ورطة ودم
تورطت غادة مع عمار ابن جيرانها..
أعطته ما أرادا معاً.. وعادت إلى البيت..
كتمت الأمر عن أهلها، وتعلقت بقرار الفاعل ليفي بوعده.
صار الوقت يعاندها، فتكاسلت عقارب الساعة.. وتمدد النهار وتثاءب وأرخى بجسده أمامها، فلم يكن ليتزحزح ويغرب عن وجهها حتى يأتي الليل ويفك صرّة أحزانها وينثر همومها على السرير، فتتقلب يمنة ويسرة وينام الليل وتظل هي حارسة لعتمته.
تردت صحتها.. وذبلت عيناها.. وتكسرت جفونها.. وغزا الشحوب وجهها وطلاه بالأصفر والبني.. وتثاقلت مشيتها.. وخاصمتها الابتسامة وهجرها المرح.
خشيت غادة أن توخز هذه العلامات انتباه من في البيت، فتلد الظنون والتساؤلات، لذلك لزمت غرفتها وكتبها طيلة الوقت، حتى طعامها الذي تضاءل إلى أقل من النصف غدت تتناوله على طاولة دراستها بحجة قسوة المنهاج وقرب الامتحانات. المهم أن يسعفها الزمن ويخطبها فارسها وتنتهي محنتها.
وجاءها عمار حسب الموعد بقلب مفعم بالحب، وعواطف مكدسة في جوارحه وأمل مشترك في أن يجتمعا في شقة أحلامهما ويقطفا معاً فواكه علاقتهما..
- قول لي بسرعة.. شو صار معك؟
- يا غادة لازم ننتظر.. أهلي معارضين.
- وأنا؟
- أنا معك، ولازم أعمل المستحيل حتى نبقى مع بعض.
- أنا رح جن.. ما عدت أتحمل.
- وأنا مثلك، بدك تطولي بالك.. اتركيني أحاول معهم.
توادعا.. وقد ترك كل منهما قلبه في كف الآخر، فعمار يتحرك بعواطفه.. وتحت سقف الممكن والمسموح، وكان يتوقع وهو وحيد أبويه أن تطلق أمه الزغاريد فور مفاتحتها برغبته في الزواج، ثم تساعده في الحصول على موافقة أبيه ويتم الأمر كما يرغب.
لقد صدمه موقف والديه وهو الذي تربى في حجريهما، وغاص في دبق دلالهما، وأفسدت قطع سكاكرهما أسنانه، ولطالما طمراه بالألعاب والهدايا في أعياد ميلاده فما بالهما الآن ينتصبان كجدارين أصمين في طريق سعادته ويزرعان الألغام في حديقة مستقبله مع من أحب ورغب.
كثيراً ما ينظر الأبوان إلى طفلهما كغرسة شتلاها في بستان حياتهما، وأهدرا في رعايتها أوقاتهما وجهدهما.. وسقياها بحنانهما وعطفهما.. وأحياناً دموعهما. وها هي الآن شجرة باسقة تتمايل أغصانها مع نسمات الهواء وتثقل فروعها أنضج الثمار.. فيلتصقان بقربها يمتعان عيونهما بالتأمل فيها والاستغراق في طولها وجمالها ويعتبرانها حكراً لهما وبمثابة تعويض عما افنياه في تنشئتها.. لذلك يجدان مشقة حين يتقدم أحد ما ويمد يده ليقطف حبة من عنبها أو رمانها.. أو حتى يستظل بفيئها.
حين يصمم الابن على الزواج كحق طبيعي وسنة لا بد منها، تجدهما يبتلعان رغبته على مضض ويشرعان في البحث عن عروس تلائم متطلباتهما وتخضع لشروطهما ومواصفاتهما وإلا عارضا ما استطاعا أو لم يباركا إذا هاجمهما عناد ابنهما.
أهي الأنانية ام الحب الفياض الزائد عن حده؟ أم هي لعنة المجتمع التي تحول الأهل إلى جباة ضرائب.. ودوريات جمارك. وشرطة آداب؟
تقدم عمار من أمه وهي تحضرّ طعام العشاء وهمس:
- ماما بدي أتجوز غادة بنت جيراننا.
- سبق وقلت لك رأيي في الموضوع، وإذا ما عجبك أسأل البابا.
كانت عواطف عمار تتأجج، والوقت يلاحقه وسيدركه قريباً بعد فعلته مع غادة، لذا اقتحم غرفة أبيه الذي كان يتحصن وراء مكتبه مشغولاً بأوراقه، وقال:
- بابا لو سمحت لي عندك طلب.
