نرجس.. نيوديل.. نيكوتين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد زعل السلوم
    عضو الملتقى
    • 10-10-2009
    • 2967

    نرجس.. نيوديل.. نيكوتين

    نانوبيديا» -الحلقة-(26)
    نرجس.. نيوديل.. نيكوتين
    بقلم :محمد الخولي



    نرجس: هذه الزهرة الجميلة التي يزدان بها وجه الربيع وقد تغنى الشعراء على مر العصور بأوراقها البيضاء التي يكللها تاج يميل الى الاحمرار يفوح منها عطر مميز ينتشر أريجه في أرجاء المكان..


    وفي هذا يبدع الشاعر القديم وصفا لدموع المحبوبة تنسال على خد الجميل كأنها حبات الدر الثمين، فما بالك وقد عضّت الجميلة ببنان ندم ملون بالخضاب على أسنان ناصعة البياض.. قال الشاعر في بيت مثقل بالاستعارات:


    فأمطرت لؤلؤاً من نرجس


    فَسَقَت وردا، وعضّت على العّناب بالبَرَد


    لهذه الزهرة الرائعة حكاية سجلتها أوهام المثيولويا في أساطير اليونان.. يُحكي أن زواجا - غريبا بالطبع - تم بين نهر عظيم متدفق الجريان وبين إحدى عرائس الماء الرائعات الحسن.. (الخرافة هنا تشير الى التلاحم العاطفي والفيزيائي أيضا بين عناصر الطبيعة في إطار وحدة الكون العبقري الخلْق والمعجز التكوين)..


    المهم أن كانت ثمرة هذا الزواج طفلا صبيا رائع الحسن منذ مولده وكان اسمه - تضيف الأسطورة - «نارسِيوس».. أخذته والدته الى كبير العرافين في معبد دلفي المختص بالنبوءات تسأل عما إذا كان وليدها سيحظى بحياة طويلة ممتدة على مر سنوات.. أجابها الكاهن العرّاف بعبارة مفعمة بالأسرار.. أقرب الى اللغز قائلا:


    -سوف يعيش طويلا شريطة ألا يعرف نفسه قط.


    وكانت عبارة أو نبوءة غريبة وربما متناقضة. وكيف لا تكون كذلك وتواريخ الاغريق كانت تسجل عبارة منقوشة على أبواب معبد دلفي.. وتقول كلماتها مخاطبة كل إنسان بالعبارة التي طالما رددها فيلسوفهم سقراط:


    -أعرف نفسك.


    هكذا اطمأنت الأم على طول أجل ابنها. وكان أن نشأ الفتى ساحر الجمال أخاذا يستهوي أفئدة المعجبين ويرفض التواصل مع أي فرد مستعليا بجمال تكوينه على الجميع..


    من هؤلاء المعجبين - المعجبات من أكل الحقد قلبه أو قلبها فكان الاتجاه الى ربة الثأر والانتقام وهي «نيميسيس» كي تحل غضبها على الفتى المعجباني فكان حكمها أن يعرف نارسيوس نفسه عندما يتطلع الى تقاطيع وجهه معكوسة على صفحة جدول صغير تنساب مياهه في جبل هليكون..


    وعندما نظر الفتى الى صفحة الماء.. وجد صورته منعكسة في النهر ووقع الفتى في غرام نفسه.. صار معجبا بذاته.. مغرورا بحسنه الأخاذ ولم يستطع مفارقة سطح المياه.. ظل يمعن النظر ويبدي الإعجاب ومن ثم كانت النهاية: إما أنه ظل يحدق ويتأمل حتى آخر رمق في حياته وقد انشغل عن أمور الحياة والمعاش..


    وإما أنه ظل يحدق في المياه الى أن اختل توازنه فسقط الى قاع النهر غريقا.. والمهم أن آلهة الاغريق عندما عرفوا حكايته فقد أصدروا قرارهم بتحويل الفتى نارسيوس الى زهرة يانعة تعانق الحياة في موسم الربيع اسمها في العربية النرجس.


    هذه الأسطورة تلقفها علم النفس الحديث في معرض محاولة التفسير العلمي لظاهرة أو آفة الاعجاب الشديد الى حد المَرَض بالذات والاغترار المنبهر ربما الى حد الاضطراب بالنفس.. وفي عام 1899 طرح رواد علم النفس في المانيا مصطلح النرجسي والنرجسية للدلالة على هذا الانحراف السيكولوي ثم اعتمده العالم النفساني الانجليزي ها؟لوك الليس (1859 - 9391( في دراسته الموسوعية التي أصدرها في 7 مجلدات بعنوانها الشهير:


    «دراسات في سيكولوية الجنس»


    وهكذا دخل المصطلح الى متن الانجليزية - المعجم والثقافة وكان ذلك بالضبط في عام 1905.


