هبنوسس.. هامبورغر.. الهلال الأحمر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد زعل السلوم
    عضو الملتقى
    • 10-10-2009
    • 2967

    هبنوسس.. هامبورغر.. الهلال الأحمر

    نانوبيديا»-الحلقة-(27)
    هبنوسس.. هامبورغر.. الهلال الأحمر
    بقلم :محمد الخولي



    هبنوسس في شكلها العربي.. تبدو كلمة غريبة وصعبة النطق والهضم في آن معاً.. لكن الكلمة قديمة ضاربة الجذور في المثولويا - الأساطير الإغريقية حيث كان هبنوسي هو المعبود المسؤول عن النوم عند قدماء اليونان.


    وعلى عادتهم نقله الرومان حرفيا ـ نقل مسطرة كما يقال ـ إلى ثقافتهم فعرفوه في اللغة اللاتينية بأنه المعبود سومنوس.. ومن ثم دخلت إلى معاجم الطب البشري والنفسي أيضا كلمة أنسومنيا التي تبدأ بحرف الامتناع بمعنى أنها تخالف الإله سومنوس وبالتالي فهي تصدق على الإصابة بالأرق والسهاد.


    ولأن القدماء كانوا قوما وثنيين فقد تعددت لديهم الآلهة لدرجة أن اتخذ أربابهم الغابرون أزواجا وذرية وأخوة وأخوات!. بهذا كانت العائلة تضم كلا من ثانتوس وهو إله الموت، وابنه نيكس وهو رب الليل إضافة إلى العم هبنوس المسيطر كما ألمحنا على نوم العباد وسبات البلاد..


    ومن ثم تقول الأسطورة فقد ظل يعيش في أرض يخيم عليها باستمرار ستور الظلام وسحب الضباب وهي بذلك أرض جديرة بآلهة النوم والوسن وأضغاث الأحلام. فوق هذه الأرض الضبابية عاش هبنوس في غياهب مغارة كان يتدفق عبرها مياه نهر جار اسمه نهر.. النسيان (طبعاً!)


    ويحفه في جلسته أبناء كثيرون في مقتبل العمر يحملون اسما مرتبطا بالنوم وهو.. (الأحلام) ، (هل هناك صلة بين أبناء هبنوس وبين كلمة بلوغ الصبي مرحلة الحُلُم؟) المهم ان كان على رأس هؤلاء الأبناء فتى نابغ نابه خلعت عليه أوهام الإغريق اسم مورفيوس.


    وعندما كانت آلهة الإغريق تنوي التدخل في شؤون البشر.. كانت تعمد إلى استدعاء الأب رمزا للنوم والابن رمزا للأحلام.. ومن اسم هذا الابن الشاطر اشتقوا مباشرة مصطلح (مورفين) الذي يرسل الكائن البشري إلى حيث يغيب العقل ويدخل الكائن في سبات الخدر العميق.


    راحت أيام المثيولويا وحلّت سنوات العصر الحديث وعاش في القرن التاسع عشر جراح اسكوتلندي اسمه يمس بريد (1795 - 1860) وكان بحاجة إلى أن يرسل مرضاه إلى حالة من التخدير بحيث لا يكابدون الألم من جراء مشرط الجرّاح. يومها كتب الدكتور بريد رسالته الضافية عن «أسس النوم العصبي».


    وكان أن استدعى اسم إله النوم القديم ليصوغ من اسمه مصطلح هبنوسس بمعنى النوم الاصطناعي أو هو التنويم بالإيحاء أو كما يسمى في لغتنا المعاصرة بالتنويم المغناطيسي الذي مازال يحمل الاسم حتى الآن وإن كان أهل القرن 19 يطلقون عليه الاسم الذي انقرض فيما بعد وهو بريدزم نسبة إلى الجراح المذكور.


    أما العقار المستخدم في التخدير فقد تم عزله مختبريا في عام 1806 على يد الكيميائي الألماني فردريك سيرتورنر (1783 - 1481) الذي فصله عن الأفيون. وعند تسمية المادة المخدرة المعزولة استدعى سيرتورنر اسم الإله - الابن مورفيوس وأطلق على هذه المادة اسم المورفين.


    هامبورغر: في منطقة أوك بروك بولاية اللينوي الأميركية يقوم مبنى شاهق يحمل رقم واحد مكدونالدز بلازا وتحيط به مساحة 80 فدانا ويعرفه الناس باسمه الشهير وهو: جامعة هامبورغر.