رحب الأب وابتسم.. فكل طلبات عمار مجابة:
- من عيوني.. شو طلبك؟
- بدي أتجوز غادة بنت جيراننا.
لملم أبو عمار ابتسامته وكأنها كانت في المكان الخطأ.. واستبدلها بتكشيرة مخيفة انخلع لها قلب ابنه، وارتعدت فرائصه من ردة الفعل المباغتة التي هاجمه فيها أبوه..
لكن خنجراً يغزّه في ظهره دفعه للتصدي للموقف بكل عناد وجرأة.. وبقليل من الوقاحة هو حبه ووعده لغادة..
خلع الوالد مؤخرته عن كرسيه ودار حول المكتب، وتقدم من عمار حتى لصق فمه بأذنه وقال وهو يركز على مخارج الحروف وينطقها بقسوة وارهاب:
- أنت بتعرف شو حكيت ياولد ؟ قلت "بدي"... يعني قررت وحسمت وفرضت.
- يا بابا.. أنا قصدي...
وجاءته قذيفة صعقته:
- اخرس.. وانقلع ما بدي أسمع ولا كلمة.. وأنا باعتبر إنك ما قلت شيء.
في هذه الأثناء انسلت أم عمار على صراخ زوجها إلى غرفة المكتب، وراعها المشهد الذي تراه لأول مرة في حياتها..
طوقت ابنها وكأنها تحميه من فيضان أبيه الذي يوشك أن يجرفه، وراحت تطويه بحنانها لتخرجه من الغرفة.. لكن الابن المدلل المطيع قد بات رجلاً بعد أن جرب فحولته مع غادة ولم يعد الخرقة اللينة التي تطوى بسهولة.. فأبعد أمه بهدوء ولطف ووقف بين أمه وأبيه وألقى قنبلته:
- أنا قلت بدي أتجوز غادة.. يعني بدي أتجوز غادة.
وخرج.
بهت الوالدان وتبادلا نظرات التعجب والدهشة والاستياء.. ولبسا معطف الصمت وتغطيا بالحيرة وناما.. أو ذهبا إلى النوم.
في الصباح جلس الوالدان يضربان أخماساً في أسداس.. يبحثان عن مخرج من هذا المأزق بأقل الخسائر فقالت الأم:
- لازم تكلم جارنا يبعد بنته عن طريق عمار.
- شو تفضلت يا خانم؟ يعني عجزت عن تربية ابني وبدي جارنا يبعد غادة عن عمار.
- خايفة الولد يعمل شيء بحاله.. والله بموت بأرضي.
- المشكلة ابنك آخذ موقف وخالص وما عاد يسمع منا.
- طيب.. معقول نتركه يعمل مثل ما بيريد؟
- والله ما بعرف.. لازم نفكربطريقة أي طريقة.
وغاصا يبحثان عن حل "حل بأقل الخسائر" وكأن نيل ابنهما مراده وتحقيق رغبته يعد خسارة.. فقد سدّ حبهما لعمار كل منافذ الرؤية الصحيحة مما جعلهما يتيهان في ايجاد المخرج السليم.. أو التسليم.
على الجبهة الأخرى كان عمار كذلك تائهاً في التنقيب عن حل قبل أن يفرمه الوقت، ونداءات غادة لا تفارق أذنيه.. وبات محاصراً من كل الأطراف الكل يضغط على جسده الطري: أبواه ورضاهما ورد الجميل إليهما.. بل حتى الاعتماد عليهما ولو في البداية. وغادة التي امتزجت معه بروحها وجسدها ومستقبلها كذلك تضغط عليه قبل أن تقع "الفأس في الرأس" واكتشاف ورطتهما.. واشتعال الفتيل والبارود..
ماذا يفعل وأي درب يسلك؟ وأي حزمة ديناميت يفجر؟
كل الخيارات أمامه مرّة إنه العلقم في جرار العسل.
وذهب إلى غادته وطلب منها:
- أرفضي أي واحد بيتقدم لخطبتك، وخليك مصرّة علي.. أنا وبس.
- كيف؟ وأنت لحتى الآن ما تقدمت لخطبتي.
- أنا أطبخ أهلي على نار هادئة.. بيلزمني بعض الوقت لا أكثر.
- وإذا لم يوافقوا بالآخر؟
- منهرب سوا.. أنا وأنت.
وصاحت فيه بغيظ وتأنيب:
- منهرب؟ معقول أنت؟ أنا ما بهرب.
- بس يعني.. أنت بتعرفي..
- نعم بعرف.. إذا ما خطبتني وما تزوجنا ، بشرب سم وبخلص.
