مناجم الحصى ( قصة قصيرة)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • م. زياد صيدم
    كاتب وقاص
    • 16-05-2007
    • 3505

    مناجم الحصى ( قصة قصيرة)

    اعتاد في كل ليلة أن يتسامر قليلا معها ، على مائدة عشاء متواضعة ، قبل أن ينسل إلى فراشه طابعا قبلته اليومية على يد أمه التي ترملت بعد استشهاد أبيه، الذي نزفت دماؤه طوال تلك الليلة الرهيبة، بينما كان عائدا في المساء من عمله كمزارع في إحدى البيارات الحدودية، لم تصله عربة الإسعاف إلا في صباح اليوم التالي، حين أضحى جثة هامدة، وقد مزقت جسده قذيفة دبابة..ومذ ذلك الحين وأم احمد تقاسى وتعانى بصمت وكبرياء في تربية ابنتيها وولدها احمد..تعتاش على مرتب بسيط صرف لزوجها باعتباره شهيدا.. لكنها اعتمدت على فطنتها في التطريز، وحياكة أثواب نساء القرية، فأتقنت عملها، وبرعت فيه بمهارة فائقة، ذاع صيتها وتوافدت إليها النسوة من كل صوب...
    يتقلب كثيرا في فراشه ..يمعن التفكير والتأمل، يعتريه سرحان الذهن وشرود العقل،هذا حال أحمد في الآونة الأخيرة.. يجافيه النعاس، فيمر أمام عينيه واقع مخضب بالأحلام الضائعة، والأمنيات التي أصبحت شبه مستحيلة، بانسداد الأفق أمام عينيه، فيبقى ساهدا حتى يرهقه السهر، فيذوى في ساعات متقدمة من الليل. لقد مضى على تخرجه ثلاثة أعوام.. لم ينل فرصته في الوظيفة الحكومية أو أي من القطاعات الأخرى، فتردى الأحوال الاقتصادية جراء الحصار، وتضييق شمل كل نواحي الحياة شل قدرته على السفر طلبا للرزق، كما كان يحدث قديما لأجيال سبقته .. فحالته تمثل نموذجا لآلاف الحالات المشابهة الأخرى..
    بدا يشكو من صداع ليلى يكاد أن يكون مزمنا، فتفكيره ينصب في أمر معين؟ يستحوذ على فكره، وينبض له قلبه بقوة حتى تكاد تسمع دقاته، وهكذا بدت الأيام الأخيرة ثقيلة عليه، تنعكس على مجمل تصرفاته في النهار! مما لفت انتباه أمه، التي نادته ذات ليلة بعد العشاء مباشرة :
    - ما بك يا ولدى ؟ أراك حزينا مهموما، شارد الذهن، ولست على طبعك !
    - الوضع يا غالية.. وضيق الحال، وقلة العمل وانسداد الأفق..ثم يتأفف و....
    - وماذا ؟ قل يا ولدى ..هذا ما أريدك أن تحدثني به.. لكن انتظر، لنشرب الشاي أولا، وكلى أذان صاغية، فانا أمك التي تحس بك أكثر من اى إنسان آخر.. كانت مصرة على أن يصارحها بكل ما يجول بخاطره وعقله..فقد يرتاح و يريح قلبها المعذب لأجله.
    يرتشف الشاي بطعم النعناع الأخضر.. يثنى عليها، تبتسم.. تحس بطفلها وان أصبح شابا مكتمل الرجولة، فهو ما يزال طفلا في نظرها.. يتنهد، يشيح بنظراته عنها، ويفجر قنبلة مؤجلة: أريد أن أتزوج يا أمي.. قالها بمرارة وخجل، وبنبرة حزينة مفعمة بالألم يعتصر قلبه من ضيق الحال، وعدم امتلاكه لوظيفة أو عمل يؤهله للتقدم إلى أهل عروسه...
    لم تنبهر بما سمعت، فقد كانت تشعر به، تحس بقلقه وبسرحانه وضيق صدره.. ولطالما سمعت جاراتها في الآونة الأخيرة يسألنها: متى تفرحي بأحمد؟ فكانت تجيبهن قريبا بإذن الله ..وها هي اللحظة المؤجلة قد حان أوانها، فكانت المصارحة ..وانهمرت دموعها جارية، وخرجت آهات حارقة من صدرها الحنون، فارتبك تفسيره ..أكانت دموع فرح أم دموع عجز وضعف؟ وخيم الصمت على المكان للحظات.. قطعه بجملة اندفعت منه دون استئذان: اعلم بأننا فقراء الحال، واعلم بان لا عمل بحوزتي، واعلم بالأوضاع الصعبة واستحالة العثور على وظيفة بشهادتي.. لكنى فكرت مليا، واهتديت إلى فكرة للحصول على عمل شريف.. ويقولون بأنه يربح كثيرا من المال ! وقد عزمت أمري، واتخذت قراري..