    هذه الجامعة تمنح درجة «الهامبورغر لوجي» (!) أو علم الساندوتش الشعبي المعروف وهي في الأساس مركز التدريب الذي يتخرج فيه مديرو وموظفو وعمال مؤسسات الطعام السريع الذي ابتدعته أميركا لتغزو به أذواق وأفواه وأمعاء العالم.. كل دورة دراسية تستغرق أسبوعين وتتنوع فيها موضوعات المقرر المدروس ما بين أساليب العمل الجماعي إلى إذكاء حوافز الدافعية لدى العاملين إلى الترويح - خذ بالك - لانتشار لغة خاصة (بمعنى مصطلحات ورموز كودية متعارف عليها) وصولا إلى نشر ثقافة متميزة - ثقافة هامبورغية إن صح التعبير.


    ما هو إذن أصل الكلمة؟ للوهلة الأولى يتبادر إلى الذهن أنها ترتبط أساسا بالمقطع الأول الذي ينصرف إلى (هام) التي تصدق على أصناف اللحوم لزوم حشو الشطيرة - الخبزة أو الساندوتش. لكن الكلمة لا علاقة بينها وبين اللحم بقَرياً كان أو دجاجا ولا حتى سمكا.. الكلمة مأخوذة من مدينة هامبورغ الألمانية الشهيرة وهي أكبر موانيء ألمانيا.


    وقد أسسها شارلمان عاهل الإمبراطورية الرومانية الشرقية في أوائل القرن الثالث عشر. مع ذلك كانت المدينة هي الساحة التي عقدت على صعيدها علاقة الساندوتش باللحوم.. لأنها شهدت في الأصل ما عرفته المطاعم والمطابخ بأنه هامبورغ ستيك وهي الشريحة أو صفيفة اللحم كما يسميها المجمع اللغوي الموقر.


    وعندما هاجر الألمان في منتصف القرن التاسع عشر إلى ألمانيا كان طبيعيا أن يحملوا وسط أمتعتهم تقاليد هامبورغ في إعداد وتبهير وشواء شرائح اللحم - البقري بخاصة.


    ولم تمض سوى عقود قليلة من الزمن حتى أصبحت شرائح الشواء المنسوبة إلى المدينة الألمانية هي الصنف المفضل عند عامة الأميركيين الذين ظلوا يقرنون بين اللحم - الهام - وبين اسم المدينة الجرمانية إلى أن جاءت أجيالهم الناشئة فعمدت ـ على طريقة الأميركان - إلى اختصار المسألة من عبارة «شريحة هامبورغ» إلى كلمة واحدة هي هامبورغر.. وكان ذلك كما تقول التواريخ في عام 1908.


    وفي ثلاثينات القرن الماضي.. بدأ الناس يشعرون بوطأة الأزمة الاقتصادية (الكساد الكبير) ولذلك شهد العقد الزمني المذكور وضع اللحم من باب التوفير داخل دفتي رغيف من الخبز.. والأكيد أن أتاحت هذه الخطوة الجذرية - حتى لا نقول الثورية - تصغير قطعة اللحم من حيث الوزن أو السماكة وربما من حيث النوعية أيضا..


    هكذا طورت أميركا هذه الفكرة المستوردة من مدينة ألمانية.. بل أنها كررت نفس عملية تطوير الشطيرة المحشوة.. بالمقانق على شكل أصابع من لحم مفروم مخلوط بالخضروات وأطلقت على ذلك اسم مدينة ألمانية أخرى فكان أن شهدت خمسينات القرن الماضي بدورها شطيرة الفرانكفورتر نسبة إلى فرانكفورت، المدينة التي أنشأوها في مستهل القرون الوسطى مكان مدينة رومانية قديمة وشهدت أمجاد الإمبراطوريات الجرمانية المتعاقبة..


    بل وأتاحت ازدهار عائلات يهودية مالبثت أن تركت بصمات واضحة على المشروع الصهيوني في الشرق العربي وفي مقدمتها عائلة روتشيلد المصرفية الشهيرة ويرجع أصلها إلى فرانكفورت التي استعارت اسمها مطاعم الأكل على الواقف.. (فاست فود) في أميركا وصنعت تحت لوائه شطيرتها الرخيصة التي مازالت تباع على عربات الأكل اليدوية الرابضة على نواصي الشوارع في الساحل الشرقي للولايات المتحدة، في مانهاتن - نيويورك مثلا بعد اختصار اسمها من فرانكفورتر إلى مجرد.. فرانك..


    ومن جديد اتبع الأميركان أسلوبهم في الحذف والاختصار وفي تكليف كلمات قديمة راسخة لكي تؤدي معاني وتشير إلى دلالات مستجدة وغير مسبوقة من باب تسهيل المسائل وتخفيف الاهتمامات هكذا عمدوا إلى فصل كلمة «بيرغر» واستخدموها في أغراض شتى لتدل على شطائر أخرى - ساندوتشات بخلاف اللحم التقليدي - فأصبح هناك جبن - بيرغر ولوز ـ بيرغر هذا فضلا عن خنزير - بيرغر.. والعياذ بالله.


