نانوبيديا» -الحلقة-(25)
مافيا.. ماراثون.. مول
بقلم :محمد الخولي
مافيا: بادئ ذي بدء نرجو أن يحرص السادة الممثلون والمخرجون العرب على أن ينطقوا الكلمة على وجهها الصحيح.. لا يهمنا في سياقنا الراهن أن ننقد الدرامات المسلسلة التي «يتحفون» بها المشاهد العربي المغلوب مسكينا على أمره وخاصة في ليالي رمضان الكريم.. لن نقف عند تهافت حبكتها ولا تهافت قصتها ولا ركاكة حواراتها..
حسبنا أن نشير عليهم بأن ينطقوا حرف الفاء في كلمة مافيا على أصله في النطق العربي أي على غرار الفاء في أسماء من قبيل فهمي.. فتحي.. فيصل.. فوزية وما اليها.. بعضهم يحاول أن يتحذلق بغير علم فإذا به ينطق مفتتح الكلمة المذكورة بالفاء المثلثة النقاط على غرار كلمة ؟يزا أو ؟يكتوريا أو بتهو؟ن. وهذا غير صحيح لا من قريب ولا من بعيد.
مافيا كلمة إيطالية تصدق على الجماعة ـ العصابة الاجرامية التي أنشأها مؤسسوها من رواد الإجرام الأوائل على شكل هيكل هرمي أي على أساس تسلسل القيادات. وكان المكان هو صقلية فيما كان الزمان هو القرن الثالث عشر للميلاد:
صقلية جزيرة في البحر المتوسط، تابعة لإيطاليا ويفصلها مضيق مسينا عن شبه الجزيرة الايطالية ومساحتها نحو 26 ألف كيلومتر مربع وعاصمتها باليرمو التي اشتهرت في التاريخ مع سائر حواضرها وأشهرها سيراكوزا ومسينا وأهم معالمها الطبيعية بركان إتنا الشهير الذي مازال ينشط ويقذف حممه البركانية بين حين وحين..
أما أشهر أطوارها التاريخية فتجسدها مراحل شتى سيطرت فيها على مقاليد الجزيرة المتوسطية حضارة الفينيقيين والاغريق الى ان فتحها العرب المسلمون ليدوم وجودهم فيها 263 عاما بالتمام والكمال ـ بين القرنين التاسع والحادي عشر للميلاد.
ولعل أروع ما خلّفته تلك الفترة من إزدهار الحضارة العربية ـ الاسلامية في صقلية وجود علاّمة الجغرافيا المسلم الشريف الإدريسي (1100 - 6611كم) الذي اتصل ببلاط روجر الثاني عاهل صقلية وصنع تحت رعايته كرة فلكية من الفضة وخارطة للعالم حفرها على اسطوانة هذا فضلا عن تصنيف موسوعته الجغرافية الكبرى التي أورد فيها وصفه للأرض وتقسيمه لأقاليمها الجغرافية والمناخية.. وأصدره بعنوانه الذي مازال ملء الأسماع والأفهام وهو: «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق».
وبالطبع راحت أيام حضارة الفينيق والإغريق والعرب المسلمين وجاءت أيام القرون الوسطى ومن بعدها العصر الحديث التي شهدت مجرمي صقلية يفرضون على أرجائها الجبلية بكل وعورتها وخشونة سكانها ما يمكن أن يسمى حكم الإرهاب الذي روع النفوس وألقى الرعب في القلوب، فما بالك وقد فرضت قيادات العصابة على أعضائها لجم ألسنتهم لا يبوحون بأي من أسرارها في ظل ما وصفه المؤرخون بأنه قانون الصمت ـ أو ميرتا بالمصطلح المحلي..
ورغم أن حكومة الوحدة الإيطالية عملت جاهدة على استئصال هذا التشكيل العصابي الاجرامي بعد توحيد صقلية مع شبه الجزيرة الأم في عام 1861، ورغم أن الحكم الفاشستي بزعامة موسوليني حاول وكاد ينجح في القضاء على العصابة، إلا أن المافيا عاشت واستمرت في صقلية بحكم جذورها المتأصلة في التربة الطبيعية والسياق الزمني للجزيرة الايطالية..
وهناك من المؤرخين من يعزو هذا الفشل الحكومي وبالتالي هذه الاستمرارية للعصابة الى كود الصمت.. وميثاق كتمان السر الذي التزمت به ـ عبر عصور شتى ـ كوادر العصبة الإجرامية بل والعناصر الرسمية المتعاونة معها خوفا أو طمعا.. بل والتزم به الضحايا الذين يسقطون بين براثنها الكل ساكت..