    - ما هو؟ قل بربك، فانا الآن قلقة عليك .. إياك أن تقول....
    - لا ..لا..أرجوك لا تذهبي بعيدا في التفكير، وتسيئي الظن بأحمد الذي تعرفينه.. إنما قصدت أنى وجدت عملا في الوادي ! إنهم ينقبون عن الحصى، ويباع بأثمان مرتفعة تفوق أثمان الحديد والاسمنت في زمن الحصار ..هزت برأسها، ضمته إلى صدرها وقد استبشرت خيرا، ودعت له بان يوفقه الله مع رفاقه...
    استيقظ مع الصباح على نداء رفيقه.. خرجا تلفحهما مسحات حزن وانطفاءه أفق لمستقبل باهت.. يوغلان في أحلامهما المبعثرة على ضفاف الوادي، المشرعة على أعين الأخطار المستيقظة في جنباته ، الشاردة نحو أسجية الفقر والحصار.. الكامنة في غفلة الزمن المتحضر، بجفاء وغلظة عصور الظلام والرهبة..يدفعهما أمل مستجد، مستذكران شهادتيهما الجامعيتين اللتين أضحتا براويز تزينان جدران قد تقشرت، ونخرها الفقر والوجع.
    كان مجرى الوادي ينساب كثعبان بين الزرع والأشجار، فيبدو من بعيد وجها بلا ملامح، يمتزج فيه الحصى بالرمال مع أمنيات وأحلام في مخيلته قد تكسرت، كأغصان في مهب الرياح العاصفة.. فتضيع ملامح الوادي الجميل كما كان عليه ذات زمن بعيد أيام الطفولة..عندما كان يصطحبه والده الفلاح لمكان عمله عبر الحقول والأشجار المحيطة به..الآن يرى الماء يجرى في صمت مخيف، لكن أقدامه الغضة ما أن تطأه، حتى يكشر عن أنياب حجارة مسننة ملساء، تغرس الألم في الأقدام، و الرعشة في السيقان، كنصل من زمن الفتوحات والأمجاد الغابرة.. التي لم يتبق منها سوى أضغاث أمنيات.. وذكريات في كتب التاريخ...
    وفجأة ارتسمت على وجهه ملامح سعادة، رفع حاجبيه نحو رفيقه مبتسما :قد نجد كنوزا من الذهب والألماس! فنعود كملوك نغير مجرى التاريخ .. يقهقهان حتى تداعت ضحكاتهما تجلجل أرجاء الوادي..فاشرأبت نحوهما رؤوس كانت مختفية داخل حفر التنقيب.. رؤوس بشرية مغبره، وجوه شاحبة منهكة ..فبدأ احمد بالتمعن في وجوههم واحدا بعد الآخر..ثم التفت إلى صديقه قائلا: الآن يا رفيقي نستطيع أن نتقدم لخطبة أجمل الجميلات في قريتنا.. فلا احد سيجرؤ على وصفهما بالعاطلين، والأيادي العاجزة عن توفير لقمة العيش ...
    على مجرى الوادي، يختاران مكانا مناسبا ويبدآن في الحفر بهمة عالية، وإصرار على تحدى الطبيعة والفقر، بحثا عن حجارة وحصى الوادي..تلك الكنوز الضائعة في زمن الحاجة والعوز.. يستخرجان الحصى التي تعرف بالزلط ..يجمعانه على مقربة من الحفرة التي أصبحت منجمهما الخاص.. ثم يقومان بتحميله لاحقا لمتعهد يأخذه إلى الكسارة، لتشكله متجانسا في الحجم لاستخدامه في عمليات البناء..أعمال مرهقة تشبه المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة، والتي طالما شاهداها في الأفلام.. لكن أحمد كان صبورا على قضاء الله وقدره..متحملا الأذى والتعب و الإرهاق..متحديا الخوف من انزلاق التربة والحجارة وانهيار الحفرة عليه ..فحادثة زميلهم ما تزال حديث العمال.. حيث أطبقت الحفرة وانهالت الرمال والحصى على ساق ذاك الشاب فبترتها.. وأقعدته في البيت معاقا ..لينضم إلى طوابير العاطلين...