تجمدت عروقه، وسرت قشعريرة باردة في جسده، وأمسك بكتفيها بقوة وهزها وهو يحملق فيها غير مصدق ما صدر عنها وصاح:
- غادة.. أنا من غيرك ما بقدر أعيش ولا لحظة.. لا تفكري بجنون. نحنا لبعض مهما صار.
تركها وفي رأسه كابوس مرعب، وأفزعه أن يكون الانتحار مصير غادة.. لم يستطع هضم الفكرة، وأدهشه أن تتحدث حبيبته بهذه الطريقة وبجدية، متناسيا أنهما في مجتمع ذكوري قبلي.. يكيل بمكيالين.
عمار بنظر العمائم واللحى مارس حقه الطبيعي فهو رجل ولا يعيبه شيء في حين هزّت غادة عرش السماوات والأرض وارتكبت إثماً لا غفران له ولا يوجد مسحوق يغسله إلا الدم.. وقس على ذلك ما شئت من المحظورات وإقامة الحد.
لذا وئدت الأنثى في الجاهلية، وشطرت إلى نصفين في الإسلام، وتعلبت في أقبية الحريم في عصر المماليك.. واختزل الذكور حياتها من إنسان إلى أداة للاستعمال..
وياويلها إن لم تتقيد بتعليمات الاستعمال.. كغادة هذه.
هذا هو المنطق السائد في أعرافنا، ويشاركنا وسائد نومنا وموائد فطورنا.. نتحاشاه في جلساتنا العلنية، وعلى صدور الجرائد وشاشات التلفزيون.. وفي المواقع الالكترونية ..ويتبرَّأ بعض مدّعي التحضر منه في برنامج إذاعي أو لقاء صحفي حتى يصل إلى بيته، فإذا ما أغلق الباب خلفه.. ورأى أخته تتجول في المطبخ.. ويتدور نهداها، وتنساب ساقاها.. وتتكوم مؤخرتها داخل سروال الجينز.. عاد إلى ما تبرأ منه.. واندثر تحت أغطية القبيلة، وتلمس شاربيه، وشحذ خناجره.. تحسبا لزلة من هذه القنبلة الموقوتة المزروعة في المطبخ وتحضّر طعام الغداء.
إن الرعب الذي تقمص عمار لدى سماعه عن احتمال انتحار غادة قد انقلب إلى ثورة وعنفوان ودفعه إلى حسم الأمر لدى والديه..
مع بداية المساء تقدم منهما وحقيبة السفر التي جمع فيها أمتعته تسبقه إليهما وقال:
- أنا قررت أترك البيت.
فزعت أمه وركضت نحوه تمسك به لتمنعه من تنفيذ تهديده وصاحت به:
- على فين؟ ونحن؟ كيف منقدر نعيش من دونك؟
- وأنا ما بقدر أعيش من دون غادة.
- طيب طول بالك خلينا نناقش الموضوع مع بعض.
أجاب عمار بكل ثقة حاسماً الأمر:
- الموضوع غير قابل للنقاش.. أنا قررت وبدي أتجوزها.. ويهمني أنكم توافقوا.
حتى هذه اللحظة لم يتدخل الأب، ولم ينطق بأي حرف.. كان جلّ همّه منصباً على ضبط أعصابه، وتصنع الهدوء لكي لا يزيد الطين بلة ويسوق الأمور إلى الهاوية ، تاركاً لزوجته أن تمارس دبلوماسيتها حتى النهاية..
فالحل العسكري عادة هو آخر وأسوأ الحلول.
- طيب يا ابني.. عطينا فرصة لنلاقي طريقة ونروح نخطبها.
- ما بدي خطبة.. بدي زواج فوراً.
- ما بصير يا ماما.. في أصول، يعني أقل شيء خطبة سنة زمان.
وأفلتت من عمار كلمة فضحته، وأوقعه تسرعه:
- الأمر ما بيتحمل لازم ألحق وأتجوزها.
- تلحق شو؟ شو صاير بينك وبينها؟
وسكت عمار.. لأن أي الجوابين سيكون مصيبة: إن اعترف فهي النكبة والعار، وإن أنكر تمسك أبواه بموقفهما والوقت يداهمه.
نهض الأب واتجه إلى غرفة مكتبه، لأن زمام الأمور بدأت تتفكك من بين أصابعه ولا تلبث أن تفلت من يديه.. وتقذف حممها من صدره.
واستغلت الأم هذه الفرصة.. لتطوق عنق ابنها وتستدرجه ليبوح بما لديه، وصبغت صوتها بالهدوء وحنان الأمومة، ورشقت قبلاتها على وجنتيه.. ومشطت شعره بأصابعها ولم تغادر ذراعها عنقه وهي تقول:
ـ بتعرف يا ابني ليش الأم بتستعجل حتى يكبر ابنها، كله لحتى تشوف أحفادها. ولأنها بتحب أولاده أكثر منه، وأنا كل ما يهمني أنك تتجوز وتكون سعيد ومرتاح بحياتك لحتى نطمئن عليك ونرتاح نحن كمان.
