نانوبيديا» -الحلقة -الثالث عشر
ستيغما.. سمبوزيوم.. ساركازم
بقلم :محمد الخولي
ستيغما: كلما وردت الكلمة في متن الكتابات أو طرقت الأسماع فهي تستدعي ذكرى ترتبط بمعاناة الإنسان على يد أخيه الإنسان.. هي عهود الاسترقاق منذ أيام الإغريق والرومان حيث كان السراة يتخذون العبيد والإماء ويستغلون ناتج عملهم وفائض كدحهم إلى حد كان يصل بالبشر المستعبدين إلى حال من اليأس الذي كان يسلم بدوره إلى قرار يتخذه العبد البائس إما بالانتحار أو بالفرار.
في الحالة الأولى يذهب الإنسان وتدفن معه آلامه وجراحاته.. وفي الحالة الثانية كان النظام الاجتماعي الظالم المنحاز.. يشمّر عن ساعد البحث عن العبد الهارب الذي مازالت لغات شتى تحتفظ له بمصطلح الآبق من فعل أبق في العربية ومعناها فرار العبد وقد تفرع عنه أو معه فعل تأبق بمعنى استتر واختفى إذا كان الفعل لازما.
وفعل تأبقّ الأمر أي أخفاه أو أنكره إن كان الفعل متعديا.. وإن كان التعدي في الزمن القديم الغابر يطال الفرد البشري التعيس الذي أوقعته مقاديره في براثن بشر آخرين. والحاصل أن كان اليونان واللاتين ينظرون إلى العبيد الهاربين نظرتهم إلى المجرم الفار..
يلاحقونهم ويطاردونهم فإن عثروا عليهم يبادر السادة إلى إبرة من الصلْب اللاهب أو سيخ من الحديد المحمي ويكوون بها جلد العبد الهارب (أو المجرم المدان) فإذا بالبشرة المهيضة المتشققة تحمل علامة الكي بارزة باقية كأنها صحيفة سوابق لا تنمحي بنودها..
بل تظل تلاحق باللعنة الاجتماعية هذا الإنسان الذي يشير إليه الآخرون على أنه يحمل «ستيجما» أي وصمة العار التي استمدوها من لغة اليونان التي تضم كلمة ستيزن بمعنى الوشم (تاتو) التي تطورت أموره من مستوى وصمة العار إلى مستوى علامات كانت تشغف برسمها على أديم الجسد جموع الشعوب البدائية سواء لمنع الحسد أو لطرد الأرواح الشريرة (حسب معتقداتها) أو لمجرد توصيف وتصنيف أبناء القبائل وذرية الفصائل والسلالات، إلى أن دار الزمن دورة كاملة .
وربما أكثر من دورة، فإذا بالوشم الذي كان دليلا على البدائية أو على الخشونة وقد أصبح في بلاد ترفع شعارات التقدم (أميركا مثلا) موضة محدثة تتسابق إليها جموع الشباب والشابات.. ويقيمون لها دكاكين هي عيادات الوشّامين الذين يستخدمون كاويات كهربائية.. خفيفة لكي ينقشوا على الأجساد، وفي مواضع شتى.. رسائل ورسومات وعلامات وإشارات..
منها ما يعبر عن جموح العشاق ومنها ما يؤكد شكيمة الفتوة وعزيمة الشباب.. ومنها أيضا ما يربط بين أفراد عصابات الشر والخبث والإجرام. في القرون الوسطى كانت الستيغما علامة يتعرف بها الناس على افراد ولدوا وفي أجسادهم علامات في أجزاء مختلفة.
. وفيما يفهم الطب أن هذه علامات خلقية (بكسر الخاء وتسكين اللام) فإن الفكر الغيبي القروسطي كان يفسر هذه العلامات على أنها إشارات مبروكة تعود إلى ما سبق وعاناه رواد العقيدة المسيحية في بداياتها من آلام وجروح.