    مضت الشهور..كان يعود في كل مساء متعبا، يتناول لقيماته سريعا، ثم ينام منكبا على وجهه، لكنه كان متماسكا بعزيمة وتحد، لم يشكو أو يندب حظه .. فقد كان يجنى أموالا لا باس بها، تعوضه عن قسوة ومخاطر عمله .. يدخرها مع أمه، حتى جاءته ذات مساء تخبره بان المهر وتكاليف الفرح قد اكتملت.. ويستطيع فرش غرفته بأثاث يليق لاستقبال عروسه .. فانشرحت أساريره، وبات ليلته تلك والبسمة تعلو شفتيه...
    خرجت أم احمد متجهة إلى بيت أم محمود، وهى إحدى زبائنها بعد سماعها عن جمال وذكاء ابنتها سعاد، طالبة يدها لتكون عروسا لابنها الوحيد من الذكور..لحظات مرت، وإذ بصينية القهوة تأتى على خجل وحياء، محمولة بين يدي سعاد ابنة العشرين ربيعا ..ما شاء الله يا سعاد ..تبارك الخالق بجمالك وحسن تربيتك..قالتها وهى تتجه بنظرها صوب أم محمود..مبدية سعادتها ورضاها...
    عادت وقلبها يكاد يطير من فرحته..وقد غمرتها السعادة.. تنتظر عودة ابنها على أحر من الجمر، لتعلمه بالخبر الذي يتوق إليه قلبه.. لكنه يتأخر عن ميعاد عودته؟ تحس بانقباض في قلبها ! هاجس خطر بفكرها بلمح البصر، بان شيء ما قد وقع لابنها؟ فاستعاذت بالله من الشيطان الرجيم ..حاولت تهدئة نفسها وإشغالها بتحضير عشاء متميز يليق بالخبر السعيد دون جدوى.. قلقها يزداد.. خوفها وهواجسها تتصاعد ..حتى خيل لها بان قلبها يخرج منتفضا من بين ضلوعها..الوقت يمر ثقيلا، وإذ بعربة إسعاف تقف أمام المنزل.. يندفع أصدقاء احمد وزملائه في العمل مقتحمين بوابة المنزل ..يدخلون متجهين صوب غرفته .. كان محمولا بين سواعدهم ..ينزلونه برفق..تشهق أم احمد صارخة: ما به ولدى؟ ماذا حدث؟ تنفجر في النحيب.. تضرب على صدرها بكفيها..يبهت وجهها، تغور الدماء منه ليشبه حبة ليمون صفراء...يكاد أن يغمى عليها، لولا سماعها كلمات وقسم رفيقه وهو يكررها :
    اطمئني يا خالتي.. احمد بخير ..والله بخير ..لكن الحفرة أطبقت عليه وانتشلناه سالما.. بفضل الله ورضاك عليه.. مجرد كدمات ورضوض.. سيشفى منها في بحر أسبوع..هكذا أعلمنا الطبيب...
    أسرعت تضمه إلى صدرها ..تقبله وتمسح على رأسه ..تداعب خصلات شعره ..تقرأ عليه آيات من القران الكريم، وبعضا من المعوذات.. كان شاحبا، متألما، لكنه بصعوبة نجح في الجلوس على السرير..وما أن استقر مستندا بجسده على وسادة وضعتها أمه خلف ظهره.. حتى همس لها بصوت خافت: تستطيعي أن تخبري أم العروسة، بان ولدك الآن صاحب منجم للحصى .. ثم أغمض عينيه على ابتسامة خفيفة، وذهب في نوم عميق.
    - انتهت -
    إلى اللقاء
    التعديل الأخير تم بواسطة م. زياد صيدم; الساعة 28-12-2010, 13:55.
    أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
    http://zsaidam.maktoobblog.com
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    م. زياد صيدم
    كم تأخذ منا الحياة ولا تعطنا أحيانا إلا الكفاف
    وقليلا ما تكون هناك فرصة كفرصة أحمد
    قصتك جاءت على الكثير من الأمور
    البطالة
    الأرامل
    الشهادات المعلقة دون استخدام عقول حاصليها
    الإحتلال وتبعاته وتداعياته
    العيش بكرامة كما البشر جميعا
    الجميل في الموضوع أنك وضعت حلا لهذا الشاب
    هذه كلها تصب لصالحك فقط لو أنك تتخلى عن النمطية والمألوف وتخرج بطريقة مختلفة ليتعدد إسلوبك
    ولكن هي رغبتك زميلي وهذا رأي لك أن ترميه وراء ظهرك
    ودي ومحبتي لك