وكأن شيئا لم يكن.. أو كما يقال في العربية وكانت لغة معروفة ومتداولة في صقلية « ما في شيء ».. أو مافيها العبارة البسيطة التي يتصورها البعض أصلا لاشتقاق كلمة مافيا، في حين أن البعض الآخر يعود بها الى كلمة ايطالية لها نفس الإيقاع ويفيد عند أهل صقلية بالذات بمعنى التباهي بتحدي نظم الضبط والربط والخروج على القانون.
أيا كان الاشتقاق فقد عبرت المافيا المحيط الأطلسي مع مد الهجرة الإيطالية في القرن العشرين الى أميركا حيث أعادت تشكيل عناصرها ورسّخت رموزها وقياداتها وفرضت حكم الإرهاب الإجرامي على الأسواق ودوائر التجارة ـ الصغيرة بالذات ـ وسيطرت على أعمال التهريب وكازينات القمار ودور اللهو المباح وغير المباح فكان أن أطلقت عليها دوائر الشرطة والعدالة الجنائية في أميركا مصطلح الجريمة المنظمة أو مصطلح جرائم رعاع الدهماء (موبستر).
ثم أتى حين من الدهر في عقود القرن العشرين الأولى يشهد سيطرة 24 أسرة ايطالية الأصل ترأسها قيادات الجريمة المنظمة ـ المافيوزي (خمس منها في منطقة نيويورك الكبرى) ودخلت في مواجهات مع الشرطة تجسدت حكاياتها في سياق أدب السينما وأدب الجريمة .
وبالذات حكايات آل كابوني ودالنجر.. الى أن استخدمت الشرطة الأميركاني أسلوب الاختراق وتجنيد العملاء من معاوني المافيا فكان أن كسرت أطواق أسرارهم منذ عقد السبعينات وبعدها اختلفت مصائر رؤساء المافيا: بعضهم اكتفى بالاعتزال وبعضهم راح ضحية اغتيالات وبعضهم (هوفا مثلا) اختفى ولم يعثر له على أثر وبعضهم مات في السجن (غوتي مثلا) ومازال أبناؤه يحاولون تبييض سيرته فيما ينتجون من حكايات وأفلام.
ماراثون: طول عمر الإنسان على ظهر كوكبنا وهو شغوف بحكاية الاتصال ـ التواصل مع الآخرين.. ربما بدأت عملية التواصل في فجر التاريخ باكتشاف حركات اليد والشفاه وجوارح الجسد البشري.. فضلا عن أصوات الحنجرة البدائية.. ومعها كان أعظم اكتشاف بشري وهو اللغة التي ميزت الإنسان عن أخيه الحيوان.. أو أخيه النبات وسائر مخلوقات الله سبحانه.. على الأقل الى أن تكتشف أسرار ملاغاة الحيوان وغوامض مناجيات النبات.. فالكل يسبح ولكن لا تفقهون تسبيحهم كما هو معروف.
طول عمر البشر وهم شغوفون أيضا بالعلوم، لا بمعنى الهندسة أو البيولوجيا بل بمعنى ما يطرأ على صفحة الحياة من مستجدات. ليس صدفة أن يعرف العرب التاريخ بأنه علم الأخبار.. وأن يعرف الفرنجة مادة الخبر أو النبأ بأنه نيوز وهي نيوس في اليونانية أو نوفس في اللاتينية، وكلها تشير الى معنى الطارئ أو الجديد..
وأنت تكبس زرا صغيرا يوافيك في لمحة بآخر مستجدات الكرة الأرضية.. ومن قبلك كان الشاعر القديم ينتظر إنسانا قادما منهمكا أشعث أغبر من جوف الصحراء يوافيه بآخر أخبار القبيلة إذ هي مشتتة المضارب في بوادي التماس الماء والكلأ أو هي تخوض حربا مع قبيلة أخرى..
ولهذا كان الشاعر يخشى الجديد ولسان حاله يكاد يردد: وما آفة الأخبار الاّ رواتها.. ناهيك عن قول طرفة بن العبد ويأتيك بالأخبار من لم يزوّد. من ناحية أخرى كان الأقدمون يحتفلون بطبيعة الحال بمن يأتيهم بالبشرى.. الخبر الإيجابي السعيد.. وكان النبأ ـ البشارة يأتي محمولا بين جوانح مبعوث يحترف العدْو ـ الركض السريع من مفازة الى أخرى ومن بادية الى ساحة ومن هضبة الى سهل شاسع مبسوط.