لكن الانجليز حرصوا على مفارقة هذه التفسيرات الغيْبية.. بدأوا يستخدمون كلمة ستيغما في القرن 16 وقد عادوا بها إلى الاستعمال الأول: علامة يمهرون بها أفراد مجتمعهم ممن يحق عليهم وصمة الرفض ولعنة الإجرام.. ومن هذه الإيحاءات السلبية كانوا يصفون سوقية اللهجات العامية وابتذال اللغة على ألسنة الدهماء بأنها.. مجرد.
. ستيغما بمعنى أنها تدعو إلى الخجل وتفوح بالإسفاف.. بيد أن الكلمة ما لبثت أن حظيت بقدر من الاحترام على يد علماء النبات (بوتانست) منذ القرن 19 حين أطلقوها على أعضاء التأنيث في تركيب النبتة أو بتلات الزهرة التي تتلقى حبوب اللقاح وتؤدي عملية تكاثر النبات.. وبعدها بادر علماء الطب النفسي والعقلي إلى استخدام نفس الكلمة للدلالة على المرض العقلي المزمن.. ويلاحظ في لغتنا العربية أنها تستخدم لفظة وصم ضمن سياق سلبي حيث الموصوم هو المعيب وحيث الوصمة ترتبط بالعار.
. ولكن لغتنا تتلطف في رفق وذكاء حين تستخدم ابنة عمها وهي (وسم) التي تعني أساسا الكيّ ولكن اللغة تتباعد عن هذا المعنى المؤلم لكي تتوسع في استخدام مشتقات الوسم فإذا بنا نطالع الوجه الوسيم والمواسمة بمعنى المنافسة في إظهار المحاسن.. حتى لتكاد اللغة تطلق على مسابقات ملكات الجمال عبارة.. المواسمة ليس إلا.
سمبوزيوم:
في أسوان جنوبي مصر.. يتوقف الزوار مليا عند لافتة مرفوعة على مبنى أنيق تحفّة الخضرة ويطل على واحدة من أجمل وأوسع بقاع النيل العظيم.. اللافتة تقول للزائرين إن هذا المكان هو مقر «سمبوزيوم» فن التشكيل (النحت على وجه الخصوص).. ورغم أن كثيرين يستغربون هذا الاستخدام لكلمة أعجمية لا يستطيعون فهمها وقد يفهمها البعض .
وإن كانوا لا يستسيغونها، ورغم إصرار المعنيين على استخدام الاسم المذكور، فمازالت الكلمة بحاجة إلى درس ومتابعة واستكشاف وتأصيل. وإذا كانت قواميسنا اليعربية الرصينة تورد تعريفا للكلمة على أنها ندوة أو منتدى فإن منها ما يمعن في التدقيق والتفصيل إذ يضيف معنى أنها وليمة أيضا..
وهو المعنى الأساسي للكلمة الذي قد لا ينتبه إليه أفراد الانتلجنسيا اليعاربية الذين يقفون عند معنى الندوة والتجمع العلمي والمنتدى الفني الذي يجمع بين صفوف المفكرين والعلماء والمثقفين والمبدعين.. المعنى الأصلي للكلمة من أيام الفيلسوف أفلاطون مشتق من الأصل اليوناني سمبينسن ـ أي الشرب معا.. وطبعا الشرب هنا لا ينصرف إلى تناول المياه حتى ولو كانت غازية أو معدنية..
فالناس لا يجتمعون معا لشرب المياه.. بل الأمر ينصرف منذ السيد أفلاطون وأسلافه وأخلافه أيضا إلى حفلات معاقرة الشراب وهي حفلات لا يقتصر الأمر فيها على مجرد فعل التناول أو الاحتساء بل يصاحبها الغناء والموسيقى وما إلى ذلك..