    أكره ربيع

    أكره ربيع فاجأني ربيع حين كنت ساهمة بملامح وجهه يرمقني عميقا أحسست بالجليد يقتحم جسدي، فارتعشت مذعورة، وعيناه الثاقبتان تخترقان قفصي الصدري المحموم كتنور مسجور، وأنا أتفحص تلك القسمات الحادة، التي..... !! كم كان عمري حين أنجبته خالتي خمسة سنين؟ غضة طرية كورقة وردة لم تتفتح أوردتها بعد! أذكر أني كنت في المرحلة التمهيدية لا
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • أمل ابراهيم
      أديبة
      • 12-12-2009
      • 867

      #3
      [quote=م. زياد صيدم;595777]اعتاد في كل ليلة أن يتسامر قليلا مع والدته، على مائدة عشاء متواضعة ، قبل أن ينسل إلى فراشه طابعا قبلته اليومية على يد أمه التي ترملت بعد استشهاد أبيه، الذي نزفت دماؤه طوال تلك الليلة الرهيبة، بينما كان عائدا في المساء من عمله كمزارع في إحدى البيارات الحدودية، لم تصله عربة الإسعاف إلا في صباح اليوم التالي، حين أضحى جثة هامدة، وقد مزقت جسده قذيفة دبابة..ومذ ذلك الحين وأم احمد تقاسى وتعانى بصمت وكبرياء في تربية ابنتيها وولدها احمد..تعتاش على مرتب بسيط صرف لزوجها باعتباره شهيدا.. لكنها اعتمدت على فطنتها في التطريز، وحياكة أثواب نساء القرية، فأتقنت عملها، وبرعت فيه بمهارة فائقة، ذاع صيتها وتوافدت إليها النسوة من كل صوب...
      يتقلب كثيرا في فراشه ..يمعن التفكير والتأمل، يعتريه سرحان الذهن وشرود العقل،هذا حال أحمد في الآونة الأخيرة.. يجافيه النعاس، فيمر أمام عينيه واقع مخضب بالأحلام الضائعة، والأمنيات التي أصبحت شبه مستحيلة، بانسداد الأفق أمام عينيه، فيبقى ساهدا حتى يرهقه السهر، فيذوى في ساعات متقدمة من الليل. لقد مضى على تخرجه ثلاثة أعوام.. لم ينل فرصته في الوظيفة الحكومية أو أي من القطاعات الأخرى، فتردى الأحوال الاقتصادية جراء الحصار، وتضييق شمل كل نواحي الحياة شل قدرته على السفر طلبا للرزق، كما كان يحدث قديما لأجيال سبقته .. فحالته تمثل نموذجا لآلاف الحالات المشابهة الأخرى..
      بدا يشكو من صداع ليلى يكاد أن يكون مزمنا، فتفكيره ينصب في أمر معين؟ يستحوذ على فكره، وينبض له قلبه بقوة حتى تكاد تسمع دقاته، وهكذا بدت الأيام الأخيرة ثقيلة عليه، تنعكس على مجمل تصرفاته في النهار! مما لفت انتباه أمه، التي نادته ذات ليلة بعد العشاء مباشرة :
      - ما بك يا ولدى ؟ أراك حزينا مهموما، شارد الذهن، ولست على طبعك !
      - الوضع يا غالية.. وضيق الحال، وقلة العمل وانسداد الأفق..ثم يتأفف و....
      - وماذا ؟ قل يا ولدى ..هذا ما أريدك أن تحدثني به.. لكن انتظر، لنشرب الشاي أولا، وكلى أذان صاغية، فانا أمك التي تحس بك أكثر من اى إنسان آخر.. كانت مصرة على أن يصارحها بكل ما يجول بخاطره وعقله..فقد يرتاح و يريح قلبها المعذب لأجله.
      يرتشف الشاي بطعم النعناع الأخضر.. يثنى عليها، تبتسم.. تحس بطفلها وان أصبح شابا مكتمل الرجولة، فهو ما يزال طفلا في نظرها.. يتنهد، يشيح بنظراته عنها، ويفجر قنبلة مؤجلة: أريد أن أتزوج يا أمي.. قالها بمرارة وخجل، وبنبرة حزينة مفعمة بالألم يعتصر قلبه من ضيق الحال، وعدم امتلاكه لوظيفة أو عمل يؤهله للتقدم إلى أهل عروسه...
      لم تنبهر بما سمعت، فقد كانت تشعر به، تحس بقلقه وبسرحانه وضيق صدره.. ولطالما سمعت جاراتها في الآونة الأخيرة يسألنها: متى تفرحي بأحمد؟ فكانت تجيبهن قريبا بإذن الله ..وها هي اللحظة المؤجلة قد حان أوانها، فكانت المصارحة ..وانهمرت دموعها جارية، وخرجت آهات حارقة من صدرها الحنون، فارتبك تفسيره ..أكانت دموع فرح أم دموع عجز وضعف؟ وخيم الصمت على المكان للحظات.. قطعه بجملة اندفعت منه دون استئذان: اعلم بأننا فقراء الحال، واعلم بان لا عمل بحوزتي، واعلم بالأوضاع الصعبة واستحالة العثور على وظيفة بشهادتي.. لكنى فكرت مليا، واهتديت إلى فكرة للحصول على عمل شريف.. ويقولون بأنه يربح كثيرا من المال ! وقد عزمت أمري، واتخذت قراري..
      - ما هو؟ قل بربك، فانا الآن قلقة عليك .. إياك أن تقول....
      - لا ..لا..أرجوك لا تذهبي بعيدا في التفكير، وتسيئي الظن بأحمد الذي تعرفينه.. إنما قصدت أنى وجدت عملا في الوادي ! إنهم ينقبون عن الحصى، ويباع بأثمان مرتفعة تفوق أثمان الحديد والاسمنت في زمن الحصار ..هزت برأسها، ضمته إلى صدرها وقد استبشرت خيرا، ودعت له بان يوفقه الله مع رفاقه...
      استيقظ مع الصباح على نداء رفيقه.. خرجا تلفحهما مسحات حزن وانطفاءه أفق لمستقبل باهت.. يوغلان في أحلامهما المبعثرة على ضفاف الوادي، المشرعة على أعين الأخطار المستيقظة في جنباته ، الشاردة نحو أسجية الفقر والحصار.. الكامنة في غفلة الزمن المتحضر، بجفاء وغلظة عصور الظلام والرهبة..يدفعهما أمل مستجد، مستذكران شهادتيهما الجامعية، التي أضحتا براويز تزينان جدران قد تقشرت، ونخرها الفقر والوجع.
