس مور دولة.. يديرها حكامها باسم العقل والحكمة حيث كان المؤلف يلمح بذلك إلى نظم الحكم المعاصرة له في أوروبا والتي كان يسودها الطغيان والنزوات واستبداد السلطة وطمع الثروات.


    هكذا شقت يوتوبيا - توماس مور طريقا أمام فلاسفة ومفكرين كثيرين لكي يصوغ كل منهم حلمه الخاص ورؤياه الأثيرة: منهم من كان يحلم بأن يحكم المدينة الفاضلة من يجمعون بين العلم والفلسفة والدين (الايطالي توماس كامبانيللا في كتابه بعنوان «لاسيتادل صولي ـ مدينة الشمس الصادر في عام 1602). ومنهم من تصور مدينته الفاضلة..


    والمفضلة أيضا وقد آلت مقاليدها إلى حكام من علماء الفيزياء والبيولوجيا والكيمياء، يعني أهل العلم التطبيقي وهم قوم عمليون يقرأون الواقع وفق معطياته الحقيقية على الأرض (فرانسيس بيكون في كتابه بعنوان «أطلانطيس الجديدة» الصادر عام 1627).


    ولأن يوتوبيا ظلت ترتبط بالحلم.. ولأن فلاسفة الإنسانية وفنانيها وشعرائها ومفكريها قوم مجبولون بحكم العقلية والتكوين على أن يحلموا، ومن ثم يُسكبون أحلامهم أفكارا ورؤى وسطورا على أديم الصفحات، فقد شهدت مراحل شتى من التاريخ المعاصر كتابات متنوعة تدور جميعا حول حلم اليوتوبيا - المدينة الفاضلة وشهد منها القرن العشرون كتاب الأديب الانجليزي ه. ج ويلز الصادر في عام 1905 بعنوان «اليوتوبيا الحديثة».


    أما على الجانب الآخر من القضية، صاغ مفكرون وروائيون يوتبيات مضادة.. فإذا كانت الفئة الأولى من أفلاطون إلى ويلز قد ترجمت رؤاها إلى «أحلام» تعكس شوق البشر إلى العالم الأفضل.. فثمة فئة أخرى ترجمت رؤاها إلى «كوابيس» تعكس خشية البشر من تحول حياتها ومجتمعاتها إلى حيث تسيطر عليها الآلة.. أو يستبد بمقاليدها الطغيان أو تصاب البشرية بفيروس التزييف وقلب الوقائع والخلط المدمر بين الحق والباطل.


    هنا نصادف نوعا من الأدب والفلسفة يصدق عليه وصف اللايوتوبيا أو اليوتوبيا - المعاكسة على نحو ما أسلفنا. هنا قرأنا ونقرأ أعمالا تسخر من الاستسلام للأحلام والأخيلة في معالجة قضايا البشر (رحلات جلفر التي أصدرها جوناثان سويفت عام 1726)، وهو ما قصد إليه أيضا صمويل بطلر في كتابه «ايروين» الصادر عام 1872..


    ومنها كذلك ما يحذر من ميكنة الحياة البشرية حين يستسلم الإنسان إلى سطوة الآلة (رواية عالم جديد شجاع التي أصدرها عام 1932 الدوس هكسلي) أو تنذر بتحول المجتمع إلى مطية للطغاة والمستبدين الذين يفرضون على البشر استبدادا شموليا باسم المذهب السياسي (العالم سنة 1984 التي أصدرها عام 1949 ور أورويل وربما كان آخرها رواية الأديبة الكندية مرجريت أتوود التي أصدرتها عام 1985 بعنوان «حكاية شُغْل يد».


    يخْت: أتى على أهل هولندا حين بل أحيان من الدهر كانوا فيها فريسة الانزعاج الشديد والقلق العميق إزاء هجمات القراصنة على السفن التي كان الهولنديون يبعثون بها إلى ما وراء البحار ـ كي تجلب لهم منتوجات أمم بعيدة ـ في جنوب شرقي آسيا بالذات وفي مقدمتها البهارات والتوابل وكانت من المواد الثمينة في القرن السادس عشر للميلاد.