لهذا تتندر المعاجم على أمثالنا من المثقفين وهم حريصون على شهود السمبوزيوم والمشاركة في أحداثها بالكلمة والبحث أو التعليق.. القلة القليلة من المشاركين لا تكاد تعرف أن المسألة في أصلها الإغريقي تعني الجزء الثاني من تجمعات الشخصيات في مجتمع أثينا القديم: كان الجزء الأول مخصصا لمائدة الطعام (يسمونها بانكويت) .
وبعدها يخصص الجزء الثاني ـ كما المحنا ـ إلى الشراب واللهو.. ومع الزمن ورث الرومان هذه المعاني في المناسبات لكنهم ـ كتر الله خيرهم - أضافوا إلى الجزء الثاني لمسات طلبوا فيها من الحاضرين الإسهام بالكلمات والطرائف والحكايات والأشعار والمعلومات..
الأمر الذي ارتقى بالمسألة من مستوى الأكل والشرب ـ المباح وغير المباح ـ إلى مستوى أكثر احتراما من خلال عرض إسهامات المفكرين ومشاركات المبدعين.. وظلت المسألة تتأرجح بين هذين المستويين وعبر قرون عدة، إلى أن حسم أمر الكلمة مع سنوات القرن 19 حيث انتهى المعنى الاجتماعي الأول عند الانجليز الذين فضلوا أن يفهموا الكلمة في معناها الثاني أي بوصفها منتدى يجتمع إليه الخاصة ومن إليهم وفق جدول أعمال محدد من حيث البنود ومنظم من حيث التوقيت والترتيب.
ساركازم:
نقرأها في المعاجم على أنها التهكم اللاذع أو السخرية المريرة الجارحة التي قد تصل إلى جرح الشعور.. من هنا فالكلمة تنصرف إلى جانبين: أولهما جانب السُخر بمعنى إظهار المفارقة وانقلاب الأوضاع والتدليل على خطأ أو تهافت الخصم - المقصود أو الظاهرة - الهدف، في حين ينصرف الجانب الآخر للكلمة إلى الإمعان في هذا الهجوم إلى حد التجريح..
وعند هذا الحد يصدق اشتقاق الكلمة من فعل «ساركس» ومعناه في اليونانية ـ أعزك الله ـ اللحم البشري. ومنه صاغ اليونان أيضا فعل ساركازين ويعني حرفيا تقطيع لحم البشر كمن تناوشته الكلاب أو قطعان الذئاب..
وبالطبع خف الأدباء والمبدعون إلى تخفيف هذا الفعل الوحشي إلى حيث أصبح معناه ينصرف إلى من يعضّ شفتيه ندما أو لوما.. وظلوا يوالون هذا التخفيف إلى حد الترقيق لينصرف الفعل إلى دنيا الأدب والفن ويصبح معناه الإسراف في الهجوم على العمل الأدبي أو المبدع الأدبي .
وهكذا تحولوا بالفعل من معارك الذئاب التي تنهش البشر إلى معارك الأدباء والفنانين الذين يستخدمون الكلمة والرسم من أجل أن (ينهش) بعضهم بعضا بسلاح الكلمات وأنياب المعاني والرسومات وهذا قضاء أخف من قضاء في كل حال.. مع ذلك فالمعنى الإغريقي القديم لا يلبث يطل برأسه بين حين وحين.. ففي المتواتر الشعبي يقال أنهم ينتفون فروة فلان بمعنى يمسكون سيرته بسوء في غيابه بطبيعة الحال..
وعند الانجليز والأميركان يصفون هذه النميمة بأنها حرفيا «عضّ الظهر» وأحيانا التقطيع ويصفون الملاحظة القاسية في مجالات الأدب والمجتمع بأنها حادة مثل شفرة السكين. ولن نذهب بعيدا، فالكتاب الكريم إذ يؤكد على تحريم النميمة وتبشيع الاغتياب يستنكر بشدة صورة الأخ الذي يتجاسر على أن يأكل لحم أخيه ميْتا.. وهي صورة لا تبعد كثيرا عما كان يرسمه اليونان الأقدمون.