      كان مجرى الوادي ينساب كثعبان بين الزرع والأشجار، فيبدو من بعيد وجها بلا ملامح، يمتزج فيه الحصى بالرمال مع أمنيات وأحلام في مخيلته قد تكسرت، كأغصان في مهب الرياح العاصفة.. فتضيع ملامح الوادي الجميل كما كان عليه ذات زمن بعيد أيام الطفولة..عندما كان يصطحبه والده الفلاح لمكان عمله عبر الحقول والأشجار المحيطة به..الآن يرى الماء يجرى في صمت مخيف، لكن أقدامه الغضة ما أن تطأه، حتى يكشر عن أنياب حجارة مسننة ملساء، تغرس الألم في الأقدام، و الرعشة في السيقان، كنصل من زمن الفتوحات والأمجاد الغابرة.. التي لم يتبق منها سوى أضغاث أمنيات.. وذكريات في كتب التاريخ...
      وفجأة ارتسمت على وجهه ملامح سعادة، رفع حاجبيه نحو رفيقه مبتسما :قد نجد كنوزا من الذهب والألماس! فنعود كملوك نغير مجرى التاريخ .. يقهقهان حتى تداعت ضحكاتهما تجلجل أرجاء الوادي..فاشرأبت نحوهما رؤوس كانت مختفية داخل حفر التنقيب.. رؤوس بشرية مغبره، وجوه شاحبة منهكة ..فبدأ احمد بالتمعن في وجوههم واحدا بعد الآخر..ثم التفت إلى صديقه قائلا: الآن يا رفيقي نستطيع أن نتقدم لخطبة أجمل الجميلات في قريتنا.. فلا احد سيجرؤ على اتهامنا بالعاطلين، والأيادي العاجزة عن توفير لقمة العيش ...
      على مجرى الوادي، يختارا مكانا مناسبا ويبدآن في الحفر بهمة عالية، وإصرار على تحدى الطبيعة والفقر، بحثا عن حجارة وحصى الوادي..تلك الكنوز الضائعة في زمن الحاجة والعوز.. يستخرجان الحصى التي تعرف بالزلط ..يجمعوه على مقربة من الحفرة التي أصبحت منجمهم الخاص.. ثم يقومان بتحميله لاحقا لمتعهد يأخذه إلى الكسارة، لتشكله متجانسا في الحجم لاستخدامه في عمليات البناء..أعمال مرهقة تشبه المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة، والتي طالما شاهداها في الأفلام.. لكن أحمد كان صبورا على قضاء الله وقدره..متحملا الأذى والتعب و الإرهاق..متحديا الخوف من انزلاق التربة والحجارة وانهيار الحفرة عليه ..فحادثة زميلهم ما تزال حديث العمال.. حيث أطبقت الحفرة وانهالت الرمال والحصى على ساق ذاك الشاب فبترتها.. وأقعدته في البيت معاقا ..لينضم إلى طوابير العاطلين...
      مضت الشهور..كان يعود في كل مساء متعبا، يتناول لقيماته سريعا، ثم ينام منكبا على وجهه، لكنه كان متماسكا بعزيمة وتحد، لم يشكو أو ينحب حظه .. فقد كان يجنى أموالا لا باس بها، تعوضه عن قسوة ومخاطر عمله .. يدخرها مع أمه، حتى جاءته ذات مساء تخبره بان المهر وتكاليف الفرح قد اكتملت.. ويستطيع فرش غرفته بأثاث يليق لاستقبال عروسه .. فانشرحت أساريره، وبات ليلته تلك والبسمة تعلو شفتيه...
      خرجت أم احمد متجهة إلى بيت أم محمود، وهى إحدى زبائنها بعد سماعها عن جمال وذكاء ابنتها سعاد، طالبة يدها لتكون عروسا لابنها الوحيد من الذكور..لحظات مرت، وإذ بصينية القهوة تأتى على خجل وحياء، محمولة بين يدي سعاد ابنة العشرين ربيعا ..ما شاء الله يا سعاد ..تبارك الخالق بجمالك وحسن تربيتك..قالتها وهى تتجه بنظرها صوب أم محمود..مبدية سعادتها ورضاها...
      عادت وقلبها يكاد يطير من فرحته..وقد غمرتها السعادة.. تنتظر عودة ابنها على أحر من الجمر، لتعلمه بالخبر الذي يتوق إليه قلبه.. لكنه يتأخر عن ميعاد عودته؟ تحس بانقباض في قلبها ! هاجس خطر بفكرها بلمح البصر، بان شيء ما قد وقع لابنها؟ فاستعاذت بالله من الشيطان الرجيم ..حاولت تهدئة نفسها وإشغالها بتحضير عشاء متميز يليق بالخبر السعيد دون جدوى.. قلقها يزداد.. خوفها وهواجسها تتصاعد ..حتى خيل لها بان قلبها يخرج منتفضا من بين ضلوعها..الوقت يمر ثقيلا، وإذ بعربة إسعاف تقف أمام المنزل.. يندفع أصدقاء احمد وزملائه في العمل مقتحمين بوابة المنزل ..يدخلون متجهين صوب غرفته .. كان محمولا بين سواعدهم ..ينزلونه برفق..تشهق أم احمد صارخة: ما به ولدى؟ ماذا حدث؟ تنفجر في النحيب.. تضرب على صدرها بكفيها..يبهت وجهها، تغور الدماء منه ليشبه حبة ليمون صفراء...يكاد أن يغمى عليها، لولا سماعها كلمات وقسم رفيقه وهو يكررها :
      اطمئني يا خالتي.. احمد بخير ..والله بخير ..لكن الحفرة أطبقت عليه وانتشلناه سالما.. بفضل الله ورضاك عليه.. مجرد كدمات ورضوض.. سيشفى منها في بحر أسبوع..هكذا أعلمنا الطبيب...
      أسرعت تضمه إلى صدرها ..تقبله وتمسح على رأسه ..تداعب خصلات شعره ..تقرأ عليه آيات من القران الكريم، وبعضا من المعوذات.. كان شاحبا، متألما، لكنه بصعوبة نجح في الجلوس على السرير..وما أن استقر مستندا بجسده على وسادة وضعتها أمه خلف ظهره.. حتى همس لها بصوت خافت: تستطيعي أن تخبري أم العروسة، بان ولدك الآن صاحب منجم للحصى .. ثم أغمض عينيه على ابتسامة خفيفة، وذهب في نوم عميق.
      - انتهت -
      إلى اللقاء[/quote\

