المتهم هو الثلج

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الضيف حمراوي
    أديب وكاتب
    • 28-11-2008
    • 70

    المتهم هو الثلج

    المتهم هو الثلج


    قال متعدد الجنسيات متبرما، مظهرا امتعاضه وقلقه، معبرا عن وطنيته، وهو ينفث دخان سيجاره من خلال الكوة نحو الداخل الذي أقبع فيه، معربا عن مدى حضور سلطة سلطانه بين رعايا مملكة الصابرين،يدير بين حنكيه لسانا عاجزا متلعثما يتلوى بين الأعجمي و الفصيح المعجم، كأنه يلوك نجاسة يخشى أن ترى.


    - احتجزت الثلوج الناس،وارتفعت الخسائر . قلت :


    - كيف؟


    قال: منعتهم من الخروج؟.


    قلت: أتمزح... وحدها!؟!


    قال : ماذا تقصد؟


    قلت: الاحتجاز مهنة الإنسان، وعشاق الحريم، لا تعرفها الثلوج. تعرفها حكومات الأحقاد والضغائن، و الأهواء المتعددة الجنسيات في الفرد الواحد، وحالات الطوارئْ و... القوانين وحراس الحدود.و..؟ قال:


    - يبدو أنك مأزوم أيها السيد ، فتأدب في حديثك ، وألزم حدودك، لا تأول، لا تحول ما أقول فأنا أقصد الثلج الذي سد المنافذ ، والموانئ والمطارات ،والمعابر والممرات، وحرم الخلق من متع التجوال في أرض الله الفسيحة ، والملذات المبذولة في احتفالات رأس السنة.


    قلت : أقسم أنني أسألك بصدق ، وعن حسن نية،فأنا من مكاني لا أستطيع رؤية ما تصف


    و ما أنا بمأزوم بل أنا مهزوم، وكل علمي بالثلج جاءني عن طريق أصوات الأطفال.


    - ما دخل هذا في هذا . أنا لا أسألك عن ذاتك لأنها لا تهمني؟


    قلت: شتان ما بينك وبيني، فمن أين لي أن أفهم معنى احتجاز الثلوج للناس،ولم يحتجزني سوى شبه الإنسان قال:


    - أنا في العادة لا أحب الاستماع للسخافات إلا حين يكون لي فائض من الوقت ، وهو ما جادت به الثلوج ، فما الذي تستطيع فهمه.؟ قلت:


    - لأن الثلج يجري الأطفال للقائه، وهم لا يفرحون لشيء قدر فرحهم لبياضه،وهو يجعل الهواء باردا لكنه ثقيل وصاف، أما الخروج فلا أعرف عم تتحدث.قال:



    - لكي تفهم معنى الاحتجاز – أيها المسكين - لابد أن تفهم أولا معنى الخروج، وأنت لا تفهم معنى الخروج لأنك لم تخرج في حياتك. ونفث في وجهي هبة ثانية من دخانه.


    سعلت بعد أن ضاق نفسي وقلت:


    - لا ، في هذه أنت مخطئ فقد خرجت مرة لمحت خلالها النور ، من بطن أمي إلى بطن هذا القبو المستطيل ، فتلقاني هواء ملوث سام ،وروائح جثث تتحلل في صمت , ومنذئذ وأنا أرغب في الخروج إلى حيث كنت ... : أولد من القبو إلى بطن أمي.


    قال : من أهم أسباب تخلفنا جهل شعوبنا بأن هناك في الخارج ، عوالم تضج بالحياة.


    - قلت: ومن أين لي بمعرفة ذلك في غياب شروطه.


    قال: و ما هي شروطه ؟.


    قلت: أولها الحرية، إذ لابد قبل الخروج من عبور، والعبور مستحيل في غيابها.


    -أليست شعوبنا حرة؟. قلت :


    - الجزء الحر الوحيد في وجودي كله رجلاي،وفي حدود أبعاد الأنبوب وشكله، وفي داخل الخريطة وتحت مراقبة العيون اليقظة.... ودون أن أتجاوز السرعة المحددة، والمسار المرسوم.


    - وماذا أيضا؟. قلت:


    - الحياة كما أفهمت، و كما قدمها لي واقعي، عبارة عن أنبوب ينتهي بحفرة تسمى قبري إذا كنت محظوظا. وحظوظي فيها و نصيبي من الرزق، هو ما علق بجدران الأنبوب، وأنا حي بهذا المعنى، كائن له داخل لا خارج له،وقد يكون خارجي في بطن أفعى مسحورة تعشق سلطة السلطان ، وتمنع الناس من الإحساس بالوجود . وبذلك فأنا موجود بالنسبة لذاتي، أما بالنسبة للسلطان، فالموجود هو الأفعى التي تلتهم كل شيء حتى عصى موسى،وعن طريقها يبهت الخلق، ويموتون في صمت مبهورين أو مذعورين .


    قال :ولذلك أنت مواطن صالح، هه ، زد ، وماذا أيضا؟ . قلت:


    - والشرط الثاني:بطاقة بوجهين على الأقل.قال:


    - ماذا تقصد؟


    - قبل خمسين سنة، ولدت في الحجز وأعطوني بطاقة بوجه واحد يحمل صفة واحدة " وطن" ألحقت به ياء في ذهني بعد ذلك، وبذلك صارت الكلمة التي تعرفني لعنة ، ورثتها عن والدي ، وهي كل الميراث الذي وصلني منهما، وقيل أنه يمكنني وأمثالي من الملعونين أن نخرج من بطن الأفعى، حينما نخرج الاستعمار ، ولأجل ذلك وزعت الأسلحة والذخيرة الحية على الرجال للقيام بالمهمة ، وقيل آنذاك بأنهم لن يضعوا السلاح حتى يغادر الاستعمار، وتموت الأفعى.