كان هذا بالضبط حال أهل اليونان عام 490 للميلاد على وجه التحديد.. وكانت المناسبة هي الموقعة التي استطاع فيها أهل اليونان أن يصدوا غزوة فارسية على أقاليمهم.. ومكانها هو سهول منقطة ماراثون في أرض اليونان.. يومها حمل بشرى النصر رياضي ماهر اسمه فيدي بيدس يصفونه بأنه كان بطل الجري لمسافات طويلة.. وانطلق العدّاء يقطع ـ لا نقول ينهب ـ الطريق عبر 25 كيلو مترا من سهول ماراثون الى العاصمة أثينا.. ولحظة وصوله الى معبد الأكروبول.. استجمع آخر أنفاسه هاتفا:
- افرحوا.. لقد انتصرنا.
وسقط البطل ميتا.
تبدو القصة أقرب الى تراجيديا البطل محبوكة ومؤثرة.. لكن هناك من يشكك في صحتها خاصة وأنها وردت عند مؤرخ الاغريق القديم هيرودوت وكان معروفا بأنه لا يتورع عن مزج التاريخ بالأسطورة ولا يبالي.
في كل حال فقد عمل العالم الحديث على بعث دورات الألعاب الأولمبية القديمة. وقد شهدت أثينا أول أولمبياد من هذا القبيل في عام 1896 (عمرها الآن 110 سنوات).. وتشاء مصادفات تلك المناسبة الرائدة أن تشهد سباق ركض لمسافة 25 كيلو مترا .
وأن يكون الفائز الاول يونانيا أيضا اسمه سبيروس لويس فكان أن سجلوا اسمه في ماراثون العصر الحديث الذي لم يعد مقصورا على سباقات جري المسافات الطويلة ولا القصيرة بل عمموا اسم ماراثون ليصدق على أي مباريات أو اجراءات أو عمليات تتسم بالسرعة او التسارع أو التسريع بالفعل أو الانجاز.. ومن هنا بتنا نسمع عن ماراثون جمع التبرعات وماراثون العروض المسرحية وما الى ذلك بسبيل.
مول: أصلها بول مول وهو أصل غريب وبعيد عن مفهومها بالنسبة لنا في زماننا.. يرجع الأصل الى الكلمة الأولى بول وتدل في الألمانية على الكرة (باللا) وترجع الكلمة الثانية الى كلمة ماليوس اللاتينية التي كانت تدل على المطرقة ومن ثم على مضرب الكرة الخشبية التي استخدموها في لعبة كانوا يمارسونها منذ القرن 17 في فرنسا وانجلترا فوق ساحة منبسطة ومسوّرة..
وما لبثوا أن خلعوا عليها اسم المطرقة أو المضرب فأصبحت مول بعد أن تخلوا عن اللعبة ذاتها وأحالوها الى التقاعد في دفاتر تاريخ الرياضة والملاعب.. ومع الزمن طوروا الساحة.. نفسها وزرعوا فيها أشجارا ومنعوا مرور العربات والسيارات ليجعلوها أشبه بمنتزه عام للسابلة والعابرين.. وكل ساحة مماثلة أطلقوا عليها بدورها اسم المول.
في منتصف القرن العشرين انتدبوا الكلمة لأداء مهام جديدة وخاصة في المناطق الحضرية التي احتاجت الى ساحات مخصصة لممارسة مهمة، ومن ثم متعة، البيع والشراء من خلال محلات ودكاكين متنوعة الأغراض وأنيقة التنسيق، وبالمرة زودوا الساحات المستجدة بمرافق تتيح إمكانات الراحة وشيئا من الاستجمام للعملاء والعميلات..