      استاذي القدير /زياد صيدم
      مساء الخير والعافية
      قرأت قصة رائعة فيها ما يعانيه شبابنا وتذكرت المثل المصري المنحوس
      منحوس ولكن بذكاء كتب متمرس اعطيتهم نفحة من الفرح ذكرتني بمقولة
      الأمام علي رضى الله عنه وأرضاه ---والله لوكان الفقر رجلا لقتلته --قصة مؤلمة
      اسعدني المرور تحياتي الخالصة والود


      درت حول العالم كله.. فلم أجد أحلى من تراب وطني

      تعليق

      • م. زياد صيدم
        كاتب وقاص
        • 16-05-2007
        • 3505

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
        الزميل القدير
        م. زياد صيدم
        كم تأخذ منا الحياة ولا تعطنا أحيانا إلا الكفاف
        وقليلا ما تكون هناك فرصة كفرصة أحمد
        قصتك جاءت على الكثير من الأمور
        البطالة
        الأرامل
        الشهادات المعلقة دون استخدام عقول حاصليها
        الإحتلال وتبعاته وتداعياته
        العيش بكرامة كما البشر جميعا
        الجميل في الموضوع أنك وضعت حلا لهذا الشاب
        هذه كلها تصب لصالحك فقط لو أنك تتخلى عن النمطية والمألوف وتخرج بطريقة مختلفة ليتعدد إسلوبك
        ولكن هي رغبتك زميلي وهذا رأي لك أن ترميه وراء ظهرك
        ودي ومحبتي لك