    ولأن الحاجة أمّ الاختراع.. فقد هداهم تفكيرهم إلى أن المطلوب لمطاردة ومداهمة القراصنة لم يكن يتمثل في العمارات البحرية الشاهقة ولا في الأساطيل الفارهة والسفن الضخمة.. تلك هي القطع البحرية التي تصعب حركتها وتثقل حمولتها ومن ثم تصبح فريسة للصوص والمهربين العاملين في عرض البحار:


    المطلوب إذن هو سفن خفيفة.. سريعة الحركة.. أبسط ما تكون من حيث التصميم والهياكل.. وعدد البحارة والعاملين. ولم يكن من مهام تلك القطع البحرية البسيطة والخفيفة هو مقاتلة القراصنة بقدر ما تمثلت مهمتها أساسا في مطاردة القراصنة وإبعادهم قدر الإمكان عن سواحل هولندا وممتلكاتها.


    في ضوء هذا كله اصطنع الهولنديون هذا النمط الخفيف من المراكب التي تجمع بين خفة الزورق وبين هيكل السفينة.. وتوصف في اللغة الألمانية بأنها «ياختشيف» ومعناها «سفينة الصيد» التي لم تتوان انجلترا ـ وهي دولة بحرية في الأساس - عن ادخالها ضمن مجاميع سفنها وكان ذلك تحديدا في عام 1660.. وفي غمرة شعور بالانبهار إزاء واحدة من تلك السفن المبسطة التي أهدتها شركة الهند الشرقية الهولندية إلى تشارلز الثاني ملك انجلترا فقد رأى الملك الانجليزي في بساطة السفينة الجديدة ما جعله يستخدمها للنزهة والترويح.


    بعدها تناولتها أيدي مصممي وصناع السفن الانجليز وقرروا بناء عدد منها لحساب أثرياء الانجليز الذين استهواهم بالطبع تقليد مليكهم في البر وفي البحر على السواء. وبذلك دخل المصطلح الهولندي بإيقاعه الألماني الأصل إلى معجم الانجليزية إلى أن بلورته كلمة «ياخت» ومنها «يخت» المستخدمة حاليا على مستوى العالم كله.


    ورغم أن هذا العالم قرر أن يتوسع في استعمال الكلمة.. بمعنى أن سباقات اليخوت مثلا أصبحت تستوعب أنواعا شتى من السفن المتسابقة، إلا أن العالم في الغرب وفي الشرق لايزال يختص بالكلمة أيضا ذلك النوع من السفن التي يتفنن صانعوها في تجميلها وتزويدها بأحدث وسائل الراحة والرفاهية وضمان متعة التأمل وسكينة الهدوء.. ربما لكي ينسى الناس أن اليخت - الهولندي الاصل والكلمة - كان يقصد منذ 4 قرون إلى مطاردة المجرمين وإقصائهم بعيدا عن السواحل إلى حيث يواجهون غوائل البحر من جديد.


    يانكي: اسم خلعوه أساسا على المستوطنين الذين عبروا البحر لاستعمار أميركا في منطقة نيوإنجلاند على الساحل الشرقي من الولايات المتحدة المعاصرة (معجم المصطلحات التاريخية)..


    وهناك من يعود بأصلها إلى التسمية التي شاعت عند الهولنديين بوصفهم من صانعي أصناف الجبن الهولندي الشهير. وفي هذا الإطار وصفوا الهولندي بأنه - يان كاسي أو «إنسان الجبنة» تماما كما أن هناك من يصف الفرنسيين بأنهم «فروماجيست» بمعنى أنهم آكلوا الجبن.