استمر الحديث على هذا الوزن واللحن حتى فرط عمار، ورمى كل أوراقه على الطاولة وكشف كل ما لديه.. واسترسل في الكلام وبأدق التفاصيل.. فمنح أمه الاطلاع على أكثر مما توقعت وأرادت معرفته. ولم يستغرق استجوابه بضع دقائق.. دون ضغط أو صراخ أو إكراه.
لو كان المحققون من النساء اللاتي يمزجن الدهاء بالحنان والمكر بالهدوء واللطف وسبر أغوار من يستجوبن ليشعر بالثقة والاطمئنان، فيفرد ما في جعبته برغبته وبمحض إرادته وبالتفصيل الممل لوفر ذلك على الدولة أقبية التعذيب، والضرب والتهديد وفولتات الكهرباء والحاق العاهات الجسدية، والعقد النفسية بالمتهم.. وتملص جهاز أمن الدولة من انتقادات مؤسسات حقوق الإنسان في الدفاع عن الحريات.
لكننا لا نعرف حتى الآن المكان المناسب للمرأة، فقد عششت في رؤوسنا منذ القرن السابع مقولة أن المرأة من المطبخ إلى غرفة النوم.. وما بينهما تفريخ الأولاد. حتى بعد تطور التكنولوجيا وظهور الميكرووايف وغسالات الأوتوماتيك والقنوات الإباحية وأطفال الأنابيب، لم تغادر المرأة مستنقع الحرمان، ولم تعف الأنثى من الإقامة الجبرية في قمقمها، ولم يزح غطاؤه عنها كي تتنفس.. فالذكور يخشون تسرب الدخان من القمقم لأنه يحمل رائحة المرأة ورائحتها عورة والعورة تستلزم السترة.
في نهاية التحقيق الحنون.. رطبت الأم خواطر عمار.. ووعدته خيراً وقالت:
- ماشي الحال، أنا أتفاهم مع والدك، بس عطيني فرصة.. ورجّع الشنطة لغرفتك وأغراضك للخزانة.. ولا يهمك كل شيء وله حل.
امتثل عمار على الفور لكلمات أمه، وانسل مطيعاً إلى غرفته.. وأيدته حقيبة السفر في ذلك ولحقت به ممسكة بيده وكأنها لا تنوي "الشنططة".
فيما توجهت الأم إلى مكتب زوجها لتحاوره:
- أول شيء يا أبو عمار لازم نعمله هو التهدئة، وما ننفعل لحتى نلاقي حل يرضي الكل.. ولا تنسى إن عمار هو ابننا الوحيد اللي طلعنا فيه من الدنيا.
لاقت كلماتها تربة خصبة في مزاج زوجها، فجلس ونفخ قليلاً وقال:
- شو لازم نعمل؟
- الكلمة الأولى والأخيرة لك، إنما إذا بدك رأيي خلينا نساير.
- يعني نرضخ؟
- هذا ابننا، وكلمة نرضخ مو بمحلها.
- طيب وإذا ما وافقنا على زواجه؟
- ما عاد فينا ما نوافق.. ابننا متورط مع بنت الجيران.
- شو قلت؟ متورط؟
قفز الأب من كرسيه كالملسوع، وتحول إلى مكوك يذرع الغرفة ويخبط كفا بكف، ويهز رأسه يمنة ويسرة ولا يستقر على حال. فيما راحت زوجته تهدئه بالكلمات حينا وباللمس أحياناً.. وقال أخيراً:
- مستحيل.
كاد القرار يفجع الأم لكنها تمالكت نفسها وتابعت التهدئة:
- مثل ما بدك.. كلمتك سيف على رقابنا كلنا.. بس هدئ حالك.
أجلسته بلطف وقالت بثقة:
- ما في شيء ماله حل.. المهم روّق بالك ولا تهتم.
أدركت الأم أن الأزمة تتلف تفاؤلها، وأنها أكبر من مؤهلاتها، وقد سقطت بين نارين والنيران صديقة.. وكل ما يمكنها الحصول عليه هو هدنة مؤقتة.. لالتقاط الأنفاس، وإيجاد الوسيط الذي يروض الجبهات المشتعلة، لأن أي حل تحت القصف لن يثمر.