    الهلال الأحمر:


    في مثل هذه السنة منذ 130 عاما تعرضت أقطار عربية وإسلامية لمخاطر حافلة بالنذر.. كانت سنة 1876 منعطفا فاصلا في تاريخ مصر الخديوية كما كانت تسمى في ذلك الحين.. على امتداد عقدين من الزمن حكمها رجل طموح ومتنور اسمه الخديوي إسماعيل (1830 ـ 1895) ولكن كانت تعيبه آفة السذاجة مقترنة بالاندفاع والإسراف وأبهة المظاهر والشعارات.. وقف يوما ليقول للأجانب أن بلاده «لم تعد قطعة من افريقيا.. لقد أصبحت مصر قطعة من أوروبا».


    وهكذا كانت مصر فعلا ولكن من باب السلب والخطر الجسيم.. لقد ظل إسماعيل ينفق على مشروعاته من خلال الاستدانة من بنوك أوروبا الربوية بالطبع ومنها ما كان يتولاه مصرفيون يهود..


    وهكذا وقعت بلاده في براثن الديون.. ولذلك يعرف التاريخ سنة 1876 بأنها سنة الرقابة المالية فرنسية وانجليزية على خزانة مصر ومواردها التي خضعت لفترة طويلة لسيطرة لندن وباريس.


    وكانت هذه الهيمنة الاقتصادية مدخلا لمأساة أخرى دامت 70 عاما هي الاحتلال الانجليزي - الاستعماري لمصر بأسرها. وسنة 1876 هي ايضا عام حركات التمرد ومن ثم الاشتباكات العسكرية التي واجهتها الدولة العثمانية ضد الأقاليم التي كانت جزءا من امبراطوريتها في وسط أوروبا بعامة (بلغاريا مثلا) وفي البلقان أيضا (صربيا والجبل الأسود على وجه الخصوص).


    وتسجل حوليات التاريخ الحديث سقوط الآلاف من القتلى والجرحى بسبب هذه الحروب بين الأستانة وبين رعاياها الأوروبيين. وهنا يصدق قانون الأزمة التي تفضي إلى حلول أو انفراجات..


    فالتاريخ يسجل مثلا مآسي حرب سولفرينو (دارت بين فرنسا والنمسا عام 1859) وكيف أن هذه الكوارث دفعت مفكرا سويسريا اسمه هنري دونانت إلى نشر كتاب بالفرنسية بعنوان «ذكريات من سولفرينو» اقترح فيه تنظيم خدمات وجمعيات ومؤسسات وتشكيلات إنسانية خيرية تقوم على جهود تطوعية لنجدة ضحايا الحرب والكوارث والأزمات الإنسانية .


    وكانت تلك بداية جمعية الصليب الأحمر الدولية التي أنشأتها اتفاقية جنيف لعام 1864.. بعدها بعامين احتدم القتال ـ كما أسلفنا ـ بين تركيا ورعاياها في وسط وجنوبي أوروبا فاحتاج الأمر إلى جمعية إنسانية أخرى مسلمة هذه المرة، فبدأت جمعية عثمانية - تركية لخدمة هذه الأغراض الإنسانية وكان ذلك في عام 1876 إلى أن أصرت اسطنبول على أن تحمل الجمعية اسم الهلال الأحمر رسميا وهو ما تم في عام 1906 وبهذا انتشر الاسم معمّما لاستخدامه في جميع الأقطار الإسلامية.


    ومع نشوب حرب أخرى في طرابلس ـ ليبيا بين العثمانيين والمتطوعين العرب من جهة وبين الاستعمار الإيطالي من جهة أخرى وقد أسهبت في وقائعها مذكرات عزام باشا أول أمين للجامعة العربية وكان من شباب متطوعيها، تم في عام 1911 إنشاء الهلال الأحمر المصري كجمعية عربية - مسلمة رائدة في هذا المجال.


    وبادرت الجمعية المذكورة إلى إقامة مستشفى خاص بها في عام 1914 مع نشوب حرب أخرى هي الحرب العالمية الأولى.. ثم تمكنت من افتتاح موقعها ومباني مستشفاها الكبير الذي مازال قائما في وسط القاهرة عام 1937.
  • محمد الصاوى السيد حسين
    أديب وكاتب
    • 25-09-2008
    • 2803

    #2
    تحياتى البيضاء

    كم هى رائعة هذه الرحلة الثرية والإبحار المثير بين المفردات وجذورها الغائرة فى العصور والعادات ، جميلة بحق الإضاءة الثرية عن الهلال الأحمر فشكرا للأستاذ محمد هذا الجهد النبيل

    تعليق

    يعمل...
    X