    نيوديل: عنوان الوصفة الاقتصادية - الاجتماعية الناجحة التي وضع أساسها الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين ديلانو روزفلت لانقاذ بلاده من مأساة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي أصابتها وحملت عنوان «الكساد الكبير» الذي أصاب اقتصاد أمريكا وامتدت آثاره الى بلاد أخرى منها أقطار عربية وكان ذلك مع أواخر العشرينات وفاتح الثلاثينات من القرن الماضي.


    كانت هذه السياسة أقرب الى عقد اجتماعي - اقتصادي جديد، ودام تنفيذها على مدار السنوات الثماني الفاصلة بين عامي 1932 و1940 ودخلت الى المصادر العربية تحت عنوان «الصفقة الجديدة» وهي صفقة معقودة بحكم الأمر الواقع بين جموع الشعب الأمريكي التي ذاقت هوان البطالة وشظف العيش نتيجة الأزمة التي ألمت بالنظام الرأسمالي وأفضى اليها احتكار مقادير الثروة في يد القلة المحظوظة من أفراد المجتمع.


    (يقال أن الأزمة حرمت الأمريكان من تذوق طعم اللحم بأنواعه ولم يجدوا أمامهم سوى الدجاج الذي ارتبط في وجدانهم بأيام الأزمة وقسوتها.. ومن ثم تبلورت نظرة التقدير الى اللحم وارتفعت أسعاره موازية لنظرة التهوين الى الدجاج الذي مازال يعد من المأكولات الشعبية في سوق الاستهلاك الأمريكية).


    سياسة الصفقة الجديدة - نيوديل قامت على اساس إسناد دور كبير.. بل مهيمن تقوم به الدولة في مجال الاقتصاد - دور أقرب الى رأسمالية الدولة التي أقدمت على إنشاء مشاريع كبرى ومرافق عملاقة..


    كفلت فرص العمل لآلاف من العاطلين (المرحلة الأولى استوعبت مليوني عامل) والمرحلة الثانية استوعبت 4 ملايين عامل).. وعندما اشتغل هؤلاء العمال عند الدولة ممثلة في هيئاتها وإداراتها الحكومية تقاضوا أجورهم.. فتحولوا الى مستهلكين يتمتعون بنوع ما من القدرة الشرائية.. ومن ثم أقبلوا على اقتناء كميات من السلع والحصول على أنواع شتى من الخدمات.


    . وهكذا استطاع منتجو هذه السلع ومقدمو هذه الخدمات أن يحصّلوا مداخيل وإيرادات أتاحت لهم دفع الضرائب المستحقة لخزانة الدولة التي تمكنت بالتالي من تمويل المشاريع الانتاجية والخَدَمية.


    وهكذا دارت من جديد عجلة الاقتصاد في أمريكا التي دخلت الحرب العالمية الثانية في أوائل الأربعينات مستندة الى قاعدة وطيدة من الإبلال من الأزمة ومن المنعة الاقتصادية فاتخذت بذلك سبيلا، لا الى قيادة النصر على المانيا النازية فحسب، بل أيضا الى قيادة الغرب على مدى سنوات نصف قرن من الحرب الباردة فكان أن انتهت - كما هو معروف - بتداعي ومن ثم زوال الخصم السوفييتي الذي تكسرت قوته على مذبح المنافسة الاقتصادية.


    نيكوتين: سعادة السفير «اك نيكوت» كان ممثلا لبلاده فرنسا لدى البرتغال. كان ذلك في خمسينات القرن الخامس عشر.. يعني من زمن بعيد بالنسبة لتاريخ السلك الدبلوماسي.. أيامها كان السفراء لا يتورعون عن الاشتغال بمهن أخرى تضاف الى نشاطهم الدبلوماسي..


    والمهم أن السفير «اك نيكوت» استقبل وفدا من رواد الكشوف الجغرافية البرتغاليين كانوا قد ارتادوا أراضي العالم الجديد غربي الأطلسي المعروف الآن باسم الأمريكتين الشمالية والجنوبية.. وبعد عودتهم الى البرتغال جلبوا معهم بذورا من نبات اكتشفوه هناك وهو مزروعات التبغ أو الطباق.