استنجدت أم عمار بأخيها مدرّس الفلسفة بالثانوية العامة، فهو صديق الطرفين، وهادئ ودبلوماسي، ولبق في الحديث.. ويحسن الإصغاء واستنباط الحلول المقنعة.. وقالت في سرها: "الحل عنده".
جاء اليوم التالي رجل الأزمات "نعيم الأبرش" عمره خمسون عاماً.. قضى نصفها بين سبورة الصف وغبار الطباشير.. وأوراق الامتحانات ودهاليز المدرسة.
استفردت به أم عمار، وزودته بتقرير مفصل، وخارطة شاملة عن أرض المعركة.. وتسليح الفريقين، ونقطة العداء الفاصلة. فرد عليها بابتسامة باردة وقال:
- يعني مشكلتكم عائلية وداخلية وغير مكلفة.. خليها لبعد العشاء.. تيسري أنت إلى المطبخ.
- وأنت؟
- إلى مكتب زوجك المصون.
- وعمار؟
- عمار صح.. مولازم أضيع وقتي معه المشكلة عند أبو عمار مع الدماغ الناشف.
وتوجه إلى مكتب الوالد.. فاقتحمه وصاح:
- جاءك الموت يا تارك الصلاة.
- مين؟ نعيم.. أهلاً وسهلاً.. والله لك وحشة.. فين بتغط ما منشوفك؟
- يعني عزمتني وما جئتك.. كل وقتك لشغلك وصفقاتك ورجال الأعمال
- – معك حق.. معك حق.. تعال أحكي لي آخر أخبارك.
فتصنع نعيم الجدية وزفر ونفخ ولعن الزمان.. ثم سكت وجلس مسلطا نظره على الأرض ما بين قدميه.
فقال أبو عمار:
- خير إن شاء الله؟ والله شغلتني.
- عشقان.
- نعم؟ عشقان؟ معقول يا نعيم؟
- معقول يا نعيم.. طبعاً معقول.. فين الغرابة؟
- أنت متزوج.. وعندك أولاد.. وعمرك فوق الخمسين.
- الحب يا أبو عمار.. أعمى ما بيشوف كل شيء قلت عنه.
- ومين عشقان؟ اسم الله عليك.
- عشقان الأركيلة وطاولة الزهر وفنجان قهوة من أيدين أم عمار
انفجرا ضاحكين بلا هوادة ونهض أبو عمار لاحضار الطلب.. فأمسكه نعيم قائلاً:
- على فين؟
- أجيب لك العشيقة والقهوة.
- أقعد خليها لبعد العشاء.. ممارسة الحب على جوع ما بتنفع.. بتعطي نتيجة عكسية.
جلسا يتحدثان في أمور عادية وعامة وهامشية.. ولما شعر نعيم بأنه مهد للجو بدأ يناور ليدخل في الموضوع الأساس.. فقال:
- كيف رضاك على أختي؟
- الله يرضى عليها والله مرتاح معها على الآخر.
- يعني ما عاد تحرد وتتركك وتزور عندي؟
- الحرد شغلة فاضية وقلة عقل.. المفروض مهما صار المرأة ما تترك بيتها.
- ما شاء الله.. يعني الرجل هو يحرد؟
- الله عليك يا نعيم ليش الحرد حل للمشكلة؟ المشكلة لازم تواجهها حتى تحلها.
- يا عيني ومنكم نستفيد.
- ما حكت لك أختك أم عمار؟
- من دخولي لعندكم قلت لها أنا جوعان.. فركضت إلى المطبخ تحضر العشاء.. خير شو صاير؟ ولا أنتظر أختي تحكي لي؟
- أنا أحكي لك.. هذا يا سيدي ابن أختك عمار ناوي يتزوج.
- بكير.. لازم يشتغل سنتين على الأقل.
وحين لاحظ الوالد تمنع نعيم في الموافقة على فكرة الزواج.. انفتحت شهيته للحديث فاعتدل في جلسته واسترسل وأطنب وأفاض حتى غاص ثم اختتم صولته بالسؤال:
- قل الآن رأيك بالمنظوم عمار؟
ففاجأه نعيم بقوله:
- والله عرفت تربي يا أبو عمار.. ابنك بهذا الموقف بيرفع الرأس.
صعق الأب من الإجابة وبات غير مصدق، وحملق في جليسه ملياً ليتأكد من جدية كلامه أو هزئه وسأله ليتأكد:
- أنت جد ولا مزح عم تحكي؟
- أنا لا أمزح في أمور عائلية.. يعني أي واحد مكان عمار كان تنصل وتهرّب ونفى علاقته ومعرفته بالبنت.
- أعوذ بالله منك يا نعيم.
- قصدك من الشيطان الرجيم.. وليس من نعيم.. لأن الشيطان وحده ممكن يوسوس بالتخلّي عن البنت بعد توريطها.