ستيغما.. سمبوزيوم.. ساركازم
بقلم :محمد الخولي
ستيغما: كلما وردت الكلمة في متن الكتابات أو طرقت الأسماع فهي تستدعي ذكرى ترتبط بمعاناة الإنسان على يد أخيه الإنسان.. هي عهود الاسترقاق منذ أيام الإغريق والرومان حيث كان السراة يتخذون العبيد والإماء ويستغلون ناتج عملهم وفائض كدحهم إلى حد كان يصل بالبشر المستعبدين إلى حال من اليأس الذي كان يسلم بدوره إلى قرار يتخذه العبد البائس إما بالانتحار أو بالفرار.
في الحالة الأولى يذهب الإنسان وتدفن معه آلامه وجراحاته.. وفي الحالة الثانية كان النظام الاجتماعي الظالم المنحاز.. يشمّر عن ساعد البحث عن العبد الهارب الذي مازالت لغات شتى تحتفظ له بمصطلح الآبق من فعل أبق في العربية ومعناها فرار العبد وقد تفرع عنه أو معه فعل تأبق بمعنى استتر واختفى إذا كان الفعل لازما.
وفعل تأبقّ الأمر أي أخفاه أو أنكره إن كان الفعل متعديا.. وإن كان التعدي في الزمن القديم الغابر يطال الفرد البشري التعيس الذي أوقعته مقاديره في براثن بشر آخرين. والحاصل أن كان اليونان واللاتين ينظرون إلى العبيد الهاربين نظرتهم إلى المجرم الفار..
يلاحقونهم ويطاردونهم فإن عثروا عليهم يبادر السادة إلى إبرة من الصلْب اللاهب أو سيخ من الحديد المحمي ويكوون بها جلد العبد الهارب (أو المجرم المدان) فإذا بالبشرة المهيضة المتشققة تحمل علامة الكي بارزة باقية كأنها صحيفة سوابق لا تنمحي بنودها..
بل تظل تلاحق باللعنة الاجتماعية هذا الإنسان الذي يشير إليه الآخرون على أنه يحمل «ستيجما» أي وصمة العار التي استمدوها من لغة اليونان التي تضم كلمة ستيزن بمعنى الوشم (تاتو) التي تطورت أموره من مستوى وصمة العار إلى مستوى علامات كانت تشغف برسمها على أديم الجسد جموع الشعوب البدائية سواء لمنع الحسد أو لطرد الأرواح الشريرة (حسب معتقداتها) أو لمجرد توصيف وتصنيف أبناء القبائل وذرية الفصائل والسلالات، إلى أن دار الزمن دورة كاملة .
وربما أكثر من دورة، فإذا بالوشم الذي كان دليلا على البدائية أو على الخشونة وقد أصبح في بلاد ترفع شعارات التقدم (أميركا مثلا) موضة محدثة تتسابق إليها جموع الشباب والشابات.. ويقيمون لها دكاكين هي عيادات الوشّامين الذين يستخدمون كاويات كهربائية.. خفيفة لكي ينقشوا على الأجساد، وفي مواضع شتى.. رسائل ورسومات وعلامات وإشارات..
منها ما يعبر عن جموح العشاق ومنها ما يؤكد شكيمة الفتوة وعزيمة الشباب.. ومنها أيضا ما يربط بين أفراد عصابات الشر والخبث والإجرام. في القرون الوسطى كانت الستيغما علامة يتعرف بها الناس على افراد ولدوا وفي أجسادهم علامات في أجزاء مختلفة.
. وفيما يفهم الطب أن هذه علامات خلقية (بكسر الخاء وتسكين اللام) فإن الفكر الغيبي القروسطي كان يفسر هذه العلامات على أنها إشارات مبروكة تعود إلى ما سبق وعاناه رواد العقيدة المسيحية في بداياتها من آلام وجروح.