    (معجم حكايات الكلمات) وهناك من يصرف النظر عن قصة الأجبان هذه ويتمسك بمقولة الاستهانة بالهولنديين، لاسيما وقد كان من صفوفهم من احترف قرصنة البحار وخاصة في أواخر القرن السابع عشر، الأمر الذي دفع بقادة الاستعمار - الاستيطان البريطاني في أميركا إلى إطلاق وصف ون الصغير أو ان الصغير على أي هولندي الذي كان ينطق الصفة أو الكلمة في لغته الجرمانية الأصل على أنها «يان كي» (معجم تاريخ الكلمات).


    مع ذلك فقد حارت البرية - على نحو ما يعرضه معجم وبستر الأميركي المعني بالأيتيمولويا - تأصيل الكلمات، ويكاد يكون العمدة في هذا السياق، في أصل كلمة «يانكي» التي مابرحت تصدق على وصف الشخص الأميركي وربما أدى إيقاعها الخفيف - بمعنى الاستخفاف ـ إلى أن كثيرا من مظاهرات شعوب العالم الثالث كانت تقابل مبعوثي واشنطون ومندوبيها بلافتات مكتوب عليها بالانجليزية شعار: «يانكي جوهوم» أي «أيها الأميركيون عودوا إلى دياركم».


    وهناك من عاد بالكلمة إلى لغة قبيلة الشيروكي من شعوب أميركا وسكانها الأصليين ـ الهنود الحمر كما يوصفون أحيانا. والكلمة هي «اينكي» ومعناها «العبد.. الجبان» - ولكن البحث اللغوي الحديث نفى وجود مثل هذه الكلمة في لغة الشيروكي بل هناك من أرجعها إلى لفظة فارسية الأصل هي جنجي وتشير إلى الفارس المحارب على متن جواد سريع.


    كلها نظريات متضاربة.. ومتباينة وإن كان الإجماع ينعقد على أن كلمة «يانكي» استخدمها الاحتلال البريطاني لأميركا في معرض الإشارة والاستهانة بالمستوطنين الأميركيين الخاضعين لسيطرة الاستعمار البريطاني وهو ما سجلته مراسلات جنرالات الانجليز عن أميركا.


    ومن عجب أن تلقف الأميركان نفس اللفظة وخلعوا عليها ثوبا من التحدي الوطني ضد الاحتلال الانجليزي لدرجة أصبحت «يانكي» معها مرادفة لطلب الحرية والاستقلال. وربما لا تحيط أجيال شابة من الأميركيين بكل هذه التفسيرات أو التضاربات.. لكنها تعرف بالقطع عن اليانكي وهو أهم فريق رياضي للعبة البيسبول تزاحم أخبار نجومه من لاعبين وإداريين أخبار كبار الساسة وصانعي القرار في طول الولايات المتحدة وعرضها.. حظوظ!
  • محمد الصاوى السيد حسين
    أديب وكاتب
    • 25-09-2008
    • 2803

    #2
    كم هى رحلة ثرية هذه الرحلة الجميلة فى تاريخ المصطلح ، رحلة بحق تهب القارىء الكثير والكثير من معارف شتى ، فشكرا من قارئك على هذا الجهد الكريم

    تعليق

    • محمد زعل السلوم
      عضو الملتقى
      • 10-10-2009
      • 2967

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة محمد الصاوى السيد حسين مشاهدة المشاركة
      كم هى رحلة ثرية هذه الرحلة الجميلة فى تاريخ المصطلح ، رحلة بحق تهب القارىء الكثير والكثير من معارف شتى ، فشكرا من قارئك على هذا الجهد الكريم
      أنا من يشكرك اخي الكريم على تعليقاتك التي تدفعني لاضافة البقية
      في الحقيقة حصلت على هذه النانو بيديا من جريدة البيان الاماراتية قبل اكثر من عامين على ما أذكر وهي للكاتب محمد الخولي الثري جدا بترجماته النوعية والممتعة واتمنى ان يكون نقلي مفيدا للجميع
      كل الشكر لك استاذي الكريم على اهتمامك
      محمد زعل السلوم

      تعليق

      يعمل...
      X