- وأنت قلتها "توريطها" هي تورطت وبتتحمل نتيجة غلطتها.
- وابنك؟
- ابني شاب وهذه أمور عادية للشاب.
- مين قال هذا الكلام؟
- رب العالمين.
- لا تكفر ، رب العالمين ما ممكن يقول مثل هذا الكلام.. وإلا بيكون شغله غلط.. لأنه هو خلق الشاب وخلق البنت.. ولو كان بيعتبر البنت غلطانة لازم تموت فوراً بعد ورطتها مثل ما بتموت النحلة بعد القرصة مباشرة. إنما رب العالمين عادل وشغله صح.. وساوى بين الذكر والأنثى في هذه القضية بالذات.. فالشهوة مشتركة والرغبة والغريزة أيضاً عند الاثنين.
- يعني رب العالمين خلقنا لنط على بعض.
- طبعاً.. حضرتك عم تنط على أختي ثلاثين سنة.
- بس أختك زوجتي.
- وابنك كمان بيتزوج بنت جيرانكم.. فين المشكلة؟
ـ هذا حكي فاضي .
ـ خلينا ننتظر العشاء مادام كلامي فاضي .. خلي بطني مليان .
ـ أنا ما قصدت .. بس أنت بتعرف الناس والمجتمع والأصول ...
ـ تمام .. يعني خلي رب العالمين في حاله .. ولا تلصق فيه غلط الناس والمجتمع والأصول ، وبهذه الطريقة منقدر نتفاهم .. شغلات الدنيا للدنيا .. والآخرة للآخرة .
ـ كيف نتفاهم ؟
ـ يعني ابنك لما بيتجوز البنت اللي بيحبها حتى بعد ما جرى بينهم يعني بيشتغل صح ، لأنه ما رماها وتنكر للي صار .. ولو كل واحد تصرف على هذا الأساس .. المجتمع بيتصلح وبتصير هذه هي الأصول . ومابدي أكون مثالي وأقول لك لو كان العكس .. والبنت بنتك وعمار ابن الجيران .
ـ أعوذ بالله .
ـ بالضبط .. هذا مكان الوجع .. وجع الناس والمجتمع .
ــ طيب .. طيب .. يلا نقوم نتعشى وبعدين منحكي .
ــ يلا نتعشى .. بس ماعاد في حكي .. الموضوع خلص وانحسم .
ــ على بركة الله .. تفضل على العشاء .
وحول المائدة .. تلفتت الأم تقرأ الوجوه المتحلقة حول الصحون ..تحاول تفسير طلاسمها ، بينما غط نظر عمار في صحنه .. وغاص عميقا فيه لايعرف ما ينتظره .. فقال نعيم :
ـ قل يا أبو عمار .. شو الخبر اللي وعتني تقوله على العشاء ؟
تردد الأب قليلا ، وحين رأى نظرات نعيم مسلطة عليه لاتحيد .. وعيون زوجته تتضرع الى شفتيه تنتظر جوابا .. قال :
ــ بدنا تروح معنا أنت وأختك أم عمار نخطب غادة بنت جيراننا لأبني عمار .
رتبت أم عمار موعدا مع جيرانها لزيارة عادية .. بمثابة سهرة نهاية الأسبوع . وبعد شرب الشاي والتلذذ بالحلويات ومسح الدبق عن الشفاه ، بدأ أبو عمار الحديث مع جاره قائلا:
ــ الحقيقة ياجارنا من خلال معرفتنا ببعضنا ومعاشرتنا لكم .. لقينا انا وأم عمار نزيد العشرة محبة ونتقارب أكثر .. وبيشرفنا نطلب ايد بنتكم غادة لابننا عمار ..
تفاجأ الجار من هذا الطلب وقال :
ــ عم تحكي جد يا أبو عمار؟
ــ طبعا ياجار مابينمزح بالشغلات العائلية .
ــ بس البنت صغيرة .. وابنك بياخد مصروفه منك .
وتدخل نعيم مبتسما:
ــ ياسيدي أبو عمار رايد يفرح بأحفاده ويربيهم على حياة عينه .
فعارض الجار جادا وحازما ودون نقاش :
ــ لا .. لالا .. البنت صغيرة والولد ما قد المسؤولية .
ــ بس ياجارنا ....
ــ خلاص يا أبوعمار .. خلينا أحباب وانسى الموضوع من أصله
ونهض يودعهم معلنا انتاء الزيارة واقفال هذا الموضوع .
صدم الجميع بهذا الموقف السلبي من الجار وقطعه المحاولة على كل من أراد فتح الحوار من جديد وثنيه عن رأيه الخشبي .