خصوصا العميلات وأطفالهن وتوابعهن من المرافقات والمعاونات.. من هنا أصبحت «مول» تدل على سوق عمومي أو مركز تجاري أو شارع ظليل تحفه الحوانيت من كل جانب.. وكان أن استوردناها مع البضائع التي نحتويها.. ولسهولة نطقها عمدنا الى تسويغها ضمن أجروميتنا الشريفة فإذا بنا نكاد ننسخ أو نلغي السويقة والسوق والاسواق التي تعارف عليها آباؤنا ليحل محلها المول.. والمولات. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
مافيا.. ماراثون.. مول
بقلم :محمد الخولي
مافيا: بادئ ذي بدء نرجو أن يحرص السادة الممثلون والمخرجون العرب على أن ينطقوا الكلمة على وجهها الصحيح.. لا يهمنا في سياقنا الراهن أن ننقد الدرامات المسلسلة التي «يتحفون» بها المشاهد العربي المغلوب مسكينا على أمره وخاصة في ليالي رمضان الكريم.. لن نقف عند تهافت حبكتها ولا تهافت قصتها ولا ركاكة حواراتها..
حسبنا أن نشير عليهم بأن ينطقوا حرف الفاء في كلمة مافيا على أصله في النطق العربي أي على غرار الفاء في أسماء من قبيل فهمي.. فتحي.. فيصل.. فوزية وما اليها.. بعضهم يحاول أن يتحذلق بغير علم فإذا به ينطق مفتتح الكلمة المذكورة بالفاء المثلثة النقاط على غرار كلمة ؟يزا أو ؟يكتوريا أو بتهو؟ن. وهذا غير صحيح لا من قريب ولا من بعيد.
مافيا كلمة إيطالية تصدق على الجماعة ـ العصابة الاجرامية التي أنشأها مؤسسوها من رواد الإجرام الأوائل على شكل هيكل هرمي أي على أساس تسلسل القيادات. وكان المكان هو صقلية فيما كان الزمان هو القرن الثالث عشر للميلاد:
صقلية جزيرة في البحر المتوسط، تابعة لإيطاليا ويفصلها مضيق مسينا عن شبه الجزيرة الايطالية ومساحتها نحو 26 ألف كيلومتر مربع وعاصمتها باليرمو التي اشتهرت في التاريخ مع سائر حواضرها وأشهرها سيراكوزا ومسينا وأهم معالمها الطبيعية بركان إتنا الشهير الذي مازال ينشط ويقذف حممه البركانية بين حين وحين..
أما أشهر أطوارها التاريخية فتجسدها مراحل شتى سيطرت فيها على مقاليد الجزيرة المتوسطية حضارة الفينيقيين والاغريق الى ان فتحها العرب المسلمون ليدوم وجودهم فيها 263 عاما بالتمام والكمال ـ بين القرنين التاسع والحادي عشر للميلاد.
ولعل أروع ما خلّفته تلك الفترة من إزدهار الحضارة العربية ـ الاسلامية في صقلية وجود علاّمة الجغرافيا المسلم الشريف الإدريسي (1100 - 6611كم) الذي اتصل ببلاط روجر الثاني عاهل صقلية وصنع تحت رعايته كرة فلكية من الفضة وخارطة للعالم حفرها على اسطوانة هذا فضلا عن تصنيف موسوعته الجغرافية الكبرى التي أورد فيها وصفه للأرض وتقسيمه لأقاليمها الجغرافية والمناخية.. وأصدره بعنوانه الذي مازال ملء الأسماع والأفهام وهو: «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق».
وبالطبع راحت أيام حضارة الفينيق والإغريق والعرب المسلمين وجاءت أيام القرون الوسطى ومن بعدها العصر الحديث التي شهدت مجرمي صقلية يفرضون على أرجائها الجبلية بكل وعورتها وخشونة سكانها ما يمكن أن يسمى حكم الإرهاب الذي روع النفوس وألقى الرعب في القلوب، فما بالك وقد فرضت قيادات العصابة على أعضائها لجم ألسنتهم لا يبوحون بأي من أسرارها في ظل ما وصفه المؤرخون بأنه قانون الصمت ـ أو ميرتا بالمصطلح المحلي..
ورغم أن حكومة الوحدة الإيطالية عملت جاهدة على استئصال هذا التشكيل العصابي الاجرامي بعد توحيد صقلية مع شبه الجزيرة الأم في عام 1861، ورغم أن الحكم الفاشستي بزعامة موسوليني حاول وكاد ينجح في القضاء على العصابة، إلا أن المافيا عاشت واستمرت في صقلية بحكم جذورها المتأصلة في التربة الطبيعية والسياق الزمني للجزيرة الايطالية..
وهناك من المؤرخين من يعزو هذا الفشل الحكومي وبالتالي هذه الاستمرارية للعصابة الى كود الصمت.. وميثاق كتمان السر الذي التزمت به ـ عبر عصور شتى ـ كوادر العصبة الإجرامية بل والعناصر الرسمية المتعاونة معها خوفا أو طمعا.. بل والتزم به الضحايا الذين يسقطون بين براثنها الكل ساكت..