        أكره ربيع

        http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=67177
        =====================

        ** الاديبة الراقية والمتميزة عائدة......

        هو واقع ينعكس بتفاصيله الظاهرة والباطنة على حياة المجتمع بالتاكيد.. وتمتزج الحقيقة بحصى وادى غزة لتسطع راسمة الصمود والبقاء لوحة عملية يومية وان كان الغبار يحاول حجبها !!

        شاكر قراءتك الراقية وملاحظاتك القيمة..

        تحايا عبقة بالرياحين.....................
        أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
        http://zsaidam.maktoobblog.com

        تعليق

        • م. زياد صيدم
          كاتب وقاص
          • 16-05-2007
          • 3505

          #5
          ** الاديبة الراقية امل.......

          شاكر قراءتك الراقية ومرورك الطيب..

          بالرغم من تطاير غبار الوادى اسفل معاول تحملها ايادى صابرة لم تعتد الاعمال الشاقة الا انه غبار اسفله الحقيقة بكل شفافية..

          تحايا عبقة بالرياحين.......
          أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
          http://zsaidam.maktoobblog.com

          تعليق

          • مجدي السماك
            أديب وقاص
            • 23-10-2007
            • 600

            #6
            تحياتي

            تحياتي اخي زياد
            صورت واقع المعاناة اليومية للناس..الواقع المرير..وكما تعلم الحبل على الجرار.سلمت يداك.
            مودتي
            عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

            تعليق

            • إيمان الدرع
              نائب ملتقى القصة
              • 09-02-2010
              • 3576

              #7
              الرّوعة التي تملأ قلمك تدهشني أخي الغالي زياد ....
              لأنك تغترف من الواقع كلّ تدوينٍ يملأ ذاكرتك ...
              جميل بك هذا الحمل الكبير الذي يشاغلك، فتسيله حروفاً تنبض بالوفاء لعروبتك ...ووطنك...
              ومع أطيب أمنياتي تحيّاتي ...

              تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

              تعليق

              • م. زياد صيدم
                كاتب وقاص
                • 16-05-2007
                • 3505

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة مجدي السماك مشاهدة المشاركة
                تحياتي اخي زياد
                صورت واقع المعاناة اليومية للناس..الواقع المرير..وكما تعلم الحبل على الجرار.سلمت يداك.
                مودتي
                ====================

                ** الاديب الراقى مجدى......

                ربنا يلطف بالعباد والبلاد...
                شاكر قراءتك الراقية ومرورك الطيب.

                تحايا عبقة بالزعتر............
                أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
                http://zsaidam.maktoobblog.com

                تعليق

                • م. زياد صيدم
                  كاتب وقاص
                  • 16-05-2007
                  • 3505

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
                  الرّوعة التي تملأ قلمك تدهشني أخي الغالي زياد ....
                  لأنك تغترف من الواقع كلّ تدوينٍ يملأ ذاكرتك ...
                  جميل بك هذا الحمل الكبير الذي يشاغلك، فتسيله حروفاً تنبض بالوفاء لعروبتك ...ووطنك...
                  ومع أطيب أمنياتي تحيّاتي ...
                  ====================

                  ** الاديبة الراقية المتميزة ايمان............

                  قراءة راقية ومرور جميل كعادتك اعتز به..

                  يا راقية اقول دوما بانى صاحب رسالة اولا ويصر البعض ان يتعامل معى كاديب محترف!! لكنى ما ازال مصرا على انى صاحب رسالة ..واعترف لاول مرة بانى لا اعلم شيئا بالنحو والقواعد العربية وانما تاتى معى العبارات تذوقا للغة فقط وكثرة الاطلاع والقراءة واعطى مساحة واسعة للهدف والمغزى دوما لهذا تجدين كثير من المرفوع منصوب ومن المنصوب مرفوعا وهكذا هههههه لكن: قلم جميل ومتألق مثلك قد فهم هذا بحمد الله..وهذا يسعدنى لان الرسالة والمغزى من النص قد وصل بقوة ..


                  شاكر لك قراءتك الراقية ومرورك الطيب.