وما ان صفق الباب وراءهم حتى توجه الى ابنته غادة وصرخ فيها :
ــ أنت منين بتعرفي عمار ؟
ــ كيف منين جيراننا من عشرين سنة .
ـ يعني حكيت معه ؟
ــ طبعا .
جاءتها صفعة من حيث لم تحتسب رمتها على الأرض ، ولحقتها ركلة قوية أفقدتها توازنها ووعيها ، لكن محنتها ردت اليها شجاعتها وجرأتها فصاحت :
ــ بدي عمار وما باخد غيره .
وهجم أبوها كالثور الهائج وقد طار صوابه لهذه المفاجأة التي صعقته .. ولولا أن رمت زوجته نفسها وغطت ابنتها بجسدها وتلقت ضرباته وحماقاته ما كان ليتوقف حتى يلحق بابنته عاهة مستديمة ، وصرخ فيها :
ــ والله لأشرب من دمك .. والله..
بعد يومين تسللت أم عمار الى جارتها في غياب زوجها أثناء النهار .. وتشاورتا في الأمر وهمست كل منهما برغبتها "في تجميع الرأسين على مخدة واحدة " وعند ذلك أفشت أم عمار لجارتها بورطة عمار وغادة .. وطلبت منها عمل المستحيل لتليين رأس زوجها للموافقة قبل فوات الأوان وبكتا وناحتا وتعانقتا وتوادعتا على أمل الفرج .
حاولت أم غادة مع زوجها وحاولت لكن دون جدوى .. وكأن دماغه قدّ من الصخر الأصم بل أشد عنتا .. فرغم انه مقتنع بجيرانه وحسن سيرتهم .. وطيب معاشرتهم .. وسلامة وضعهم الاقتصادي والاجتماعي .. وبأن عمار شاب ناجح ومهذب وأنيق .. لكن شيئا ما قد تعفن في رأسه بجاهلية .. وترسخت فيه سلفية خرقاء وحمق لاحدود له اذ اعتبر انه وقد رفض بادئ الأمر لايمكنه الآن التراجع عن كلمة قالها.
كان الوقت يدفع بغادة نحو الخطر .. فتتلمس بطنها خشية الحمل ، وتنتظر معجزة تجمعها بفتاها الذي التزم بوعده وصدق حبه .. وحض أهله على القبول والمبادرة .. وهي الآن رغم محنتها ووضعها الحرج غير نادمة على السماح لعمار بقطف عذريتها لأنه لم يتخل عنها ولم يغدر بها أو يتهاون في انقاذها .. ولذلك فهي تمتلك الشجاعة والتماسك في الاصرار عليه والتحدي المطلوب تجاه أبيها .
أتعبها التفكير في ايجاد سبيل الى اقناع والدها .. وكلما خطر لها مصارحته بالأمر أبعدت الفكرة عن رأسها .. ورست أخيرا غلى التهديد بالهرب ، وذلك بأن تبث خاطرها هذا الى أمها التي ستفزع فورا وتسربه الى أبيها فيستسلم لواقع الأمر ، أو سيحبسها في البيت رهن الاقامة الجبرية وهذا ما قد يكشف المستور وهو أسوأ الاحتمالات .. ومع ذلك لجأت الى أمها وساررتها بما تنوي فعله ، لكن الأم فاجأتها قائلة :
ــ أنت نسيت انك متورطة .
ــ ومنين عرفت؟
ـ من أم عمار بدها تدفن الفضيحة قبل ماتطلع ريحتها .
ــ يالله .. يعني بتعرف وملهوفة على خطبتي .. يا الله ما أطيبها .. معقول ياربي اللي عم يصير .
ـ النسوان ستر وغطا على بعضهن يابنتي .
ويدخل الأب في هذه الأثناء ويلمح موقفهما .. فيصيح :
ــ مؤامرة .. والله لو انطبقت السما على الأرض ما بتتجوزي عمار.
ردت غادة على صياحه بصراخ أشد وأعنت .. فحياتها على المحك .. ومادام الجميع قد عرف بورطتها ووقف معها وساندها .. فأضعف الأيمان أن تنهض هي أيضا لانقاذ نفسها :
ــ انا اذا ماتجوزت عمار بدي أشرب سم وأخلص .. وياروح ما بعدك روح.
وهجم عليها أبوها بيديه ورجليه وأسنانه وقبليته وعشائريته و"سي السيد" الأرعن يغلي في رأسه.. وتوسطت الأم بينهما ترد الخطر وتدفع البلاء بجسدها وروحها وصرخت بدورها :
ــ وبعدين يا ابن الحلال .. والله اذا بصير شيء لبنتي أنا بلحقها .