    تلك هي الغاية التي رسمت في الماضي، والآن يبدو أن الوضع قد تغير، وأن الاستعمار لن يغادر لأن السلاح كان سلاحه ،والرجال وقعوا في عشق الأفعى التي سحرها السلطان.


    غضب محاوري كما فهمت ذلك من نبرته ، وقال وقد ملأ دخان سيجاره الأنبوب الضيق الذي كان يسرطني نحو مصيري .


    - لو كان هناك مكان أسوأ من المكان الذي أنت فيه لألقيت عليك القبض ورميت بك في جوفه.


    وفي غيابه لك كامل الحرية في التعبير عن رأيك.


    وتمنيت لو يجود الزمان بفرصة ، فاخترق هذا الأنبوب وأبصق في وجه حارس السطان فرعون ، وعشاق الأفعى. وأصحاب الوجوه المتعدد ، والجلود التي تستبدل في كل مطار و مرفإ وميناء،غير أني تخليت عن هذا الأمل لأن بصاقي أغلى من هؤلاء مجتمعين.


    واصلت طريقي في الأنبوب محاولا استحضار شكل الثلج الذي يفرح لقدومه الأطفال.


    [align=left]الضيف حمراوي 23/12/2010 [/align]
  • سامر عبد الكريم
    أديب وكاتب
    • 22-11-2010
    • 95

    #2
    الصديق .. الضيف الحمراوي ..
    قبل خمسين سنة، ولدت في الحجز وأعطوني بطاقة بوجه واحد يحمل صفة واحدة " وطن" ألحقت به ياء في ذهني بعد ذلك، وبذلك صارت الكلمة التي تعرفني لعنة ، ورثتها عن والدي ، وهي كل الميراث الذي وصلني منهما، وقيل أنه يمكنني وأمثالي من الملعونين أن نخرج من بطن الأفعى، حينما نخرج الاستعمار ، ولأجل ذلك وزعت الأسلحة والذخيرة الحية على الرجال للقيام بالمهمة ، وقيل آنذاك بأنهم لن يضعوا السلاح حتى يغادر الاستعمار، وتموت الأفعى.
    تلك هي الغاية التي رسمت في الماضي، والآن يبدو أن الوضع قد تغير، وأن الاستعمار لن يغادر لأن السلاح كان سلاحه ،والرجال وقعوا في عشق الأفعى التي سحرها السلطان.
    المتهم ..هو الثلج دائماً .. في بلاد لا يغيب عنها الصمت والسوط..!!
    تحية لك
    ‪http://‬www.shurofat.blogspot.com
    http://shurofat.blogspot.com

    تعليق

    • إيمان الدرع
      نائب ملتقى القصة
      • 09-02-2010
      • 3576

      #3
      - الجزء الحر الوحيد في وجودي كله رجلاي،وفي حدود أبعاد الأنبوب وشكله، وفي داخل الخريطة وتحت مراقبة العيون اليقظة.... ودون أن أتجاوز السرعة المحددة، والمسار المرسوم.

      أجل أيّها الأستاذ الفاضل : الضّيف حمراوي ..
      عبّرتَ في سطورٍ عن واقع أليمٍ عشناه منذ أن تفتّحت عيوننا على الحياة ...
      المسير على الأقدام في درب معدّ مرسومٍ بشكلٍ مسبقٍ لنا ...
      علينا ألاّ نحيد عنه ...لا ننظر فيماعداه ، خارج حدوده ...
      ونسأل أنفسنا دائماً ...أين الإبداع في وطننا الكبير ..؟؟!!
      أين الفكر الوقّاد ...؟؟؟
      كم هي مؤلمة وكاشفة، ومضتك الذكيّة التي عبرت السّطور ببراعةٍ
      ومع أطيب أمنياتي ....تحيّاتي ...

      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

      تعليق

      • الضيف حمراوي
        أديب وكاتب
        • 28-11-2008
        • 70

        #4
        هطل الثلج طاهرا نقيا بتونس الخضراء ، واحتض الأجساد المحترقة فجعل لهبها بردا وسلاما، هطل الثلج الأبيض الملائكي فخرج الأطفال الصبايا والصبيان للقائه ،شربوا من مائه وبردوا بها حرائق الرصاص ولسعات السياط الملعونة التي كانت تنهال عليهم من شرطة ملعونة يزعم أفرادها أنهم يؤمنون بالله ويصومون ويصلون.
        هطل الثلج .
        أيها الشعب التونسي العظيم ، لا تسمحوا بالحرائق وبالتدمير ،ومن وجدتموه يحرق اأحرقوه بالنار التي أشعلها ،ولكن احذروا أن تبقوا أي أثر للنظام الطاغي فإنه السرطان قد يكبر و ينبعث من أقل جزء يترك من له في الجسد ،فيعود اكثر مناعة أقوى وأخطر ، فلا تقبلوا، لا برموز العهد البائد ولا بفراخة أو كلابه وثعالبه فإن في بقائها سرهزيمتكم ، وفي القضاء عليها بشكل كلي سر انتصاركم.
        ودمتم ياعزة العرب ،نموذج في الوعي يحتذى

        تعليق

        • مجدي السماك
          أديب وقاص
          • 23-10-2007
          • 600

          #5
          تحياتي

          اخي الضيف حمراوي..تحياتي
          نص مباسر..بسيط..وجميل. استطعت ان تقول الكثير.
          مودتي
          عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

          تعليق

          يعمل...
          X