                  تحايا عبقة بالرياحين........................
                  أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
                  http://zsaidam.maktoobblog.com

                  تعليق

                  • عبدالمنعم حسن محمود
                    أديب وكاتب
                    • 30-06-2010
                    • 299

                    #10
                    الأستاذ الأنيق / م صيدم
                    تحية طيبة
                    تعجبني دائما نصوصك وقد قرأت منها الكثير
                    أتسمح لي بأن اقترح اقتراحا خاصا بنص المنجم، على أن يبدأ النص من..
                    استيقظ مع الصباح على نداء رفيقه.. خرجا تلفحهما مسحات حزن وانطفاءه أفق لمستقبل باهت.. يوغلان في أحلامهما المبعثرة على ضفاف الوادي، المشرعة على أعين الأخطار المستيقظة في جنباته ،
                    هكذا أشعر بها
                    لا أعرف لماذا؟

                    تقبلني كما أنا
                    متلمسا طريقي كالآخرين
                    ...
                    كامل احترامي وإعجابي
                    التواصل الإنساني
                    جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


                    تعليق

                    • م. زياد صيدم
                      كاتب وقاص
                      • 16-05-2007
                      • 3505

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة عبدالمنعم حسن محمود مشاهدة المشاركة
                      الأستاذ الأنيق / م صيدم
                      تحية طيبة
                      تعجبني دائما نصوصك وقد قرأت منها الكثير
                      أتسمح لي بأن اقترح اقتراحا خاصا بنص المنجم، على أن يبدأ النص من..
                      استيقظ مع الصباح على نداء رفيقه.. خرجا تلفحهما مسحات حزن وانطفاءه أفق لمستقبل باهت.. يوغلان في أحلامهما المبعثرة على ضفاف الوادي، المشرعة على أعين الأخطار المستيقظة في جنباته ،
                      هكذا أشعر بها
                      لا أعرف لماذا؟

                      تقبلني كما أنا
                      متلمسا طريقي كالآخرين
                      ...
                      كامل احترامي وإعجابي
                      =======================

                      ** الاديب الراقى عبد المنعم........

                      احيانا اقوم بادخال بعض العبارات الادبية ضمن نصوصى لاثرائها طبعا ولكنى كما تعلم وشرحت انفا اعطى للمغزى والهدف بعدا اكبر فرسالتى يجب ان تصل بشفافية اكبر حتى يكون لفواتير الشبكة معنى فلا تذهب هدرا واحس بانى افعل شيئا على الشبكة فانا لست باديب محترف ولن اكون لكنى صاحب رسالة وعنيد فى ايصالها بكل الوسائل المتاحة عن طريق المقال المباشر او النصوص القصصية..

                      لكنى احترم رايك طبعا واعتز بقراءتك ورؤيتك اخى الكريم..

                      تحايا عبقة بالزعتر.....................
                      أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
                      http://zsaidam.maktoobblog.com

                      تعليق

                      • م. زياد صيدم
                        كاتب وقاص
                        • 16-05-2007
                        • 3505

                        #12
                        [align=right]***** الاخوات والاخوة القراء الكرام ********

                        الفت نظركم الى انى قمت بضبط بعض الاخطاء النحوية والمطبعية.

                        تحايا عبقة بالرياحين.........[/align]
                        أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
                        http://zsaidam.maktoobblog.com

                        تعليق

                        • مختار عوض
                          شاعر وقاص
                          • 12-05-2010
                          • 2175

                          #13
                          صديقي الجميل
                          م. زياد
                          شكرا لواقعية نصوصك..
                          تشعرني دائما أنك تغترف من واقعنا محاولا إعادة البناء متمثلا مقولة:
                          (في الإمكان الأجمل)
                          أمنياتي الطيبة وتقديري الكبير.

                          تعليق

                          • م. زياد صيدم
                            كاتب وقاص
                            • 16-05-2007
                            • 3505

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة مختار عوض مشاهدة المشاركة
                            صديقي الجميل
                            م. زياد
                            شكرا لواقعية نصوصك..
                            تشعرني دائما أنك تغترف من واقعنا محاولا إعادة البناء متمثلا مقولة:
                            (في الإمكان الأجمل)
                            أمنياتي الطيبة وتقديري الكبير.
                            ===============================

                            ** الاديب الراقى مختار............

                            شاكر لك قراءتك ومرورك الطيب الذى يسعدنى..

                            ساقرا لاحقا ما كتبته بمناسبة المحرقة ان شاء الله..

                            تحايا عبقة بالزعتر....................
                            أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
                            http://zsaidam.maktoobblog.com

                            تعليق

                            يعمل...
                            X