وزمجر الأب :
ــ والله لأشرب من دمها .. صار لها لسان وصار تحكي .. وترد علي .
ولطفت الأم من لهجتها .. وراحت تهدئ زوجها قائلة:
ــ هذه حياتها .. خليها تختارها وتعيشها مثل مابدها .. مادام نصيبها الله يوفقها .. يعني بدك نعارض قضاء ربنا .
ــ والله ماحدا طمعها غيرك أنت .
ــ صلي على النبي .. واخزي الشيطان .
وكيف يخزي الشيطان وهو الشيطان بعينه .. فقد مسحت الرحمة من قلبه .. واختفت عناية الأبوة من جوارحه وبقيت أصنام الجاهلية تعربد أمام عينيه وشبح الأنثى يضغط على دماغه فيخيفه ويقلقه وهذا في رأيه كاف للرفض ومدعاة لفتل الشاربين .
قرر الحجر عليها ، ومنعها من الاقتراب من الباب والهاتف والنوافذ وهدد بربطها وتعليقها في السقف من رجليها لو تمردت أو تهاونت في تنفيذ تعليماته .
كان باعتقاده هذا يريد تسوية الأمر.. دون أن يدري أن الوضع خرج عن السيطرة فابنته باعت عذريتها لحبيبها الذي اشترى بثمن غال وهو الزواج منها وبناء اسرة.. فماباله كأب أحمق ينقض كل شيء .
في خضم ذلك كان عمار يحوم حول بيتها ويطلبها بالتلفون وينادي عليها من الشارع ليراها أو يسمعها خشية أن تؤذي نفسها.. لكن كل محاولاته كانت ترتطم بالصمت والاسمنت ولاتلقى أي صدى.
وتعاظمت الأزمة .. وتباعدت نقاط الالتقاء واحتدمت ثورة غادة في وجه جيش غطرسة أبيها ومتاريس استبداده ولم تنفع مساعي أمها الدبلوماسية في نزع الفتيل .
في المساء كانت غادة تحضّر طعام العشاء لوالديها وتبكي وتنتحب وتلعن حظها التعس ، عندما دخل أبوها المطبخ وطلب منها بقسوة أن "تسد بوزها".. لكن غادة وصلت الى فوهة البركان واستنفدت كل طاقاتها في كبح الحمم فصرخت فيه بحجم البارود المختزن في ثغرها :
ــ ماعندك قلب .. ماعندك رحمة واحساس .. مابيكفيك ظلم وتحكم ....
فهوى بقبضته على رأسها فترنحت وسقطت في أرض المطبخ ..
لم يتوقف أو يلجم نفسه عن ضربها بل راح يركلها في أطرافها وبطنها وهرعت الأم على أصواتهما لترى المشهد المؤذي فلذة كبدها على الأرض والدم يتدفق من انفها وفمها .. وقدم زوجها تنفذ "ركلة جزاء " في بطن غادة فصاحت فيه دون وعي وهي تبعده عنها :
ــ حرام عليك قتلت الجنين في بطنها .
ومع انفجار هذه القنبلة تطاير الأب الى شظايا .. وحملق في زوجته ليتأكد مما قالته .. والذبيحة تئن تحت قدميه وصاح فيها مصعوقا:
ــ شو قلت ؟ جنين ؟
وأكدت الأم التي لم تعد تأبه لا لعقاب ولا لطلاق وهي ترى ابنتها تدهس تحت جنازير الظلم والاستبداد ..فأي اعتبار يمكن أن تصونه وحياتها ملقاة على أرض المطبخ تنزف وتتأوه :
ـ أيوه ..جنين .. تفضل اشرب من دمها .. ارو عطشك حتى ترتاح .
دفع البلدوزر بزوجته بقوة لتتطاير خارج المطبخ وانهال على غادة التي لم تعد تدرك مايحل بها وقد غاب وعيها من جراء "ركلات الترجيح" بين الحياة والموت بينما كان الجلاد يرفس ويصرخ للفتح العظيم :
ــ يافاجرة .. ياساقطة .. يابنت الكلب ..
ولم يتوقف الا حين لاحظ صمت غادة وقد استسلمت كخرقة تحت ضرباته .. وازرق وجهها وجحظت عيناها وتصلبت نظراتها في نقطة واحدة لا يرف لها جفن ولاتند عنها آهة .
فعرف انها جثة هامدة .
وبدل أن يصحو من هيجانه هوى بجانبها مغميا عليه .. وسال الدم الساخن المتدفق من غادة نحو وجهه حتى التصق بفمه ..
لقد شرب أخيرا من دمها .
تعليق