    والحق أن الرواد البرتغاليين لم يكونوا أول من اكتشف أو صادف نبات التبغ أو أوراق الطباق.. فالحاصل أن جاء يوم 10 أكتوبر من عام 1492 ليضع حدا لشكاوى طاقم البحارة الذين كان المكتشف الشهير كريستوفر كولومبوس قد جمع أشتاتهم للعمل على سفنه التي أبحرت غربا على وهْم اكتشاف الهند فإذا بها تكتشف بمصادفة تاريخية بحتة أراضي العالم الجديد من المحيط الأطلسي الى البحر الكاريبي.


    كان البحار منهكين وكاد يستبد بهم يأس الوصول الى اليابسة بعد رحلة بحرية انطوت على صنوف المعاناة.. لمحوا فجأة عودا أخضر من نبات لم يألفوه.. وكان العود طافيا على سطح الماء والى جواره يطفو عود آخر من البوص المشذب بعناية مما يؤكد أنه من فعل أيادي البشر.


    في هذه اللحظة تأكدوا أنهم على وشك النزول الى البر واكتشاف أراض جديدة. صحيح أنهم لم يجدوا الذهب الذي وعدهم به كولومبوس، وصحيح أن كريستوفر نفسه لم يكتشف أراضي الهند الحافلة كما كان يتمنى بالبهارات النادرة والتوابل الثمينة، إلا أن هذا كله لم يحل بين كريستوفر كولومبوس وبين أن يكتب في يومياته بتاريخ 6 نوفمبر 1492 سطورا يقول فيها:


    أفاد رجالي بأنهم بعد مسيرة 12 ميلا اكتشفوا قرية يسكنها نحو ألف من البشر.. اجتمع رجالها ونساؤها في ساحتها مستخدمين نبتة اسطوانية الشكل في رأسها جمر متقد وتفوح منها رائحة أعشاب عطرية وكانوا «يشربون» الدخان المنبعث منها ويطلقون عليها اسم «توباكوز». هكذا مهدت الأرض أمام البرتغاليين ليعودوا الى بلادهم حاملين بذور هذه التوباكوز التي قدموها لسفير فرنسا المحترم.


    وعندما انتهت مهمة السفير عاد الى باريس وسارع الى استزراع البذور التي أنتجت أوراق التوباكو أو التبغ وعمد بدوره الى تقديمه هدايا لنبلاء الارستقراطية الحاكمة في فرنسا (كانت تلك أيام الملك فرانسوا الثاني ومن بعده الملك هنري) هنالك ذاع صيت السفير المزارع، والمجامل أيضا .


    ومن ثم صنّف عالم النبات السويدي ليناوس نبات التبغ ضمن الفصيلة التي ينتمي إليها وخلع عليه اسم نيكوتيانا تكريما لاسم السفير الفرنسي الشاطر.


    . ومن هذا الاسم اشتق الانجليز تعبير نيكوتين للدلالة على التبغ وظل التعبير سائدا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الى أن حل محله التعبير الفرنسي تاباك المشتق بدوره من كلمة «توباكو» الاسبانية.


    وهناك من يقول بأن الكلمة عربية الأصل على نحو ما يؤكد معجم تواريخ وأسرار الكلمات (إصدار المؤسسة الأمريكية المعنية بالتراث الثقافي، طبعة 2004):


    - «توباكو» الاسبانية جاءت أصلا من اللغة العربية التي استخدمت كلمتي «تبغ» و«طباق» لوصف عدد من الأعشاب المستخدمة في الأغراض الطبية. وبعدها أمكن التمييز بين المادة الأصلية وهي «التبغ» التي يتم استخدامها لأغراض التدخين بين مادة «نيكوتين» التي باتت مقصورة على وصف المادة الزيتية الموجودة في أوراق التبغ وقد تم عزلها والتعرف معمليا عليها لاول مرة في عام 1818 للميلاد.
  • محمد الصاوى السيد حسين
    أديب وكاتب
    • 25-09-2008
    • 2803

    #2
    كما عودنا يواصل الأستاذ محمد زعل السلوم الرحيل إلى الجذر التاريخى للغة فيأتينا بهذه الدرر الفريدة ، وربما تحضرنى نقطة عن اشتقاق النرجسية أن أستاذنا العقاد قد استخدم هذه الحالة النفسية فى تفسيره لسلوكيات الشاعر الكبير أبى نواس وذلك فى ترجمته لسيرته ،كما أن عرض " نيكوتين " بحق جاء فى حالة من السلاسة وإثارة المتلقى ذكاء فنى يليق بباحث قدير فشكرا لأستاذنا على هذا الارتحال الجميل المثير فى الجذر اللغوى بحنكة واقتدار

    تعليق

    يعمل...
    X