وكأن شيئا لم يكن.. أو كما يقال في العربية وكانت لغة معروفة ومتداولة في صقلية « ما في شيء ».. أو مافيها العبارة البسيطة التي يتصورها البعض أصلا لاشتقاق كلمة مافيا، في حين أن البعض الآخر يعود بها الى كلمة ايطالية لها نفس الإيقاع ويفيد عند أهل صقلية بالذات بمعنى التباهي بتحدي نظم الضبط والربط والخروج على القانون.
أيا كان الاشتقاق فقد عبرت المافيا المحيط الأطلسي مع مد الهجرة الإيطالية في القرن العشرين الى أميركا حيث أعادت تشكيل عناصرها ورسّخت رموزها وقياداتها وفرضت حكم الإرهاب الإجرامي على الأسواق ودوائر التجارة ـ الصغيرة بالذات ـ وسيطرت على أعمال التهريب وكازينات القمار ودور اللهو المباح وغير المباح فكان أن أطلقت عليها دوائر الشرطة والعدالة الجنائية في أميركا مصطلح الجريمة المنظمة أو مصطلح جرائم رعاع الدهماء (موبستر).
ثم أتى حين من الدهر في عقود القرن العشرين الأولى يشهد سيطرة 24 أسرة ايطالية الأصل ترأسها قيادات الجريمة المنظمة ـ المافيوزي (خمس منها في منطقة نيويورك الكبرى) ودخلت في مواجهات مع الشرطة تجسدت حكاياتها في سياق أدب السينما وأدب الجريمة .
وبالذات حكايات آل كابوني ودالنجر.. الى أن استخدمت الشرطة الأميركاني أسلوب الاختراق وتجنيد العملاء من معاوني المافيا فكان أن كسرت أطواق أسرارهم منذ عقد السبعينات وبعدها اختلفت مصائر رؤساء المافيا: بعضهم اكتفى بالاعتزال وبعضهم راح ضحية اغتيالات وبعضهم (هوفا مثلا) اختفى ولم يعثر له على أثر وبعضهم مات في السجن (غوتي مثلا) ومازال أبناؤه يحاولون تبييض سيرته فيما ينتجون من حكايات وأفلام.
ماراثون: طول عمر الإنسان على ظهر كوكبنا وهو شغوف بحكاية الاتصال ـ التواصل مع الآخرين.. ربما بدأت عملية التواصل في فجر التاريخ باكتشاف حركات اليد والشفاه وجوارح الجسد البشري.. فضلا عن أصوات الحنجرة البدائية.. ومعها كان أعظم اكتشاف بشري وهو اللغة التي ميزت الإنسان عن أخيه الحيوان.. أو أخيه النبات وسائر مخلوقات الله سبحانه.. على الأقل الى أن تكتشف أسرار ملاغاة الحيوان وغوامض مناجيات النبات.. فالكل يسبح ولكن لا تفقهون تسبيحهم كما هو معروف.
طول عمر البشر وهم شغوفون أيضا بالعلوم، لا بمعنى الهندسة أو البيولوجيا بل بمعنى ما يطرأ على صفحة الحياة من مستجدات. ليس صدفة أن يعرف العرب التاريخ بأنه علم الأخبار.. وأن يعرف الفرنجة مادة الخبر أو النبأ بأنه نيوز وهي نيوس في اليونانية أو نوفس في اللاتينية، وكلها تشير الى معنى الطارئ أو الجديد..
وأنت تكبس زرا صغيرا يوافيك في لمحة بآخر مستجدات الكرة الأرضية.. ومن قبلك كان الشاعر القديم ينتظر إنسانا قادما منهمكا أشعث أغبر من جوف الصحراء يوافيه بآخر أخبار القبيلة إذ هي مشتتة المضارب في بوادي التماس الماء والكلأ أو هي تخوض حربا مع قبيلة أخرى..
ولهذا كان الشاعر يخشى الجديد ولسان حاله يكاد يردد: وما آفة الأخبار الاّ رواتها.. ناهيك عن قول طرفة بن العبد ويأتيك بالأخبار من لم يزوّد. من ناحية أخرى كان الأقدمون يحتفلون بطبيعة الحال بمن يأتيهم بالبشرى.. الخبر الإيجابي السعيد.. وكان النبأ ـ البشارة يأتي محمولا بين جوانح مبعوث يحترف العدْو ـ الركض السريع من مفازة الى أخرى ومن بادية الى ساحة ومن هضبة الى سهل شاسع مبسوط.