لكن الانجليز حرصوا على مفارقة هذه التفسيرات الغيْبية.. بدأوا يستخدمون كلمة ستيغما في القرن 16 وقد عادوا بها إلى الاستعمال الأول: علامة يمهرون بها أفراد مجتمعهم ممن يحق عليهم وصمة الرفض ولعنة الإجرام.. ومن هذه الإيحاءات السلبية كانوا يصفون سوقية اللهجات العامية وابتذال اللغة على ألسنة الدهماء بأنها.. مجرد.
. ستيغما بمعنى أنها تدعو إلى الخجل وتفوح بالإسفاف.. بيد أن الكلمة ما لبثت أن حظيت بقدر من الاحترام على يد علماء النبات (بوتانست) منذ القرن 19 حين أطلقوها على أعضاء التأنيث في تركيب النبتة أو بتلات الزهرة التي تتلقى حبوب اللقاح وتؤدي عملية تكاثر النبات.. وبعدها بادر علماء الطب النفسي والعقلي إلى استخدام نفس الكلمة للدلالة على المرض العقلي المزمن.. ويلاحظ في لغتنا العربية أنها تستخدم لفظة وصم ضمن سياق سلبي حيث الموصوم هو المعيب وحيث الوصمة ترتبط بالعار.
. ولكن لغتنا تتلطف في رفق وذكاء حين تستخدم ابنة عمها وهي (وسم) التي تعني أساسا الكيّ ولكن اللغة تتباعد عن هذا المعنى المؤلم لكي تتوسع في استخدام مشتقات الوسم فإذا بنا نطالع الوجه الوسيم والمواسمة بمعنى المنافسة في إظهار المحاسن.. حتى لتكاد اللغة تطلق على مسابقات ملكات الجمال عبارة.. المواسمة ليس إلا.
سمبوزيوم:
في أسوان جنوبي مصر.. يتوقف الزوار مليا عند لافتة مرفوعة على مبنى أنيق تحفّة الخضرة ويطل على واحدة من أجمل وأوسع بقاع النيل العظيم.. اللافتة تقول للزائرين إن هذا المكان هو مقر «سمبوزيوم» فن التشكيل (النحت على وجه الخصوص).. ورغم أن كثيرين يستغربون هذا الاستخدام لكلمة أعجمية لا يستطيعون فهمها وقد يفهمها البعض .
وإن كانوا لا يستسيغونها، ورغم إصرار المعنيين على استخدام الاسم المذكور، فمازالت الكلمة بحاجة إلى درس ومتابعة واستكشاف وتأصيل. وإذا كانت قواميسنا اليعربية الرصينة تورد تعريفا للكلمة على أنها ندوة أو منتدى فإن منها ما يمعن في التدقيق والتفصيل إذ يضيف معنى أنها وليمة أيضا..
وهو المعنى الأساسي للكلمة الذي قد لا ينتبه إليه أفراد الانتلجنسيا اليعاربية الذين يقفون عند معنى الندوة والتجمع العلمي والمنتدى الفني الذي يجمع بين صفوف المفكرين والعلماء والمثقفين والمبدعين.. المعنى الأصلي للكلمة من أيام الفيلسوف أفلاطون مشتق من الأصل اليوناني سمبينسن ـ أي الشرب معا.. وطبعا الشرب هنا لا ينصرف إلى تناول المياه حتى ولو كانت غازية أو معدنية..
فالناس لا يجتمعون معا لشرب المياه.. بل الأمر ينصرف منذ السيد أفلاطون وأسلافه وأخلافه أيضا إلى حفلات معاقرة الشراب وهي حفلات لا يقتصر الأمر فيها على مجرد فعل التناول أو الاحتساء بل يصاحبها الغناء والموسيقى وما إلى ذلك..
لهذا تتندر المعاجم على أمثالنا من المثقفين وهم حريصون على شهود السمبوزيوم والمشاركة في أحداثها بالكلمة والبحث أو التعليق.. القلة القليلة من المشاركين لا تكاد تعرف أن المسألة في أصلها الإغريقي تعني الجزء الثاني من تجمعات الشخصيات في مجتمع أثينا القديم: كان الجزء الأول مخصصا لمائدة الطعام (يسمونها بانكويت) .
وبعدها يخصص الجزء الثاني ـ كما المحنا ـ إلى الشراب واللهو.. ومع الزمن ورث الرومان هذه المعاني في المناسبات لكنهم ـ كتر الله خيرهم - أضافوا إلى الجزء الثاني لمسات طلبوا فيها من الحاضرين الإسهام بالكلمات والطرائف والحكايات والأشعار والمعلومات..
الأمر الذي ارتقى بالمسألة من مستوى الأكل والشرب ـ المباح وغير المباح ـ إلى مستوى أكثر احتراما من خلال عرض إسهامات المفكرين ومشاركات المبدعين.. وظلت المسألة تتأرجح بين هذين المستويين وعبر قرون عدة، إلى أن حسم أمر الكلمة مع سنوات القرن 19 حيث انتهى المعنى الاجتماعي الأول عند الانجليز الذين فضلوا أن يفهموا الكلمة في معناها الثاني أي بوصفها منتدى يجتمع إليه الخاصة ومن إليهم وفق جدول أعمال محدد من حيث البنود ومنظم من حيث التوقيت والترتيب.
ساركازم:
نقرأها في المعاجم على أنها التهكم اللاذع أو السخرية المريرة الجارحة التي قد تصل إلى جرح الشعور.. من هنا فالكلمة تنصرف إلى جانبين: أولهما جانب السُخر بمعنى إظهار المفارقة وانقلاب الأوضاع والتدليل على خطأ أو تهافت الخصم - المقصود أو الظاهرة - الهدف، في حين ينصرف الجانب الآخر للكلمة إلى الإمعان في هذا الهجوم إلى حد التجريح..
وعند هذا الحد يصدق اشتقاق الكلمة من فعل «ساركس» ومعناه في اليونانية ـ أعزك الله ـ اللحم البشري. ومنه صاغ اليونان أيضا فعل ساركازين ويعني حرفيا تقطيع لحم البشر كمن تناوشته الكلاب أو قطعان الذئاب..
وبالطبع خف الأدباء والمبدعون إلى تخفيف هذا الفعل الوحشي إلى حيث أصبح معناه ينصرف إلى من يعضّ شفتيه ندما أو لوما.. وظلوا يوالون هذا التخفيف إلى حد الترقيق لينصرف الفعل إلى دنيا الأدب والفن ويصبح معناه الإسراف في الهجوم على العمل الأدبي أو المبدع الأدبي .
وهكذا تحولوا بالفعل من معارك الذئاب التي تنهش البشر إلى معارك الأدباء والفنانين الذين يستخدمون الكلمة والرسم من أجل أن (ينهش) بعضهم بعضا بسلاح الكلمات وأنياب المعاني والرسومات وهذا قضاء أخف من قضاء في كل حال.. مع ذلك فالمعنى الإغريقي القديم لا يلبث يطل برأسه بين حين وحين.. ففي المتواتر الشعبي يقال أنهم ينتفون فروة فلان بمعنى يمسكون سيرته بسوء في غيابه بطبيعة الحال..
وعند الانجليز والأميركان يصفون هذه النميمة بأنها حرفيا «عضّ الظهر» وأحيانا التقطيع ويصفون الملاحظة القاسية في مجالات الأدب والمجتمع بأنها حادة مثل شفرة السكين. ولن نذهب بعيدا، فالكتاب الكريم إذ يؤكد على تحريم النميمة وتبشيع الاغتياب يستنكر بشدة صورة الأخ الذي يتجاسر على أن يأكل لحم أخيه ميْتا.. وهي صورة لا تبعد كثيرا عما كان يرسمه اليونان الأقدمون.
تعليق