كان هذا بالضبط حال أهل اليونان عام 490 للميلاد على وجه التحديد.. وكانت المناسبة هي الموقعة التي استطاع فيها أهل اليونان أن يصدوا غزوة فارسية على أقاليمهم.. ومكانها هو سهول منقطة ماراثون في أرض اليونان.. يومها حمل بشرى النصر رياضي ماهر اسمه فيدي بيدس يصفونه بأنه كان بطل الجري لمسافات طويلة.. وانطلق العدّاء يقطع ـ لا نقول ينهب ـ الطريق عبر 25 كيلو مترا من سهول ماراثون الى العاصمة أثينا.. ولحظة وصوله الى معبد الأكروبول.. استجمع آخر أنفاسه هاتفا:
- افرحوا.. لقد انتصرنا.
وسقط البطل ميتا.
تبدو القصة أقرب الى تراجيديا البطل محبوكة ومؤثرة.. لكن هناك من يشكك في صحتها خاصة وأنها وردت عند مؤرخ الاغريق القديم هيرودوت وكان معروفا بأنه لا يتورع عن مزج التاريخ بالأسطورة ولا يبالي.
في كل حال فقد عمل العالم الحديث على بعث دورات الألعاب الأولمبية القديمة. وقد شهدت أثينا أول أولمبياد من هذا القبيل في عام 1896 (عمرها الآن 110 سنوات).. وتشاء مصادفات تلك المناسبة الرائدة أن تشهد سباق ركض لمسافة 25 كيلو مترا .
وأن يكون الفائز الاول يونانيا أيضا اسمه سبيروس لويس فكان أن سجلوا اسمه في ماراثون العصر الحديث الذي لم يعد مقصورا على سباقات جري المسافات الطويلة ولا القصيرة بل عمموا اسم ماراثون ليصدق على أي مباريات أو اجراءات أو عمليات تتسم بالسرعة او التسارع أو التسريع بالفعل أو الانجاز.. ومن هنا بتنا نسمع عن ماراثون جمع التبرعات وماراثون العروض المسرحية وما الى ذلك بسبيل.
مول: أصلها بول مول وهو أصل غريب وبعيد عن مفهومها بالنسبة لنا في زماننا.. يرجع الأصل الى الكلمة الأولى بول وتدل في الألمانية على الكرة (باللا) وترجع الكلمة الثانية الى كلمة ماليوس اللاتينية التي كانت تدل على المطرقة ومن ثم على مضرب الكرة الخشبية التي استخدموها في لعبة كانوا يمارسونها منذ القرن 17 في فرنسا وانجلترا فوق ساحة منبسطة ومسوّرة..
وما لبثوا أن خلعوا عليها اسم المطرقة أو المضرب فأصبحت مول بعد أن تخلوا عن اللعبة ذاتها وأحالوها الى التقاعد في دفاتر تاريخ الرياضة والملاعب.. ومع الزمن طوروا الساحة.. نفسها وزرعوا فيها أشجارا ومنعوا مرور العربات والسيارات ليجعلوها أشبه بمنتزه عام للسابلة والعابرين.. وكل ساحة مماثلة أطلقوا عليها بدورها اسم المول.
في منتصف القرن العشرين انتدبوا الكلمة لأداء مهام جديدة وخاصة في المناطق الحضرية التي احتاجت الى ساحات مخصصة لممارسة مهمة، ومن ثم متعة، البيع والشراء من خلال محلات ودكاكين متنوعة الأغراض وأنيقة التنسيق، وبالمرة زودوا الساحات المستجدة بمرافق تتيح إمكانات الراحة وشيئا من الاستجمام للعملاء والعميلات..
خصوصا العميلات وأطفالهن وتوابعهن من المرافقات والمعاونات.. من هنا أصبحت «مول» تدل على سوق عمومي أو مركز تجاري أو شارع ظليل تحفه الحوانيت من كل جانب.. وكان أن استوردناها مع البضائع التي نحتويها.. ولسهولة نطقها عمدنا الى تسويغها ضمن أجروميتنا الشريفة فإذا بنا نكاد ننسخ أو نلغي السويقة والسوق والاسواق التي تعارف عليها آباؤنا ليحل محلها المول.. والمولات. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
تعليق